النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ - الجُزْءُ الأولُ ٢٩٢- وَإَنْ يَقُلْ: حَدَّثَ مَنْ لا أَنَّهمْ أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخٍ لِي وُسِمْ ٢٩٣ - بِشِقَةٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ مُبْسَهَمِ لا يُكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ ٢٩٤- وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ، وَقِيلَ: لا، مَا لَمْ يُبَنْ(*) ثم ذكر مسألة التعديل لمن أبهم، فقال: وَإِنْ يَقُلْ: حَدَّثَ مَنْ لا أَنَّهِمْ بثقَةِ ثُمَّرَوَى عَنْ مُبْهَمٍ وَيُكْتَفَى مِنْ عَالِمٍ فِي حَقِّ مَنْ أَوْ ثِقَةٌ أَوْ كُلُّ شَيْخِ لِي وُسِمْ لا يَكْتَفَى عَلَى الصَّحِيحِ فَاعْلَمِ قَلَّدَهُ، وَقِيلَ : لا ، مَا لَمْ يُبَنْ (وإن يقل) الراوي في روايته (حدث) ني أو أخبرني مثلاً (من لا أتهم) ـه بكذب، أو غيره (أو) قال حدثني (ثقة) أو ضابط، أو عدل من غير أن يسميه (أو) قال (كل شيخ لي) مبتدأ، خبره جملة قوله (وسم بثقة) بالبناء للمفعول، أي علم بكونه ثقة، يعني أنه قال: جميع أشياخي الذين أروي عنهم ثقات وإن لم أسمهم (ثم) بعد هذا كله (روى) حديثًا (عن) راوٍ (مبهم) أي غير مسمى باسمه، وقوله (لا يكتفى) بالبناء للمفعول جواب إن أي لا يكتفي به في تعديل ذلك المبهم (على الصحيح) من الأقوال (فاعلم) هذا وحققه في ذهنك. وحاصل معنى البيتين: أنه إذا قال: حدثني الثقة، أو من لا أتهمه، أو نحوهما من غير أن يسميه، أو قال: كل شيخ لي ثقة، ثم روى عمن لم يسمه لم يكتف به في تعديل ذلك (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: رواية الثقة عن شخص لم يعرف حاله لا يكون توثيقًا له، ولو كان الراوي معروفًا بأنه لا يروي إلا عن ثقة، كمالك وشعبة ويحيى القطان. وإذا روى الثقة عن مبهم لم يذكر اسمه بل قال ((حدثني الثقة)) أو ((حدثني من لا أتهم)) فإنه أولى بعدم القبول، إذ لا حجة في المجهول، وكذلك ما إذا قال الثقة ((كل شيخ أروي عنه فهو ثقة)) ثم روى عن مبهم لم يذكر اسمه. وذهب بعضهم إلى قبول ذلك في حق من قلد هذا الشيخ، كأتباع مالك إذا روى عن شخص مبهم وسمه بأنه ثقة، وكأتباع الشافعي كذلك. والصحيح أن الرواية عن المبهم غير مقبولة مطلقًا، كما هو واضح. وأما المقلد فإنه لا يدخل معنا في هذا البحث، لأنه يتبع إمامه في كل حال، من غير نظر إلى دليله، فلو نظر في الدليل وأخذ بالحجة لم يكن مقلدًا، بل صار متبعًا للدليل الراجح. ٣٤٢ شَرِجُ الْفِيَّةُالسَّيُوطِي ٢٩٥ - وَمَا اقْتَضَى تَصْحِيحَ مَتّنِ (فِي الأَصَحْ) فَتْوَى بِمَا فِيهِ ، (كَعَكْسِهِ وَضَحْ ٢٩٦ - وَلَا بَقَاهُ حَيْثُما الدَّوَاعِي (*) تُبْطِلُهُ، وَالْوَفْقُ لِلإِجْمَاعِ المبهم على الصحيح حتى يسميه، لأنه وإن كان ثقة عنده فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بقادح، بل في إضرابه، عن تسميته ريبة توقع ترددًا في القلب. وقيل: يكتفي به مطلقًا، كما لو عينه لأنه مأمون في الحالین معًا، وقيل: يكتفى به من عالم في حق من قلده، وإلى هذا أشار بقوله (ويكتفى) به بالبناء للمفعول حال كونه صادرًاً (من عالم) أي مجتهد، كمالك، والشافعي (في حق من قلده) متعلق بـ ((يكتفى)) أي يكتفى بالتعديل المذكور من ذلك العالم في حق من تبعه في مذهبه. وهذا القول هو الذي جرى عليه المحققون، كابن الصباغ، واختاره إمام الحرمین، ورجحه الرافعي في شرح المسند (١)، وفرضه في صدور ذلك من أهل التعديل، قال ابن الصباغ: لأنه لم يورد ذلك احتجاجاً بالخبر على غيره، بل يذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم وقد عرف هو من روى عنه ذلك، وقيل: لا يكتفى به مطلقًا إلا إذا بين، وإليه أشار بقوله: (وقيل لا) يكتفى به مطلقًا، أي في حق المقلد، أو غيره (ما) مصدرية ظرفية (لم يبن) بالبناء للمفعول من الإبانة، أي ما لم يظهر كون ذلك الشخص ثقة، أو بالبناء للفاعل أي ما لم يظهره، ويحتمل كونه ثلاثيًّا من بان الشيء: إذا اتضح، أي ما لم يتضح كونه ثقة . وحاصل المعنی: أنه لا یکتفئ به في حق من قلده أيضاً حتى يوضح ذلك، كأن يقول: کل من أروي لكم عنه، ولم أسمه فهو عدل. ثم ذكر مسائل اختلف فيها، هل تقتضي التصحيح، أو لا، فقال: فَتْوَى بِمَا فِيهِ ، (كَعَكْسِهِ وَضَحْ وَمَا اقْتَضَى تَصْحِيحَ مَتْنِ (فِي الأَصَحُ) تُبْطِلُهُ، وَالْوَفْقُ لِلإِجْمَاعِ وَلَا بَقَاهُ حَيْثُمَا الدَّوَاعِي (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي إن العمل بالحديث لا يدل على صحته ولا على ثقة راويه، كما أن ترك العمل به لا يدل على ضعفه والقدح فيه. وكذلك إذا اقتضت بعض الدواعي بطلان حديث فلا يكون هذا طعنًا في راويه. وكذلك إذا وافق الحديث الإجماع فلا يكون هذا دليلاً على توثيق رواته، إذ قد يستند الإجماع إلى دليل آخر غيره. (١) أي: شرح مسند الشافعي. ٣٤٣ - الجُزْءُ الأول ٢٩٧ - وَلَا افْترَقُ الْعُلَمَاءِ الْكُمَّل مَا بَيْنَ مُحْتَجِّ وِذِي تَأَوُلِ(*) مَا بَيْنَ مُحْتَجٍّ وذِي تَأَوُّلُ وَلَا افْترَاقُ الْعُلَمَاء الْكُمَّلِ (وما) نافية (اقتضى) أي دل، يقال: اقتضى الأمر الوجوب، أي دل عليه أفاده في المصباح (تصحيح متن) مفعول مقدم على الفاعل، أي صحة حديث ورد في أي معنى كان (في الأصح) الذي عليه الجمهور (فتوى بما فيه) فاعل مؤخر، أي إفتاء العالم، وكذا عمله بمقتضى ما في ذلك المتن. وحاصل المعنى: أن فتوى العالم، وكذا عمله على وفق حديث وارد في ذلك المعنى لا یکون حکمًا منه بصحته، ولا بتعدیل رواته، لإمكان أن یکون ذلك منه احتیاطًا، أو لدليل آخر وافق ذلك الخبر من متن غيره، أو إجماع أو قياس، أو لكونه ممن يرى العمل بالضعيف، وتقديمه على القياس، وقيل: إنه حکم بصحته، وصححه الآمدي، وغيره من الأصوليين، وقال إمام الحرمين: إن لم يكن في مسالك الاحتياط، وفرق شيخ الإسلام ابن تيمية بين أن يعمل به في