النص المفهرس
صفحات 201-220
- الجُزُءُ الأولُ ٢٠١ جريج، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، ولكنه متعقب فإنهما لم يخرجا لهمام، عن ابن جريج، وإن أخرجا لكل منهما على انفراده. وقول الترمذي: إنه حسن غريب فيه نظر. ونقل عن الحافظ أنه قال: إنه لا علة له إلا تدليس ابن جريج فإن وجد عنه التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته. انتهى(١) . ومن أمثلة الثاني: وهو الفرد الذي ليس في راويه من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرده: ما رواه النسائي، وابن ماجه من رواية أبي زُكير يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: ((كلوا البلح (٢) بالتمر، فإن ابن آدم إذا أكله غضب الشيطان)) الحديث. قال النسائي: هذا حديث منكر، تفرد به أبو زُكير، وهو شيخ صالح، أخرج له مسلم في المتابعات، غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده، بل قد أطلق عليه الأئمة القول بالتضعيف، فقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن حبان: لا يحتج به، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه، وأورد له ابن عدي أحاديث مناكير. أفاده في التدريب(٣). (تنبيهان): الأول: أنه وقع في عباراتهم أنكر ما رواه فلان كذا، وإن لم يكن ذلك الحديث ضعيفًا، وقال ابن عدي: أنكر ما روى بريد بن عبد الله بن أبي بردة: ((إذا أراد الله بأمة خيرًا قبض نبيها قبلها)) قال: وهذا طريق حسن، رواته ثقات، وقد أدخله قوم في صحاحهم. انتهى. والحديث في صحيح (٤) مسلم. وقال الذهبي(٥): أنكر ما الوليد بن مسلم من الأحاديث حديث حفظ القرآن، وهو عند الترمذي، وحسنه، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. اهـ. تدريب (٦). الثاني: أشار العلامة ابن شاكر في نسخته إلى أن هذا الباب زائد على العراقي، حيث كتب البيتين بين قوسين، قلت: ليس الأمر كذلك، فإنه مذكور في العراقي أيضًا، غايته أنه (١) انظر فتح المغيث ج ١ ص ٢٣٩ . (٢) البلح بفتحتين قبل البسر، لأن أول التمر طلع، ثم خلال، ثم بلح، ثم بسر، ثم رطب، ثم تمر، الواحدة بلحة . اهـ . مختار الصحاح ص ٢٥ . (٣) ج ١ ص ٢١٢ . (٤) هو في كتاب الفضائل في أوائله، خلال ذكر فضائل النبي عِنَّم (١٥/ ٥٢) بشرح النووي، وجاء في الشرح هذا العنوان ((باب إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها)) وسقط من الفهرس بآخر الجزء، فما قاله محقق التدريب عبد الوهاب عبد اللطيف من أن الحديث ليس في صحيح مسلم، غير صحيح . فتنبه . (٥) الميزان ج ٤ ص ٣٤٧ . (٦) ج ١ ص ٢١٤ . ٢٠٢ شَرِجُ الْفِيَّة السُّيُوظِىّ - المتروك ١٨٦ - (وَسَمِّ بِالْمَتْرُوكِ فَرْدًا تُصب رَاوَلَهَّ مُنَّهَمٌ بِالْكَذِبِ ١٨٧ - أَوْ عَرَفُوهُ مِنْهُ فَي غَيْرِ الْأَثَرْ أَوْ فِسْقٌ أوْ غَفْلَةٌ أوْ وَهْمٌ كَثُرْ (*)) ذكر قول البرديجي، وابن الصلاح، والناظم ذكر قول الحافظ، بل الزائد قوله: ((قابله المعروف)) فتفطن. ولما كان بين المنكر والمتروك مناسبة في اشتراط الفردية، وكون راويهما غير ثقة، ناسب ذکر المتروك بعده، فلذا قال: المتروك أي هذا مبحثه، وهو النوع الحادي والعشرون، وهو في اللغة الساقط، واصطلاحاً: ما رواه متهم بالكذب، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة، وكذا من عرف به في غير الحديث النبوي، أو كثير الغلط، أو الفسق، أو الغفلة، وإلى ذلك أشار بقوله : رَأَوْ لَهُ مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ (وَسَمَّ بِالْمَتْرُوكَ فَرْدًا تُصب أَوَ فْقٌ أوْ (١) غَفْلَةٌ أَوْ وَهْمٌ كَثُرْ ) أَوْ عَرَفُوهُ مِنْهُ فَيَ غَيْرِ الأَثَرْ (١) بنقل حركة الهمزة إلى التنوين وحذفها للوزن وكذا فيما بعده . (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذه الأنواع الخمسة كلها مرجعها إلى تفرد الراوي بما روى، وكذلك ما سيأتي في الأفراد والغريب. فالراوي إذا انفرد بالحديث وكان متهمًا بالكذب، سواء في الحديث وفي غيره، أو بالفسق، أو كان ذا غفلة، أو كثير الوهم: سمي ما انفرد به المتروك. وإن كان لم ينفرد بأصل الحديث وإنما انفرد بشيء فيه في المتن أو السند وخالفه غيره من الثقات كان ما انفرد به منکرًا والآخر معروفًا . وإن روى الثقة حديثًا وخالفه فيه أرجح منه، لمزيد ضبط أو كثرة عدد: كان ما انفرد به شاذًّا والآخر محفوظًا. وذهب الحاكم إلى أن الشاذ هو: ((ما انفرد به ثقة وليس له أصل متابع لذلك الثقة، ويغاير المعلل بأن ذلك وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه، والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك، وينقدح في نفس الناقد أنه غلط، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك». قال الحافظ ابن حجر: ((وهذا أدق من المعلل بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب ورسوخ القدم في الصناعة)). = ٢٠٣ الجُزْءُ الأولْ (وسم) أيها المحدث (بالمتروك فردًا) أي حديثًا فردًا (تصب) بالجزم جوابًا للأمر، وكسرت الباء للوزن، أي تنل الحق (راو له) أي لذلك الحديث الفرد، مبتدأ خبره قوله: (متهم بالكذب) في الحديث النبوي، والجملة صفة فردًا. والمعنى: أن الحديث الذي انفرد بروايته من هو متهم بالكذب في حديث رسول الله وَلّ بأن لا يُروى ذلك الحديث إلا من جهته، وهو مخالف للقواعد المعلومة يسمى بـ المتروك (أو عرفوه) أي الكذب منه أي من ذلك الراوي (في غير الأثر) النبوي، والجملة معطوفة على متهم، والمعنى: أنه إذا عرف ذلك الراوي بالكذب بأن ظهر الكذب في كلامه، وإن لم يظهر في الحديث النبوي يسمى بـ((المتروك)) أيضًا، قال الحافظ: لكن هذا دون الأول (أو فسق) أي فسق ذلك الراوي، والمراد بالفسق: ما لا يبلغ حد الكفر، سواء كان بالفعل أو القول، وبينه وبين الكذب عموم وخصوص مطلق، وإنما أفرد الكذب لكونه أشد في هذا الفن، وسيأتي حكم الفسق بالمعتقد في باب من تقبل روايته ومن ترد، إن شاء الله تعالى، (أو غفلة) أي غفلة ذلك