النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
-
الجُزْءُ الأولُ
عن حماد بن سلمة، عن أبي المهزم، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: ((إن الله خلق
الفرس فأجراها فعرقت فخلق نفسه منها )) هذا لا يضعه مسلم، بل ولا عاقل، والمتهم به
محمد بن شجاع، كان زائغًا في دينه، وفيه أبو المهزم، قال شعبة: رأيته لو أعطي درهمًا
وضع خمسين حديثًا. قاله في التدريب(١) .
ويلحق به ما يدفعه الحس، والمشاهدة، كالإخبار بالجمع بين الضدين، كقول
الإِنسان: أنا الآن طائر في الهواء، ومكة لا وجود لها، قاله في التوضيح (أو منقولا) نصب
على الاشتغال، أي خالف الخبر منقولاً، أي: دليلاً ثابتًا بالنقل، وهو الكتاب، والسنة
المتواترة، أو الإجماع القطعي، وقوله (خالفه) جملة مفسرة.
والمعنى: أنك تحكم بوضع الخبر إذا خالف نص الكتاب، أو السنة المتواترة، أو
الإجماع القطعي.
وهذا إذا لم يمكن الجمع بينهما، أما إذا أمكن فلا، كما زعم بعضهم أن الحديث الذي رواه
الترمذي، وحسنه، من حديث أبي هريرة: ((لا يؤمن عبد قومًا فيخص نفسه بدعوة دونهم، فإن فعل
فقد خانھم ) موضوع لأنه قد صح عنهێ﴾ أنه کان یقول في دعائه: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي
كما باعدت بين المشرق والمغرب )) وغير ذلك، لأنا نقول: يمكن حمله على ما لم يشرع للمصلي
من الأدعية، لأن الإمام والمأموم يشتركان فيه بخلاف ما لم يؤثر. أفاده الصنعاني (أو ناقض) الخبر
أي : خالف (الأصولا) بألف الإطلاق أي أصول الإسلام، وهي الدواوين كما بينه بقوله (وفسروا
الأخير) أي بين العلماء كابن الجوزي المراد بالأخير، أي الذي ناقض الأصول بـ (حيث يفقد) أي
يعدم، يقال: فقد فلان الشيء من باب ضرب إذا عدمه (جوامع) فاعل يفقد وحذف مفعوله
لكونه فضلة، تقديره: يفقده جوامع، أي تعدمه جوامع، بمعنى أنها لم تذكره، وهي جمع
جامع، وهو الذي يجمع أنواع الحديث الثمانية وقد تقدم بيان ذلك في آخر مبحث الحسن.
(مشهورة) أي التي اشتهرت بين العلماء، كالصحيحين، وجامع الترمذي، وغيرها
(ومسند) من المسانيد، ولولا ضرورة الوزن كان الأولى أن يعرفه بـ ((أل)) الجنسية
أو الاستغراقية، إذ المراد التعميم، أو على أن النكرة في الإثبات تعم، وهو قول لبعضهم،
أي: كل المسانيد، وهي ما ألف على تراجم الصحابة، من غير نظر إلى الصحة والضعف،
بحيث يوافق حروف الهجاء، أو السوابق الإسلامية، أو شرافة النسب، كمسند الإمام
(١) ج ١ ص ٢٥٠ .

٣٠٢
شَرْجُ الفِرَة السّيُوَظِىّ -
٠,٠٠ ٠
٢٥٩ - وَفِي ثُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ
مَعْ قَطْعٍ مَنْعٍ عَمَلٍ تَرَدُّهُ (*))
أحمد، وابن راهويه والطيالسي، وغيرهم، وقد تقدم بيانها .
وحاصل المعنى: أنه يحكم بكون الخبر موضوعًا إذا كان خارجاً عن دواوين الإسلام
من الجوامع والمسانيد، وكذا الأجزاء والفوائد، وغيرها.
لكن قال العز بن جماعة: وهذا قد ينازع في إفضائه إلى القطع، وإنما غايته غلبة الظن،
ولهذا قال العراقي: يشترط استيعاب الاستقراء بحيث لا يبقى ديوان، ولا راو إلا وكشف
أمره في جميع أقطار الأرض، وهو عسر، أو متعذر. اهـ(١).
وَفِي تُبُوتِ الْوَضْعِ حَيْثُ يُشْهَدُ مَعْ قَطْعِ مَنْعٍ عَمَلٍ تَرَدُّهُ
(وفي ثبوت الوضع) خبر مقدم، لقوله: ((تردد))، أي في ثبوت كون الخبر موضوعًا
(حيث يشهد) بالبناء للمفعول، والظرف متعلق بـ(( ثبوت))، ونائب الفاعل محذوف
تقديره: عليه، أي على الوضع، أو بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى المفهوم من
یشهد، أو محذوف على مذهب من يجوز حذف الفاعل، أي یشهد شاهدان.
(مع) بسكون العين، لغة في فتحها (قطع منع عمل) أي مع كون العمل به مقطوعًا
بمنعه، والظرف حال من قوله (تردد) وهو مبتدأ مؤخر.
وحاصل المعنى: أن التردد حاصل في ثبوت الوضع للخبر حیث یشهد شاهدان على
ذلك مع كون العمل به ممنوعًا قطعًا، والحاصل أنه إذا شهد شاهدان على أن هذا الخبر
وضعه فلان على النبي پڑ، کان یری عدلان رجلاً يصنف كلامًا، وينسبه إلى النبي قليلآ،
فهل يثبت الوضع بتلك البينة؟ قال العلامة الزركشي رحمه الله: يشبه أن يجيء فيه التردد
في أن شهادة الزور هل تثبت بالبيئة مع القطع بأنه لا يعمل به؟ اهـ.
(تنبيه): قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: حكي عن بعض المتكلمين إنكار وقوع الوضع
بالكلية، وهذا القائل إما لا وجود له، أو هو في غاية البعد عن ممارسة العلوم الشرعية،
وقد حاول بعضهم الرد عليه بأنه قد ورد عنه ◌َ ﴿ بأنه قد قال: ((سيكذب علي)) فإن كان هذا
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: معنى هذا البيت: أنه هل يثبت الوضع بالبينة؟ كأن يرى عدلان رجلاً
يصنف كلامًا ثم ينسبه إلى النبي ◌ِدَّم، قال الزركشي: يشبه أن يجيء فيه التردد في أن شهادة الزور هل
تثبت بالبينة مع القطع بأنه لا يعمل به؛ لأنه سقطت الثقة بالرواية في الحالين، سواء قلنا بأن شهادة الزور
تثبت بالبينة أم قلنا بعدم ثبوتها .
(١) تدريب ج ١ ص ٢٤٨ .