الترغيب وغيره، قال ابن الصلاح: وكذلك مخالفته للحديث لیست قادحة منه، ولا في راويه، وإليه أشار بقوله: (کعکسه) أي عکس الحکم المذکور، وهو أنه إذا أفتى بخلاف مرويه، لا يقتضى ذلك قدحاً في صحته، ولا في رواته، لإمكان أن يكون ذلك لمانع من معارض أو غيره، وقد روى مالك حديث الخيار ولم يعمل به، لعمل أهل المدينة بخلافه، ولم يكن ذلك قدحًا في نافع راويه. وجملة قوله: (وضح) صفة لعكس، أو حال منه (ولا) يقتضي صحة الحديث أيضًا على الأصح (بقاه) بالقصر للوزن، أي بقاء الحديث (حيثما الدواعي) أي الأسباب الداعية للبطلان (تبطله) أي ذلك الحدیث، بأن تركه ذوو الدواعي مع سماعهم له آحادًا . وحاصل المعنى: أن بقاء خبر تتوفر الدواعي على إبطاله لا يدل على صحته، خلافًا للزيدية حيث تقول: إنه يدل عليها للاتفاق على قبوله حينئذ. ورد بأن الاتفاق على القبول إنما يدل على ظنهم صدقه، ولا يلزم من ذلك صحته في الواقع. مثاله: قوله ◌َّ لعلي رضي الله عنه: ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وإذا اختلف العلماء في معنى حديث فاحتج به بعضهم وتأوله آخرون، فإن هذا لا يعتبر توثيقًا لرواته إذا كانت أحوالهم غير معروفة. ٣٤٤ شَرْجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِىّ ٢٩٨ - وَيَقْبَلُ الْمَجْنُونُ إِنْ تَقَطَّعَا وَلَمْ يُؤثِّرْ فِي إِفَاقَةٍ مَعَا (*)) بعدي)) رواه الشيخان. فإن دواعي بني أمية، وقد سمعوه متوفرة على إبطاله لدلالته على خلافته علي رضي الله عنه، كما قيل، كخلافة هارون عن موسى بقوله: ﴿اخْلُفُنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: ١٤٢]، وإن مات قبله، ولم يبطلوه، قاله القاضي زكريا (و) لا يقتضي صحة الحديث أيضًا على الأصح (الوفق) بالفتح أي موافقة معناه للإِجماع أي للحكم المجمع عليه لجواز أن يكون (للإجماع) مستند آخر، وقيل: يقتضي ذلك، إذ الظاهر استنادهم إليه، وعدم مستند آخر، وقيل: يقتضي ذلك إن صرح أهل الإجماع بالاستناد إليه، وإلا فلا، وعليه ابن فورك (ولا) يقتضي أيضًا صحته على الأصح (افتراق العلماء الكمل) جمع كامل (ما) زائدة (بين محتج) بذلك الحديث (و) بين (ذي تأول) أي متأول له . وحاصل المعنى: أنه إذا افترق العلماء في الحديث، فاحتج به بعضهم، وتأوله آخرون، فالأصح أن ذلك لا يدل على صحة الحديث، وقيل : يقتضي ذلك لاتفاقهم علیه، حیث احتج به بعضهم، وتأوله الآخرون، إذ لو لم يصح لما احتاجوا إلى تأويله. وأجيب بأن الاتفاق المذكور على ظنهم صحته، ولا يلزم منه ذلك في الواقع. ولما كان من شروط قبول الخبر كون الراوي مكلفًا، فلا يقبل المجنون، لعدم تمييزه، إلا إذا كان يفيق، فيقبل إذا أخبر في إفاقته إن لم يؤثر فيه الجنون ذكره بقوله : وَيَقْبَلُ الْمَجْنُونُ إِنْ تَقَطَّعَا. وَلَمْ يُؤثِّرْ فِي إِفَاقَة مَعَا (ويقبل المجنون) أي خبره (إن تقطعا) بألف الإطلاق، أي زال جنونه (و) الحال أنه (لم يؤثر) الجنون، أي لم يبق فيه علامة الجنون كالخبل، يقال: أثرت فيه تأثيرًا، أي جعلت فيه أثرًا أي علامة (في إفاقة) أي في حال إفاقته، يقال: أفاق المجنون إفاقة: رجع إليه عقله. وقوله: (معا) منصوب على الحال، أي حال كون تقطع الجنون، وعدم تأثيره مجتمعين في وقت واحد . وحاصل المعنى: أن خبر المجنون مقبول وقت إفاقته، إذا لم يبق أثر الجنون فيه، وما تقدم من أن المجنون لا يقبل محمول على الجنون المطبق. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من أول شروط العدالة أن يكون الراوي عاقلاً، فالمجنون المطبق لا تقبل روايته، لفقد ركن من أركان العدالة. فإذا كان الجنون متقطعًا قبلت روايته حال الإفاقة، لأنه إذ ذاك لا يكون مجنونًا . ٣٤٥ - الجُزُءُ الأولُ ٢٩٩- وَتَرَكُوا مَجْهُولَ عَيْنِ: مَا رَوَى عَنْهُ سوَى شَخْص وَجَرْحًا مَا حَوَى ٣٠٠ - ثَالثُهَا: إنْ كَانَ مَنْ عَنْهُ انْفَرَّدْ لَمْ يَرْوِ إِلاَّ لِلْعُدُولِ : لا يُرَدْ ٣٠١- رَابِعُهَا: يُقْبَلُ إِنْ زَكَّاهُ حسبْرٌ وَذَا فِي نُخْبَة رَآهُ (*) ٣٠٢- خَامِسُهَا: إِنْ كَانَ مِمَّنْ قَدْ شُهر بِمَا سِوَى الْعِلْمٍ كَنَجْدَةٍ وَبَرّ لكن اعترض العراقي بأنه لا يحتاج إلى ذكره، لأنه في حالة الإفاقة إذا لم يستمر به الخبل ليس مجنونًا، وإن استمر به الخبل فهو مجنون، إلا أن الجنون أحواله مختلفة. ثم ذكر المجهول، وحكمه، وهو أربعة أنواع: مجهول العين، ومجهول العدالة، ومجهول الحال، وهو المستور، ومجهول الاسم، أو النسب، فبين الأول بقوله: عَنْهُ سوَى شَخْص وَجَرْحَا مَا حَوَى وَتَرَكُوا مَجْهُولَ عَيْنِ: مَا رَوَى لَمْ يَرْو إلاَّ لْعُدُولِ: لا يُرَدْ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مَنْ عَنَّهُ انْفَرَدْ حسبْرٌ وَذَا فِي نُخْبَة رآهُ رَبَعُهَا: يُقْبَلُ إِنْ زَكَّاهُ بِمَا سِوَى الْعِلْمِ كَنَجْدَةً وَبَرّ خَامِسُهَا: إنْ كَانَ ممَّنْ قَدْ شُهِرْ (وتركوا) أي أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم (مجهول عين) أي روايته، ثم بينه بقوله: (ما) نافية (روی) أي نقل (عنه) أي عن ذلك المجهول (سوى شخص) واحد فاعل روى، والجملة صفة لـ ((مجهول عين))، أو حال منه، وقوله: (وجرحًا) مفعول مقدم لـ((حوى)) (ما) نافية (حوى) أي جمع، يعني أنه لم يجرح، والجملة حال من مجهول عين، أي حال كونه غير مجروح. وحاصل معنى البيت: أن مجهول العين، وهو من لم يرو عنه إلا رجل واحد ولم يجرح غير مقبول الرواية عند جمهور العلماء، وهو الصحيح. وأقل ما يرفع الجهالة عنه رواية اثنين مشهورين بالعلم، فأكثر عنه. وقيل: يقبل مطلقًا، وهو قول من لا يشترط في الراوي مزيدًا على الإسلام، وعزي إلى الحنفية. قال (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي هذا رأي الحافظ شهاب الدين أحمد بن حجر في النخبة. ٣٤٦ السخاوي: وهو لازم كل من ذهب إلى أن رواية العدل بمجردها عن العدل تعدیل له، بل عزا النووي في مقدمة شرح