الراوي، أي ذهوله عن الإتقان، والحفظ، والمراد كثرته؛ لأن مجرد الغفلة ليس سببًا للطعن في الرواية لقلة من يعافيه الله منه (أو وهم) بسكون الهاء، أي رواية الحديث على سبيل التوهم، وجملة قوله: (كثر) صفة له، حذف نظيره من غفلة، ويحتمل كون الوهم هنا بفتح الهاء، بمعنى الغلط، إلا أنه سُكِّن للوزن، فيكون بمعنى قول النخبة: أو فحش غلطه . (تنبيه): قوله: ((أو فسق، أو غفلة، أو وهم))، الظاهر أنه بالجر عطفًا على الكذب، وليس كذلك؛ لأن مجرد الاتهام بهذه الأمور لا يكون سببًا لترك الحديث، بل المراد ظهورها وكونها معلومة، فالأولى كونها فاعلاً لفعل محذوف، أي: ظهر فسق منه أو غفلة. = نقله المؤلف في التدريب (ص ٨١) ثم قال: ((ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام عن علي بن حكيم عن شريك عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدم ونوح كنوح وإبراهيم كإبراهيم وعيسى كعيسى. وقال: صحيح الإسناد، ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له! حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح ولكنه شاذ بمرة)). والحديث في المستدرك (ج ٢ ص ٤٩٣) ووافقه الذهبي على تصحيحه، ولست أرى أنه من الشاذ كما ذهب إليه البيهقي؛ لأن الحاكم روى بعده قطعة منه من طريق شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي الضحى عن ابن عباس، وإنما علة الحديث أنه موقوف على ابن عباس في الطريقين، فيحتمل - بل يرجح - أنه من الإسرائيليات التي كان الصحابة لا يرون بأسًا بنقلها عن اليهود. والله أعلم. ثم إن كل من سبق في هذه الأنواع إنما هو في انفراد الراوي الذي ليس صحابيًّا. وأما الصحابي فإن انفراده برواية لا يدخل تحت أي نوع منها. ٢٠٤ شَرِجُ الْفِيَُّ السَّيُوطِىّ - الأفراد ١٨٨ - الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَاً رَأَو به فَإِنْ لِضَبْطٍ بَعُدَ ١٨٩ - رُدَّ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ حَيْثُ عَنْ (4) ١٩٠ - وَمَنْهُ نِسْبِيٌّ بِقَيْدُ يُعْتَمَدْ بثقَة أَوْ عَنْ فُلانِ أَوْ بَلَدْ ١٩١ - فَيَقْرُبُ الأَوَّلُ مِنْ فَرَدَ وَرَدْ وَهُكَذَا الثَّالِثُ إِنْ فَرْدًا يُرَدْ ( ** ) (تتمة): هذا الباب من زياداته على العراقي. ولما بقي من أحكام الأفراد أشياء، وإن كان جلها معلومًا من الأبواب السابقة ذكرها بترجمة مستقلة بعدها استفاء لما بقي، وتبعًا لغيره حيث أفردوها بترجمة، لما ذكر، فقال: الأفراد بفتح الهمزة جمع فرد، أي هذا مبحثها، وهو النوع الثاني والعشرون من أنواع علوم الحديث. رَاو به فَإِنْ لضَبْطِ بَعُدَاً الْفَرْدُ إِمَّا مُطْلَقٌ مَا انْفَرَدَاً أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ خُيْثُ عَنْ رُدَّ ، وَإِذْ يَقْرُبُ مِنْهُ فَحَسَنْ بثقَة أَوْ عَنْ فُلان أَوْ بَلَدْ وَمِنْهُ نَسْبِيٌّ بِقَيْدِ يُعْتَمَدْ وَهَكَذَا الثَّالثُ إِنْ قَّرْدًا يُرَدْ فَيَقْرُبُّ الأَوَّلُ مِنْ فَرْدِ وَرَدْ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذه أنواع من انفراد الراوي بالحديث، وهي تكميل للأنواع الخمسة السابقة، فالحديث الفرد- بالإطلاق من غير قيد - هو ما انفرد به راو واحد، وإن تعددت الطرق إليه. وحكمه أنه إذا كان الراوي ثقة ضابطًا كان الحديث صحيحًا. وإن كان متوسطًا في الضبط والحفظ كان الحديث حسناً. وإن كان غير ضابط كان الحديث مردودًا. وقد سبق في نوع الشاذ أن الحاكم يسمي ما ينفرد به الثقة شاذًّا وإن لم يخالفه غيره. ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: من الفرد أيضًا الفرد النسبي وهو المقيد بنسبة خاصة، فإما أن يقال: لم يروه ثقة إلا فلان، وهذا حكمة الفرد المطرق، لأن غير الثقة لا تعتبر روايته، فكأن الثقة انفرد به انفرادًا مطلقًا. وإما أن يقال: لم يروه عن فلان إلا فلان، وهذا يعتبر فيه ما يعتبر في الروايات الأخرى فإن كان الإسناد صحيحًا كان صحيحًا، وإن خالف غيره كان شاذًّا وهكذا وإما ان يقال: هذا الحديث من أفاد البصريين مثلاً، وهذا حكمه حكم الفرد المطلق. - الجُزُءُ الأولُ ٢٠٥ (الفرد) مبتدأ خبره قوله (إما) فرد (مطلق) أي عن التقييد بشيء مما يأتي في مقابله (ما) موصولة بدل من مطلق أو خبر لمحذوف، أي هو الحديث الذي انفردا بألف الإطلاق (راو) واحد عن جميع الرواة به أي برواية ذلك الحديث. وحاصل المعنى: أن الفرد على قسمين: أحدهما ما تفرد بروايته راوٍ واحدُ، ولو تعددت الطرق إليه، وهو طرفه الذي فيه الصحابي، وهو التابعي، لا الصحابي، لأن المقصود ما يترتب عليه من القبول والرد، والصحابة كلهم عدول، وهذا هو المسمى بالفرد المطلق، ثم بين حكمه، فقال : (فإن) كان ذلك المتفرد (لضبط) أي عنه، فاللام بمعنى عن متعلقة بـ ((بعدا)) بألف الإطلاق، أي: إن بَعُدَ عن درجة الضبط (رد) بالبناء للمفعول، جواب إن أي يكون مردودًا، لضعف راويه وإن قرب ذلك المنفرد منه أي الضبط، وفي نسخة المحقق وإذا یقرب منه، والمعنى واحد، ف حديثه (حسن) يجوز الاحتجاج به (أو بلغ) المنفرد الضبط أي درجة الضبط والإتقان، فحديثه صحيح يحتج به، وفي نسخة المحقق فصحح حيث عن بتخفيف النون للوزن، يقال: عن الشيء: إذا ظهر، أي في أي حكم ورد ذلك الحديث، سواء كان في التحليل والتحريم، أم في الفضائل والزهد. وحاصل المعنى: أن الفرد المطلق، وهو الذي انفرد به راوٍ واحد، سواء تعددت الطرق إليه أم لا، حكمه أن ينظر في راويه المتفرد به، فإن كان قد بلغ حد الضبط والإتقان، فحديثه صحیح يحتج به مع تفرده به، کحديث النهي عن بيع الولاء وهبته، فقد تفرد به عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، وهو رجل ضابط متقن. وإن كان لم يبلغ حد الضبط والإتقان لكنه قريب من هذا الحد، فحديثه حسن يحتج به أيضًا. وإن كان بعيدًا من حد الضبط والإتقان كان حديثه ضعيفًا مردودًا. قال الحافظ رحمه الله: وقد یتفرد به راوٍ، عن ذلك المتفرد، کحديث شعب الإيمان تفرد به أبو صالح، عن أبي