٣٠٣
- الجُزْءُ الأولُ
٢٦٠ - وَاَلْوَاضعُونَ ( بَعْضُهُمْ لِيُفْسِدَآَ
دينًّا وَيَعْضٌ نَصْرَ رَأيٍ قَصَدَا
٢٦١- كَذَا تَكَسُّبًا، وَبَعْضٌ قَدْ رَوَى
للأُمَرَاء مَا يُوَافقُ الْهَوَى)
صحيحًا فيقع الكذب عليه لا محالة، وإن كان كذبًا فقد حصل المطلوب، وأجيب عن
الأول بأنه لا يلزم وقوعه الآن، إذ بقي إلى يوم القيامة أزمان يمكن أن يقع فيها ما ذكر،
وهذا القول، والاستدلال عليه، والجواب عنه من أضعف الأشياء عند أئمة الحديث،
وحفاظهم الذين كانوا يتضلعون من حفظ الصحاح، ويحفظون أمثالها وأضعافها من
المكذوبات خشية أن تروج عليهم، أو على أحد الناس. اهـ تنزيه الشريعة (١).
قلت: وهذا الحديث مما بحث عنه فلم يوجد كما نبه عليه المحلي في شرح جمع الجوامع.
ثم ذكر رحمه الله تعالى الأسباب الحاملة على الوضع، وهي كثيرة، فقال:
دينًا وَبَعْضٌ نَصْرَ رَأيٍ قَصَدَاً
وَاَلْوَاضِعُونَ بَعْضُهُمْ لُفْسِداً
لَلأُمَرَاءِ مَا يُوَافِقُ الْهَوَى
كَذَا تَّكَسُّبًا، وَبَعْضَّ قَدْ رَوَى
فمن الأسباب الحاملة على الوضع إفساد الدين، وهو الذي أشار إليه بقوله
(والواضعون) أي المختلقون للأخبار الكاذبة، مبتدأ حذف خبره، أي: أقسام (بعضهم)
مبتدأ خبره محذوف، أي وضع وقوله (ليفسدا) بألف الإطلاق علة للوضع متعلق بـ
((وضع)) المحذوف (دينًا) أي: دين الإِسلام. ويحتمل أن يكون قوله: بعضهم بدلاً من
الواضعون أو مبتدأ ثانیًا، والجملة خبر للأول.
وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين يضع الأخبار لأجل أن يفسد الدين، وهؤلاء هم
الزنادقة وضعوا إفسادًا له لاستخفافهم به، وتلبيسًا لأمره على المسلمين لما وقر في نفوسهم
من الحقد على الإسلام وأهله، يظهرون بمظهر المسلمين، وهم المنافقون.
قال حماد بن زيد: وضعت الزنادقة على رسول الله ◌َ ل أربعة عشر ألف حديث،
كعبد الكريم بن أبي العوجاء، قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة على الزندقة
بعد سنة ستين ومائة في خلافة المهدي، ولما أخذ ليضرب عنقه، قال: لقد وضعت فيكم
أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال، وأحل فيها الحرام، وكبيان بن سمعان النهدي من
بني تميم، ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى إلهية علي رضي الله عنه، وزعم مزاعم فاسدة،
(١) ج ١ ص ٨ .

٣٠٤
تَرْجِ الْفِيَةُ السَّيُوخِيّ _
ثم قتله خالد بن عبد الله القسري، وأحرقه بالنار، وكمحمد بن سعيد بن حسان الأسدي
الشامي المصلوب في الزندقة.
قال ابن الجوزي رحمه الله: وقد كان من هؤلاء من يتغفل الشيخ فيدس في كتابه ما
ليس من حديثه، فيرويه ذلك الشيخ ظنًّاً منه أنه من حديثه. اهـ (١).
ومنها نصر الآراء والمذاهب، وإليه أشار بقوله:
(وبعض) من الوضَّاعين مبتدأ خبره جملة قوله (نصر رأي) أي مذهب من المذاهب
الفاسدة التي لا دليل عليها، مفعول مقدم لقوله (قصدًا) بألف الإطلاق، يعني: أنه أراد أن
ينصر رأيه الذي ينتحله، وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين، وهم أصحاب الأهواء
والآراء التي لا دليل عليها من الكتاب والسنة حملهم على الوضع نصرة أهوائهم وآرائهم
كالخطابية، والرافضة، وغيرهم.
قال عبد الله بن يزيد المقرئ: إن رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته فجعل يقول:
انظروا هذا الدين عمن تأخذونه، فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا .
وقال حماد بن سلمة، أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع
الحديث وقال أبو العباس القرطبي صاحب كتاب ((المفهم شرح صحيح مسلم)) : استجاز
بعض فقهاء أهل الرأي نسبة الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله وَالآ نسبة
قولية، فيقولون في ذلك: قال رسول الله وَ ل كذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث
تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء، ولأنهم لا يقيمون لها سندًا، نقله
السخاوي في شرح الألفية العراقية (٢).
ومنها قصد التكسب والارتزاق وإليه أشار بقوله (كذا) أي مثلما تقدم من أنواع
الوضع، وهو خبر لمحذوف أي الوضع (تكسبًا) مفعول لأجله، أي لأجل الارتزاق به،
يعني أن وضع الأخبار لأجل التكسب مثلما تقدم من الأنواع، ويحتمل أن يكون تكسبًا
مفعول لفعل مقدر، دل عليه ما سبق، أي قصد البعض الآخر تكسبًا بوضع الحديث، وكذا
يتعلق بهذا الفعل المقدر .
وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين، وهم القصاص حملهم على الوضع قصد
التكسب، والارتزاق، والتقرب للعامة بغرائب الروايات، ولهم في هذا غرائب
(١) انظر تنزيه الشريعة ج ١ ص ١١ .
(٢) ج ١ ص ٣٠٨ .

٣٠٥
الجُزْءُ الأولُ
٢٦٢ - وَشَرُّهُمْ صُوفِيَّةٌ قَدْ وَضَعُوا
مُحْتَسبينَ الأَجْرَ فيمَا يَدَّعُوا
وعجائب، فمنها ما حكاه أبو حاتم البستي أنه دخل مسجدًا فقام بعد الصلاة شاب فقال :
حدثنا أبو خليفة، حدثنا أبو الوليد، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس وذكر حديثًا، قال
أبو حاتم: فلما فرغ دعوته قلت: رأيت أبا خليفة؟ قال: لا، قلت: كيف تروي ولم تره؟
فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة، أنا أحفظ هذا الإِسناد، فكلما سمعت حديثًا
ضممته إلیه، ومنها ما رواه ابن حبان عن مؤمل بن إهاب، قال: قام رجل يسأل الناس
فلم يعط شيئًا، فقال: حدثنا يزيد بن هارون، عن شريك، عن مغيرة، عن إبراهيم،
قال: إذا سأل السائل ثلاثًا، فلم يعط، فليكبر عليهم ثلاثًا، وجعل يقول: الله أكبر، الله
أكبر، الله أكبر، ثم مر، فذكر ذلك ليزيد بن هارون، فقال: كذب علي الخبيث، ما
سمعت بهذا الحديث قط .
ومنها التقرب إلى الملوك والأمراء، وإليه أشار بقوله (وبعض) من الوضاعين مبتدأ
خبره قوله (قد روى) أي أخبر (للأمراء ما) أي الخبر الذي (يوافق الهوى) أي يناسب ما
يهوونه، ويحبونه من الأفعال، والأقوال، والأحوال.
وحاصل المعنى: أن بعض الوضاعين حملهم على الوضع قصد التقرب إلى الملوك،
والخلفاء، والأمراء بالأقوال المختلفة المكذوبة على رسول الله مه لة إرضاء للأهواء
الشخصية، ونصراً للأحوال السياسية، كغياث بن إبراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث
فإنه دخل على المهدي(١) وكان يحب الحمام، ويلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له:
حدث أمير المؤمنين فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي ◌َّ قال: ((لا سبق (٢) إلا في نصل،
أو خف، أو حافر، أو جناح)) . فأمر له المهدي ببدرة (٣) فلما قام، قال: أشهد على قفاك أنه
قفا كذاب على رسول الله وَّر، ثم قال المهدي: أن حملته على ذلك، ثم أمر بذبح
الحمام، ورفض ما كان عليه.
ومنها الوضع في الترغيب والترهيب احتسابًا، وإليه أشار بقوله :
مُحْتَسَبِينَ الأَجْرَ فِيمَا يَدَّعُوا
وَشَرُّهُمْ صُوفِيَّةٌ قَدْ وَضَعُوا
(١) هو محمد بن عبد الله بن المنصور بن محمد بن علي العباسي، أبو عبد الله ١٦٩ - ١٧٧ هـ.
(٢) قال في النهاية ج ٢ ص ٣٣٨: السبق بفتح الباء: ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة، وبالسكون مصدر
سبقت أسبق سبقًا . المعنى لا يحل أخذ المال بالمسابقة إلا في هذه الثلاثة . انتهى.
(٣) أي: عشرة آلاف درهم.