مسلم لكثيرين من المحققين الاحتجاج به، وكذا ذهب ابن خزيمة إلى أن جهالة العين ترتفع برواية واحد مشهور، وإليه يومئ قول تلميذه ابن حبان وهذا القول هو الثاني المطوي في قوله: (ثالثها): أي الأقوال المروية في قبول خبر المجهول العين، وهو مبتدأ، خبره جملة قوله: (إن كان من ) أي الراوي الذي (عنه) أي المجهول العين (انفرد) بالرواية (لم يرو إلا للعدول)أي عن العدول (لا یرد) حديثه. فقوله: لم یرو خبر (كان) وقوله: لا يرد جواب ((إن)). وحاصل المعنى: أن صاحب هذا القول يقول بالتفصيل، فإن كان الراوي المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن العدول قبل، وذلك مثل عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن سعيد القطان، ومالك، ممن لا يروي إلا عن الثقات، وإلا لم يقبل. (فائدة): من كان لا يروي إلا عن ثقة إلا في النادر: الإِمام أحمد، وبقي بن مخلد، وحريز بن عثمان، وسليمان بن حرب، وشعبة، والشعبي، وعبد الرحمن بن مهدي، ومالك، ويحيى بن سعيد القطان، وذلك في شعبة على المشهور، قاله السخاوي. ونظمت ذلك، مع زيادة منصور بن المعتمر ويحيى بن أبي كثير، فإنهما ممن قيل فيه: لا يروي إلا عن الثقة كما في تهذيب التهذيب، فقلت: فِي غَالِبِ الْحَالِ لَدَى مَنْ حَقَّقَهْ مَنْ كَانَ لاَ يَنْقُلُ عَنْ غَيْر ثقَه بَقِى حَرِيزٌ مَعَهُ ابنُ حَـرْبِ أَحْمَدُ يَحْبَى مَالكٌ والشَّعْبِي وَنَجَلُ مَهْدِيِّ مَعَ الَنْصُورِ يَحْيَى وَشُعْبَةُ عَلَى المَشْهُورِ ثم ذكر قولاً رابعًا، وهو أيضًا مفصل، فقال: (رابعها): أي الأقوال أنه (يقبل) مجهول العين (إن زكاه) أي عدله (خبر) بالكسر جمعه: أحبار، مثل حمل وأحمال، والفتح لغة فيه، وجمعه حبور، هو العالم. وحاصل المعنى: أن مجهول العين يقبل إن زكاه عالم من أئمة الجرح والتعديل غير من انفرد عنه، أو هو إن كان أهلاً لذلك (وذا) أي هذا القول الرابع مبتدأ خبره جملة ((رآه)» (في نخبة) أي في الكتاب المسمى بـ ((نخبة الفكر)) متعلق بقوله (رآه) أي رجحه مؤلفها الحافظ ابن حجر تبعًا لاختيار أبي الحسن بن القطان. ٣٤٧ - الجُزْءُ الأولُ ٣٠٣ - وَالثَّالِثُ الأَصَحُّ: لَيْسَ يُقْبَلُ مِنْ بَاطِئًا وَظَاهِرًا يُجَهَّلُ ثم ذكر قولاً خامسًا مفصلاً أيضاً، فقال: (خامسها): أي الأقوال مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله، أي يقبل (إن كان) أي مجهول العين (ممن قد شهر) بالبناء للمفعول، أي الذين اشتهروا بين الناس (بما سوى العلم) من الخصال الجميلة، وذلك (كنجدة) بفتح النون على المشهور، ونقل في ((تاج العروس)) عن بعض أهل اللغة كسرها: وهي الشجاعة، والشدة، کاشتهار عمرو بن معدي کرب بها (وبر) بالكسر: الخير، والفضل، من بر الرجل يبر برًّا، وزان علم يعلم علمًا، فهو بر، بالفتح وبار، أي صادق، أو تقي. قاله الفيومي، کاشتهار مالك بن دينار بالزهد. وحاصل معنى البيت: أن صاحب هذا القول يقيد قبول مجهول العين بكونه مشهورًاً بخصلة من الخصال غير العلم، كالزهد، والشجاعة، والأدب، ونحوها، وأما الشهرة بالعلم والثقة والأمانة فهي كافية من باب أولى. وهذا القول مختار الحافظ ابن عبد البر. وحاصل الأقوال في مجهول العين خمسة على ما في النظم، وزاد في التنقيح سادسًا، وهو أنه إن كان صحابيًّا قبل، وهو مذهب الفقهاء وبعض المحدثين وشيوخ الاعتزال. ولما أنهى الكلام في مجهول العين شرع يبين مجهول العدالة، وهو النوع الثاني من الأنواع الأربعة، فقال: وَالثَّالثُ الأَصَحُّ: لَيْسَ يُقْبَلُ منْ بَاطنًا وَظَاهِرًا يُجَهَّلُ (والثالث) من الأقوال في مسألة مجهول العدالة مبتدأ خبره جملة ((ليس يقبل)) وقوله: (الأصح) صفة له، أو بدل منه (ليس يقبل) بالبناء للمفعول ونائب فاعله قوله (من) أي الراوي الذي (باطنًا وظاهرًاً) منصوبان على التمييز، أو بنزع الخافض (يجهل) بالبناء للمفعول من التجهيل، أي ينسب إلى كونه مجهولاً في باطنه وظاهره. وحاصل المعنى: أن العلماء اختلفوا فيمن جهلت عدالته باطنًا وظاهرًا، وهو المسمى بمجهول العدالة مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه على أقوال : الأول: أنه يقبل مطلقًا، ونسبه ابن المواق لأكثر المحدثين، كالبزار، والدار قطني، وابن حبان. ٣٤٨ شَرْجُ الفِيَّةُ السَّيُوطِىّ - ٣٠٤ - وَفِي الأَصَحِّ: يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ: فِي ظَاهره عَدْلٌ وَبَاطِنٌّ خَفِي والثاني: يقبل إن كان الراويان عنه لا يرويان إلا عن عدل، وإلا فلا، وهذان القولان هما المطويان في قوله: والثالث الأصح .. إلخ. يعني: أن القول الثالث من الأقوال المروية في مجهول العدالة أنه لا يقبل مطلقًا، وهذا هو الأصح، وعليه الجمهور، كما قال ابن الصلاح، وعزاه ابن المواق للمحققين، ومنهم أبو حاتم الرازي، وكذا الخطيب، ووجه هذا القول أن مجرد الرواية عن الراوي لا يكون تعديلاً له على الصحيح. ثم ذكر النوع الثالث، وهو مجهول الحال، ويسمى المستور، سماه به البغوي، وتبعه الرافعي، ثم النووي، فقال: وَفِي الأَصَحِّ يُقْبَلُ الْمَسْتُورُ فِي ظَاهِرِهِ عَدْلٌ وَبَاطِنٌ خَفِي (وفي الأصح) من الأقوال متعلق بـ (يقبل) بالبناء للمفعول (المستور) أي خبره في ظاهره متعلق بقوله: (عدل) بالرفع بدل من المستور، أو خبر لمحذوف، أي هو عدل في ظاهره، وقوله : (وباطن) مجرور بـ ((في)) محذوفة لدلالة ما قبله متعلق بـ (خفي) بتخفيف الياء للوزن، مرفوعًا عطفًا على ((عدل)). ومعنى البيت: أن الأصح أنه يقبل خبر المستور، وهو الذي ثبتت عدالته في الظاهر دون الباطن. ويحتمل أن يكون ((باطن)) مبتدأ خبره ((خفي))، أي باطن منه خفي والجملة حال من «عدل)) . والحاصل: أن في قبول خبر المستور اختلافًا بين العلماء فقيل: يقبل مطلقًا، وبه قطع سليم بن أيوب الرازي قال: لأن الأخبار تبنى على حسن الظن بالراوي، وأيضًا فلتعسر الخبرة الباطنة على الناقد، ولهذا فارق الراوي الشاهد، فإن الشهادة