هريرة، وتفرد به عبد الله بن دينار، عن أبي صالح، وقد يستمر التفرد في جميع رواته أو أكثرهم، وفي مسند البزار، والمعجم الأوسط للطبراني أمثلة كثيرة لذلك. اهـ. ثم ذكر القسم الثاني وهو النسبي، فقال: (ومنه نسبي) مبتدأ وخبر، أي بعض الأفراد نسبي، أي فرد بالنسبة إلى جهة خاصة، وإن كان مشهورًا في نفسه، كما قال (بقيد يعتمد) أي بسبب قيد يذكر معه، فـ(يعتمد)) بالبناء للمفعول صفة لـ((قيد)) أي يعتمده المحدث، بمعنى يذكره، وذلك القيد: إما أن يكون بثقة كأن يقال: لم يروه ثقة إلا فلان، ومعناه: أنه قد رواه غيره، لكنه من غیر الثقات. ٢٠٦ شَرْجُ الفِيَّةُ الشَُّوطِى (أو) إما أن يكون بقيد فلان (عن فلان) كأن يقال: لم يروه عن فلان إلا فلان، فمعناه أنه قد رواه غيره لكن عن غير الذي رواه عنه (أو) إما أن يكون بقيد (بلد) كمكة، والمدينة، والبصرة والكوفة، كأن يقال: لم يروه إلا أهل مكة. قال الحافظ رحمه الله: وإطلاق اسم الفرد على النسبي قليل، وأكثر ما يطلق اسم الفرد على المطلق، ويقال للنسبي غريب، لكنه لما كان الغريب والفرد مترادفين لغة واصطلاحاً أطلق عليه الفرد . قال: وهذا من حيث إطلاق الاسم عليهما، وأما من حيث استعمالهم الفعل المشتق فلا يفرقون، فيقولون في المطلق والنسبي: تفرد به فلان، أو أغرب به فلان. وقريب من هذا اختلافهم في المنقطع والمرسل، هل هما متغايران، أو لا؟ فأكثر المحدثين على التغاير، لكنه عند إطلاق الاسم، وأما عند استعمال الفعل المشتق، فيستعملون الإِرسال فقط، فيقولون أرسله فلان، سواء كان ذلك مرسلاً أو منقطعًا، ومن ثَمَّ أطلق غير واحد ممن لم يلاحظ مواقع استعمالهم على كثير من المحدثين أنهم لا يغايرون بين المرسل والمنقطع، وليس كذلك لما حررناه، وقلَّ من نبه على النكتة في ذلك. اهـ. كلام الحافظ بتصرف يسير(١). ثم بين حكمه فقال: فيقرب من باب كرم، وقتل، وتعب الأول أي المقيد بالثقة من فرد مطلق ورد أي أتى، وذكر فيما قبل، وهو القسم الأول. والمعنى: أن الفرد المقيد بالثقة يكون قريبًا من الفرد المطلق؛ لأن رواية غير الثقة كلا رواية هكذا قال تبعًا للعراقي، لكن الذي حققه الحافظ السخاوي رحمه الله أن ينظر إلى رواية غير الثقة، فإن كان ممن بلغ رتبة من يعتبر بحديثه كان حديث هذا الثقة قريبًا من المطلق، وإن کان ممن لا يعتبر به كان كالمطلق؛ لأن روايته كلا رواية، فتأمل. مثاله: حديث مسلم وغيره أنه ير: ((كان يقرأ في الأضحى والفطر بـ(ق)) واقتربت الساعة)) تفرد به ضمرة بن سعيد، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه، ولم يروه أحد من الثقات غير ضمرة، ورواه من غيرهم عبد الله بن لهيعة، وهو ممن ضعفه الجمهور لاحتراق كتبه، عن خالد بن يزيد، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها (٢). (وهكذا الثالث) مبتدأ وخبره، أي يقرب القسم الثالث من النسبي، وهو المقيد بالبلد من الفرد المطلق، وترك الثاني لكونه معروفًا من بيان الأول والثالث (إن فردًا يرد) بالبناء (١) انظر شرح النخبة بحاشية لقط الدرر ص ٤٤. (٢) رواه الدارقطني ج ١ ص ١٨٠ . ٢٠٧ - الجُزُءُ الأول للمفعول من الإرادة، أي: إن أريد بتفرد أهل البلد انفراد واحد منهم، ولو قال فرد بالرفع لكان أولى، ويحتمل أن يكون من الورود، أي إن ورد فردًا، فـ ((فردًا)» مفعول لفعل محذوف مفسر بـ (یرد)). والمعنى: أن الفرد المقيد بالبلد يقرب من القسم الأول، وعبارة غيره أنه من المطلق، وحاصل عبارة العراقي: فإن يريدوا بقولهم: انفرد به أهل البصرة، أو هو من أفراد البصريين، ونحو ذلك واحدًا من أهل البصرة انفرد به، متجوزين بذلك، كما يضاف فعل واحد من قبيلة إليها مجازًا فهو من القسم الأول، وهو الفرد المطلق. اهـ. بتغيير يسير. مثاله حديث النسائي: كلوا البلح بالتمر قال الحاكم: هو من أفراد البصريين عن المدنيين تفرد به أبو زکیر، عن هشام. ومثال ما تفرد به فلان عن فلان ما في السنن الأربعة من طريق ابن عيينة، عن وائل بن داود، عن ابنه بكر بن وائل، عن الزهري، عن أنس رضي الله عنه، أن النبي وَلّ: ((أولم على صفية بسويق وتمر )) قال الحافظ ابن طاهر: تفرد به وائل عن ابنه، ولم يروه عنه غير ابن عيينة، وقد رواه محمد بن الصلت التَّوَّزي عن ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، ورواه جماعة عن ابن عيينة عن الزهري بلا واسطة (١). (تنبيهات): الأول: قال السخاوي رحمه الله ما حاصله: أنه تحصل مما ذكر أن القسم الثاني يعني النسبي أنواع: منها ما يشترك الأول معه فيه، کإطلاق تفرد أهل بلد ما یکون راويه منها واحداً فقط، وتفرد الثقة بما يشترك معه في روايته ضعيف، ومنها ما هو مختص به، وهو تفرد شخص عن شخص، أو عن أهل بلد، أو أهل بلد عن شخص، أو عن أهل بلد أخرى. اهـ(٢). (الثاني): أنه صنف في الأفراد الدارقطني، وابن شاهين، وغيرهما، وكتاب الدار قطني حافل في مائة جزء حديثية، وعمل أبو الفضل بن طاهر أطرافه، ومن مظانها الجامع للترمذي، وزعم بعض المتأخرين أن جميع ما فيه من القسم الثاني، ورده الحافظ بتصريحه في كثير منه بالتفرد المطلق، ومن مظانها أيضًا مسند البزار، والمعجمان الأوسط والصغير للطبراني، وصنَّف أبو داود السنن التي تفرد بكل سنة منها أهل بلد، كحديث طلق في مسِّ الذَّكر(٣)، قال: تفرد به أهل اليمامة، وحديث عائشة في صلاة النبي وَل (١) تدريب ج ١ ص ٢٢٣ . (٢) فتح ج ١ ص ٢٥٧ . (٣) أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وهو حديث صحيح . ٢٠٨ شَرِجُ الْفِيَة الشَّيُوطِى الغريب، والعزيز، والمشهور، والمستفيض ، والمتواتر ١٩٢ - الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَرْدًا، وَالَّذِي لَهُ طَرِيقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذ على سهيل ابن بيضاء(١)، قال الحاكم: تفرد أهل المدينة بهذه السنة، وكل ذلك لا ینهض به إلا متسع الباع في الرواية والحفظ، وكثيراً ما يقع التعقب في دعوى الفردية، حتى إنه يوجد عند مدعيها المتابع، لكن إنما يحسن الجزم بالتعقب حيث لم يختلف السياق، أو يكون المتابع ممن يعتبر به، لاحتمال إرادة شيء من ذلك بإطلاق. (الثالث): قال ابن دقيق العيد: إنه إذا قيل في حديث: تفرد به فلان، عن فلان احتمل أن يكون تفردًا مطلقًا، واحتمل أن يكون تفرد به عن هذا المعين خاصة، ويكون مرويًّا عن غير ذلك المعين، فليتنبه لذلك، فإنه قد يقع فيه المؤاخذة على قوم من المتكلمين على الأحادیث ویکون له وجه کما ذكرناه الآن. انتهى(٢). (الرابع): قال السخاوي: قولهم: لا نعلم أحدًا روی هذا الحدیث غیر فلان جوز ابن الحاجب في غير الرفع والنصب، وأطال في تقريره. اهـ(٣). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما أنهى الكلام على الأفراد، ذكر الغريب وما معه بعده؛ لأن الغريب منها، فقال: الغريب، والعزيز، والمشهور والمستفيض، والمتواتر أي هذا مبحثها، وهي النوع الثالث والعشرون، والرابع والعشرون، والخامس والعشرون، والسادس والعشرون، والسابع والعشرون، ثم إن الناظم رحمه الله رتبها بالترقي، وأتبعها بالأفراد؛ لأن الغريب منها، وجمعها في ترجمة واحدة لما بينها من الصلة، إذ باجتماع بعضها إلى جانب بعض تتضح حقيقة كل واحد منها تمام الاتضاح، وصنيعه أولى من صنيع العراقي وغيره تبعًا لابن الصلاح، فإنهم ذكروها بعد العالي والنازل، وذلك لأن ابن الصلاح أملى كتابة شيئًا فشيئًا، فرأى ذكر ما يناسب الحال أولى بالتقديم من مراعاة الترتيب على الوضع المناسب. وقال الحافظ رحمه الله: وكلها سوى الأخير، وهو المتواتر آحاد، ويقال لكل منها: (١) أخرجه مسلم . (٢) انظر فتح المغيث ج ١ ص ٢٥٧ - ٢٥٨ . (٣) فتح ج ١ ص ٢٥٨ . ٢٠٩ - الجُزُءُ الأُولُ خبر واحد، وهو في اللغة ما يرويه شخص واحد، وفي الاصطلاح: ما لم يجمع شروط المتواتر .اهـ. ثم رتبها مفصلاً، فذكر الأول بقوله: ... الأَوَّلُ الْمُطْلَقُ فَرْدًا ، (الأول) أي الغريب، وهو لغة صفة مشبهة بمعنى المنفرد، أو البعيد عن أقاربه، واصطلاحًا ما أشار إليه بقوله (المطلق فردًا) أي الفرد المطلق، فقوله ((الأول)): مبتدأ خبره ((المطلق)) و ((مفردًا)) تمييز (١). والمعنى: أن الغريب هو الفرد المطلق الذي تقدم في الأفراد أنه ما رواه واحد فقط، والحاصل أن الغريب في الاصطلاح عبارة عن الحديث الذي تفرد راويه بروايته عمن يجمع حديثه لضبطه وعدالته، كالزهري، وقتادة، وأشباهما، وإنما سُمِّي غريبًا لأنه حينئذٍ كالغريب الواحد الذي لا أهل عنده، أو لبعده عن مرتبة الشهرة فضلاً عن التواتر. وقال بعضهم: الغريب من الحديث على وزان الغريب من الناس، فكما أن غرابة الإنسان في البلد تكون حقيقية بحيث لا يعرفه فيها أحد بالكلية، وتكون إضافية بأن يعرف بعض دون بعض، ثم قد يتفاوت معرفة الأقل منهم تارة، والأكثر أخرى، وقد یستویان، وكذا الحديث. قاله السخاوي. وقال في التنقيح نقلاً عن ابن الصلاح: الغريب هو الذي يتفرد به بعض الرواة، وسواء انفرد بالحديث كله، أو بشيء منه، أو في سنده، وقال ابن منده ما معناه: الغريب من الحديث (٢) انفراد الراوي بالحديث عن إمام قد جمع حديثه وحفظ، مثل قتادة، والزهري، فإذا انفرد الراوي عن أحدهم من بين من أخذ عنهم بحديث سمي غريبًا. اهـ. بزيادة من (٣) التوضيح (٣). وقال السخاوي ما نصه: والحاصل أن الغريب على قسمين مطلق ونسبي، وحينئذٍ فهو والأفراد على حد سواء. اهـ. (٤) لكن قدمنا عن الحافظ: أن أهل الاصطلاح فرقوا بينهما من حيث كثرة الاستعمال وقلته، فانظر تحقيقه في بحث الأفراد. ثم ذكر القسم الثاني، وهو العزيز بقوله: (١) أي محولٌ من نائب الفاعل أي: المطلق فرديته . (٢) هكذا نسخة التنقيح، ولعل الصواب: الغرابة في الحديث إلخ . (٣) ج ٢ ص ٤٠٦ . (٤) ج ٤ ص ٣ . ٢١٠ شَرِجُ الْفِيَةُ الشَّيُوخِىّ - ١٩٣ - وَسْمَ الْعَزِيزِ، وَالَّذِي رَوَاهُ ثَلاثَةٌ مَشْهُورُنَا ، (رآهُ لَهُ طَريقَانِ فَقَطْ لَهُ خُذ وَالَّذي وَسْمَ الْعَزيز ، (والذي) مبتدأ خبره جملة الطلب، أي: الحديث الذي (له طريقان) أي راويان (فقط) أي فحسب (له) أي لهذا الحديث متعلق بـ(خذ) بكسر الذال للروي، وقوله: (وسم العزيز) بالفتح بوزن الوعد، أي: علامة العزيز، بمعنى أنك تجعل له اسم العزيز علامة يعرف بها. وحاصل المعنى: أن الحديث الذي يرويه اثنان، عن اثنين، فقط يسمى بالعزيز، وسُمِّي بذلك، إما لقلة وجوده، لأنه يقال: عز الشيء يعز، بكسر العين في المضارع عزَّاً، وعزازة (١) : إذا قلَّ، بحيث لا يكاد يوجد، وإما لكونه قوي، واشتد بمجيئه من طريق آخر من قولهم: عز يعز، بفتح العين في المضارع عزَّاً، وعزازة أيضًا: إذا اشتد، وقوي، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: ١٤]، أي: قوينا وشددنا، وجمع العزيز: عزاز، مثل كريم وكرام(٢)، ولا يقال عززاء ككرماء كراهية التضعيف أفاده في التاج. قال الحافظ: المراد برواية اثنين أن لا يرد بأقل منهما، فإن ورد بأكثر في بعض المواضع من السند الواحد لا يضر، إذ الأقل في هذا العلم يقضي على الأكثر. قال: وادعى ابن حبان أن رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا توجد أصلاً، قال الحافظ: إن أراد به أن رواية اثنين فقط عن اثنين فقط لا توجد أصلاً، فيمكن أن يسلم، وأما صورة العزيز التي حررناها فموجودة بأن لا يرويه أقل من اثنين عن أقل من اثنين. مثاله: ما رواه الشيخان من حديث أنس، والبخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ◌َ﴾ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده)) الحديث، ورواه عن أنس، قتادة، وعبد العزيز بن صهيب، ورواه عن قتادة، شعبة، وسعید، ورواه عن عبد العزيز، إسماعيل بن علية، وعبد الوارث، ورواه عن كل جماعة. وقال أيضًا: وليس (( يعني العزيز)) شرطًا للصحيح خلافًا لمن زعمه، وهو أبو علي الجُبَّائي من المعتزلة، وإليه يومئ كلام الحاكم أبي عبد الله في علوم الحديث حيث قال: (١) الأول بالكسر، والثاني بالفتح . (٢) قال الشاعر: في كل نائبة عزاز الآنف بيض الوجوه كريمة أحسابهم اهـ لسان. وفي ((ق)) جمعه