٣٠٦
شَرِخ الفتيُالشَّيُوطِيّ -
٢٦٣ - فَقُبلَتْ مِنْهُمْ رُكُونَا لَهُمُ
حَتَّى أَبَانَهَا الأُلَى هُمُ هُمُ (2)
و
فَقُبلَتْ مِنْهُمْ رُكُونًا لَهُمُ حَتَّى أَبَانَهَا الأَلَى هُمُ هُمُ
(وشرهم صوفية) مبتدأ وخبر، أي أشر أصناف الوضاعين قوم صوفيون، دخيلون في
التصوف، نسبوا أنفسهم إلى الزهد، حملهم الجهل عل الوضع، وقوله (قد وضعوا) صفة
لـ((صوفية)) أي اختلقوا أحاديث، حال كونهم (محتسبين الأجر) أي مدخرين الأجر عند
الله، يقال: احتسبت الأجر على الله، أي ادخرته عنده، لا أرجو ثوابًا في الدنيا، والاسم
الحسبة، أفاده في المصباح، (فيما يدعوا) متعلق بـ ((محتسبين)) أي في زعمهم الباطل.
فـ((ما)) مصدرية ويدعوا صلتها نصب بها على قلة حملاً على ((أن))، كما ورد: ((كما (١)
تكونوا يولي عليكم )» ذكره ابن الحاجب، قال ابن مالك في إهمال ((أن)) حملاً على ما
کالعکس :
ما أختها حيث استحقت عملا
وبعضهم أهمل أن حملا على
وحاصل المعنى: أن أشر أصناف الوضاعين صوفية وضعوا أحاديث يحتسبون الأجر
بزعمهم الباطل، وجهلهم الذي بسببه لا يفرقون بين ما يجوز لهم، ويمتنع عليهم في
صنيعهم هذا، فيرونه قربة، ويحسبون أنهم يحسنون فإذا هم يفسدون ولا يصلحون
(فقبلت) تلك الموضوعات (منهم) أي من هؤلاء الصوفية الجهلة، أي قبل الناس
موضوعاتهم (ركونًا لهم) أي لأجل ميل الناس إليهم، واعتمادهم عليهم، وثوقًا بهم، لما
يتصفون به من التزهد، والتدين، فاغتروا، وفشت موضوعاتهم بينهم (حتى أبانها) أي إلى
أن أظهر كونها مختلفة (الأُلي) اسم موصول بمعنى الذين فاعل أبان وقوله (هُمُ هُمٌ) مبتدأ
وخبره صلة الموصول، وفي اتحاد المبتدأ والخبر من التعظيم ما لا يخفى كقوله:
أنا أبو النجم وشعري شعري
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذه هي الرواية الصحيحة في البيت، المصححة على النسخة المقروءة على
المؤلف. ورواه الشارح ((حتى أبانها أولو همم هم- وجعل كلمة ((هم)) مبتدأ خبره ((كالواضعين)) في البيت
الذي بعده، وشرح الكلام على ذلك. هو تكلف ظاهر لا داعي له.
. (١) رواه الحاكم والبيهقي من حديث يحيى بن هاشم، حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبيه أظنه عن أبي بكرة
مرفوعًا .
ورواية البيهقي بدون شك بحذف أبي بكرة وقال: إنه منقطع، ورواية يحيى في عداد من يضع الحديث . اهـ.
المقاصد الحسنة ص ٣٢٦ .

٣٠٧
الجُزُءُ الأولُ
والمعنى: هم البالغون في الحفظ والإتقان، وتمييز الخبيث الغاية القصوى.
وحاصل معنى البيتين: أن أشر أصناف الوضاعين، وأعظمهم ضررًا قوم نسبوا أنفسهم
إلى الزهد والتصوف، ولم يتحرجوا عن وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب احتسابًا
للأجر عند الله، ورغبة في حض الناس على عمل الخير واجتناب المعاصي فيما زعموا، وهم
بهذا العمل يفسدون ولا يصلحون، وقد اغتر بهم كثير من العامة، وأشباههم، فصدقوهم،
ووثقوا بهم لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح، وليسوا موضوعًا للصدق، ولا أهلاً للثقة،
وبعضهم دخلت عليه الأكاذيب جهلاً بالسنة لحسن ظنهم وسلامة صدورهم، فيحملون ما
سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، وهؤلاء أخف حالاً، وأقل إثمًا
من أولئك، ولكن الواضعون منهم أشد خطراً لخفاء حالهم على كثير من الناس.
فلولا أئمة السنة لاختلط الأمر على العامة، ولسقطت الثقة بالأحاديث. فلقد أنشأ
الله أقوامًا بذلوا جهدهم في الذب عن السنة، وتوضيح الصحيح من القبيح، وما أخلى
الله عنهم عصراً من الأعصار، وإن قلوا في هذا الزمان، وتناءت بهم الديار، فصاروا أعز
من الكبريت الأحمر.
قال بعضهم (من الوافر):
فقد صاروا أقل من القليل
وقد كانوا إذا عدوا قليلاً
ومر أحمد بن حنبل على نفر من أصحاب الحديث، وهم يعرضون كتابًا لهم، فقال: ما
أحسب هؤلاء إلا ممن قال رسول الله وَ ثير: ((لا تزال طائفة من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة)).
قال ابن حبان: ومن أحق بهذا التأويل من قوم فارقوا الأهل والأوطان، وقنعوا بالكسر
والأطمار، في طلب السنن والآثار، يجولون البراري والقفار، ولا يبالون بالبؤس والافتقار،
متبعين لآثار السلف الماضين، وسالكين ثبج محجة الصالحین، برد الكذب عن رسول رب
العالمين، وذب الزور عنه حتى وضح للمسلمين المنار، وتبين لهم الصحيح من الموضوع والزور
من الأخبار. وما أحسن ما قاله العلامة محمد بن المديني رحمه الله في وصفهم (من الطويل):
أئمة أصحاب الحديث الأفاضل
أحق أناس يستضاء بهديهم
لهم رتب عليا وأسنى الفضائل
خلائف أصحاب الحديث ذوو الحمى
ولم تك فتوى في فنون المسائل
فلولا هم لم يعرف الشرع عالَم
نعم حفظوها ناقلاً بعد ناقل
وهل نشر الآثار قوم سواهم
لقد أحرزوا فضلاً على كل فاضل
فديتهم من عصبة علم الهدى

٣٠٨
شَرْخُ الفِنَُّ السَّيُوطِ .
٢٦٤ - كَالْوَاضِعِينَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ
فَمَنْ رَوَاهَا فِي كِتَابِهِ فَذَرْ (*)
هم القوم لا يشقى لعمري جليسهم
وقول بعضهم (من الطويل):
فمن فاتهم يحظى بغير الفضائل
خيار عباد الله في كل محفل
نجوم الهدى في أعين المتأمل
على حيهم يومًا فبالنور يمتلي
وقدرهم في الناس ما زال يعتلي
لقد ظفروا إدراك مجد مؤثل
غدت منهم فخراً لكل محصل
رأى المرء من صحب النبي المفضل
وآل له والصحب أهل التفضل
عليك بأصحاب الحديث فإنهم
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم
جهابذة شم سراة فمن أتى
لقد شرقت شمس الهدى في وجوههم
فلله محياهم معًا ومماتهم
وقال الإمام الشافعي مقالة
أرى المرء من أهل الحديث كأنه
عليه صلاة الله ماذر شارق
(تنبيه): قال المحقق ابن شاكر ما نصه: هذه هي النسخة الصحيحة في البيت المصححة
على النسخة المقروءة على المؤلف، ورواه الشارح حتى أبانها أولو همم هم، وجعل كلمة
هم مبتدأ خبره كالواضعين في البيت الذي بعده، وشرح الكلام على ذلك، وهو تكلف
ظاهر لا داعي له .
قلت: دعواه التكلف غير صحيح إذ المعنى عليه صحيح أيضًا؛ لأن أولو بمعنى
أصحاب مضاف إلى همم، أي أصحاب همم، والتنوين (١) للتعظيم، أي همم عالية، أي
أظهر تلك الغلطات أصحاب همم عالية.
وأما جعله هم مبتدأ خبره کالواضعین، وإن کان فيه تضمین، فهو جائز للمولدين.
هذا كله إذا كانت النسخة ثابتة عن الناظم، وأما إذا كانت غير ثابتة عنه، فيتعين ما هو
المقروء عليه، فتنبه .
ثم ذكر رحمه الله بعض الوضاعين حسبة، وهم الذين وضعوا في فضائل القرآن
سورة سورة، فقال :
كَالْوَاضِعِينَ فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ فَمَنْ رَوَاهَا فِي كِتَابِهِ قَذَرْ
(١) أي تنوين همم المحذوف للوزن .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الأسباب التي دعت الكذابين الوضاعين إلى الافتراء ووضع الحديث =