تكون عند الحكام، وهم لا يتعسر عليهم ذلك، لا سيما مع اجتهاد الخصوم في الفحص عنها، بل عزي الاحتجاج بأهل هذا القسم كالأول لكثيرين من المحققين، قاله النووي في شرح مسلم، واستدل لهذا القول بقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌّ بِنَبَأٍ فَتَبَيَنُوا﴾ [الحجرات: ٦] الآية؛ فأوجب التثبت عند وجود الفسق، فعند عدمه لا يجب، فوجب العمل بقوله، وهو المطلوب، وبكون النبي ◌َّ قبل شهادة الأعرابي برؤية الهلال، ولم يعرف منه سوى ٣٤٩ الجُزُّءُ الأولُ ٣٠٥ - وَمَنْ عَرَفْنَا عَيْنَهُ وَحَالَهُ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِ مِلْنَا لَهُ (*) الإِسلام، وقيل: إن كان من روى عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قبل، وإلا فلا، وقيل: لا يقبل في زماننا لكثرة الفساد، ويقبل في العصر الأول، وعليه بعض الحنفية، أفاده السخاوي(١). وقيل: لا يقبل مطلقًا، وعليه الجمهور، لعدم ثبوت العدالة حيث كان مستوراً. والذي رجحه الحافظ في شرح النخبة أن رواية المستور ونحوه مما فيه الاحتمال لا يطلق القول بردها، ولا بقبولها، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله. قلت: عندي قول الحافظ رحمه الله هو الراجح، والله أعلم. ثم ذكر النوع الرابع وهو مجهول الاسم، أو النسب، فقال: وَمَنْ عَرَفْنَا عَيْنَهُ وَحَالَهُ دُونَ اسْمِهِ وَنَسَبِ مِلْنَا لَهُ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اختلفوا في مجهول العين: هل تقبل روايته؟ وهو الذي لم يرو عنه إلا شخص واحد، لأن أقل ما يرفع الجهالة رواية اثنين مشهورين عن الراوي. فقال بعضهم: تقبل مطلقًا. وقال آخرون: لا تقبل مطلقًا . وقول الثالث: تقبل إذا كان الراوي عنه لا يروي إلا عن ثقة. والرابع: تقبل إذا زكَّاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع رواية واحد عنه، واختاره أبو الحسن القطان وصححه الحافظ ابن حجر . والخامس: تقبل إذا اشتهر في غير العلم والرواية، كاشتهار عمرو بن معد يكرب بالنجدة وكاشتهار مالك بن دینار بالزهد. واختلفوا أيضًا في رواية مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه: فقبلها بعضهم مطلقًا، وقبلها بعضهم إذا روى عنه من لا يروي إلا عن ثقة. والصحيح عدم قبولها، وهو قول الجمهور. وأما المستور، وهو العدل في ظاهر حاله، ولكنه مجهول العدالة باطنًا فالأصح قبول روايته، لأن الإخبار مبني على حسن الظن بالراوي. قال ابن الصلاح: ((ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة، في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم، وتعذرت الخبرة الباطنة بهم» وهذا القول صححه النووي أيضًا. ومن المعروف عينه وعدالته وجهل اسمه أو نسبه: احتج به، وفي الصحيحين من ذلك كثير، كقولهم: ابن فلان، أو ولد فلان، وقد جزم بذلك الخطيب في الكفاية، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا يخل بالعلم بعدالته. قاله في التدريب. (١) فتح ج ٢ ص ٥٢ - ٥٧ . ٣٥٠ شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِ ٣٠٦- وَمَنْ يَقُلْ: «أَخْبَرَنِي فُلانٌ أوْ هَذَا)) لَعَدْلَيْنِ قَبُولَهُ رَأَوْا ٣٠٧- فَإِنْ يَقُلْ: ((أَوْ غَيْرُهُ»، أَوْ يُجْهَلِ بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا: لا تُقْبَلَ (*) (ومن) شرطية أو موصولة (عرفنا عينه) برواية عدلين عنه (وحاله) بثبوت عدالته باطنًا وظاهراً (دون اسمه ونسب) له، أي من غير أن نعرف اسمه ونسبه أو أحدهما، وقوله: (ملنا له) جواب ((من))، أو خبرها، أي عدلنا إلى قبوله، بمعنى أننا نحتج به. وحاصل المعنى: أن من عرفنا عينه وعدالته، وجهلنا اسمه أو نسبه، نحتج به، جزم بذلك الخطيب في الكفاية، ونقله عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وعلله بأن الجهل باسمه لا يخل بعدالته، ومثله بحديث ثمامة بن حزن القشيري: ((سألت عائشة رضي الله عنها عن النبيذ، فقالت: هذه خادم رسول الله ◌َ لو الجارية حبشية فسلها)) ، الحديث، ذكره في التدريب، وفي الصحيحين من ذلك كثير كقولهم ابن فلان أو والد فلان . ثم ذكر مسألة شك المحدث في شیخیه أيهما حدثه، فقال: هَذَا)) لعَدْلَيْن قَبُولَهُ رَأَوْا وَمَنْ يَقُلْ: ((أَخْبَرَنِي فُلانٌ أَوْ(١) بَعْضُ الَّذِي سَمَّاهُمَا: لا تُقْبَلِ فَإِنْ يَقُلْ: (أَوْ غَيْرُهُ) أَوْ يُجْهَل (ومن) شرطية (يقل) من المحدثين (أخبرني فلان) لشخص سماه (او هذا) على الشك، وقوله: (لعدلين) حال من فلان، أو هذا، أي حال كونهما كائنين لعدلين من الشيوخ (قبوله) مفعول مقدم لقوله (رأوا) أي العلماء، وهو جواب من. وحاصل معنى البيت: أنه إذا قال الراوي: حدثني فلان، أو فلان على الشك، وهما عدلان احتج بروايته، لأنه عينهما، وتحقق سماعه ذلك الحديث من أحدهما، وكلاهما (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا قال الراوي: أخبرني فلان أو فلان، على الشك - وسماهما - وكان عدلين كان الخبر مقبولاً، لأنه انتقال من ثقة إلى ثقة، وقد سمعه من أحدهما، وإنما شك في تعيينه بخصوصه، فهذا شك غير مؤثر في صحة الرواية. وأما إذا كان أحدهما ثقة والآخر غير ثقة أو مجهول العدالة فإن الخبر لا يقبل، لاحتمال أن يكون لم يسمعه من الثقة وسمعه من الآخر والآخر ليس بحجة. وكذلك إذا قال: فلان أو غيره - فسمى أحدهما وأبهم الآخر - لا يحتج به، لاحتمال أن يكون سمعه من المبهم المجهول. (١) بدرج الهمزة للوزن . ٣٥١ - الجُزْءُ الأولْ ٣٠٨- وَكَافرٌ بَبدْعَة لَنْ يُقْبَلا (ثَالِثُهَا: إِنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلا) ٣٠٩- وَغَيْرُهُ: يُرَدُّ مِنْهُ (الرَّافضيْ) وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِيْ ٣١٠- قَبُولُهُمْ (لا إِنْ رَوَوْا وَفَاقًا لِرَأيِهِمْ، أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا (*) مقبول، قاله الخطيب، ومثله بحديث شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الزعراء(١) أو عن زيد بن وهب، أن سويد بن غفلة دخل على علي بن أبي طالب، فقال: يا أمير المؤمنين إني مررت بقوم يذكرون أبا بكر وعمر .... الحديث. (فإن يقل) المحدث أخبرني فلان (أو غيره) بالإبهام (أو يجهل) عطف على يقل مجزوم، حرك بالكسر للوزن (بعض الذي سماهما) من شيخيه يعني أنه سمى شيخيه بأن قال: فلان أو فلان، إلا أن أحدهما جهلت عدالته، فقوله: بعض نائب فاعل ((يجهل)) (لا) ناهية (تقبل) أيها المحدث ذلك الحديث، وهو جواب ((إن))، وفي نسخة الشارح: لا يقبل بالياء وعليه فـ ((لا) نافية، ويقبل بالبناء للمفعول مرفوع وقف علیه بسكون، کـ ((یجهل)) للوزن. وحاصل المعنى: أنه إذا سماهما، ولكن جهلت عدالة أحدهما لم يحتج به لاحتمال أن یکون الخبر عن المجهول. ولما كان شرط قبول الرواية الإِسلام والعدالة، فلا يقبل الكافر في حال كفره، والفاسق في حال فسقه: شرع يبين أحكام المبتدعة الذين ابتدعوا ما خالفوا فيه جماهير أهل الإِسلام، وهم مع ذلك من أهل القبلة، هل تقبل روايتهم، لكونهم من أهل القبلة، أم لا إلحاقًا لهم بالكفار، أم يفرق بين الدعاة وغيرهم؟ أم نفرق بين من يستحل الكذب ومن لا يستحله؟ فقال : ثَالثُهَا: إنْ كَذِبًا قَدْ حَلَّلا وَكَافِرٌ بِبِدْعَة لَنْ يُقْبَلا وو ورءُ . وَّ وَمَنْ دَعَا وَمَنْ سِوَاهُمْ نَرْتَضِيْ وَغَيْرُهُ: يُرَدُّ مِنْهُ الرََّفضيْ لِرَأيِهِمْ، أَبْدَى أَبُو إِسْحَاقَا قَبُولُهُمْ لا إِنْ رَوَوْا وَفَاقًا (١) هكذا في كتب الرجال الزعراء بالعين المهملة وهو الصواب، ووقع في نسخة التدريب الزغراء بالغين المعجمة وهو خطأ وقد ذكر على الصواب في كفاية الخطيب التي نقل عنها صاحب التدريب . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أهل البدع والأهواء إذا كانت بدعتهم مما يحكم بكفر القائل بها لا تقبل = ٣٥٢ شَرْع ◌َلْفِيَةُ السَّيُوطِيّ - روايتهم بالاتفاق فيما حكاه النووي، ورد عليه المؤلف في شرحه على التقريب دعوى الاتفاق، ونقل قولاً آخر بأنها تقبل روايتهم مطلقًا وقولاً آخر بأنها تقبل إن اعتقد حرمة الكذب، ثم نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال: ((التحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته؛ لأن كل طائفة تدعي أن مخالفتها مبتدعة وقد تبالغ فتكفر، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. والمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله)». وهذا الذي قاله الحافظ هو الحق الجدير بالاعتبار، ويؤيده النظر الصحيح. وأما من كانت بدعته لا توجب الكفر، فإن بعضهم لم يقبل روايته مطلقًا، وهو غلو من غير دليل، وبعضهم قبل روايته إن لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه، وروي هذا القول عن الشافعي، فإنه قال: ((أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية، لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم)). وقال أيضًا: ((ما رأيت في أهل الأهواء قومًا أشهد بالزور من الرافضة- وهذا القيد - أعني عدم استحلال الكذب - لا أرى داعيًا له، لأنه قيد معروف بالضرورة في كل راوٍ، فإنا لا نقبل رواية الراوي الذي يعرف عنه الكذب مرة واحدة، فأولى أن نرد رواية من يستحل الكذب أو شهادة الزور. وقال بعضهم: تقبل رواية المبتدع إذا لم يكن داعية إلى بدعته، ولا تقبل إن كان داعية، ورجح النووي هذا القول وقال: ((وهو الأظهر الأعدل، وقول الكثير أو الأكثر)). وقيد الحافظ أبو إسحاق الجوزجاني - شيخ أبي داود والنسائي - هذا القول بقبول روايته إذا لم يرو ما يقوي بدعته. وهذه الأقوال كلها نظرية، والعبرة في الرواية بصدق الراوي وأمانته والثقة بدينه وخلقه، والمتتبع لأحوال الرواة يرى كثيرًا من أهل البدع موضعًا للثقة والاطمئنان، وإن رووا ما يوافق رأيهم، ويرى كثيرًا منهم لا يوثق بأي شيء يرويه . ولذلك قال الحافظ الذهبي في الميزان (ج١ ص ٤) في ترجمة أبان بن تغلب الكوفي: ((شيعي جلد، لكنه صدوق، فلنا صدقه، وعليه بدعته)) ونقل توثيقه عن أحمد وغيره، ثم قال: ((فلقائل أن يقول: كيف ساغ توثيق مبتدع، وحد الثقة العدالة والإتقان، فكيف يكون عدلاً من هو صاحب بدعة؟ !. وجوابه: أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كغلو التشيع، أو التشيع بلا غلو ولا تحرق، فهذا كثر في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية، وهذه مفسدة بينة. ثم بدعة كبرى، كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوع لا يحتج بهم ولا كرامة. وأيضًا فما أستحضر الآن في هذا الضرب رجلاً صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذب شعارهم، والتقية والنفاق دثارهم، فكيف يقبل نقل من هذا حاله؟! حاشا وكلا. فالشيعي الغالي في زمان السلف وعرفهم: هو من تكلم في عثمان والزبير وطلحة ومعاوية وطائفة ممن حارب عليًّا رضي الله عنهم، وتعرض لسبهم، والغالي في زماننا وعرفنا: هو الذي يكفر هؤلاء السادة ويتبرأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال مفترٍ)). والذي قاله الذهبي مع ضميمة ما قاله ابن حجر فيما مضى: هو التحقيق الدقيق المنطبق على أصول الرواية. والله أعلم. ٣٥٣ - الجُزْءُ الأولُ (وكافر ببدعة) مبتدأ خبره جملة ((لن يقبلا)) أي شخص كفر بسبب بدعة ابتدعها، وهي اسم من الابتداع، كالرفعة من الارتفاع، يقال: أبدعت الشيء، وابتدعته: استخرجته، وأحدثته، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين، أو زيادة فيه، أفاده الفيومي . وقال في ((ق)) وشرحه: والبدعة بالكسر: الحدث في الدين بعد الإكمال، أو ما استحدث بعد النبي ﴾ من الأهواء، والأعمال، جمعه بدع، کعنب. اهـ. والمراد هنا: المجسم، ومنكر علم الجزئيات، قيل: وقائل خلق القرآن، كما نص عليه الشافعي، واختاره البلقيني (لن يقبلا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، أي