عزاز، وأعزة، وأعزاء. اهـ. ٢١١ - الجُزْءُ الأول ١٩٤ - قَوْمٌ يَسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ وَالأَصَحْ هَذَا بِأَكْثَرِ ، وَلَكِنْ مَا وَضَحْ ١٩٥ - حَدُّتَوَاتُرٍ)، وَكُلٌّ يَنْقَسِمْ لِمَا بِصِحَّةٍ وَضَعْفٍ يَتَّسِمْ الصحيح أن يرويه الصحابي الزائل عنه اسم الجهالة بأن يكون له راويان، ثم يتداوله أهل الحديث إلى وقتنا كالشهادة على الشهادة . وصرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح البخاري بأن ذلك شرط البخاري، وأجاب عما أورد عليه من ذلك بجواب فيه نظر؛ لأنه قال: فإن قيل: حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) فردَّ لم يروه عن عمر إلا علقمة، قال: قلنا: قد خطب به عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة الصحابة، فلولا أنهم يعرفونه لأنكروه، كذا قال. وتعقب بأنه لا يلزم من كونهم سكتوا عنه أن يكونوا سمعوه من غيره، وبأن هذا لو سلم في عمر منع في تفرد علقمة، ثم تفرد محمد بن إبراهيم عن علقمة، ثم تفرد یحیی بن سعید به عن محمد على ما هو الصحيح المعروف عند المحدثين، وقد وردت لهم متابعات لا يعتبر بها لضعفها، وكذا لا نسلم جوابه في غیر حدیث عمر رضي الله عنه. قال ابن رشيد: ولقد كان يكفي القاضي في بطلان ما ادعى أنه شرط البخاري أول حديث مذكور فيه. اهـ. كلام الحافظ(١). ثم ذكر الثالث، وهو المشهور بقوله: ثَلاثَةٌ مَشْهُورْنَا ، رَآهُ وَالَّذِي رَوَاهُ قَوْمٌ يَسَاوِي الْمُسْتَفِيضَ وَالأَصَحْ حَدُّتَوَاتُر هَذَا بِأَكْثَرٍ ، وَلَكِنْ مَا وَضَحْ (والذي) مبتدأ، أي الحديث الذي (رواه ثلاثة) من الرواة (مشهورنا) خبر المبتدإ، ويجوز العكس، أي مشهور المحدثين. والمعنى: أن المشهور عندنا أيها المحدثون، وإنما خصَّهم احترازًا من المشهور عند العامة كما يأتي: هو الذي يرويه ثلاثة فأكثر، وسمي مشهورًا لوضوح أمره، يقال: شهرت الأمر أشهره (٢) شهراً بالفتح وشهرة بالضم: أبرزته، وشهرت الحديث شهراً وشهرة: أفشيته، (١) شرح النخبة بنسخة لقط الدرر ص ٣٥، ٣٦. (٢) من باب قطع . ٢١٢ شَرْخُ الْفِيَّةُ الشَّيُوَظِىّ - فاشتهر. أفاده في المصباح. وهذا التعريف لجماعة منهم الحافظ، فإنهم خصّوا الثلاثة فما فوقها بالمشهور، والاثنين بالعزيز، وقال ابن الصلاح تبعًا لابن منده: هو ما رواه جماعة عن الأئمة الذين يجمع حديثهم، وعبارته: فإذا روى عنهم رجلان وثلاثة واشتركوا في حديث يُسمَّى عزيزًا، فإذا روى الجماعة عنهم حديثًا سمي مشهورًا. ومقتضى هذا أن بين العزيز والمشهور عمومًا وخصوصًا وجهيًّا. يجتمعان فيما إذا رواه ثلاثة، ويختص العزيز في الاثنين، والمشهور في أكثر من الثلاثة قاله السخاوي (١). ثم إن من العلماء من جعل المشهور، والمستفيض واحدًا، وإليه أشار بقوله: (رآه) أي: المشهور (قوم) من العلماء، بمعنى: ذهبوا إليه، قال في المصباح: الذي أراه بالبناء للفاعل: بمعنى الذي أذهب إليه. اهـ. المقصود منه، والمعنى: أنه ذهب جماعة من أئمة الفقهاء، والأصوليين، وبعض المحدثين إلى أن المشهور (يساوي) في المعنى الحديث الذي سُمِّي (المستفيض) اسم الفاعل من استفاض الخبر، أي شاع، كما في التاج، وفي شرح النخبة من فاض الماء يفيض فيضًا. اهـ. أي كَثُرَ حتى سال على طرف الوادي. اهـ. لقط الدرر (٢). وحاصل المعنى: أن المشهور هو المستفيض على رأي جماعة من العلماء، لكن الأصح أن بينهما مغايرة كما ذكره بقوله (والأصح) من أقوال العلماء أن (هذا) أي المستفيض يكون (بأكثر) من ثلاثة (ولكن ما) نافية (وضح) أي ظهر فيه (حد تواتر) يعني : أنه لم يوجد فيه حد التواتر. وحاصل المعنى: أن الأصح في حد المستفيض هو ما رواه أكثر من ثلاثة ما لم يبلغ إلى حد التواتر على ما يأتي بیانه . وقال السخاوي: نقلاً عن الحافظ ما حاصله: ومنهم من غاير بينهما بأن المستفيض يكون من ابتدائه إلى انتهائه سواء، والمشهور أعمُّ من ذلك بحيث يشمل ما كان أوله منقولاً من الواحد كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات )) فقد ثبت عن أبي إسماعيل الهروي أنه كتبه عن سبعمائة رجل من أصحاب يحيى بن سعيد، واعتنى الحافظ أبو القاسم بن منده بجمعهم وترتيبهم بحيث جمع نحو النصف من ذلك، ومنهم من غاير بينهما، أن · المستفيض ما تلقته الأمة بالقبول دون اعتبار عدد، ولذا قال أبو بكر الصيرفي والقفال: إنه هو والمتواتر بمعنى واحد، ونحوه قول ((شيخنا)) يعني: الحافظ ابن حجر في المستفيض: (١) فتح ج ٤ ص ٨ . (٢) ص ٣٤ . ٢١٣ - الجزءُ الأولْ ١٩٦ - (وَالْغَالبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَريب) وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَرِيبٍ إنه ليس من مباحث هذا الفن. يعني كما في المتواتر على ما سيأتي بخلاف المشهور، فإنه قد اعتبر فيه هذا العدد المخصوص، سواء كان صحيحًا، أم لا. اهـ. كلام السخاوي(١). ثم إن هذه الأقسام الأربعة لا تختص بصحيح، ولا ضعيف، بل تعمهما، إلا أن الغالب على الغريب الضعف، وإليه أشار بقوله: لِمَا بِصِحَّة وَضَعْف ◌َتَّسِمْ وَكُلٌّ يَنْقَسِمْ وَالْغَالبُ الضَّعْفُ عَلَى الْغَرِيبِ (وكل) من الأقسام المذكورة مبتدأ خبره (ينقسم لما) إلى الحديث الذي (بصحة) متعلق بـ(لايتسم))، والمراد ما يشمل الحسن (وضعف) بفتح الضاد وضمها (يتسم) أي يتحلى، ويتصف . والمعنى: أن كلاً من الأقسام المذكورة ينقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، إذ لا ينافي واحداً منها، وإن لم يصرح ابن الصلاح بذلك، إلا في الغريب لكثرته، ولذلك قال الناظم (و) لكن (الغالب الضعف) بالفتح والضم (على الغريب) أي النوع المسمى به، يعني: أن الغريب غالباً يكون ضعيفًا ويندر فيه الصحة، ولذا كره جمع من الأئمة تتبع الغرائب. فقد قال أحمد رحمه الله تعالى: لا تكتبوا هذه الأحاديث الغرائب فإنها مناكير وعامتها عن الضعفاء، وسُئل عن حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس («تردين عليه حديقته)) (٢) فقال: إنما هو مرسل، فقيل له: إن ابن أبي شيبة زعم أنه غريب، فقال أحمد: صدق، إذا كان خطأ فهو غريب. وقال أبو حنيفة رحمه الله: من طلبها كذب، وقال مالك رحمه الله: شر العلم الغريب، وخيره الظاهر الذي قد رواه الناس، وعن عبد الرزاق قال: كنا نرى أن الغريب (٣) خير، فإذا هو شر. ذكره السخاوي . وفي التدريب: وقال ابن المبارك: العلم الذي يجيئك من ههنا وههنا يعني المشهور، رواه البيهقي في المدخل، وعن الزهري قال: حدثت علي بن الحسين بحديث، فلما فرغت، قال: أحسنت بارك الله فيك، هكذا حدثنا، قلت: ما أراني إلا حدثتك بحديث (١) فتح ج ٤ ص ٩ . (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/ ١٢٢)، والبيهقي في سننه (٧/ ٧١٤). (٣) فتح ج ٤ ص ١٠. ٢١٤ شَرْع الْفَة السّيُوخِّ - ١٩٧ - في مَتْه وَسَنَد ، وَالثَّانِ قَدْ (*) ٠٠ (وَلَا تَرَى غَرِيبَ مَتْنٍ لَا سَنَدْ أنت أعلم به مني، قال: لا تقل ذلك، فليس العلم ما لا يعرف، إنما العلم ما عرف وتواطأت عليه الألسن. وروى ابن عدي عن أبي يوسف، قال: من طلب الدين بالكلام تزندق، ومن طلب غريب الحديث كذب، ومن طلب المال بالكيمياء أفلس. اهـ. المقصود من التدريب(١). مثال المشهور الصحيح حديث: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس)) الحدیث. ومثال المشهور الحسن حديث: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم)) فقد قال الحافظ المزي: إن له طرقًا يرتقي بها إلى رتبة الحسن، ومثال المشهور الضعيف حديث: ((الأذنان من الرأس )). قلت: الصحيح أنه صحيح كما بينته في شرح النسائي. وأما مثال الغريب الصحيح، فأفراد الصحيح كثيرة، كحديث ((السفر قطعة من العذاب)) ومثال الغريب غير الصحيح، فهو غالب الغرائب. ثم شرع في تقسيم آخر للغريب فقال: وَقُسِّمَ الْفَرْدُ إِلَى غَريب وَلَا تَرَى غَرِيبَ مَثْن لا سَّنَدَّ فِي مَتْنِهِ وَسَنَدٍ ، وَالثَّانِ قَدْ (وَقسم) بالبناء للمفعول (المفرَد) أي المطلق الذي هو الغريب، (إلى) قُسمين (غريب في متنه، وسند) له معًا، كالحديث الذي ينفرد برواية متنه راوٍ واحد فقط (و) غريب في (الثاني) أي السند (قد) أي فحسب، كأن يكون المتن معروفًا برواية جماعة من الصحابة، فينفرد بها راوٍ من حديث صحابي آخر، فهو من جهته غريب مع أن متنه غير غريب. ومن أمثلته: حديث أبي بردة بن أبي موسى، عن أبيه رفعه: ((الكافر يأكل في سبعة أمعاء )) (٢) فإنه غریب من حديث أبي موسى، مع كونه معروفًا من حديث غيره، قال ابن الصلاح: من ذلك غرائب الشيوخ في أسانيد المتون الصحيحة. قال السخاوي: يعني كأن ینفرد به من حديث شعبة بخصوصه غندر، قال: وهو الذي يقول فيه الترمذي: غريب من (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: فقط. (١) ج ٢ ص ١٦٨ - ١٦٩ . (٢) متفق عليه . ٢١٥ - الجُزُءُ الأُولُ هذا الوجه، قال ابن الصلاح: ولا أرى، يعني القسم الثاني ينعكس، فلا يوجد إذًا يعني فيما يصح، ما هو غريب متنا لا سندًا. اهـ. وإليه أشار بقوله: (ولا نرى) بالنون والبناء للفاعل، أي لا نعرف معاشر المحدثين، وفي نسخة المحقق بالتاء، أي لا تعرف أيها المحدث، ولا تجد بالبحث (غريب متن) بالنصب مفعول ((نرى)) (لا سند) أي دونه، يعني أنه لا يوجد حديث غريب متنا لا سندًا، قال ابن الصلاح: إلا إذا اشتهر الحديث الفرد عمن تفرد به، فرواه عنه عدد كثيرون فإنه يصير غريبًا مشهوراً، وغريبًا متنا، وغير غريب إسنادًا، لكن بالنظر إلى أحد طرفي الإِسناد، فإن إسناده متصف بالغرابة في طرفه الأول، ومتصف بالشهرة في طرفه الآخر، كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) وكسائر الغرائب التي اشتملت عليها التصانيف المشهورة. اهـ (١). قال العراقي بعد نقل كلام ابن الصلاح هذا ما نصه: هكذا قال ابن الصلاح: إنه لا يوجد ما هو غريب متنا لا سندًا، إلا بالتأويل الذي ذكره، وقد أطلق أبو الفتح اليعمري ذكر هذا النوع في جملة أنواع الغريب من غير تقييد بآخر السند، فقال في شرح الترمذي: الغريب على أقسام: غريب سنداً ومتنا، ومتنا لا سندًا، وسندًا لا متنا، وغريب بعض السند فقط، وغريب بعض المتن فقط، فالقسم الأول: واضح، والقسم الثاني: هو الذي أطلقه أبو الفتح ولم يذكر له مثالاً، والقسم الثالث: حديث رواه عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي وَّ قال: ((الأعمال بالنية)) قال الخليلي في الإرشاد: أخطأ فيه عبد المجيد، وهو غير محفوظ من حديث زيد بن أسلم بوجه، قال: فهذا مما أخطأ فيه الثقة عن الثقة، وقال أبو الفتح اليعمري : هذا إسناد غريب كله، والمتن صحيح. والقسم الرابع: مثاله حديث رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ومن رواية عباد بن منصور كلاهما عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بحديث أم زرع، والمحفوظ ما رواه عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أخيه عبد الله بن عروة، عن أبيه، عن عائشة هكذا اتفق عليه الشيخان، وكذا رواه مسلم من رواية سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن هشام، قال أبو الفتح: فهذه غرابة تخص موضعًا (١) علوم الحديث (٢٤٤، ٢٤٥). ٢١٦ شِعُ الْفُُّ الشَّيُوطِي ١٩٨ - وَيُطْلَقُ الْمَشْهُورُ للَّذِي اشْتَهَرْ فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ (*) من السند، والحديث صحيح، قال العراقي: ويصلح ما ذكرناه من عند الطبراني مثالاً للقسم الخامس؛ لأن عبد العزيز، وعبادًا جعلا جميع الحديث مرفوعًا، وإنما المرفوع منه قوله ◌َّير: ((كنت لك كأبي زرع لأم زرع)) فهذه غرابة بعض المتن أيضًا. اهـ. كلام العراقي في شرح ألفيته(١) . ولما كان المشهور له إطلاق آخر غير ما مر في الأقسام، وهو ما اشتهر على ألسنة الناس ذكره بقوله: فِي النَّاسِ مِنْ غَيْرِ شُرُوطٍ تُعْتَبَرْ وَيُطْلَقُّ الْمَشْهُورُ للَّذِي اشْتَهَرَ (١) ج ٢ ص ٢٧١، ٢٧٢ . ( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الحديث ((المفرد المطلق)) - وهو