النص المفهرس
صفحات 361-380
- الجُزُءُ الأولُ ٣٦١ فإنه دل على أن الشيخين يريان صحة الحديث، ولو أنكره الأصل، إذ الناقل عنه عدل، فيحمل على أن الشيخ نسي(١) . قلت: وهذا القول عندي هو الراجح. والله أعلم. وفيه قول ثالث، وهو أنه لا يقدح في صحة الحديث إلا أنه لا يجوز للفرع روايته عن الأصل، وجزم به الماوردي، والروياني. وقول رابع: أنهما يتعارضان ويرجح أحدهما بطريقه، وهو مختار إمام الحرمين، وصححه في التنقيح(٢) . هذا إذا نفاه الشيخ صريحًا، أو ما يقوم مقامه، وأما إذا نفاه بما يقتضي النسيان، فقد ذكر حكمه بقوله: (أو قال) الشيخ (لا أذكره) أي هذا المروي وقوله: (ونحو ذا) بالنصب عطفًا على لا أذكره أي قال الشيخ نحو لا أذكره من الألفاظ التي لا تقتضي الجزم بالنفي، كقوله: لا أعرفه، أو لا أدري، أو يغلب على ظني أين ما حدثته بهذا، أو لا أعرفه أنه من حديثي، والراوي جازم به، وقوله: (كأن نسي) الكاف للتعليل، وأن مصدرية أي فقال: ما تقدم لأجل نسيانه ذلك، أو للتنظير أي مثل ما إذا حدث فنسي (فـ) في كل ذلك (صححوا) أي جمهور المحدثين، والفقهاء، والمتكلمين، وأهل الأصول (أن) مصدرية (يؤخذا) بالبناء للمفعول، والألف للإِطلاق، أي أن يعمل بذلك الحديث. وحاصل المعنى: أنه إذا لم ينف الشيخ الحديث الذي حدث عنه الراوي، بل قال: لا أعرفه، أو لا أذكره أو نحو ذلك، فإنه يقبل، ولا يرد على الصحيح، لأن الراوي ثقة جزمًا فلا يطعن فيه بالاحتمال، إذ المروي عنه غير جازم بالنفي، بل جزم الراوي عنه وشكه قرينة لنسيانه . وحكى عن بعضهم الرد في هذا، ونسب إلى متأخري الحنفية، وذلك لأن الفرع تبع للأصل في إثبات الحديث بحيث إذا أثبت الأصل الحديث ثبت رواية الفرع، فكذلك ينبغي أن يكون فرعًا عليه وتبعًا له في النفي ورد بأن عدالة الفرع تقتضي صدقه وعدم علم الأصل لا ينافيه فالمثبت مقدم على النافي خصوصًا الشاك. وقيل: إن كان الشيخ رأيه يميل إلى غلبة النسيان، أو كان ذلك عادته في محفوظاته قبل الذاكر الحافظ، وإن كان رأيه يميل إلى جهله أصلاً بذلك الخبر رد، فقلما ينسى الإِنسان (١) انظر فتح ج ٢ ص ٧٨، ٧٩ . (٢) ج ٢ ص ٢٤٣، ٢٤٤. ٣٦٢ شَرِجُ الْغَةُ الشَّيُوَظِيّ .. ٣١٧- وآخذٌ أَجْرَ الْحَدِيثِ يَقْدَحُ جَمَاعَةٌ، وَآخَرُونَ سَمَحُوا ٣١٨- وَآخَرُونَ جَوَّزُوا لِمَنْ شُغِلْ عَنْ كَسْبِهِ، فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبلْ (*) شيئًا حفظه نسيانًا لا يتذكره بالتذكير ، والأمور تبنى على الظاهر لا على النادر، قاله ابن الأثير، وأبو زيد الدبوسي. ومن أمثله المسألة ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله وَير: ((قضى باليمين مع الشاهد)) زاد أبو داود في رواية أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة، وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله، ونسي بعض حديثه، فكان سهیل بعد یحدث به عن ربيعة عنه عن أبيه . ورواه أيضًا أبو داود من رواية سليمان بن بلال، عن ربيعة قال سليمان: فلقيت سهيلاً، فسألته عن هذا الحديث، فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة، عني. وقد صنف الدار قطني ثم الخطيب: من حدث ونسي، وللناظم رحمه الله: ((تذكرة المؤتسي بمن حدث ونسي))، لخص فيه كتاب الخطيب ذكر فيه نحو أربعين حديثًا . ثم ذكر مسألة أخذ الأجرة على التحدیث، قال : جَمَاعَةٌ، وَآخَرُونَ سَمَحُوا وآخذٌ أَجْرَ الْحَدِيثِ يَقْدَحُ عَنْ كَسْبِه ، فَاخْتِيرَ هَذَا وَقُبلْ وَآخَرُونَ جَوَّزُوا لِمَنْ شُغلُ (وآخذ) اسم فاعل مبتدأ، أي راوٍ آخذٌ (أجر الحديث) مفعوله، أي أجر رواية الحديث (يقدح) أي يعيب، يقال: قدح فلان في فلان قدحًا، من باب نفع: عابه، وتنقصه، ومنه قدح في نسبه، وعدالته: إذا عيبه، وذكر ما يؤثر في انقطاع النسب، ورد الشهادة. قاله الفيومي (جماعة) فاعل يقدح والجملة خبر المبتدأ بتقدير رابط، أي في روايته . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اختلفوا في أخذ الأجرة على التحديث: فمنعها الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه وأبو حاتم، ولم يقبلوا رواية من أخذها وأباح ذلك أبو نعيم الفضل بن دكين وعلي بن عبد العزيز البغوي وغيرهما . وأفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي بجوازها لمن امتنع عليه الكسب لعياله بسبب اشتغاله بالتحديث والرواية، وهذا القول رجحه المؤلف. ٣٦٣ الجُزُءُ الأُولْ وحاصل المعنى: أن من أخذ أجرًا على التحديث قدح جماعة من العلماء في روايته، منهم: الإِمام أحمد، وإسحاق بن راهويه، وأبو حاتم الرازي، فإنهم سئلوا عن المحدث بالأجر فأجابوا بأن لا يكتب الحديث عنه، وغير هؤلاء ذكرهم الخطيب بأسانيده. وإنما منعوا من ذلك تنزيهًا للراوي عن سوء الظن به، فإن بعض من كان يأخذ الأجرة على الرواية عثر على تزيده، وإدعائه ما لم يسمع، لأجل ما كان يعطى، ومن هذا بالغ شعبة فيما حكى عنه، وقال: لا تكتبوا عن الفقراء شيئًا، فإنهم يكذبون (وآخرون) من المحدثين، مبتدأ خبره جملة (سمحوا) أي سهلوا في أخذ الأجرة على التحديث ترخصًا للفقر والحاجة، لأن المحدث قد يكون فقيرًا، وله عيال تجب عليه مؤنتهم، وانقطاعه للتحديث يؤدي إلى ترك التكسب لهم. قال ابن الصلاح: وذلك شبيه بأخذ الأجرة على تعليم القرآن، ونحوه، غير أن في هذا من حيث العرف خرمًا للمروءة، والظن يساء بفاعله إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي ذلك عنه. اهـ(١). وهؤلاء المجوزون جماعة ذكرهم الخطيب بسنده، منهم: مجاهد، وعكرمة، وطاوس، وأبو نعيم الفضل بن دكين، ويعقوب بن إبراهيم، وغيرهم. (وآخرون) من العلماء، أي