لم يحتج بروايته مطلقًا، وعليه الجمهور. وقيل: يقبل مطلقًا، حكاه الخطيب عن جماعة من أهل النقل، والمتكلمين، وهذا القول هو المطوي في قوله: (ثالثها) أي الأقوال مبتدأ خبره جملة الشرط والجزاء (إن كذبا قد حللا) بالبناء للفاعل، والألف للإِطلاق، وجواب إن محذوف دل عليه السابق، أي: فلن يقبل . وحاصل هذا القول: أنه يفصل بين ما إذا اعتقد حل الكذب، فيرد، أو لا فيقبل، وهذا القول هو الذي صححه صاحب المحصول. وحاصل معنى البيت: أنه اختلف في رواية المبتدعة الذين كُفِّروا بسببها على ثلاثة أقوال: الأول قول الجمهور: إنها لا تقبل، والثاني: تقبل، والثالث: إن کان یری حل الكذب لا تقبل، وإلا قبلت. وقد أجاد الحافظ رحمه الله في هذه المسألة إجادة بلیغة، وقد سبقه إلى ذلك ابن دقيق العيد رحمه الله حيث قال في شرح النخبة (١): والتحقيق أنه لا يرد كل مُكَفَّر ببدعة؛ لأن كلَّ طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفرها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمرًا متواتراً من الشرع معلومًا من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضمَّ إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه فلا مانع من قبوله . اهـ. (١) شرح النخبة ص٨٨ . ٣٥٤ شَرِجُ الْفَُّةُ السَّيُوطِىّ - - قلت: وهذا القول هو التحقيق الحقيق بالقبول، فلا ينبغي العدول إلى غيره من النقول. والله أعلم. ثم ذكر حكم الفاسق ببدعته، فقال: (وغيره) أي غير الكافر ببدعته، وهو الذي يفسق بها، مبتدأ خبره قوله: (يرد) بالبناء للمفعول (منه) أي من غير الكافر (الرافضي) نائب فاعل يرد، أي المبتدع الذي ينسب إلى الرفض من رفضت الشيء من باب ضرب وقتل: إذا تركته، فالرافضي واحد الرافضة، وهم فرقة من شيعة الكوفة، سموا بذلك؛ لأنهم رفضوا، أي تركوا زيد بن علي عليه السلام حين نهاهم عن الطعن في الصحابة، فلما عرفوا مقالته، وأنه لا يتبرأ من الشيخين رفضوه ثم استعمل هذا اللقب في كل من غلا في هذا المذهب، وأجاز الطعن في الصحابة. قاله الفيومي. وفي (ق)) والتاج: والرافضة فرقة من الشيعة بايعوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ثم قالوا له: تبرأ من الشيخين، نقاتل معك، فأبى، وقال: كانا وزيري جدي وَلقر، فلا أبرأ منهما، فتركوه، ورفضوه، وارفضُّوا عنه، فسموا رافضة، والنسبة رافضي، وقالوا: الروافض، ولم يقولوا الرفَّاض، لأنهم عنوا الجماعات. اهـ. وحاصل المعنى: أن غير الكافر بالبدعة يقبل إلا الرافضة (و) يرد أيضًا من المبتدعة غير المکفرین (من دعا) أي المبتدع الذي يدعو الناس إلى بدعته، لأن تزیین بدعته قد يحمله على تحريف الروايات وتسويتها على ما يقتضيه مذهبه، وهذا القول هو الأظهر الأعدل، وقول الكثير، أو الأكثر من العلماء. قاله النووي. ونقل ابن حبان فيه الاتفاق، لكن قال الحافظ: إنه أغرب في حكاية الاتفاق. لكن يشترط مع کونه صدوقًا غیر داعية أن لا یکون الحديث الذي يحدث به مما يعضد بدعته، ويشدها، ويزينها، فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبة الهوى. أفاده الحافظ . (ومن سواهم) أي غير من ذكرنا من الرافضة، والدعاة مبتدأ، خبره جملة قوله (نرتضي) أيها المحققون (قبولهم) أي قبول روايتهم (لا) نقبلهم (إن رووا) أي: المبتدعة (وفاقا) أي موافقًا مقويًا (لرأيهم) الباطل. (أبدى) أي أظهر هذا التفصيل الحسن، الحافظ (أبو إسحاقا) بألف الإطلاق الجوزجاني، إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، سكن دمشق، وكان من الحفاظ المصنفين، والمخرجين الثقات، مات بدمشق سنة ٦ أو ٢٥٩ . ٠ ١ ٣٥٥ - الجُزْءُ الأول ٣١١- وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلٍ أَوْ كَذِبِ الْحَديثِ فَابْنُ حَتْبَلٍ ٣١٢- وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ: أَبَوْا قَـبُـولُهُ مُؤَّدًا، ثُمَّ نَأَوْا ٣١٣- عَنْ كُلِّمَا مِنْ قَبْلٍ ذَارَوَاهُ (وَالنَّوَوِيُّ كُلَّذَا أَبَاهُ ٣١٤- وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ(٤)) وحاصل المعنى: أن غير الرافضة والدعاة مقبولون، إلا إذا رووا ما يوافق بدعتهم، صرح بذلك أبو إسحاق الجوزجاني. وحاصل الأقوال في مسألة المبتدع الذي لم يُكَفَّر ببدعته ثلاثة: الأول: لا يحتج به مطلقًا، ونسب إلى مالك. الثاني: يحتج به إن لم يكن ممن يستحلُّ الكذب لنصرة مذهبه، وحكي عن الشافعي. الثالث: يحتج به إن لم یکن داعية إلى بدعته، ولا يحتج إن كان داعية، وهذا هو الأظهر الأعدل . ثم ذكر حكم التائب عن الفسق بقوله : أَوْ كَذبِ الْحَدِيثِ فَابْنُ حَنْبَلِ وَمَنْ يَتُبْ عَنْ فِسْقِهِ فَلْيُقْبَلِ قَبُولُهُ مُؤَبَّدًا ، ثُمَّ نَأَوْا وَالصَّيْرَفِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ : أَوْا وَالنَّوَوَيُّ كُلَّذَا أَبَاهُ عَنْ كُلِّ مَا مِنْ قَبْلِ ذَا رَوَاهُ دَلِيلُهُ فِي شَرْحِنَا مُوَضَّحُ وَمَا رَآهُ الأَوَّلُونَ أَرْجَحُ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الراوي المجروح بالفسق، إذا تاب عن فسقه وعرفت عدالته بعد التوبة: تقبل روايته بعدها، وهذا على إطلاقه في كل المعاصي ما عدا الكذب في رواية الحديث، فإن أحمد بن حنبل وأبا بكر الحميدي وأبا بكر الصيرفي قالوا: لا تقبل رواية من كذب في أحاديث رسول الله عدوّيم وإن تاب عن الكذب بعد ذلك. قال الصيرفي: ((كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر)) وقال أبو المظفر السمعاني: ((من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه)). ورد النووي هذا فقال في شرح مسلم: ((المختار القطع بصحة توبته وقبول روايته كشهادته، كالكافر إذا أسلم)) . = ٣٥٦ - شَرِجُ الْفِيَّة السُّوطِيّ - (ومن) شرطية، مبتدأ (يتب) أي يرجع إلى الله تعالى (عن فسقه) السابق الذي تسبب لرد روايته، وقوله: (فليقبل) بالبناء للمفعول جواب ((من)) أي يقبل حديثه، ويعمل