الذي تقدم في الأفراد أنه ما رواه واحد فقط يسمى أيضًا الغريب فإذا انفرد بالحديث راويان سمي عزيزًا فإذا رواه أكثر من اثنين سمي مشهورًا. هذا هو الذي رجحه ابن حجر وغيره من المتأخرين. وذهب ابن الصلاح إلى أن العزيز ما انفرد به اثنان أو ثلاثة. والمستفيض يطلق أيضًا على المشهور، ولكن المؤلف ذهب إلى أن المشهور ما رواه ثلاثة، والمستفيض ما رواه أكثر من ثلاثة. والظاهر من عبارات المتقدمين أنهما واحد، وأن المتواتر قسم من المشهور، وسيأتي الكلام عليه. ثم إن الغالب على الحديث الغريب أن يكون ضعيفًا، ومنه الصحيح والحسن كما مضى. والغرابة تكون في المتن والسند معًا . وتكون في السند وحده. وقد تكون بأصل الحديث. وقد تكون بزيادة في المتن، وقد تكون بزيادة في السند، ولا تكون الغرابة في المتن كله وحده دون السند، لأن المتن إذا كان غريبًا بإسناد معين كان الإسناد إلى هذا المتن إسنادًا غريبًا، فيكون غريب المتن والإسناد معًا. وأما غرابة الإسناد وحده فتكون في حديث معروف بأسانيد أخرى ويأتي بإسناد انفرد به راوٍ واحد، فيكون هذا الإسناد غريبًا . وأمثلة هذه الأنواع كثيرة معروفة في كتب السنة وكتب المصطلح، وإنما نريد أن ننبه هنا على مثال واحد يخطئ فيه الناس وهو حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) فقد زعم بعضهم أنه مشهور، بل غالى غيره فادعى أنه متواتر، والحق أنه حديث غريب، أي: فرد مطلق، فإنه تفرد به عمر عن النبي ◌ّم وتفرد به علقمة عن عمر، وتفرد به محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة، وتفرد به يحيى بن سعيد عن التيمي، ثم اشتهر بعد ذلك - بل تواتر - عن يحيى بن سعيد، وقد ورد بأسانيد أخر من غير حديث عمر، ولكنها كلها أسانيد ضعاف! وقد يطلق بعض العلماء اسم المشهور على الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس، سواء كانت صحيحة أم ضعيفة أم مكذوبة ولا يريدون بها المشهور في اصطلاح المحدثين. = - الجُزْءُ الأولُ ٢١٧ (ويطلق المشهور للذي) أي على الحديث الذي (اشتهر في الناس) أي بينهم (من غير شروط تعتبر) أي من دون أن توجد فيه الشروط المعتبرة عند المحدثين في المشهور المصطلح عليه . والمعنى: أن اسم المشهور قد يطلق على الأحاديث التي اشتهرت على ألسنة الناس، سواء كانت صحيحة، أم ضعيفة، أم مكذوبة. والحاصل: أنه ربما يطلق على ما ليس له إلا إسناد واحد، أو إسنادان، أو لا إسناد له أصلاً، كـ: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)) و ((ولدت في زمن الملك العادل كسرى )»، وتسليم الغزالة، فقد اشتهر على الألسنة، وفي المدائح النبوية. قاله السخاوي(١). وقد صنف في هذا القسم الزركشي ((التذكرة في الأحاديث المشتهرة))، والناظم كتابًا استدرك فيه ما فات الزركشي، والعلامة السخاوي ((المقاصد الحسنة )) وغيرهم. ومن أمثلة المشهور عند أهل الحديث خاصة حديث أنس: ((أن رسول الله وَّل قنت شهراً بعد الركوع يدعو على رعل وذكوان)) أخرجه الشيخان من رواية سليمان التيمي، عن أبي مجلز، عن أنس. وقد رواه عن أنس غير أبي مجلز، وعن أبي مجلز غير سليمان، وعن سليمان جماعة، وهو مشهور بين أهل الحديث، وقد يستغربه غيرهم لأن الغالب على رواية التيمي عن أنس كونها بلا واسطة. ومن المشهور عند أهل الحديث والعلماء والعوام: ((المسلم من سلم المسلمون من لسانه ویده )) . ومن المشهور عند الفقهاء: ((أبغض الحلال عند الله الطلاق )) صححه الحاكم ((من سئل عن علمه فكتمه)) الحديث حسنه الترمذي ((لا غيبة الفاسق)) حسنه بعض الحفاظ، وضعفه البيهقي وغيره ((لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)) ضعفه الحفاظ. ((استاكوا عرضًا، وادهنوا غًّا، واكتحلوا وترًا)) قال ابن الصلاح: بحثت عنه فلم أجد له أصلاً، ولا ذكرًا في شيء من كتب الحديث. قلت: قال السخاوي في المقاصد الحسنة: والجملة الثانية من أصل الحديث عند أحمد، = وفي هذا كتب جمة مفيدة، تبين الصحيح منها من غيره، من أنفعها: ١- كتاب ((تمييز الطيب من الخبيث)) لابن الديبع الشيباني مؤلف تيسير الوصول. ٢- وكتاب ((كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس)) لإسماعيل بن محمد العجلوني المتوفى سنة ١١٦٢، وهو في مجلدين. (١) فتح ج ٤ ص ١١، ١٢ . ٢١٨ شَرِجُ الْفِيَةُ السَّيُظِيّ ١٩٩ - وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌ يَجِبْ إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ ٢٠٠- فَالمُتَوَتِرُ، وَقَوْمُ حَدَّدُوا بِعَشْرَةَ، وَهْوَ لَدَيَّ أَجْوَدُ ٢٠١ - وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ أوْ عِشْرِينَا يُحُكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعينَا وأبي داود، والترمذي مما صححه هو وابن حبان، وقال: والجملة الثالثة عند أبي داود، وغيره. ومن المشهور عند النحاة: ((نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه)) قال العراقي وغيره: لا أصل له، ولا يوجد بهذا اللفظ في شيء من كتب الحديث. ومن المشهور عند الأصوليين:((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) صححه ابن حبان، والحاكم بلفظ: ((إن الله وضع )). ومن المشهور بين العامة:((من دل على خير فله مثل أجر فاعله)) أخرجه مسلم، ((مداراة الناس صدقة» صححه ابن حبان، «البر کة مع أکابر کم) صححه ابن حبان، والحاكم («ليس الخبر كالمعاينة)) صححاه أيضًا ((المستشار مؤتمن)) حسنه الترمذي، ((العجلة من الشيطان)) حسنه الترمذي أيضًا، ((اختلاف أمتي رحمة))، ((نية المرء خير من عمله))، ((من بورك له في شيء فليلزمه))، ((الخير عادة))، ((عرفوا ولا تعنفوا)) ((جبلت القلوب على حب من أحسن إليها))، ((أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم)) ، وكلها ضعيفة، ((من عرف نفسه فقد عرف ربه))، ((كنت كنزاً مخفيًّا لا أعرف))، ((الباذنجان لما أكل له))، ((يوم صومكم يوم نحركم)) ، ((من بشرني بآذار بشرته بالجنة)) وكلها باطلة، لا أصل