وهم المحققون (جوزوا) أخذ الأجرة على التحديث (لمن شغل) بالبناء للمفعول: أي منع، يقال: شغله، كمنعه شغلاً، بالفتح، ويضم، وأشغله لغة جيدة، أو قليلة، أو رديئة. اهـ، ((ق)) لكن قال في التاج: إنها رديئة . والشغل ضد الفراغ، وقال الراغب: هو العارض الذي يذهل الإنسان. اهـ. (عن كسبه) متعلق بـ (شغل)) أي لمن كان مشغولاً بسبب التحديث عن الكسب لنفسه وعياله. وحاصل المعني: أنه إذا كان للمحدث کسب فتركه بسبب التحدیث، فإنه يجوز له أخذ الأجرة بدلاً عما تركه رفقًا به، وهذا القول هو الراجح كما أشار إليه بقوله: فاختير هذا القول المفصل و(قبل) بالبناء للمفعول لتوسطه بين القولين السابقين. وقد أفتى بذلك الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أبا الحسين بن النقور(٢)، لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله، وسبقه ابن عبد الحكم إلى الإفتاء بالجواز، حيث سئل عن عالم يأخذ على قراءة العلم أجرًاً. والدليل لمطلق الجواز كما تقدم القياس على القرآن، فقد جوز أخذ الأجرة على تعليمه الجمهور لقوله مَّ في الحديث الصحيح: ((أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله )) رواه البخاري. (١) التقييد والإيضاح ص ١٥٤. (٢) هو أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله البغدادي البزار ٣٨١ - ٤٧٠ هـ. ٣٦٤ شَرْج ◌ُِّ الشَّيُوظِي ... ٣١٩- مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأَدَا (*) كَنَوْمٍ أوْ كَتّرْكِ أَصْلِهِ ارْدُهَا ٣٢٠- وَقَابِلَ التَّلْقِينِ وَالَّذِي كَثُرْ شُذُوذُهُ أَوْ سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَرْ ٣٢١- منْ حفْظهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كُبُرْ وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّ ٣٢٢- يُرَدُّ كُلُّ مَا رَوَى وَقَيِّدَاً ( ** ) (بأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ وَعَانَدَاً والأحاديث الواردة في الوعيد على ذلك لا تنتهض للمعارضة، إذ ليس فيها ما تقوم به الحجة، خصوصًا، وليس فيها التصريح بالمنع على الإطلاق، بل هي وقائع أحوال محتملة للتأويل لتوافق الصحيح. وقد حملها بعضهم على الأخذ فيما تعين عليه تعليمه لا سيما عند عدم الحاجة. قاله السخاوي(١). ثم ذكر حكم من يتساهل في السماع، أو الإسماع، وكذا من يقبل التلقين، ومن يكثر شذوذه، أو سهوه إذا حدث من حفظه، فقال: كَنَوْمٍ أوْ (٢) كَتَرْك أَصْله ارْدُدَاً مَنْ يَتَسَاهَلْ فِي السَّمَاعِ وَالأَدَا شُذُوذُهُ أَوْ سَهْوُهُ حَيْثُ أَثَرْ وَقَابِلَ التَّلْقِينِ وَالَّذِي كَثُرْ وَمَنْ يُعَرَّفْ وَهْمَهُ ثُمَّ أَصَرّ مِنْ حِفْظِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ كُبُرْ (بِأَنْ يُبِينَ عَالِمٌ) وَعَانَدَاً يُرَدُّكُلُّ مَا رَوَى وَقَيِّدَاً (١) فتح ج ٢ ص ٩٦، ٩٧ . (٢) بدرج الهمزة للوزن . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: في سماع أو أدا . ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: العبرة في قبول الرواية بالاطمئنان إلى أن الراوي أدى ما سمع كما سمع، فإذا كان في الراوي ما يرفع هذه الثقة به لم تقبل روايته، كما إذا عرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه، بأن ينام حين السماع أو يحدث من نسخة غير مصححة على أصله أو أصل شيخه أو نحو ذلك وكما إذا قبل التلقين: بأن يروي الحديث فيلقنه أحد الحاضرين في الإسناد أو في المتن فيقبل ذلك من غير رجوع إلى كتابه للتوثق منه، وكما إذا كثر السهو أو الغلط أو الشذوذ في رواياته إذا حدث من حفظه. وغير ذلك من الحالات التي يعلم منها أن الراوي لم يضبط روايته ولم يؤدها على وجهها. ونحو ذلك من غلط في حديث فبين له غلطه فأصر على روايته ولم يرجع عن غلطه، فإن أحمد بن حنبل وعبد الله بن المبارك ذهبا إلى إسقاط = - الجُزْءُ الأولُ ٣٦٥ (من) شرطية مبتدأ (يتساهل) أي يتسامح (في السماع) أي في حال سماعه للحديث من شيخه (والأدا) الواو بمعنى ((أو )) وفي نسخة في سماع، أو أدا)) أي أدائه إلى من يروي عنه، ثم مثل التساهل بقوله (كنوم) أي كتساهله بسبب نوم في مجلس سماعه، أو إسماعه لعدم مبالاته بذلك، والمراد بالنوم الكثير، فلا يضر النعاس الخفيف الذي لا يختل معه فهم الكلام، لا سيما من الفطن قاله السخاوي (أو كـ) تساهله بـ (ترك أصله) أي كتابه الذي فيه سماعه المقابل بأصل صحيح، أو أصل شيخه. وقوله: (ارددا) فعل أمر، والألف بدل من نون التوكيد الخفيفة، والجملة جواب الشرط بتقدير رابط، أي فارددن أيها المحدث روايته . وحاصل المعنى: أن من كان معروفًا بالتساهل في حال سماعه الحديث، أو أدائه، فإنه لا تقبل روایته. (و) اردد، أيضًا (قابل التلقين) أي الشخص الذي يقبل التلقين، وهو أن يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه فلا يقبل، لدلالته عل مجازفته، وعدم تثبته، وسقوط الوثوق بالمتصف به . (و) ارددن أيضًا رواية الشخص (الذي كثر) أي غلب (شذوذه) أي تفرده برواية شاذ أو منكر . يعني: أن الذي تكثر في روايته المناكير والشواذ ترد روايته، لأنه يخرم الثقة بالراوي وضبطه، قال شعبة: لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ. (أو) كثر (سهوه حيث أثر) من باب قتل وضرب (١)، أي حدث (من حفظه) لا من کتابہ بأن لم يحدث من أصل صحيح. يعني: أن الذي یکثر سهوه إذا حدث من حفظه ترد روايته، لما تقدم، وقید بما إذا حدث من حفظه، لأنه إن حدث من أصل صحيح لا يرد، إذ لا عبرة بكثرة سهوه حينئذ؛ لأن = رواياته كلها، قال ابن الصلاح: ((وهذا صحيح إن ظهر أنه أصر عنادًا