٣٠٩
- الجُزْءُ الأولُ
= كثيرة: فمنم الزنادقة الذين أرادوا أن يفسدوا على الناس دينهم، لما وقد في نفوسهم من الحقد على الإسلام
وأهله، يظهرون بين الناس بمظهر المسلمين، وهم المنافقون حقًّا. قال حماد بن زيد: ((وضعت الزنادقة على
رسول الله عزَّيّم أربعة عشر ألف حديث)).
كعبد الكريم بن أبي العوجاء: قتله محمد بن سليمان العباسي الأمير بالبصرة على الزندقة بعد سنة ١٦٠ في
خلافة المهدي. ولما أخذ ليضرب عنقه قال: ((لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث، أحرم فيها الحلال وأحلل
الحرام)) .
وكبيان بن سمعان النهدي من بني تميم: ظهر بالعراق بعد المائة، وادعى - لعنه الله - إلاهية علي - كرم الله
وجه - وزعم مزاعم فاسدة. ثم قتله خالد بن عبد الله القسري وأحرقه بالنار.
وكمحمد بن سعيد بن حسان الأسدي الشامي المصلوب: قال أحمد بن حنبل: ((قتله أبو جعفر المنصور في
الزندقة، حديثه حدیث موضوع».
وقال أحمد بن صالح المصري: ((زنديق، ضربت عنقه، وضع أربعة آلاف حديث عند هؤلاء الحمقى،
فاحذروها)).
وقال الحاكم أبو أحمد: ((كان يضع الحديث، صلب على الزندقة)).
وحكى عنه الحاكم أبو عبد الله: أنه روى عن حميد عن أنس مرفوعًا: ((أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، إلا
أن يشاء الله)). وقال: ((وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي)).
ومنهم أصحاب الأهواء والآراء: التي لا دليل لها من الكتاب والسنة وضعوا أحاديث نصرة لأهوائهم
وآرائهم، كالخطابية والرافضة وغيرهم.
قال عبد الله بن يزيد المقرئ: ((إن رجلاً من أهل البدع رجع عن بدعته، فجعل يقول: انظروا هذا الحديث
عمن تأخذونه! فإنا كنا إذا رأينا رأيًا جعلنا له حديثًا!)).
وقال حماد بن سلمة: ((أخبرني شيخ من الرافضة أنهم كانوا يجتمعون على وضع الأحاديث)).
وقال أبو العباس القرطبي صاحب كتاب المفهم شرح صحيح مسلم: ((استجاز بعض الفقهاء أهل الرأي نسبة
الحكم الذي دل عليه القياس الجلي إلى رسول الله عزَّل نسبة قولية، فيقولون في ذلك: قال رسول الله
عِّم كذا !! ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة؛ لأنها تشبه فتاوى الفقهاء،
ولأنهم لا يقيمون لها سندًا)). نقله السخاوي في شرح ألفية العراقي (ص ١١١) والمتبولي في مقدمة شرحه
على الجامع الصغير.
ومنهم القصاص: يضعون الأحاديث في قصصهم قصدًا للتكسب والارتزاق، وتقربًا للعامة بغرائب الروايات.
ولهم في هذا غرائب وعجائب، وصفاقة وجه لا توصف.
كما حكى أبو حاتم البستي: أنه دخل مسجدًا، فقام بعد الصلاة شاب فقال: ((حدثنا أبو خليفة، حدثنا
أبوالوليد عن شعبة عن قتادة عن أنس)) وذكر حديثًا، قال أبو حاتم: ((فلما فرغ دعوته، قلت: رأيت أبا
خليفة؟ قال: لا، قلت: كيف تروي عنه ولم تره؟! فقال: إن المناقشة معنا من قلة المروءة! أنا أحفظ هذا
الإسناد، فكلما سمعت حديثًا ضممته إلى هذا الإسناد !! ».
وأغرب منه ما روى ابن الجوزي بإسناده إلى أبي جعفر بن محمد الطيالسي قال: ((صلى أحمد بن حنبل =

٣١٠
شَرْعُ لُُّ السَّيُوخِىّ -
= ويحيى بن معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهم قاص، فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين
قالا: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله علي بم: ((من قال: لا إله إلا الله
خلق الله من كل كلمة طيراً منقاره من ذهب وريشه من مرجان !! )) وأخذ في قصة نحوًا من عشرين ورقة، فجعل
أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين، وجعل يحيى بن معين ينظر إلى أحمد، فقال له: حدثته بهذا؟
فيقول: والله ما سمعت هذا إلا الساعة، فلما فرغ من قصصه وأخذ العطيات، ثم قعد ينتظر بقيتها، قال له
يحيى بن معين بيده: تعال، فجاء متوهما لنوال، فقال له يحيى: من حدثك بهذا الحديث؟! فقال، أحمد بن
حنبل ويحيى بن معين، فقال: أنا يحيى بن معين وهذا أحمد بن حنبل ما سمعنا بهذا قط في حديث رسول
الله عَ لَّه! فقال: لم أزل أسمع أن يحيى بن معين أحمق، ما تحققت هذا إلا الساعة! كأن ليس فيها يحيى
ابن معين وأحمد بن حنبل غيركما، قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين؟! فوضع
أحمد گُمَّه علی وجهه، وقال: دعه یقوم، فقام کالمستهزئ بهما».
وأكثر هؤلاء القصاص جهال، تشبهوا بأهل العلم، واندسوا بينهم، فأفسدوا كثيرًا من عقول العامة .
ويشبههم بعض علماء السوء، الذين اشتروا الدنيا بالآخرة، وتقربوا إلى الملوك والأمراء والخلفاء، بالفتاوى
الكاذبة، والأقوال المخترعة التي نسبوها إلى الشريعة البريئة، واجترءوا على الكذب على رسول الله عليهم،
إرضاء للأهواء الشخصية، ونصراً للأهواء السياسية، فاستحبوا العمى على الهدى. كما فعل غياث بن
إبراهيم النخعي الكوفي الكذاب الخبيث - كما وصفه إمام أهل الجرح والتعديل: يحيى بن معين - فإنه دخل
على أمير المؤمنين المهدي، وكان المهدي يحب الحمام يلعب به، فإذا قدامه حمام، فقيل له: حدث أمير
المؤمنين، فقال: حدثنا فلان عن فلان أن النبي ◌ِّم قال: لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر أو جناح،
فأمر له المهدي ببدرة، فلما قام قال: أشهد على قفاك أنه قفا كذاب على رسول الله عزَّيّم! ثم قال المهدي:
أنا حملته على ذلك، ثم أمر بذبح الحمام، ورفض ما كان فيه.
وفعل نحوًا من ذلك مع أمير المؤمنين الرشيد فوضع له حديثًا: أن رسول الله عِيَّام كان يطير الحمام. فلما
عرضه على الرشيد قال: اخرج عني، فطرده عن بابه .
وكما فعل مقاتل بن سليمان البلخي - من كبار العلماء بالتفسير - فإنه كان يتقرب إلى الخلفاء بنحو هذا.
حكى أبو عبيد الله وزير المهدي قال: ((قال لي المهدي: ألا ترى إلى ما يقول لي هذا - يعني: مقاتلاً - قال:
إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس؟!
قلت: لا حاجة لي فيها.
وشر أصناف الوضاعين وأعظمهم ضررًا قوم ينسبون أنفسهم إلى الزهد والتصوف، لم يتحرجوا عن وضع
الأحاديث في الترغيب والترهيب، احتسابًا للأجر عند الله، ورغبة في حض الناس على عمل الخير واجتناب
المعاصي، فيما زعموا، وهم بهذا العمل يفسدون ولا يصلحون.
وقد اغتر بهم كثير من العامة وأشباههم، فصدقوا ووثقوا بهم، لما نسبوا إليه من الزهد والصلاح، وليسوا
موضعًا للصدق، ولا أهلاً للثقة. وبعضهم دخلت عليهم الأكاذيب جهلاً بالسنة، لحسن ظنهم وسلامة
صدروهم، فيحملون ما سمعوه على الصدق، ولا يهتدون لتمييز الخطأ من الصواب، وهؤلاء أخف حالاً
وأقل إثمًا من أولئك.
=