لها، ذكرها كلها في التدريب (١). ولما أنهى الكلام على الآحاد شرع يبين المتواتر، وهو القسم الخامس، فقال: إِحَالَةُ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْكَذِبْ وَمَا رَوَاهُ عَدَدٌ جَمٌ يَجِبْ بَعَشْرَةَ ، وَّهَوَ لَدَيَّ أَجَْوَدُ فَالُتَوَاتِرُ، وَقَوْمُ حَدَّدُوا يُحُكَى وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَا وَالْقَوْلُ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَوْ (٢) عِشْرِينَا (وما) اسم موصول مبتدأ، أي الحديث الذي (رواه عدد) أي جماعة من الناس (جم) بفتح الجيم وتشديد الميم صفة عدد، أي كثير، قال في ((ق)): الجم الكثير من كل شيء، (١) ج ٢ ص ١٦١، ١٦٢ . (٢) بوصل الهمزة للوزن. - الجُزُءُ الأولُ ٢١٩ كالجَمَم محركة، والجمع حمام، بالكسر، وجُموم بالضم. اهـ. بزيادة من التاج (يجب) عادة (إحالة اجتماعهم) وتواطئهم (على الكذب) بفتح فكسر أفصح من سكون الذال مع كسر الكاف، وهو الموافق للوزن أيضًا، وجملة ((يجب)) صفة بعد صفة لـ ((عدد )) بمعنى أن العادة تمنع اتفاقهم على الكذب عمدًا، أو وقوعه منهم من غير قصد، قال السخاوي: وبالنظر لهذا خاصة يكون العدد في طبقة كثيرًا، وفي أخرى قليلاً، إذ الصفات العلية في الرواة تقوم مقام العدد، أو تزيد عليه. اهـ (١). والحاصل: أن الخبر الذي ورد بلا حصر عدد معين، بل تكون العادة قد أحالت تواطؤهم على الكذب، وكذا وقوعه منهم اتفاقًا من غير قصد، وانضاف إليه أن يستوي الأمر فيه في الكثرة المذكورة من ابتدائه إلى انتهائه، والمراد بالاستواء أن لا تنقص الكثرة المذكورة في بعض المواضع، لا أن تزيد، إذ الزيادة هنا مطلوبة من باب أولى، وأن يكون مستند انتهائه الأمر المشاهد، أو المسموع، لا ما ثبت بقضية العقل الصرف(٢) فإذا جمع هذه الشروط الأربعة، وهي عدد كثير، أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، ورووا ذلك عن مثلهم من الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائهم الحس، وانضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه، (ف) هو (المتواتر)، خبر ((ما))، اسم فاعل من التواتر، وهو لغة ترادف الأشياء المتعاقبة واحداً بعد واحد بينهما فترة، ومنه قوله تعالى : ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسْلَنَا تَتْرَا﴾ [المؤمنون: ٤٤] أي رسولاً بعد رسول بينهما فترة، واصطلاحاً: هو الذي رواه جماعة غیر محصورین في عدد معین إلى آخر ما تقدم. فإذا حصلت الشروط المذكورة استلزمت حصول العلم في الغالب، وقد يتخلف لمانع، كغباوة السامع، والمعتمد أن العلم الحاصل به هو اليقيني لا النظري. (تنبيه): البحث عن المتواتر ليس من مباحث علم الإسناد(٣)، إذ علم الإسناد يبحث (١) فتح ج ٤ ص ١٣، ١٤ . (٢) كحدوث العالم وكون الواحد نصف الاثنين . (٣) قال الحافظ السخاوي رحمه الله: ولذلك لم يذكره من المحدثين إلا القليل، كالحاكم، والخطيب في أوائل الكفاية، وابن عبد البر، وابن حزم، وقال ابن الصلاح: إن أهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره ففي كلامه ما يشعر بأنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا يشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم. اهـ فتح المغيث ج ٤ ص ١٤، ١٥ . وقوله: ((ولا يكاد يوجد في رواياتهم)) فيه نظر، سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. ٢٢٠ شَرْجُ الفِرَةُ السَّيُوخِى . فيه عن صحة الحديث، أو ضعفه، ليعمل به، أو يترك، والمتواتر ليس كذلك، بل يجب العمل به من غير بحث عن رجاله، وإن كانوا فساقًا. ثم إن المتواتر قسم من المشهور، فكل متواتر مشهور ولا عكس. أفاده الحافظ . ثم إن ما ذكر من عدم حصر المتواتر بعدد معين هو الذي عليه الجمهور وهو الأصح، ومنهم من عينه بعدد، وإليه أشار بقوله: (وقوم حددوا) مبتدأ وخبر، أي قوم من المحدثين أو من علماء أصول الحديث، أو أصول الفقه جعلوا لأقل عدده حدًّا (بعشرة) بسكون الشين متعلق بـ ((حددوا)) وفي نسخة الشارح لعشرة باللام، والمعنى متقارب. والمعنى: أن بعض العلماء عين أقل المتواتر بعشرة، بمعنى أن الكثرة لا تنقص عنها، لا أنها لا تزيد عليها، إذ الزيادة هنا مستحسنة من باب أولى، لأن العلم إذا حصل بالأقل فبالزيادة أولى، وهكذا يقال في الأقوال الآتية. وهذا القول محكي عن أبي سعيد الإصطرخي قال: لأن ما دون العشرة آحاد. قال الناظم مختارًا لهذا القول (وهو) أي التحديد بعشرة (لدي) أي عندي (أجود) أي أحسن من غيره من الأقوال، وإنما اختاره لأنه أول جموع الكثرة (والقول) مبتدأ خبره جملة يحكى، وقوله (باثني عشر) يتعلق به، أي القول بتحديد رواة المتواتر باثني عشر عدد نقباء بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ [المائدة: ١٢]، بعثوا كما قال أهل التفسير للكنعانیین بالشام طليعة لبني إسرائيل المأمورین بجهادهم ليخبروهم بحالهم، فكونهم على هذا العدد ليس إلا لأنه أقل ما يفيد العلم المطلوب في مثل ذلك (أو عشرينا) أي القول بتحديدهم بعشرين شخصًا، لقوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلُوا مِائْتَيْنِ﴾[الأنفال: ٦٥] وكونهم على هذا العدد ليس إلا إلخ، ويحكى بالبناء للمفعول، أي يروى عن بعض العلماء، وقوله (وأربعين) عطف على اثني عشر، أي القول بتحديدهم بأربعين نفسًا يحكى عن بعضهم، قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَِّيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤]. وكانوا كما قال أهل التفسير: أربعين رجلاً كملهم عمر رضي الله عنه بدعوة النبي ◌ُّ، فإخبار الله عنهم بأنهم كافوا نبيهم يستدعى إخبارهم عن أنفسهم بذلك ليطمئن قلبه، فكونهم على هذا العدد ليس إلا إلخ (أو سبعينًا) أي يحكى عن بعضهمٍ تحديدهم بسبعين شخصًا، قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لَّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: ١٥٥] أي للاعتذار إلى الله تعالى من عبادة العجل،