أو نحوه)). قال العراقي: ((وقيد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المبين عالما عند المبين له، وإلا فلا حرج إذن)) وهذا القيد صحيح، لأن الراوي لا يلزم بالرجوع عن خطئه إن لم يثق بأن من زعم أنه أخطأ أعرف منه بهذه الرواية التي یخطئه فيها . (١) في القاموس: الأثر بفتح فسكون: نقل الحديث وروايته، كالإثارة، والأثرة بالضم، يأثره بالكسر، ويأثره بالضم . اهـ بإيضاح . ٣٦٦ شَرْعُ الفِيَةُ السَّيُظِىّ . الاعتماد على الأصل لا على حفظه. ثم ذكر حكم من غلط، فبين له ذلك، فأصر بقوله: (قال جماعة) من العلماء (كبر) بضم ففتح، جمع كبرى صفة لـ ((جماعة))، كالإمام أحمد، وابن المبارك، والحميدي في آخرين، ومقول القول قوله (ومن) شرطية (يعرف) بالبناء للمفعول من التعريف (وهمه) بسكون الهاء، وفتحها لكن الأول هنا متعين للوزن، أي غلطه، وهو المفعول الثاني لـ((يعرف)) والأول ضمير من (١) (ثم) بعد أن يبين له (أصر) أي ثبت على غلطه، يقال: أصر على فعله بالألف: داومه: ولازمه، وأصر عليه، عزم. قاله الفيومي (يرد) بالبناء للمفعول جواب الشرط، ورفعه مع كون فعل الشرط مضارعًا قليل كما قال ابن مالك: ورفعه بعد مضارع وهن وبعد ماض رفعك الجزاحسن وليس خاصًّا بالضرورة، لقراءة طلحة بن سليمان: ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكِكُمُ الْمَوْتُ﴾ [النساء: ٧٨] ثم هو على حذف الفاء، وقيل غير ذلك، وقوله: (كل ما روى) بالرفع نائب فاعل یرد. وحاصل المعنى: أن من بين له غلطه في حديث ولو مرة واحدة، فأصر على روايته، ولم يرجع سقطت رواياته کلها، ولم یکتب عنه، لكن هذا إذا کان إصراره عنادًا أو نحوه، كما أشار إليه بقوله : (وقيدا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، أي قيد ما قاله هؤلاء الأئمة بعض المتأخرين، كما قال العراقي. (بأن يبين) من الإبانة، وهو الإظهار، أي يظهر له وهمه (عالم) بالفن عند ذلك الواهم، فلم يقبل بل صمم (وعاندا) بألف الإطلاق، أي خالف، يقال: عاند، من باب قاتل: إذا ركب الخلاف، والعصيان، وعانده معاندة: عارضه، وفعل مثل فعله، قال الأزهري: المعاند: المعارض بالخلاف لا بالوفاق، وقد يكون مبارة من غير خلاف. أفاده الفيومي. قلت: والمناسب هنا المعنى الأول. وحاصل المعنى: أنه إنما يرد بالمعاندة إذا بين له عالم بالفن عنده، فلم يرجع، وأما إذا لم يثبت عنده أهلية الراد فلا، لأن المعاند كالمستخف بالحديث بترويج قوله بالباطل. ثم إن هذه التشديدات المتقدمة كانت في الأزمان المتقدمة، وأما المتأخرون فَجُلَّ (١) أي المفعول الأول، وهو النائب عن الفاعل ضمير مستتر في يعرف. ٣٦٧ الجُزُءُ الأولُ ٣٢٣- وَأَعَرَضُوا فِي هَذْهِ الأَزمَان عَنْ اعْتَبار هَذَه الْمَعَانِي ٣٢٤- لعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَاد صَارَ بَقَا سَلْسَلَةِ الإِسْنَادِ ٣٢٥ - فَلْيُعْتَبَرْ تَكْليفُهُ وَالسَّتَرُ وَمَا رَوَى أَثْبَتَ ثَبْتٌ بَرُّ ٣٢٦ - وَلَيَرْوِ مِنْ مُوَافِقِ لِأَصْلِ (※) شُبُوخه فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ مقصودهم إبقاء السلسلة التي اختصت بها الأمة المحمدية، فلا يحتاجون إلى كل هذا، بل إلى بعضه، وهو: ما يحقق بقاء سلسلة الإِسناد، وإليه أشار بقوله: عَنْ اعْتَبَارِ هَذه الْمَعَانِي وَأَعَرَضُوا فِي هَذْهِ الأَزْمَان صَارَ بَقَا سَلَلَة الإسْنَاد لِعُسْرِهَا مَعْ كَوْنِ ذَا الْمُرَاد 1x3 وَمَا رَوَى أَثْبَسْتَ ثَبْتٌ بَـ فَلْيُعْتَبَرْ تَكْلِيفُهُ وَالسَّتَرَ شُيُوخه فَذَاكَ ضَبْطُ الأَهْلِ وَلَيَرْو مِنْ مُوَافِق لأَصْلِ (وأعرضوا) أي تركوا، يقال: أعرضت عن شيء: إذا أضربت، ووليت عنه، (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الشروط السابقة في عدالة الراوي إنما تراعى بالدقة في المتقدمين. وأما المتأخرون - بعد سنة ثلاثمائة تقريبًا - فيكفي أن يكون الراوي مسلما بالغًا عاقلاً غير متظاهر بفسق أو بما يخل بمروءته وأن يكون سماعه ثابتًا بخط ثقة غير متهم وبرواية من أصل صحيح موافق لأصل شيخه. لأن المقصود بقاء سلسلة الإسناد، وإلا فإن الروايات استقرت في الكتب المعروفة، وصارت الرواية في الحقيقة رواية للكتب فقط. قال الحافظ البيهقي: ((توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زماننا الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لا يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أنه يصير الحديث مسلسلاً بحدثنا وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفًا لنبينا ،ِّيَّامِ)). وقال الذهبي في الميزان: ((ليس العمدة في زماننا على الرواة، بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين. ثم من المعلوم أنه لابد من صون الراوي وستره)). فالعبرة في رواية المتأخرين على الكتب والأصول الصحيحة التي اشتهرت بنسبتها إلى مؤلفيها، بل تواتر بعضها إليهم. وهذا شيء واضح لا يحتاج إلى بيان. ٣٦٨ شَرَجَ الْفِيَّةُ السَّيُوظِىّ - والهمزة فيه للصيرورة، أي أخذت عرضًا، أي جانبًا غير الجانب الذي هو فيه. افاده الفيومي . يعني: أن العلماء المحدثين وغيرهم تركوا (في هذه الأزمان) المتأخرة، وهي ما بعد ثلاثمائة كما قاله الذهبي في الميزان (عن اعتبار هذه المعاني) أي اجتماع هذه الأوصاف المتقدمة في الراوي، والجاران يتعلقان بـ ((أعرضوا)). يعني: أنهم لم يتقيدوا بوجودها في الراوي بل تسامحوا فيها، وإنما أعرضوا عنها (لعسرها) أي مشقة وجودها في الراوي وافية (مع) بسكون العين لغة في فتحها (كون ذا المراد) أي المقصود الآن من طلب الحديث (صار بقا) بالقصر للوزن (سلسلة