به . والمعنى: أن الراوي المجروح بسبب الفسق إذا تاب، وعرفت عدالته بعد التوبة تقبل روایته، وكذا شهادته للآیات، والأخبار الدالة على ذلك، ثم استثنى من ذلك من كان فسقه بسبب الكذب في الحديث النبوي، فقال: (أو كذب الحديث) بالجر عطفًا على ((فسقه))، أي: من يتب عن الكذب في الحديث النبوي مطلقًا في الفضائل، أو الأحکام، أو غيرهما بأن وضع، أو رکب سندًا صحيحًا لمتن ضعيف، ونحو ذلك، ولو مرة واحدة. وقيد بالكذب في الحديث النبوي احترازاً عن الكذب في حديث الناس، فإنه داخل في المسألة السابقة، فيقبل إذا تاب توبة صحيحة. وقوله: (فابن حنبل) مبتدأ خبره جملة ((أبوا))، وجملة المبتدأ والخبر معطوفة على الجواب، وفيه العطف على معمولي عاملين مختلفين، وفيه الخلاف المشهور. وحاصل المعنى: أن من تاب عن الكذب في أحاديث رسول الله وَّر، فالإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل (و) العلامة أبو بكر محمد بن عبد الله (الصيرفي) بفتح الصاد وسكون الياء وفتح الراء، نسبة إلى بيع الذهب، كان رحمه الله فهِمًا عالمًا، سمع الحديث من أحمد بن المنصور الرمادي، وغيره، وروى عنه القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن إسحاق بن يزيد الحلبي بمصر، توفي في ربيع الآخر سنة ٣٣٠ هـ. = والراجح: ما قاله أحمد بن حنبل ومن معه، تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذب على رسول الله عز ◌َّام، لعظم مفسدته، فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. فلا يقاس الكذب في الرواية على الكذب في الشهادة أو في غيرها، ولا على أنواع المعاصي الأخرى. قال الناظم في التدريب: ((وقد وجدت في الفقه فرعين يشهدان لما قاله الصيرفي والسمعاني: فذكروا في باب اللعان: أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنًا ولا يحد قاذفه بعد ذلك، لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبدًا. وذكروا أنه لو قذف ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف لم يحد، لأن الله تعالى أجرى العادة أنه لا يفضح أحداً من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف. وكذلك تقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه، فوجب إسقاط الكل. وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحدًا تنبه لما حررته. ولله الحمد)). ٣٥٧ - الجُزْءُ الأُولْ (و) الحافظ البارع أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى (الحميدي) بضم ففتح نسبة إلى حميد بطن من أسد، القرشي صاحب الشافعي، روى عن ابن عيينة، وفضيل بن عياض، وروى عنه البخاري، وهو أول من بدأ به الصحیح، مات بمكة سنة ٢١٩ هـ. (أبوا) أي امتنعوا (قبوله) أي قبول روايته (مؤبدًا) حال من الإِباء المفهوم من أبوا أي حال کون الإباء مؤبداً، أي ولو تاب وحسنت توبته. يعني: أن هؤلاء الثلاثة أبوا قبول روايته، ولو حسنت توبته، تغليظًا عليه، لما ينشأ من صنيعه من مفسدة عظيمة، فإنه يصير شرعًا مستمرًاً إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره وَّة، فإن مفسدته قاصرة ليست عامة. (ثم) إنهم بعد ما أبوا قبوله، وإن تاب (نأوا) أي ابتعدوا أيضًا (عن) قبول (كل ما) أي الحديث الذي (من قبل ذا) أي كذبه على رسول الله وَليل (رواه) هذا التائب، يعني أنهم أبوا قبول روایته قبل أن يحدث الكذب علیه ◌َآلۇ . (و) لكن الإمام أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف (النووي) رحمه الله (كل ذا) أي كل ما تقدم مما قاله هؤلاء الأئمة (أباه) أي كرهه، وامتنع من قبوله. يقال: أبى الشيء یأباه، ویأبيه، إباء، وإیاءة بکسرهما: کرهه. اهـ. وقوله: (والنووي) مبتدأ، و(كل ذا) إما مبتدأ ثانٍ، أو منصوب على الاشتغال، وقوله: (أباه) خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر للأول، أو جملة مفسرة لا محل لها من الإعراب. وحاصل المعنى: أن النووي رحمه الله امتنع من قبول رأي هؤلاء الأئمة، وقال: هذا كله مخالف لقاعدة مذهبنا، ومذهب غيرنا، ولا يقوى الفرق بينه وبين الشهادة. وقال في شرح مسلم: لم أر لهذا القول في أصل هذه المسألة دليلاً، والمختار القطع بصحة توبته في هذا الكذب، وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة. اهـ (١). ثم ذكر الناظم أن القول الأول هو الراجح، فقال: (وما) موصولة مبتدأ، أي الذي (رآه الأولون) وهم أحمد، والحميدي، والصيرفي من عدم قبول روايته بعد التوبة (أرجح) خبر المبتدأ، أي أكثر رجحانًا مما رآه النووي من القبول. (١) انظر التقريب مع التدريب ج ١ ص ٢٩٤، ٢٩٥ . ٣٥٨ شَرْجُ الفِرَة السَّيُوطِيّ - ٣١٥- وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ إِسْقَاطُهُ، لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ ٣١٦- أَوْ قَالَ: لا أَذْكُرُهُ، وَنَحْوُ ذا كَأَنْ نَسِي: فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا (*) يعني: أن رأي هؤلاء الأئمة أرجح من رأي النووي في هذه المسألة (دليله) أي شاهد أرجحيته، مبتدأ (في شرحنا) أي في الكتاب المسمى تدريب الراوي، بشرح تقريب النواوي، متعلق بقوله (موضح) أي مبين، من التوضيح، خبر المبتدأ . وحاصل المعنى: أن دليل أرجحية ما قاله هؤلاء الأئمة مبين في التدريب. وحاصل ما ذكره هناك أن قول النووي: إن هذا مخالف للقواعد. غیر صحیح، فإن له نظيراً في الشرع، فقد ذكر الفقهاء في باب اللعان أن الزاني إذا تاب وحسنت توبته لا يعود محصنًا، ولا يحد قاذفه بعد ذلك، لبقاء ثلمة عرضه، فهذا نظير أن الكاذب لا يقبل خبره أبداً . وذكروا أيضاً أنه لو قذف، ثم زنى بعد القذف قبل أن يحد القاذف، لم يحد؛ لأن الله أجرى العادة أنه لا يفضح أحداً من أول مرة، فالظاهر تقدم زناه قبل ذلك، فلم يحد له القاذف، وكذا نقول فيمن تبين كذبه: الظاهر تكرر ذلك منه حتى ظهر لنا، ولم يتعين لنا ذلك فيما روى من حديثه، فوجب إسقاط الكل، وهذا واضح بلا شك، ولم أر أحدًا تنبه لما حررته، ولله الحمد. اهـ(١). ثم ذكر مسألة تكذيب الشيخ الراوي بقوله : إِسْقَاطُهُ ، لَكِنْ بِفَرْعٍ مَا قَدَحْ وَمَنْ نَفَى مَا عَنْهُ يُرْوَى فَالأَصَحّ كَأَنْ نَسِي: فَصَحَّحُوا أَنْ يُؤْخَذَا أَوْ قَالَ : لا أَذْكُرُهُ، وَنَحْوُ ذا (١) تدريب ج ١ ص ٢٩٥، ٢٩٦ . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا روى ثقة عن ثقة آخر حديثًا فنفاه المروي عنه وجزم بأنه لم يحدث بهذا الحديث، بأن قال ((ما رويته)) أو ((كذب علي)) أو نحو ذلك: وجب رده في الأصح الذي رجحه الناظم، ولكن لايقدح ذلك في باقي روايات الراوي عنه ولا يثبت جرحه. قال الناظم في التدريب (ص ١٢٣): («لأنه أيضًا مكذب لشيخه في نفيه لذلك، وليس قبول جرح كل منهما أولى من قبول الآخر، فتساقطا، فإن عاد الأصل وحدث به أو حدث به فرع آخر ثقة عنه ولم يكذبه فهو مقبول. صرح به القاضي أبو بكر والخطيب وغيرهما)). وهذا الذي رجحه المؤلف لا أراه راجحًا، بل الراجح قبول الحديث مطلقًا، إذ أن الراوي عن الشيخ ثقة = ٣٥٩ - الجُزُءُ الأُولْ (ومن) شرطية، أو موصولة مبتدأ (نفى) أي كذب صريحًا (ما) أي الحديث الذي (عنه يروى) بالبناء للمفعول، أي ينقل عنه، كما إذا روى ثقة عن ثقة حديثًا، وروجع المروي عنه فيه، فنفاه صريحًا بقوله: كذب علي، أو ما رويته (فالأصح) أي القول المختار عند المتأخرين وفاقًا لابن الصلاح، والنووي، والإمام فخر الدين، والآمدي، وهو مبتدأ، خبره قوله: (إسقاطه) أي إسقاط ذلك الحديث، فلا يعمل به، والجملة جواب الشرط، أو خبر المبتدأ . وحاصل المعنى: أنه إذا روى ثقة من الثقات حديثًا، فنفاه المروي عنه لما روجع، فإن كان جازمًا بنفيه بأن قال: ما رويته، أو كذب علي، ونحوه، فالمختار وجوب رده، = ضابط لروايته فهو مثبت، والشيخ وإن كان ثقة إلا أنه ينفي هذه الرواية، والمثبت مقدم على النافي، وكل إنسان عرضة للنسيان والسهو، وقد يثق الإنسان بذاكرته ويطمئن إلى أنه فعل الشيء جازمًا بذلك، أو إلى أنه لم يفعله مؤكدًا لجزمه: هو في الحالين ساهٍ ناسٍ. وإلى هذا القول ذهب كثير من العلماء، واختاره السمعاني، وعزاه الشاشي للشافعي، وحكى الهندي الإجماع عليه. كما نقل ذلك المؤلف في التدريب، ثم قال: ((ومن شواهد القبول ما رواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس قال: كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله على بقلم بالتكبير. قال عمرو بن دينار: ثم ذكرته لأبي معبد بعد فقال: لم أحدثك، قال عمرو: قد حدثتنيه! قال الشافعي: كأنه نسيه بعدما حدثه إياه. والحديث أخرجه البخاري من حديث ابن عيينة)). وأما إذا لم ينف الشيخ الحديث الذي حدث عنه الثقة به، بل نسيه فقط، بأن قال: ((لا أعرفه)) أو («لا أذكره)) أو نحو ذلك: فإنه أولى بالقبول، ولا يرد بذلك وجاز العمل به على الصحيح، وهو قول الجمهور من أهل الحديث والفقه والكلام، خلافًا لبعض الحنفية . ومثال ذلك: ما رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ((أن النبي ◌ِنَّم قضى باليمين مع الشاهد)) زاد أبو داود في رواية: أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال: حدثني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه. ورواه أبو داود أيضًا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة، قال سليمان: فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك، قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني. نقله في التدريب. قال ابن الصلاح في علم الحدیث (ص ١٣٠): «وقد روی کثیر من الأکابر أحاديث نسوها بعدما حدثوا بها عمن سمعها منهم، فكان أحدهم يقول: حدثني فلان عني عن فلان بكذا وكذا، وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب: أخبار من حدث ونسي)). ٣٦٠ شَرَج ◌ُلُُّ الشَّيُوظِي . لتعارض قولهما كالبينتين إذا تكاذبا فإنهما يتعارضان إذ الشيخ قطع بكذب الراوي، والراوي قطع بالنقل، ولكل وجهة ترجيح. أما الراوي فلكونه مثبتًا، وأما الشيخ فلكونه نفى ما يتعلق به في أمر يقرب من المحصور غالبًا . ولما كان يتوهم من رد حديثه ثبوت كذبه رفع هذا التوهم بقوله: (لكن بفرع) وهو الراوي (ما) نافية (قدح) أي النفي المفهوم من نفي أي ما أثبت جرحه. والمعنى: أن هذا التكذیب من الشيخ لا يثبت جرح هذا الراوي في باقي رواياته؛ لأن الجرح في مثل ذلك لا يثبت بالواحد، وأيضاً فقد كذب شيخه صريحًا إن فرض أنه قال: كذب، بل سمعته منه، أو ما يقوم مقام الصريح، وهو جزمه بكون الشیخ حدثه به، لأن ذلك قد يستلزم تكذيبه في دعواه أنه كذب عليه، وليس قبول قول أحدهما بأولى من الآخر (١). فإن عاد الشيخ وحدث به، أو حدث به ثقة غير الأول منه ولم يكذبه فهو مقبول، ومقابل الأصح، وهو ما اختاره في جمع الجوامع وفاقًا لابن السمعاني وغيره، بل حكاه الفخر الشاشي عن الشافعي، وحكى الصفي الهندي والآمدي الاتفاق عليه، وهو عدم إسقاط المروي لاحتمال نسيان الأصل له بعد روايته للفرع، ولأن الفرع عدل ضابط إلى آخر شروطه، وقد تقرر أنه يجب العمل بخبره، والوجوب لا يسقط بالاحتمال، والأصل وإن كان عدلاً ضابطًا أيضًا لكنه كذب عدلاً، وتكذيب العدل خلاف الظاهر . لا يقال: يلزم أن يكون الأصل كاذبًا، وهو أيضًا عدل، فيكون خلاف الظاهر، لأنا نقول: بل هو الظاهر، لأنه كذب في التكذيب للفرع العدل، وقد علمت أنه خلاف الظاهر، فيكون كذب الأصل هو الأصل إلا أنه لعدالته يحمل على النسيان. وهذا القول هو الراجح عند المحدثين كما قال السخاوي نقلاً عن الحافظ، ويدل عليه صنيع الشيخين، حيث أخرجا حديث عمرو بن دينار عن أبي معبد عن ابن عباس: ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله مقلقة إلا بالتكبير مع قول أبي معبد لعمرو: لم أحدثك به، (١) وأيضًا عدالة كل منهما متيقنة، وكذبه مشكوك فيه، واليقين لا يرفع بالشك، فتساقطا اهـ. فتح ج ٢ ص ٧٧، ٧٨ .