٣١١
- الجُزْءُ الأولُ
(كالواضعين) خبر لمحذوف، أي هم كالواضعين (في فضائل السور) أي مزايا وثواب
من قرأها، والمراد كل سور القرآن.
وحاصل المعنى: أن من الوضاعين الذين يضعون حسبة وتقربًا لله تعالى بزعمهم
الباطل من وضع فضائل القرآن سورة سورة، وإلا فقد ثبت فضائل بعض السور، كما يأتي
بيانه، فمن هؤلاء أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي قاضيها وعالمها، قال الذهبي: يقال
له: نوح الجامع؛ لأنه أخذ الفقه عن أبي حنيفة، وابن أبي ليلى، والحديث عن الحجاج بن
أرطاة، والتفسير عن الكلبي، ومقاتل والمغازي عن ابن إسحاق، ولي قضاء مرو في خلافة
المنصور، وامتدت حیاته.
قيل له: من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس
عند أصحاب عكرمة هذا؟ فقال: إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن، واشتغلوا بفقه
أبي حنيفة، ومغازي ابن إسحاق، فوضعت هذا الحديث حسبة.
وكان يقال له: الجامع لجمعه كل شيء. قال أبو حاتم رحمه الله: جمع كل شيء إلا
الصدق .
ومنهم ميسرة بن عبد ربه البصري الأكال لكثرة أكله، قال ابن مهدي: قلت لميسرة بن
ولكن الواضعون منهم أشد خطرًا، لخفاء حالهم على كثير من الناس، ولولا رجال صدقوا في الإخلاص لله،
=
ونصبوا أنفسهم للدفاع عن دينهم، وتفرغوا للذب عن سنة رسول الله عزَ ◌ّيَّام، وأفنوا أعمارهم في التمييز بين
الحديث الثابت وبين الحديث المكذوب، وهم أئمة السنة وأعلام الهدى؛ لولا هؤلاء لاختلط الأمر على
العلماء والدهماء، ولسقطت الثقة بالأحاديث.
رسموا قواعد للنقد، ووضعوا علم الجرح والتعديل، فكان من عملهم علم مصطلح الحديث، وهو أدق
الطرق التي ظهرت في العلم للتحقيق التاريخي، ومعرفة النقل الصحيح من الباطل. فجزاهم الله عن الأمة
والدين أحسن الجزاء، ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين.
وقد قيل لعبد الله بن المبارك الإمام الكبير: هذه الأحاديث الموضوعة؟
فقال: تعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩].
ومن الأحاديث الموضوعة المعروفة: الحديث المروي عن أبي بن كعب مرفوعًا في فضائل القرآن سورة سورة.
وقد ذكره بعض المفسرين في تفاسيرهم، كالثعلبي والواحدي والزمخشري والبيضاوي وقد أخطؤوا في ذلك
خطأٌ شديدًا .
قال الحافظ العراقي: ((لكن من أبرز إسناده منهم كالأولين - يعني: الثعلبي والواحدي - فهو أبسط لعذره، إذ
أحال ناظره على الكشف عن سنده، وإن كان لا يجوز له السكوت عليه.
وأما من لم يبرز سنده وأورده بصيغة الجزم: فخطؤه أفحش)).

٣١٢
شَرْجُ الفِيُ السَّيُوطِىّ -
عبد ربه: من أين جئت بهذه الأحاديث، من قرأ كذا فله كذا؟ قال: وضعتها أرغب الناس بها.
ومن الموضوع أيضًا حديث أبي بن كعب رضي الله عنه الطويل في فضائل القرآن
سورة سورة، انظر التدريب وغيره.
ثم ذكر المفسرين الذين ذكروا هذه الموضوعات في كتبهم تحذيرًا عن الاغترار بهم،
فقال: (فمن رواها) أي نقل هذه الموضوعات في فضائل السور جميعها من المفسرين،
كالواحدي، والثعلبي، والزمخشري، والبيضاوي، وأبي السعود (في كتابه) خبر مقدم
لقوله (قذر) بالقاف والذال المعجمتين المفتوحتين، أي وسخ، والجملة خبر ((مَن)).
والمعنى: أن من نقل تلك الأخبار المختلقة ففي كتابه وسخ، وهو ذلك الكلام المكذوب
على رسول الله مَله .
وفي نسخة المحقق: فذر بالفاء والذال، فعل أمر من وذر كفرح، يقال: وذرته
بالكسر، أذره بالفتح، وذراً، بفتح فسكون، أي تركته، وفي المصباح قالوا: وأماتت
العرب ماضيه، ومصدره، فإذا أريد الماضي قيل: ترك، وربما استعمل الماضي على قلة،
ولا يستعمل منه اسم فاعل. اهـ.
والمعنی علی هذا: فمن روی فضائل السور في كتابه فدع کتابه، ولا تعتمد عليه؛ لكونه
جمع تلك الأخبار المختلقة.
قال العراقي: لكن من أبرز إسناده منهم، يعني كالأولين فهو أبسط لعذره إذا أحال
ناظره على الكشف عن سنده وأما من لم يذكر سنده فأورده بصيغة الجزم؛ فخطؤه أفحش
کالزمخشري . اهـ.
لكن قال السخاوي: إنه لاتبرأ ذمته من العهدة في هذه الأعصار المتأخرة بالاقتصار على
إيراد إسناده، لعدم الأمن من المحذور به، وإن كان صنعه أكثر المحدثين في الأعصار
الماضية في سنة مائتين وهلم جراً. اهـ (١).
(تنبيه): إنما قيدنا بكل سور القرآن؛ لأنه ورد في فضائل بعض السور أحاديث كثيرة
بعضها صحيح، وبعضها حسن، وبعضها ضعيف ليس بموضوع(٢).
(١) فتح ج ١ ص ٢٩٦ .
(٢) قال في التدريب: واعلم أن السور التي صحت الأحاديث في فضائلها: الفاتحة، والزهروان، والأنعام، والسبع
الطول مجملاً، والكهف، ويس، والدخان، والملك، والزلزلة، والنصر، والكافرون، والإخلاص، والمعوذتان،
وما عداهاه لم يصح فيها شيء. اهـ. ج ١ ص ٢٦٠ . قلت: وفي دعوى صحة بعضها نظر . والله أعلم.

٣١٣
- الجُزْءُ الأولُ
٢٦٥ - وَاَلْوَضْعُ فِي التَّرْغِيبِ ذُو ابْتِدَاعِ
جَوَّزَهُ مُخَالِفُ الإِجْمَاعِ
وتفسير الحافظ ابن كثير أجل ما يعتمد عليه في ذلك، فإنه أورد غالب ما جاء في ذلك
مما ليس بموضوع وإن فاته أشیاء.
قال الناظم رحمه الله: وقد جمعت في ذلك كتابًا لطيفًا سميته: خمائل الزهر في
فضائل السور. اهـ (١).
ثم ذكر بعض المخذولين الذين أجازوا الكذب على رسول الله وَ ل﴿ ترغيبا وترهيبًا،
فقال :
جَوَّزَهُ مُخَالفُ الإِجْمَاعِ
وَالْوَضْعُ فِي التَّرْغِيبِ ذُو ابْتِدَاعِ
(والوضع) مبتدأ خبره ((ذَو ابتداع)) أي: وضع الأخبار واختلاقها في الترغيب أي:
ترغيب الناس، وحملهم على الطاعة، وكذا في الترهيب عن المعصية (ذو ابتداع) أي:
مبتدع، يقال: ابتدع الشيء: إذا استخرجه، وأحدثه، يعني أن وضع الحديث في الترغيب
والترهيب شيء مبتدع ابتدعه بعض من لا يخاف الله من الجهلة، كما ذكره بقوله (جوزه)
أي: الوضع المذكور (مخالف الإجماع) أي: إجماع أهل الإسلام.
والمعنى: أن مجوز ذلك مخالف لإجماع المسلمين، فقد أجمعوا على تحريمه في أي
معنی کان، وجعلوه من أكبر الكبائر.
ثم إن هؤلاء المجوزين: هم بعض الكرامية، وهم قوم منسوبون إلى محمد بن کرام
السجستاني المتكلم، بفتح الكاف وتشديد الراء، وقيل: بالتخفيف، وقيل بكسر الكاف
وتخفيف الراء، وهو الجاري على ألسنة أهل بلده، وأنشد بعضهم على التخفيف قوله (من
الكامل):
والدين دين محمد بن كرام
الفقه فقه أبى حنيفة وحده
و قبله :
في الدين بابن كرام غير كرام
إن الذين لجهلهم لم يقتدوا
وهو أبو عبد الله محمد بن كرام شيخ الطائفة الكرامية، كان عابدًا زاهدًا إلا أنه خذل
حتى التقط من المذاهب أردأها، ومن الأحاديث أوهاها. توفي سنة ٢٥٥ هـ.
واستدل هؤلاء على جواز ذلك بما روى في بعض طرق الحديث: ((من كذب علي متعمداً
(١) تدريب ج ١ ص ٢٥٩ - ٢٦٠.