الإسناد) أي اتصال بعضه ببعض . قال في القاموس وشرحه: السلسلة: يعني: بفتح السين، وسكون اللام الأولى، وفتح الثانية: اتصال الشيء بالشيء، وشيء مسلسل: متصل بعضه ببعض، قال: وبالكسر دائر من حديد ونحوه. اهـ باختصار. قلت: ويجوز الوجهان هنا (١). يعني: أن المقصود الآن صار بقاء سلسلة السند بـ ((حدثنا)) أو ((أخبرنا)) لتبقى هذه الكرامة التي اختصت بها هذه الأمة شرفًا لنبيها بَّر، فلا يحتاج إلى مراعاة جميع ما تقدم لتعذر وفائه في راو، بل يكفي وجود بعضه، کما أشار إليه بقوله: (فليعتبر) أي فإذا كان المقصود ذلك فليعتبر من الشروط ما يليق بالمراد المذكور، وليكتف ببعضها، وهو (تكليفه) أي كون الراوي مكلفًا، أي بالغًا عاقلا (والستر) أي كونه مستور الحال، وهو أن لا يكون متظاهرًا بالفسق، أو السخف الذي يخل بالمروءة، لتتحقق عدالته، هذا من حيث العدالة، وأما من حيث الضبط، فأشار إليه بقوله (وما) مبتدأ، أي الحديث الذي (روى) أي نقله وحفظه (أثبت) ـه (ثبت) بسكون الباء، أي ثقة متثبت في روايته (بر) صفة لـ ((ثبت))، وهو بفتح الباء من بر الرجل يبر، وزان علم يعلم، فهو بر بالفتح، وبار، أي صادق، أو تقي، والجملة خبر المبتدإ، وجملة المبتدأ والخبر حال من الضمير المجرور(٢)، يعني: أن ما رواه يكون ثابتًا بخط ثقة غير متهم سواء الشيخ، أو القارئ أو بعض السامعين، وسواء كتب على الأصل، أم في ثبت بيده إذا كان الكاتب ثقة (١) فيكون المعنى على الفتح: بقاء اتصال الإسناد بعضه ببعض، وعلى الكسر يكون المعنى على التشبيه، أي بقاء الإسناد الشبيه بالسلسلة . (٢) أي في قوله: تكليفه . ٣٦٩ الجُزْءُ الأولُ من أهل الخبرة بهذا الشأن، بحيث لا يكون الاعتماد في رواية هذا الراوي عليه، بل على الثقة المفيد لذلك، أفاده القاضي زكريا (١) وليرو حين يحدث (من) أصل صحيح (موافق الأصل شيوخه فذاك) أي ما ذكرناه مبتدأ، وخبره قوله: (ضبط الأهل) أي الضبط المعتبر لأهل الحديث في الأعصار المتأخرة بخلاف الضبط في المتقدمين. وحاصل معنى الأبيات الأربعة: أن المحدثين أعرضوا في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار مجموع هذه الشروط التي مضت في الراوي وضبطه، فلم يتقيدوا بها في عملهم، لعسرها وتعذر الوفاء بها، بل استقر عندهم العمل على اعتبار بعضها، فيكفي في أهلية الراوي كونه مسلمًا بالغًا عاقلاً غير متظاهر بالفسق وما يخرم المروءة ظاهراً، بمعنى: أنه مستور الحال ثبت سماعه بخط ثقة غير متهم، وروى من أصل موافق لأصل شيخه . قال السخاوي رحمه الله: والحاصل أنه لما كان الغرض أولاً معرفة التعديل والتجريح، وتفاوت المقامات في الحفظ والإتقان ليتوصل بذلك إلى التصحيح، والتحسين، والتضعيف، حصل التشديد بمجموع تلك الصفات، ولما كان الغرض آخراً الاختصار في التحصيل على مجرد وجود السلسلة السندية، اكتفوا بما ترى، لكن ذلك بالنظر إلى الغالب في الموضعين، وإلا فقد يوجد في كل منهما من نمط الآخر، وإن كان التساهل إلى هذا الحد في المتقدمين قليلاً. اهـ(٢). (تتمة): الزيادات على العراقي في هذا الباب قوله: ((ما لم يوثق)) إلى قوله: ((قد زكن)) في البيت بعده، وقوله: ((فإن فصله)) إلى قوله: ((من زكاه)) في البيت التالي: وقوله: ((ولو خص بذا))، وقوله: ((من لا أتهم))، وقوله: ((في الأصح)) من قوله: ((وما اقتضى)» إلخ، وقوله: «کعکسه» إلى قوله: «في إفاقه معا»، وقوله: «ثالثها إن کان من عنه انفرد)» إلى قوله: ((والثالث من البيت الرابع))، وقوله: ((ومن عرفنا عينه إلى لا تقبل)) في البيت الثالث وقوله: ((ثالثها إن كذبًا قد حللا))، وقوله: ((الرافضي))، وقوله: ((لا إن رووا وفاقًا)) البيت، وقوله: ((والنووي)) إلى قوله: ((موضح))، وقوله: ((فالأصح))، وقوله: ((بأن یبین عالم)). ولما كان قبول الحديث ورده منوطًا على العدالة والجرح، ناسب أن يذكر مراتب التعدیل، والتجریح بعد باب من تقبل روایته ومن ترد، فلذا قال: (١) فتح الباقي شرح ألفية العراقي ج ١ ص ٣٤٧ . (٢) فتح ج ٢ ص ١٠٧، ١٠٨ . ٣٧٠ شَرِيعُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِيّ _- (*) مراتب التعديل والتجريح ٣٢٧ - وَأَرْفَعُ الأَلْفَاظِ فِي النَّعْدِيلِ (مَا جَاءَ فيه أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ ٣٢٨ - كَـ ((أَوْثَقِ النَّاسِ)) وَمَا أَشْبَهَهَا أَوْ نَحْوُهُ نَحْوُ ((إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى)») مراتب التعديل، والتجريح أي هذا مبحثهما، وجمعهما في باب لتقابلهما، وقدم التعديل لشرفه، وليوازي الباب الذي قبله لأنهما من تتماته، ولذا جعله غيره من تتمة النوع الماضي لا نوعاً مستقلاً، والتعديل: مصدر عدلت الشاهد: إذا نسبته إلى العدالة، ووصفته بها، والتجريح: مثله، إلا أن ثلاثيه يتعدى، يقال: فلان جرح فلانًا: إذا نسبه إلى العيب. واعلم أن ألفاظ كل من التعديل والتجريح على مراتب جعلها ابن أبي حاتم، وتبعه ابن الصلاح، والنووي أربعًا، وجعلها الذهبي، والعراقي خمسًا، وجعلها الحافظ ستًّا، وتبعه الناظم هنا، فساقها بالتدلي من الأعلى إلى الأدنى بقوله: وَأَرْفَعُ الأَلْفَاظِ فِي التَّعْدِيِلِ (مَا جَاءَ فيه أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ أَوْ نَحْوُهُ نَحْوُ (إلَيْهِ الْمُنْتَهَى))) كَـ ((أوْتَقِ النَّاسِ)) وَمَا أَشْبَهَهَا (وأرفع الألفاظ) أي أعلى الصيغ، مبتدأ (في التعديل) أي نسبة الراوي على العدالة، وإنما قدم الكلام عليه لكون المقصود بالذات هو إثبات الحديث حتى يعمل به (ما) موصولة خبر المبتدإ (جاء فيه أفعل التفضيل) لدلالته على المبالغة في التعديل، ثم مثل له بقوله: (كأوثق الناس) أي كقولهم: فلان أوثق الناس، أي أفضلهم في الاعتماد عليه وما أشبهها أي ما أشبه أوثق الناس؛ أنثه باعتبار الكلمة أو الصيغة، كأثبت الناس، أي حفظًا وعدالة، وأصدقهم، لما تدل عليه الصيغة من الزيادة (أو نحوه) بالرفع عطفًا على أفعل أي نحو أفعل التفضيل مما يفيد الزيادة والمبالغة في الوصف وذلك (نحو) قولهم: فلان (إليه المنتهى) في التثبت، أي التيقظ والاحتياط في الديانة والرواية. قال الناظم رحمه الله: ومنه: لا أحد أثبت منه، ومن مثل فلان؟ وفلان لا يسأل عنه، ولم أر من ذكرها، وهي في ألفاظهم. (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذه ألفاظ تدور بين علماء الحديث في تعديل الرواة أو جرحهم وقد رتب المؤلف درجاتها كما ترى، ولا تحتاج إلى شرح. ٣٧١ الجُزْءُ الأولْ - ٣٢٩- ثُمَّ الَّذِي كُرِّرَ ممَّا يُفْرَدُ بَعْدُ بِلَفْظ أَوْ بِمَعْنَّى يُورَدُ وقال السخاوي رحمه الله: إن من نظر في كتب الرجال، ككتاب ابن أبي حاتم؛ والكامل لابن عدي، والتهذيب، وغيرها، ظفر بألفاظ كثيرة، ولو اعتنى بارع بتتبعها، ووضع كل لفظة بالمرتبة المشابهة لها، مع شرح معانيها لغة، واصطلاحًا، لكان حسنًا، والواقف على عبارات القوم يفهم مقاصدهم لما عرف من عباراتهم في غالب الأحوال وبقرائن ترشد إليه. اهـ (١). وهذه هي المرتبة التي زادها الحافظ على غيره بالتتبع، ثم ذكر المرتبة الثانية، وهي: الأولى عند الذهبي في ميزانه، وتبعه العراقي، فقال: ثُمَّ الَّذِي كُرِّرَ مِمَّا يُفْرَدُ بَعْدُ بِلَفْظِ أَوْ بِمَعْنَّى يُورَدُ (ثم) اللفظ الذي كرر بالبناء للمفعول، مرتين فأكثر (مما يفرد بعد) بالبناء للمفعول أيضًا، أي من اللفظ الذي يذكر مفردًا فقوله: ( الذي كرر) مبتدأ خبره محذوف، تقديره: يلي ما تقدم، وقوله: (بعد) بالبناء على الضم متعلق بـ (يفرد) أي يذكر مفرداً بعد هذه المرتبة، وهي الثالثة، يعني أنما يأتي في المرتبة التالية مفردًا إذا كرر يكون للمرتبة الثانية . وقوله: (بلفظ) متعلق بـ (كرر) أي سواء كان کرر بلفظه، كثبت ثبت، وثقة ثقة، وحجة حجة (أو) كرر (بمعنى) كثقة ثبت، وحافظ حجة، وضابط متقن. وقوله : (يورد) بالبناء للمفعول صفة لـ((معنى)) حذف نظيره لـ ((لفظ)) أي يؤتى به بعد الأول للتأكید. وحاصل معنى البيت: أنه يلي المرتبة الأولى: ما كرر من الألفاظ التي تذكر في المرتبة التي بعد هذه مفردة سواء كررت بلفظها أو بمعناها، لأن التأكيد الحاصل بالتكرار فيه زيادة على الكلام الخالي منه، وعلى هذا فما زاد على مرتين مثلاً يكون أعلى منها، كقول ابن سعد في شعبة: ثقة مأمون ثبت حجة صاحب حديث. قال السخاوي: وأكثر ما وقفنا علیه من ذلك قول ابن عيينة: حدثنا عمرو بن دينار، وكان ثقة ثقة تسع مرات، وكأنه سكت لانقطاع نفسه. اهـ(٢) . ثم ذكر المرتبة الثالثة: وهي الأولى عند ابن أبي حاتم، وتبعه ابن الصلاح، والثانية عند العراقي، فقال: (١) فتح ج ٢ ص ١٠٩، ١١٠. (٢) فتح ج ٢ ص ١١١ . ٣٧٢ شَرْجِ الْفِرَةُ السَّيُوَظِيّ - ٣٣٠- يَليه (ثَبْتٌ) ((مُتْقنٌ) أو (ثقَةٌ)) أَوْ ((حَافظٌ)) أَوْ ((ضَابِطٌ) أَوْ ((حُجَّةٌ) أَوْ ((حَافظٌ) أَوْ ((ضَابِطٌ) أَوْ ((حُجَّةٌ)) يَليه ((ثَبْتٌ) ((مُتْقِنٌ) أو (ثقَةٌ) (يليه) أي يلي ما ذكر من المرتبة الثانية، وهو المكرر ما أفرد كقولهم: فلان (ثبت) بسكون الباء الموحدة: الثابت القلب، واللسان، والكتاب، والحجة، وأما بالفتح فما يثبت فيه المحدث مسموعة مع أسماء المشاركين له فيه، لأنه كالحجة عند الشخص لسماعه وسماع غيره. قاله السخاوي رحمه الله تعالى(١) . وفي المصباح: رجل ثبت ساكن الباء متثبت في أموره، وثبت الجنان، أي ثابت القلب، ورجل ثبت بفتحتين: إذا كان عدلاً ضابطًا، والجمع أثبات، مثل سبب وأسباب، ويقال للحجة: ثبت أيضًا يعني بفتحتين. اهـ بتغيير. فأفاد أن يقال هنا بفتحتين أيضًا إلا أن السكون هنا متعين للوزن. وفلان (متقن) اسم فاعل من الإتقان، وهو الإحكام. وفي التوضيح: هو الضابط الجيد الضبط. اهـ (٢). (أو) فلان (ثقة) من الوثوق، وهو الاعتماد، أي معتمد عليه، يقال: وثقت به أثق بکسرهما ثقة، ووثوقًا: ائتمنته. ويقال: هو، وهي، وهم، وهن: ثقة، لأنه مصدر، وقد يجمع في الذكور والإناث، فيقال ثقات، أفاده الفيومي (أو) فلان (حافظ) من الحفظ، وهو المنع من الضياع، يقال: حفظت المال، وغيره، حفظًا بالكسر: إذا منعته من الضياع والتلف، وحفظته: صنته عن الابتذال، ورجل حافظ لدينه، وأمانته ويمينه، وحفيظ أيضًا، والجمع حفظة، وحفاظ، مثل كافر في جمعيه، أفاده الفيومي. (أو) فلان (ضابط) من الضبط، وهو الحفظ البليغ، يقال: ضبطه، ضبطًا، من باب ضرب: حفظه حفظًا بليغًا، ومنه قيل: ضبطت البلاد وغيرها: إذا قمت بأمرها قيامًا ليس فيه نقص. قاله الفيومي. (أو) فلان (حجة) فهذه كلها في مرتبة واحدة، وهي الثالثة، قال ابن أبي حاتم: إذا قيل للرجل: إنه ثقة، أو متقن، فهو ممن يحتج بحديثه. اهـ. (١) المصدر السابق . (٢) ج ٢ ص ٢٦٢ . ٣٧٣ الجُزُءُ الأولْ - ٣٣١ - ثُمَّ ((صَدُوقٌ) أَوْ فَـ ((مَأْمُونَ)) وَلَا بَأْسَ بِهِ ((كذَا)) ((خِيَارٌ) وَتَلا قلت: وظاهر النظم أن حافظًا وضابطًا من ألفاظ التعديل مطلقًا، وقيده ابن الصلاح رحمه الله بأن يكون الإطلاق على عدل، قال السخاوي: إذ مجرد الوصف، بكل منهما غير كافٍ في التوثيق، بل بين العدالة وبينهما عموم وخصوص من وجه، لأنه توجد العدالة بدونهما ويوجدان بدونها، وتوجد الثلاثة. اهـ(١). ثم ذكر المرتبة الرابعة، وهي الثالثة عند العراقي، والثانية عند ابن أبي حاتم، وتبعه ابن الصلاح، فقال: ثُمَّ (صَدُوقٌ) أَوْفَ ((مَأْمُونٌ، وَلا بَأْسَ بِهِ (كذَا)) ((خيَارٌ) ...... (ثم) يلي