٣١٤
شَرْع الْفِيَّةُ السَّيُوطِّ _-
٢٦٦ - وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد
بِكُفْرِهِ بوَضْعه إِنْ يَقْصد(*)
٠٠
٠
ليضل به الناس، فليتبوأ مقعده من النار)) أخرجه الطبراني عن عمرو بن حريث، وأبو نعيم
في الحلية عن ابن مسعود، قالوا: فتحمل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة، كما
يتعين حمل الروايات المطلقة عن التعمد على المقيدة به.
وأجيب بأن قوله: ((ليضل به الناس)) مما اتفق الحفاظ على أنها زيادة ضعيفة، وحمل
بعضهم حديث: ((من كذب على متعمدً)) على من قال: إنه ساحر، أو مجنون، واستدلوا
لذلك بحديث أبي أمامة قال: قال رسول الله وَّليقول: ((من كذب علي متعمدًا، فليتبوأ مقعده
بين عيني جهنم )) قالوا: يا رسول الله نحدث عنك بالحديث، فنزيد وننقص، قال: ((ليس
ذلك أعني، إنما أعني الذي كذب علي متحدثًا يطلب به شين الإسلام )) الحديث أخرجه
الطبراني في الكبير، وابن مردوديه، والجواب عن هذا ما قاله الحاكم: إنه حديث باطل فيه
محمد بن الفضل بن عطية اتفقوا على تكذيبه، وقال صالح جزرة: كان يضع الحديث.
وقال بعضهم: إنما قال: ((من كذب علي)) ونحن نكذب له ونقوي شرعه، وجوابه أن
هذا جهل منهم باللغة؛ لأنه كذب عليه في وضع الأحكام، فإن المندوب قسم منها؛ ولأنه
يتضمن الإخبار عن الله في الوعد على ذلك العمل بالإثابة، والإخبار بالعقوبة المعينة،
ولأنه تعالى قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] فلا يحتاج إلى زيادة ولما كان من
العلماء من بالغ، فکفر الكاذب على رسول الله ﴾ ﴾ ذكره بقوله:
بِكُفْرِهِ بوَضْعه إنْ يَقْصد
وَجَزَمَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّد
(وجزم) أي قطع (الشيخ) العلامة (أبو محمد) عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن
يوسف الجويني نسبة إلى جوين بضم الجيم وفتح الواو وسكون الياء وآخره نون ناحية كبيرة
من نواحي نيسابور، تفقه على أبي الطيب الصعلوكي، وأبي بكر القفال، وسمع الحديث
على أبي عبد الرحمن السلمي، وأبي علي بن شاذان، وغيرهما، توفي رحمه الله بنيسابور
سنة (٤٣٤ هـ).
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: وجوزت الكرامية - بتشديد الراء - الوضع في الترغيب والترهيب - وهم
قوم من المبتدعة - نسبوا إلى أحد المتكلمين، واسمه محمد بن كرام السجستاني. وقولهم هذا مخالف
لإجماع المسلمين، وعصيان صريح للحديث المتواتر عنه عِّ لام: ((من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار)).
وقد جزم الشيخ أبو محمد الجويني - والد إمام الحرمين - بتكفير من وضع حديثًا على رسول الله عني هم
قاصدًا إلى ذلك عالمًا بافترائه، وهو الحق.

٣١٥
الجُزْءُ الأولُ
-
٢٦٧ - وَغَالبُ الْمَوْضُوعِ مِمَّا اخْتَلَقَا
وَأَضِعُهُ، وَيَعْضُهُمْ قَدْلَفَّقَا
٢٦٨ - كَلامَ بَعْضِ الْحُكَمَا، وَمِنْهُ مَا
وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرٍ قَصْد وَهَمَا (*)
(بكفره) متعلق بـ ((جزم))، أي بكفر ذلك الشخص الذي وضع الحديث على رسول
الله وَل (بوضعه) متعلق بـ((كفر))، أي حكم بسبب وضعه الحديث، أو خبر المحذوف، أي
ذلك كائن بوضعه (إن) شرطية (يقصد) بالبناء للفاعل، أي إن يتعمد ذلك، يعني أنه إنما
يحكم عليه بالكفر إن فعل ذلك متعمداً قاصدًا له لا عن سهو، ولا غلط.
وقد أيد العلامة ابن الوزير في التنقيح قول الجويني هذا حيث قال: ويدل على قوله،
قول الله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَّى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾
[ يونس : ١٧]، فسوی بین الكذب على الله وتكذيبه.
ونقل الحافظ ابن كثير عن أبي الفضل الهمذاني شيخ ابن عقيل من الحنابلة أنه وافق
الجويني على هذه المسألة.
ثم إن غالب الموضوعات مما اختلقه الوضاعون، وبعضه مأخوذ من كلام الناس، وإليه
أشار بقوله :
وَغَالبُ الْمَوْضُوعِ مِمَّا اخْتَلَقَا
كَلَامَ بَعْضِ الْحُكَمَا
وَاضِعُهُ ، وَبَعْضُهُمْ قَدْ لَفَّقَا
(وغالب) الخبر (الموضوع) مبتدأ، خبره قوله: (مما اختلقا) بالبناء للفاعل، والألف
إطلاقية، والفاعل قوله: (واضعه)، والمعنى أن غالب الموضوعات مما صنعه الوضاعون من
عند أنفسهم، كما قدمناه من الأمثلة، وكما وضعه مأمون بن أحمد الهروي لما قيل له: ألا
تری إلى الشافعي، ومن تبعه بخراسان؟ من قوله: حدثنا أحمد بن عبد الله، حدثنا عبيد الله
ابن معدان الأزدي، عن أنس مرفوعًا: ((يكون في أمتي رجل يقال له: محمد بن إدريسٍ، أضر
على أمتي من إبليس، ويكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي )).
قال الملا علي القاري: ولقد رأيت رجلاً قام يوم الجمعة، والناس مجتمعون قبل
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أكثر الأحاديث الموضوعة كلام اختلقه الواضع من عند نفسه، وبعضهم جاء لكلام
بعض الحكماء أو لبعض الأمثال العربية فركب لها إسنادًا مكذوبًا ونسبها إلى رسول الله يديم أنها من قوله.
وقد يأتي الوضع من الراوي غير مقصود له، وليس هذا من باب الموضوع بل هو من باب المدرج، كما حدث
لثابت بن موسى الزاهد في حديث ((من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)) وقد سبق تفصيلاً في باب المدرج.

٣١٦
شَرِجُ الْفِيَّة الشَّيُوظِّ -
الصلاة، فابتدأ ليورد هذا الموضوع، فسقط من قامته مغشيًّا عليه.
وكذا ما وضعه محمد بن عكاشة الكرماني لما قيل له: إن قومًا يرفعون أيديهم في
الركوع، وفي الرفع منه، من قوله: حدثنا المسيب بن واضح، حدثنا ابن المبارك، عن
يونس بن يزيد، عن الزهري، عن أنس مرفوعًا: ((من رفع يديه في الركوع فلا صلاة له )) .
ثم ذكر الكلام الملفوق بقوله:
(وبعضهم) أي الوضاعين مبتدأ، خبره قوله (قد لفقا) بألف الإطلاق، أي ضم يقال:
لفقت الثوب، لفقًا، من باب ضرب: ضممت إحدى الشقتين إلى الأخرى (كلام بعض
الحكما) مفعول لفق والحكما بالقصر للوزن جمع حكيم، وهو من يعرف الحكمة، وهي
كما في تعريفات الجرجاني: علم يبحث فيه عن حقائق الأشياء على ما هي عليه في
الوجود بقدر الطاقة البشرية .
والمعنى: أن بعض الوضاعين ما وضع الأخبار من عند نفسه، وإنما أخذ ذلك من كلام
بعض الحكماء(١)، أو الصحابة، أو ما يروى من الإسرائيليات، فيضمه، وينسبه إلى
رسول الله وَ للترويجًا له كـ ((المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء)) قيل: إنه كلام
الحارث بن كلدة طبيب العرب، وكـ((حب الدنيا رأس كل خطيئة)) إما من قول عيسى ابن
مريم عليهما السلام، أو من قول جندب البجلي رضي الله عنه، أو من قول مالك بن
دينار، أو من قول سعد بن مسعود التجيبي، أقوال.
لكن أخرجه البيهقي في الشعب بسند حسن إلى الحسن البصري رفعه مرسلاً، قال
العراقي: ومراسيله عندهم شبه الريح. اهـ.
ولكن قال الحافظ: مراسيله أثنى عليها أبو زرعة، وابن المديني فلا دليل على وضعه. اهـ(٢).
وقال السخاوي: لا يصح التمثيل به إلا أن يكون سنده مما ركب، فقد ركبت أسانيد
مقبولة لمتون ضعيفة، أو متوهمة، فيكون من أمثلة الوضع السندي. اهـ (٣).
ثم إن ما تقدم كله في الوضع قصداً، وقد يقع غلطًا، وإليه أشار بقوله:
وُقُوعُهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَهَمَا
( وَمَنْهُ مَا
(ومنه) أي الموضوع خبر مقدم لقوله (ما) أي الكلام الذي کان وقوعه أي صدوره من
(١) كالحارث بن كلدة، وبقراط، وأفلاطون، وأرس طاطاليس.
(٢) انظر التدريب ج ١ ص ٢٥٧، ٢٥٨ .
(٣) فتح ج ١ ص ٣١٠.

٣١٧
الجُزُءُ الأولُ
٢٦٩ - وَفِي كِتَابِ وَلَدِ الجَوْزِيِّمَا
لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ حَتَّى وُهِّمَا
٢٧٠ - (مِنَ الصَّحِيحِ) وَالضَّعِيفِ (وَالْحَسَنْ
ضَمَّنْتُهُ كِتَابِيَ ((الْقَوْلَ الْحَسَنْ))
الراوي (من غير قصد) لوضعه، بل وقع (وهما) مفعول لأجله، أي لوهم الراوي،
والوهم، کالغلط وزنًا ومعنى.
وحاصل المعنى: أن من أقسام الموضوع ما لم يقصد وضعه، وإنما وهم فيه بعض
الرواة، قال ابن الصلاح: إنه شبه الوضع، أي من حيث إنه ليس بحديث في إرادة قائله،
ولا وضعه.
قال الناظم: فلیس بموضوع حقيقة، بل هو بقسم المدرج أولی. اهـ.
وقدمنا مثاله هناك بحديث ثابت بن موسى الزاهد، عن شريك، عن الأعمش، عن
أبي سفيان، عن جابر مرفوعًا: ((من کثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار)).
ولما كان الحافظ ابن الجوزي متساهلاً في الحكم على الحديث بالوضع، ذكره بقوله:
لَيْسَ مِنَ الْمَوْضُوعِ حَتَّى وُهِّمَا
وَفِي كِتَابِ وَلَدِ الْجَوْزِيِّمَا
ضَمَنْتُّهُ كِتَابِيَ (الْقَوْلَ الْحَسَنْ))
مِنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ وَالْحَسَنْ
(وفي كتاب) الحافظ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن عبد الرحمن بن علي بن عبد
الله القرشي البكري الصديقي البغدادي الحنبلي الواعظ المعروف بابن الجوزي كما قال
(ولد الجوزي) بفتح الجيم نسبة إلى الجوزة، لجوزة كانت في دارهم، لم يكن بواسط
سواها، ولد سنة ٥١٠، أو قبلها، صنف التصانيف الكثيرة، منها: زاد المسير في التفسير،
وجامع المسانيد، والمغني في علوم القرآن، وغيرها، مات يوم الجمعة ١٣ رمضان سنة
٥٩٧، قال الذهبي: لا يوصف ابن الجوزي بالحفظ عندنا باعتبار الصنعة، بل باعتبار كثرة
اطلاعه وجمعه. اهـ.
وقوله: (في كتاب) خبر (ما) مقدم لقوله ((ما)) أي الحديث الذي (ليس من الموضوع)
أصلاً، لعدم ما يدل على وضعه، بل هو ضعيف، بل وفيه الحسن، والصحيح كما سيأتي
(حتى وهما) بالبناء للمفعول من التوهيم، أي نسبه العلماء الحفاظ، والأئمة النقاد إلى
الوهم، أي الغلط في ذكره ذلك في جملة الموضوعات، قال بعضهم: صنف ابن الجوزي
كتاب الموضوعات، فأصاب في ذكر أحاديث شنيعة مخالفة للنقل والعقل، ولم يصب في

٣١٨
شَرْجُ الفِيَّة الشَّيُوطِيّ -
إطلاقه الوضع على أحاديث بكلام بعض الناس في أحد رواتها، كقوله: فلان ضعيف، أو
ليس بقوي، أو لين، وليس ذلك الحديث مما يشهد القلب ببطلانه، ولا فيه مخالفة، ولا
معارضة لكتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا حجة بأنه موضوع سوى كلام ذلك الرجل في
راويه، وهذا عدوان ومجازفة. اهـ(١).
وقال الحافظ: غالب ما في كتابه موضوع، والذي ينتقد عليه بالنسبة إلى ما لا ينتقد
قليل جدًّا، قال: وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعًا عكس الضرر بمستدرك
الحاكم، فإنه يظن ما ليس بصحيح صحيحًا، قال: ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن
الكلام في تساهلهما أعدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن؛ لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن
يكون قد وقع فيه تساهل. اهـ(٢).
وقوله: (من الصحيح) بيان لـ((ما)) أي من الحديث الصحيح، (والضعيف والحسن) منه
(ضمنته) أي ذكرت ما في كتابه مما ليس من الموضوع، بل إما صحيح، أو حسن، أو ضعيف
ضمن (كتابي) بفتح الياء لغة في سكونها المسمى (القول الحسن) في الذب عن السنن.
وأصل هذا الكتاب أن الحافظ ألف كتابًا سماه: القول المسدد في الذب عن مسند أحمد
أورد فيه أربعة وعشرين حديثًا في المسند، وهي في كتاب ابن الجوزي، وانتقدها حديثًا
حديثًا، فذيل عليه الناظم، وزاد على ذلك أربعة عشر حديثًا، وهي في المسند أيضًا، ثم
ألف كتابًا آخر، وهو الذي ذكره هنا ذيلاً على هذين الكتابين أورد فيه مائة وبضعة وعشرين
حديثًا ليست بموضوعة، منها ما في سنن أبي داود، وهي أربعة أحاديث، منها حديث
صلاة التسابيح، ومنها ما هو في جامع الترمذي، وهو ثلاثة وعشرون حديثًا، ومنها ما هو
في سنن النسائي وهو حديث واحد، ومنها ما هو في سنن ابن ماجه، وهو ستة عشر
حدیثًا، ومنها ما هو في صحيح البخاري رواية حماد بن شاكر، وهو حديث ابن عمر:
((كيف يا ابن عمر إذا عمرت بين قوم يخبئون رزق سنتهم » هذا الحديث أورده الديلمي في
مسند الفردوس، وعزاه للبخاري، وذکر سنده إلى ابن عمر .
قال الناظم: ورأيت بخط العراقي أنه ليس في الرواية المشهورة، وأن المزي ذكر أنه في
رواية حماد بن شاكر، ومنها ما هو في تأليف البخاري غير الصحيح، كـ ((خلق أفعال
العباد))، أو تعاليقه في الصحيح، أو مؤلف أطلق عليه اسم الصحيح، كمسند الدارمي،
(١) تدريب ج ١ ص ٢٥٠ .
(٢) المصدر السابق .