ما تقدم قولهم: فلان (صدوق) بفتح الصاد وصف له بالصدق على سبيل المبالغة، وليس محله الصدق من هذه المرتبة وإن أدرجه ابن أبي حاتم، ثم ابن الصلاح هنا، بل في المرتبة التالية كما يأتي تبعًا للذهبي (أو) فلان (فمأمون) الفاء زائدة (و) فلان (لا بأس به) أو ليس به بأس قال الصنعاني : فإن قيل: إنه ينبغي أن یکون لا بأس به أبلغ من ليس به بأس لعراقة لا في النفي أجيب بأن في العبارة الأخرى قوة من حيث وقوع النكرة في سياق النفي، فساوت الأولى في الجملة. اهـ (٢). و (كذا) قولهم: فلان (خيار) من الخير ضد الشر، بكسر ففتح: اسم من الاختيار، ونضار المال، أفاده في ((ق)). وأفاد الفيومي: أنه جمع خير، کاخيور، مثل بحر وبحور وبحار، فعلى الأول وصف به مبالغة، کزید عدل، وعلی الثاني يحتاج إلى تقدير من ، أي من خيار الناس. فهذه الألفاظ كلها في مرتبة واحدة. وجعل ابن أبي حاتم، وتبعه ابن الصلاح في هذه المرتبة صدوق، ومحله الصدق، ولا بأس به، قال ابن أبي حاتم: من قيل فيه ذلك، هو ممن يكتب حديثه وينظر فيه، قال ابن الصلاح: وهو كما قال: لأن هذه العبارة لا تشعر بالضبط، فيعتبر حديثه بموافقه الضابطين. اهـ (٣). (١) فتح ج ٢ ص ١١١ . (٢) توضيح ج ٢ ص ٢٦٥ . (٣) انظر تدريب ج ١ ص ٣٠٦ . ٣٧٤ شَرْع الْفِيَةُ السَّيُوضِيّ - ٣٣٢ - ((مَحَلُّهُ الصِّدْقُ)) ((رَوَوْا عَنْهُ)) وَسَطْ (※) (شَبْخٌ) مُكَرَّرَيْنِ أَوْ فَرْدًا فَقَطْ ٣٣٣ - وَجَيِّدُ الْحَديث)) أَوْ ((يُقَارِبُهْ)) (حَسَنُهُ) ((صَالحُهُ))(مُقَارِبُه) (٤ ** ) ثم ذكر المرتبة الخامسة، وهي الرابعة عند الذهبي، والعراقي، والثالثة عند ابن أبي حاتم، وابن الصلاح، فقال: : وَتَلا ..... (شَيْخٌ) مُكَرَّرَيْن أَوْ فَرْدًا فَقَطْ ((مَحَلُّهُ الصِّدْقُ) (رَوَوْا عَنْهُ) وَسَطْ ((حَسَنُهُ) (صَالَحُهُ) ((مُقَارِبُه) وَاجَيِّدُ الْحَديثِ)) أَوْ (يُقَارِبُهُ)) ٠ (وتلا) أي تبع ما تقدم في المرتبة من قيل فيه (محله الصدق) أي مرتبته مطلق الصدق، وإنما أخر عن صدوق؛ لأنه مبالغة في الصدق كما تقدم بخلاف هذا، فإنه دل على أن صاحبه محله، ومرتبته مطلق الصدق . أو قیل فیه: فلان (رووا عنه) أو روی الناس عنه، أو يروى عنه، أو فلان (وسط) بفتحتين، ومعناه في اللغة: المعتدل، يقال: شيء وسط، أي بين الجيد والرديء، أفاده الفيومي . وفلان (شيخ مكررين) حال من وسط وشيخ، أي حال كونهما مذكورين معًا بأن يقال: شيخ وسط (أو فردًا) عطف على (مكررين)، أي مفردين بأن ذكر كل منهما منفرداً (فقط) أي فحسب، مثل فلان وسط، وفلان شيخ (و) فلان (جيد الحديث) من الجودة، أي الحسن، أي حسن الحديث (أو) فلان (مقاربه) بكسر الراء، من القرب، ضد البعد، أي حديثه يقارب حديث غيره، بمعنى أن حديثه ليس شاذًّا، ولا منكرًا، وفي نسخة المحقق ابن شاكر: يقاربه بصيغة المضارع، وليس في كتب المصطلح إلا بصيغة اسم الفاعل، أو المفعول كالآتي، فلعلها من تصحيفات الطابعين، وفلان (حسنه) أي الحديث، وفلان (صالحه) أي الحديث، وفلان (مقاربه) بفتح الراء بصيغة اسم مفعول، أي يقاربه حديثه غيره. (تنبيه): قال العراقي: قولهم: مقارب الحديث ضبط في الأصول الصحيحة بكسر (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي وصف الشيخ بأنه ((وسط)) أو بأنه ((شيخ)) أو وصفه بهما معا. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: بفتح الراء، أي يقاربه حديث غيره، وحكي في الكسر، أي يقارب حديثه حديث غيره. وفرق بعضهم بينهما: فجعلها بالكسر من ألفاظ التعديل، وبالفتح من ألفاظ الجرح. ٣٧٥ - الجُزْءُ الأولُ ٣٣٤- (وَمَنْهُ (مَنْ يُرْمَى بِيدْع)) أَوْ يُضَمّ إِلَى ((صَدُوقٍ)) ((سُوءُ حِفْظِ أَوْ وَهَمْ) ء الراء، وقيل: إن ابن سيده (١) حكى فيه الفتح والكسر، وأن الكسر من ألفاظ التعديل، والفتح من ألفاظ التجريح، قال: وليس ذلك بصحيح، بل الفتح والكسر معروفان حكاهما ابن العربي في شرح الترمذي وهما على كل حال من ألفاظ التعديل، وممن ذكر ذلك الذهبي، قال: وكأن قائل ذلك فهم من فتح الراء أن الشيء المقارب هو الرديء، وهذا من كلام العوام، وليس معروفًا في اللغة، وإنما هو على الوجهين من قوله مَّل: ((سددوا وقاربوا)) (٢) فمن كسر قال: إن معناه: حديثه مقارب لحديث غيره، ومن فتح قال: معناه: إن حديثه يقاربه حديث غيره، ومادة فاعل تقتضي المشاركة. انتهى. ومن جزم بأن الفتح تجريح: البلقيني في محاسن الاصطلاح، وقال: حكى ثعلب: تبر مقارب، أي رديء. انتهى. قاله في التدريب (٣) . وقال السخاوي: فهو على المعتمد بالكسر والفتح وسط لا ينتهي إلى درجة السقوط، ولا الجلالة، وهو نوع مدح. اهـ(٤). وَمَنْهُ((مَنْ يُرْمَى بِدْعِ) أَوْ يُضَمّ إِلَى («صَدُوق)) (سُوءُ حفْظٍ أَوْ وَهَمْ)) (ومنه) أي مما تلا المرتبة الرابعة من الموصوفين بالألفاظ المذكورة من قوله: ((محله الصدق)) إلخ كما قال الحافظ ابن حجر، فقوله: منه خبر مقدم لقوله: (من يرمى) بالبناء للمفعول، أي الشخص الذي يقذف (ببدع) بکسر الباء وفتح الدال إلا أنها سکنها هنا للضرورة، جمع بدعة: الشيء المحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي وَّر من الأهواء والأعمال كما في ((ق)). وإنما قلت: سكنها للضرورة لأن البدع بوزن الحمل بالكسر: هو أول من فعل الشيء، فهو بمعنى مبتدع كالبديع قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ﴾ الآية [الأحقاف: ٩]، ولا يناسب هنا. والمعنى: أن من هذه المرتبة من يرمى بتلبسه ببدعة ضلالة، كالتشيع، والقدر (٥) (١) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الشهير بابن سيده، إمام في اللغة وآدابها له كتاب المحكم والمخصص كلاهما في اللغة . ٣٩٨ - ٤٥٨ هـ . (٢) متفق عليه. (٣) تدريب ج ١ ص ٣١٠، ٣١١. (٤) فتح ج ٢ ص ١١٥ . (٥) بفتحتين القضاء الذي يقدره الله تعالى، وفي اللسان: والقدرية قوم يجحدون القدر وهي مولدة. اهـ. ٣٧٦ شَرْجُ الفِرَةُ السَّيُوطِىّ - والنصب(١) والإرجاء(٢)، والتجهم (٣)، (أو) من (يضم إلى) وصفه بـ ((صدوق)) ((سوء حفظ))) بالرفع نائب فاعل يضم، أي الوصف بسوء الحفظ، بأن يقال: فلان صدوق، سيئ الحفظ (أو) يضم إلى صدوق أيضًا (وهم) بفتحتين أي غلط، أي الوصف بالوهم، بأن يقال: فلان صدوق یهم، أو صدوق له أوهام، أو صدوق تغير في آخرة، بوزن درجة، أي في آخر أمره، أو بصيغة اسم الفاعل وإضافته إلى الضمير. فكل هذه الألفاظ في مرتبة محله الصدق، وهي الخامسة . (تنبيه): زاد العراقي في هذه المرتبة مع قولهم محله الصدق إلى الصدق ما هو . قال الناظم: معناه: قريب من الصدق، فحرف الجر يتعلق بـ((قريب مقدراً، وما زائدة في الكلام، كما قال عياض، والنووي في حديث الجسَّاسة عند مسلم: ((من قبل المشرق ما هو )) المراد إثبات أنه من جهة المشرق. اهـ(٤). وقال بعض من كتب على التدريب ما نصه: يجوز أن تكون ما نافية أو استفهامية، أو زائدة، أو موصولة، ولذا اختلف العلماء في معنى هذه الجملة فعلى أنها نافية، قيل: المعنى أنه غير مدفوع عن الصدق، وقيل: إنها للتردد في أمره، وقيل: بل تأكيد لما قبلها . والمعنى ما هو ببعيد، وعلى أنها استفهامية يرجع الأمر فيها إلى الشك، وكأنه قيل: هو قريب إلى الصدق، ثم سأل عن مقدار القرب ما هو؟ قليل أو كثير؟ وعلى أنها زائدة تکون نظير ما ورد في حدیث الجساسة، وعلى أنها موصولة فهو خبر، أي الذي هو فيه إلى الصدق، يعني أنه قريب منه. اهـ باختصار وزيادة يسيرة(٥). وقال البقاعي: معناه عند أهل الفن: أنه غير مدفوع عن الصدق، وتحقيق معناها في اللغة أن حرف الجر يتعلق بما يصلح التعلق به، وهو هنا قريب، فالمعنى: فلان قريب إلى الصدق، ويحتمل أن تكون ما نافية، وحينئذ يجوز أن يكون المعنى: ما هو قريب منه، (١) قال في ((ق)) النواصب والناصبية: المتدينون ببغض علي رضي الله عنه؛ لأنهم نصبوا أنفسهم له، أي عادوه. اهـ. (٢) والإرجاء: التأخير، والمرجئة: فرقة من فرق الإسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية، كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة . اهـ لسان . (٣) والجهمية: فرقه تنسب إلى جهم بن صفوان الترمذي، قالوا: لا قدرة للعبد أصلاً، لا مؤثرة، ولا كاسبة، بل هو بمنزلة الجمادات فيما يوجد منها . (٤) تدريب ج ١ ص ٣١١ . (٥) تعليق عبد الوهاب عبد اللطيف على التدريب ج ١ ص ٣٥٠ . ٣٧٧ الجُزُءُ الأُولْ -- ٣٣٥ - يَلِيهِ مَعْ مَشِيئَة ((أَرْجُو بأَنْ لا بَأْسَ بِهْ ((صُوَّيْلِحٌ) ((الَقْبُولُ عَنّ)) فيكون نفيًا لما أثبتته الجملة الأولى، فيفيد مجموع العبارة التردد فيه، قال الصنعاني: قلت بل المعنى على هذا: فلان قريب إلى الصدق، وهو الجملة الأولى، ما هو قريب، وهو الثانية، فتفيد تناقض الجملتين، لا التردد، فلا ينبغي حمل كلامهم على هذا الاحتمال. قال البقاعي: ويحتمل ما هو بعيد، فيكون تأكيدًا للجملة الأولى . قال الصنعاني: هذا متعين، وقال البقاعي أيضًا: ويحتمل أن تكون استفهامية، فكأنه قيل: هو قريب إلى الصدق، ثم سأل عن مقدار القرب، فقال: ما هو؟ قليل أو كثير؟ قال الصنعاني: هذا يبعده السياق؛ لأن القائل: إلى الصدق ما هو، هو الذي عدل من وصف، فكيف يسأل غيره عنه، فأولى التوجيهات هو الأول. ومعنى ما هو أن تكون ((ما)»(١) نافية و ((هو)) اسمها وخبره محذوف أي ما هو بعيداً عن الصدق، والجملة تأكيد لما قبلها. أفاده في التوضيح(٢). ثم ذكر المرتبة السادسة، وهي الخامسة للذهبي، والعراقي، والرابعة لابن أبي حاتم، وابن الصلاح، فقال: يَلِيهِ مَعْ مَشِيئَة ((أَرْجُو بِأَنْ لا بأسَ بِهْ((صُوَيّلِحٌّ (مَقْبُولُ عَنّ) (يليه) أي يلي ما ذكر في المرتبة الخامسة المرتبة السادسة التي فيها قولهم (مع) بسكون العين لغة في الفتح (مشيئة) أي مع ضم لفظ ((إن شاء الله)): فلان (أرجو بأن لا بأس به) بسكون الهاء للوزن، فقوله: (أرجو بأن لا بأس به) إلخ فاعل ((يلي)) محكي لقصد لفظه، و ((مع)) متعلق بما قبله، أو هو حال مقدم من قوله: (أرجو إلخ)، وكذا صدوق إن شاء الله، وقولهم فلان (صويلح) إن شاء الله تصغير صالح وفلان (مقبول) إن شاء الله بلا تنوين للوزن، وفي نسخة المحقق المقبول بالتعريف فـ((صويلح )) عليه بلا تنوين، ثم إن ظاهر النظم أن لفظه المشيئة يأتي مع أرجو وما بعده، والذي في شروح الألفية العراقية أنه يأتي مع صدوق، وعبارة التدريب: وزاد العراقي فيها صدوق إن شاء الله أرجو أن لا بأس به صويلح، وزاد شيخ الإِسلام يعني الحافظ ابن حجر مقبول فتنبه. وقوله (عن) بتشديد (١) هكذا عبارة التوضيح، وفيها ركاكة، ولعل الصواب فأولى التوجيهات هو الأول، فـ ((ما)) نافية، و((هو)) اسمها .... إلخ. بإسقاط ((ومعنى ما هو أن تكون)). فليحرر. (٢) ج ٢ ص ٢٦٥ ، ٢٦٦ . ٣٧٨ شَرِعُ الْغَة الشَّيُوطِيّ - ٣٣٦- وَأَسْوَأُ التَّجْرِيحِ مَا قَدْ وُصفًا (بِكَذِب)) وَالْوَضْعِ)) كَيْفَ صُرِّقًا ٣٣٧ - ثُمَّ بِذَيْنِ (انَّهَمُوا)) ((فِيهِ نَظَرَّا وَأَسَاقِطٌ) وَهَالكِ) (لا يُعْتَبَرْ) ٣٣٨ - وَذَاهبٌ) وَسَكُنُوا عَنْهُ» تُركْ وَاَلَيْسَ بِالنِّقَةِ )) بَعْدَهُ سُلكْ النون خففت هنا للوزن، أي ظهر عدَّ هذه الألفاظ في المرتبة السادسة. (تنبيه): اعلم أن الحكم في هذه المراتب الاحتجاج بالأربعة الأول منها، وأما التي بعدها فإنه لا يحتج بأحد من أهلها، لكون ألفاظها لا تشعر بشريطة الضبط بل يكتب حدیثهم ويختبر. وأما