٣١٩
- الجُزُءُ الأولُ
٢٧١ - وَمَنْ غَرِيبِ مَا تَرَهُ فَاعْلَمٍ
فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ(*))
والمستدرك، وصحيح ابن حبان، أو في مؤلف معتبر، كتصانيف البيهقي، فقد التزم أن لا
يخرج فيها حديثًا يعلمه موضوعًا، ومنها ما ليس في أحد هذه الكتب.
قال الناظم: وقد حررت الكلام علی ذلك حديثًا حدیثًا، فجاء كتاباً حافلاً، وقلت في
آخره نظمًا (من المتقارب):
أَبِي الْفَرَجِ الْحَافِظِ الْمُقْتَدِي
كتَابُ الأَبَاطِيلِ لِلْمُرْتَضَى
لِذِي الْبَصَرِ النَّاقَدِ الْمُهْتَدِي
تَضَمَّنَ مَا لَّيْسَ مِنْ شَرْطه
وَفَوْقَ الثَّلاَثَيْنَ عَنْ أَحْمَد
فَفِيهِ حَدِيثٌّ رَوَى مُسْلِمَّ
وَفَرَدٌ رَوَهُ الْبُخَارِيُّ فِي
روَايَةٌ حَمََّادِ المُسْند
وَبِضَّعٌ وَعِشْرُونَ فِي الْتِّرْمِذِيِ
وَعَنْدَ سُلَيْمَانَ قُلَّ أَرْبَعٌ
جَسه ستَّ عَشْرَةَ إِنْ تعدُّدُ
وَلَلدَّارِمِّيِّ الحبْرِ فِي الْمُسْنَدُ
إِمَامٍ وتَلْمِيذه الجَهْبذ
وَخُذَ مِثْلَهَا وَاَسَّتَفَدْ وَانَقُدَ
وَأَوْضَحْتُهُ لَكَ كَيْ تَهْتَدِي
فَمَا جُمِعَ العِلْمُ فِي مِفْرَدِ
وَلَلَنَّسَئِيْ وَاحِدٍ وَابْنِ مَا
وَعَنْدِ الْبُخَارِيّ لاَ فِي الصَّحِيحِ
وَعَنْدَ ابن حِبَّانَ وَالحَاكِم الـ
وَتَعْلِيقُ إسنَادِهِمْ أَرْبَعُونَا
وَقَدْ بَانَ ذَلِكَ مَّجْمُوعُهُ
وَثَمَّ بَقَايَا لِمُسْتَدْرِك
ثم ذكر رحمه الله مما حكم عليه ابن الجوزي بالوضع، وهو في أحد الصحيحين،
فقال :
وَمِنْ غَرِيبٍ مَا تَرَهُ فَاعْلَمٍ فِيهِ حَدِيثٌ مِنْ صَحِيحٍ مُسْلِمٍ
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ألف الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي كتابًا كبيرًا في مجلدين،
جمع فيه كثيرًا من الأحاديث الموضوعة، أخذ غالبه من كتاب الأباطيل للجوزقاني، ولكن أخطأ في بعض
الأحاديث انتقدها عليه الحفاظ.
قال الحافظ ابن حجر: ((غالب ما في كتاب ابن الجوزي موضوع، والذي ينتقد عليه - بالنسبة إلى ما لا ينتقد -
قليل جدًّا.
وفيه من الضرر أن يظن ما ليس بموضوع موضوعًا، عكس الضرر بمستدرك الحاكم، فإنه يظن ما ليس بصحيح
صحيحًا. ويتعين الاعتناء بانتقاد الكتابين، فإن الكتابين في تساهلهما عدم الانتفاع بهما إلا لعالم بالفن،
لأنه ما من حديث إلا ويمكن أن يكون قد وقع فيه التساهل)).
=

٣٢٠
شَرِجُ الْفِيَّة السّيُوظِي
(ومن غريب) أي بعيد، يقال: كلام غريب، أي بعيد من الفهم(١)، أفاده في المصباح، وفي
((ق)) غرب، ككرم: غمض، وخفي. اهـ. وفي التاج: والكلام الغريب: العميق الغامض، يعني
من أبعد (ما تراه) أيها المحدث (فاعلم) جملة معترضة، أي اعلم ذلك وتحققه فيه أي في كتاب ابن
الجوزي متعلق بـ((ترى)) وقوله (حديث) مبتدأ مؤخر خبره قوله من غريب من (صحيح مسلم)
صفة ((حديث))، أي كائن في صحيح الإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.
وحاصل المعنى: أن من أغرب، وأعجب ما تراه في ذلك الكتاب حديثًا واحدًا ذكر في
صحيح الإِمام مسلم، وهو ما رواه من طريق أبي عامر العقدي، عن أفلح بن سعيد، عن
عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((إن طالت بك مدة أوشك أن
ترى قومًا يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل أذناب البقر )) قال الحافظ:
وهذا الحديث في المسند من وجهين، ولم أقف في كتابه على شيء حكم عليه بالوضع، وهو
في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه، ثم تكلم عليه، وعلى
شواهده، قلت: قدمنا عن الناظم حديثًا آخر في صحيح البخاري رواية حماد بن شاكر فتنبه .
(تنبيهان):
الأول: يقع في كلامهم المطروح، وهو غير الموضوع جزمًا، وقد أثبته الذهبي نوعًا
مستقلاً، وعرفه بأنه: ما نزل عن الضعيف، وارتفع عن الموضوع، ومثله بحديث عمرو بن
شمر، عن جابر الجعفي، عن الحسن، عن علي، وبجويبر، عن الضحاك، عن ابن
= وقد لخص الناظم - الحافظ السيوطي - كتاب ابن الجوزي وتتبع كلام الحفاظ في تلك الأحاديث، خصوصًا
كلام الحافظ ابن حجر في تصانيفه وأماليه، ثم أفرد الأحاديث المتعقبة في كتاب خاص.
وألف ابن حجر كتاب (القول المسدد في الذب عن المسند) أي: مسند الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، ذكر فيه أربعة
وعشرين حديثًا من المسند، جاء بها ابن الجوزي في الموضوعات وحكم عليها بذلك، ورد عليه ابن حجر ودفع قوله.
ثم ألف السيوطي ذيلاً عليه ذكر فيه أربعة عشر حديثًا أخرى كتلك من المسند ثم ألف ذيلاً لهذين الكتابين
سماه: (القول الحسن في الذب عن السنن) أورد فيه مائة وبضعة وعشرين حديثًا - من السنن الأربعة - حكم
ابن الجوزي بأنها موضوعة ورد عليه حكمه.
:
ومن غرائب تسرع الحافظ ابن الجوزي في الحكم بالوضع أنه زعم وضع حديث في صحيح مسلم، وهو حديث
أبي هريرة مرفوعًا: ((إن طالت بك مدة أوشك أن ترى قومًا يغدون في سخط الله ويروحون في لعنته، في أيديهم مثل
أذناب البقر)) رواه أحمد في المسند (رقم ٨٠٥٩ ج ٢ ص ٢٠٨) وهو في صحيح مسلم (ج ٢ ص ٣٥٥) قال
ابن حجر في القول المسدد (ص ٣٢): ((ولم أقف في كتاب الموضوعات لابن الجوزي على شيء حكم عليه
بالوضع وهو في أحد الصحيحين غير هذا الحديث، وإنها لغفلة شديدة منه !! )).
(١) هذا معناه اللغوي، لكن المراد هنا البعد عن صنيع المحدثين، ومصطلحاتهم.