السادسة: فالحكم في أهلها دون أهل التي قبلها، وفي بعضهم من يكتب حديثهم للاعتبار، دون اختبار ضبطهم لوضوح أمرهم فیه، قاله السخاوي رحمه الله (١). ثم ذكر ألفاظ التجريح، مع بيان المراتب المستعملة فيها، مرتبًا لها بالتدلي من الأعلى إلى الأدنى، تبعًا للعراق وغيره، مع أن العكس كان أنسب لتكون مراتب القسمين كلها منخرطة في سلك واحد بحيث يكون أولها الأعلى من التعديل وآخرها الأعلى من التجريح، كما قاله السخاوي، فقال: (بِكَذِب)) وَالْوَضْعِ)) كَيْفَ صُرِّفَا وَأَسْوَأُ التَّجْرِيحِ مَا قَدْ وُصِفَا وَسَاقَطٌ) وَاهَالِكٌ) ((لا يُعْتَبَرْ) ثُمَّ بِذَيْنِ (اتَّهَمُوا)) ((فيه نَظَّرْ)) وَاذَاهِبُّ، وَاسَكَنُوا عَنْهً) تُركْ وَ(لَيْسَ بالثِّقَّة )). ... (وأسوأ) أوصاف (التجريح) مبتدأ، خبره جملة قوله (ما) مصدرية (قد وصفا) بالبناء للمفعول، يعني أن أقبح أوصاف الجرح هو الوصف (بكذب والوضع) أو بأحدهما كيف صرفا بالبناء للمفعول، والألف ضمير يعود إلى كذب والوضع، والجملة حال من كذب والوضع، أي حال كونهما مصرفين على أي كيفية، من صيغة التفضيل، أو اسم الفاعل، أو الفعل الماضي، أو المضارع إلى غير ذلك. والمعنى: أن أشد أنواع الجرح هو الجرح بالكذب والوضع بأي عبارة كان، بأفعل تفضيل، أو اسم فاعل، أو غيرهما. (١) فتح ج ٢ ص ١١٦، ١١٧ . ٣٧٩ الجُزُءُ الأولُ لكن قال السخاوي نقلاً عن الحافظ: المرتبة الأولى ما دلت على المبالغة فيه، وأصرح ذلك التعبير بأفعل كـ ((أكذب الناس))، وكذا قولهم: إليه المنتهى في الوضع، وهو ركن الکذب ونحو ذلك. اهـ. ثم تلي المرتبة الثانية، وألفاظها كذاب أو وضاع أو دجال أو يضع الحديث، أو يكذب أو وضع حديثًا وهذه أسهلها (ثم) تلي المرتبة الثالثة، وهي الثانية في النظم، وألفاظها فلان (بذين) أي الكذب والوضع متعلق بـ (اتهموا) أي ظنوه بهما، يقال: اتهمته بكذا: ظننته به، فهو تھیم کظنين وزنًا ومعنى، واتهمته في قوله: شككت في صدقه، والاسم التهمة، وزان رطبة، والسكون لغة حكاها الفارابي، وأصل التاء واو. أفاده الفيومي. وفلان (فيه نظر) فقد أطلقه البخاري فيمن تركوا حديثه (و) فلان (ساقط و) فلان (هالك) وفلان (لا يعتبر) به عند المحدثين، أو لا يعتبر بحديثه (و) فلان (ذاهب) أو ذاهب الحديث (و) فلان (سكتوا عنه) فقط أطلقه البخاري فیمن تركوا حديثه. قال السخاوي: وكثيراً ما يعبر البخاري بهاتين العبارتين، يعني: فيه نظر، وسكتوا عنه فيمن تركوا حديثه، بل قال ابن كثير: إنهما أدنى المنازل عنده وأردؤها، قلت: لأنه لورعه قل أن یقول: کذاب أو وضاع، نعم ربما یقول: كذبه فلان، ورماه فلان بالكذب، فعلى هذا فإدخالهما في هذه المرتبة بالنسبة للبخاري خاصة مع تجوز فيه، وإلا فموضعهما المرتبة التي قبلها. اهـ كلام السخاوي(١). وفلان (ترك) بالبناء للمفعول، أي حديثه، أو متروك الحديث، أو تركوه. قال ابن مهدي: سئل شعبة من الذي يترك حديثه؟ قال: من يتُهم بالكذب، ومن يكثر الغلط، ومن يخطئ في حديث يجمع عليه فلا يتهم نفسه، ويقيم على غلطه، ورجل روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون. وقال أحمد بن صالح: لا يترك حدیث الرجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه. (و) فلان (ليس بثقة) أو ليس بثقة، أو غير ثقة، ولا مأمون، ونحو ذلك. وزاد السخاوي في هذه المرتبة: فلان يسرق الحديث قال: فإنه كما قال الذهبي : أهون من وضعه، واختلاقه في الإثم، إذ سرقة الحديث أن يكون محدثًا ينفرد بحديث، فيجيء (١) فتح ج ٢ ص ١٢٢ . ٣٨٠ شَرْجُ الْفِيَةُ السَّيُوطِيّ - ٣٣٩ - ((أَلْقَوْاْ حَديثَهُ)) ((ضَعيفٌ جدًّا)» (إرْمُ بِهِ» ((وَهِ بِمَرَّ) (رُدَّ) ٣٤٠ - ((لَيْسَ بِشَيء)) ثَمَّ ((لا يُحْتَجَّ بهْ» كَـ((مُنْكر الحَديث)) أَوْ ((مُضْطَرِبِهْ)) السارق ويدعي أنه سمعه أيضًا من شيخ ذلك المحدث، أو يكون الحدیث عرف براو، فيضيفه لراوٍ غيره ممن يشاركه في طبقته. قال الذهبي: وليس كذلك من يسرق الأجزاء والكتب، فإنها أنحس بكثير من سرقة الرواة(١). ثم أشار إلى المرتبة الرابعة، وهي الثالثة باعتبار ما في النظم بقوله: ((أَلْقَوْاْ حَدِيثَهُ)) ((ضَعِيفٌ جدًّ) .............. بَعْدَهُ سُلكْ (رْمٍ بِهِ)) (وَه بِمَرَّهُ)) ((َرُدَّا) (لَيْسَ بِشَيءٍ)) ... (بعده) أي بعد ما تقدم من الألفاظ في المراتب السابقة (سلك) بالبناء للمفعول، والنائب عن الفاعل جملة قوله (ألقوا حديثه) أي أدخل في المرتبة التالية، يعني أن قولهم: ((فلان ألقوا حديثه)) وما بعده من الألفاظ مستعمل في هذه المرتبة الرابعة، ومعنى ألقوا حديثه أي طرحوه، وكذا ((فلان مطروح))، أو ((مطروح الحديث))، و((فلان (ضعيف جدًّا))) أي بلغ الغاية في الضعف، و((فلان (ارم به))) أمر من الرمي، أو ارم بحديثه، وفلان (واه بمره) أي قولاً واحدًا لا تردد فيه. قال السخاوي: وكأن الباء زيدت تأكيدًا، وكذا فلان تالف، وفلان (ردا) بالبناء للمفعول، والألف للإِطلاق، أو ردوا حديثه، أو مردود الحديث، وفلان (ليس بشيء) أو لا يساوي شيئًا، أو لا شيء، أو لا يساوي فلسًا، ونحو ذلك، قال السخاوي رحمه الله: ما أدرج في هذه المرتبة من ((ليس بشيء)) هو المعتمد، وإن قال ابن القطان: إن ابن معين إذا قال في الراوي: ليس بشيء إنما يريد أنه لم يرو حديثًا كثيرًا، هذا مع أن ابن أبي حاتم قد حكى أن عثمان الدارمي سأله عن أبي دراس (٢)فقال: إنما يروي حديثًا واحدًا، ليس به بأس، على أنَّا قد روينا عن المزني قال: سمعني الشافعي يومًا، وأنا أقول: فلان كذاب، (١) فتح ج ٢ ص ١٢١ . (٢) أبو دراس: حدَّث عنه عبد الصمد بن عبد الوارث ضعفه ابن معين. اهـ ميزان الاعتدال ج ٤ ص ٥٢٢ .