النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ ۔ الجُزْءُ الأولْ يظهر روايته عن الضعفاء، فهذا يجرح فاعله، لكونه غشًّا للمسلمين. وهذا القول لابن الصباغ، فإنه جزم في العدة بأن من فعل ذلك لكون شيخه غير ثقة عند الناس، فغيره ليقبلوا خبره يجب أن لا يقبل خبره، وإن كان هو يعتقد فيه الثقة، لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو (١). وقال الآمدي: إن فعله لضعفه فجرح، أو لضعف نسبه، أو لاختلافهم في قبول روايته فلا. وقال ابن السمعاني: إن كان بحيث لو سئل عنہ لم یبینه، فجرح، وإلا فلا. والأصح: أنه ليس بجرح، بل منع بعضهم إطلاق اسم التدليس عليه، فقد روى البيهقي في المدخل عن محمد بن رافع، قال: قلت لأبي عامر: كان الثوري يدلس؟ قال: لا، قلت: أليس إذا دخل كورة يعلم أن أهلها لا يكتبون حديث رجل، قال: حدثني رجل، وإذا عرف الرجل بالاسم كناه، وإذا عرف بالكنية سماه، قال: تزيين، ليس بتدلیس. أفاده في التدریب(٢). وقال في التنقیح، وشرحه: إذا كان يعتقد أن ضعف من دلسه ضعف یسیر یحتمل، وعرفه بالصدق والأمانة، واعتقد وجوب العمل بخبره، لما له من التوابع والشواهد، وخاف من إظهار الرواية عنه وقوع فتنة من غال مقبول عند الناس ينهي عن حديث هذا المدلس، ويترتب على ذلك سقوط جملة من السنن النبوية فله أن يفعل مثل هذا ولا حرج عليه، لأنه قصد بتدليسه نصح المسلمين في الحقيقة، وإيثار المصلحة على المفسدة، وقد دلس عن الضعفاء إمام أهل الرواية والدراية ومن لا يتهم في نصحه للأمة سفيان بن سعيد الثوري، فمن مثل سفيان في منقبة واحدة من مناقبه؟ أو من يبلغ من الرواة إلى أدنى مراتبه؟ ولولا هذا العذر ونحوه من الضرورات ما دلس الحديث أكابر الثقات من أهل الديانة والأمانة والنصيحة لله ولرسوله مقلية ولجميع أهل الإسلام. وقد روي أن رواة الحديث، وأهل العلم في بعض أيام بني أمية، وبعض بلدانهم كانوا لا يقدرون على إظهار الراوية عن علي عليه السلام. اهـ. ما في التنقيح وشرحه التوضيح (٢). قلت: هذا كلام منقح ورأي مصحح، والله أعلم. (١) وقد اعترض كلام ابن الصباغ هذا في التنقيح فانظره ج ١ ص ٣٧٠، ٣٧١ فإنه كلام منقح، غير أن نسخة الكتاب ليست منقحة كما قال صاحب التوضيح، فلتحرر . (٢) ج ١ ص ٢٠٣ . (٣) ج ١ ص ٣٦٨، ٣٦٩ . ١٨٢ شَرِجُ الفِيُ السَّيُوطِي . ثم ذكر ما هو أخف مما قبله، وهو ما كان الحامل له على التدليس الاستصغار، أو الاستكثار، فقال (أو) يكون التدليس (ل) أجل (الاستصغار) أي عد المروي عنه صغير السن، إما بأن یکون أصغر منه، أو أکبر لکن بیسیر، أو بکثیر لکن تأخرت وفاته حتى شاركه في الأخذ عنه من هو دونه، والجار والمجرور عطف على قوله «لكونه)» (فأمره) أي شأن هذا التدليس، وحكمه، وهو مبتدأ خبره قوله (أخف) أي أسهل مما قبله، والجملة عطف على الجواب السابق، عطف معمولین علی معمولي عاملین مختلفین، وفيه خلاف مشهور. وحاصل المعنى: أنه إذا كان الحامل على هذا التدليس كون المروي عنه صغيراً في السن أو غيره، فهو أسهل مما كان الحامل له ضعفه. وقد ذكر العراقي نقلاً عن ابن الصباغ أنه إذا كان لصغر سنه يكون رواية مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه. فتعقبه الحافظ، فقال: فيه نظر، لأنه يصير مجهولاً عند من لا خبرة (١) له بالرجال، وأحوالهم، وأنسابهم على قبائلهم وبلدانهم وحرفهم، وألقابهم، وكناهم، وكذا الحال في آبائهم، فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا فمن أحاط علماً بذلك لا يكون الرجل المدلس عنده مجهولاً، وتلك أنزل مراتب المحدث. وقد بلغنا أن كثيراً من الأئمة الحفاظ امتحنوا طلبتهم المهرة بمثل ذلك فشهد لهم بالحفظ، لما تسارعوا إلى الجواب عن ذلك. وأقرب ما وقع من ذلك أن بعض أصحابنا كان ينظر في كتاب العلم لأبي بكر بن أبي عاصم، فوقع في أثنائه: حدثنا الشافعي، حدثنا ابن عيينة، فذكر حديثًا، فقال: لعله سقط منه شيء، فالتفت إلي فقال: ما تقول؟ فقلت: الإِسناد متصل، وليس الشافعي هذا محمد بن إدريس الإمام، بل هذا ابن عمه، إبراهيم بن محمد بن العباس، ثم استدللت على ذلك بأن ابن أبي عاصم معروف بالرواية عنه، وأخرجت من الكتاب المذكور روايته عنه، وقد سماه، ولقد كان ظن الشيخ في السقوط قويًّا، لأن مولد ابن أبي عاصم بعد وفاة الشافعي الإمام بمدة. وما أحسن ما قال ابن دقيق العيد: إن في تدليس الشيخ الثقة مصلحة، وهي امتحان الأذهان في استخراج ذلك، وإلقائه إلى من يراد اختبار حفظه، ومعرفته بالرجال، وفيه مفسدة من حيث إنه قد يخفي، فيصير الراوي المدلس مجهولاً لا يعرف، فيسقط العمل بالحديث مع كونه عدلاً في نفس الأمر . (١) في ((ق)): الخبر والخبرة بكسرهما، ويضمان: العلم بالشيء. اهـ . ١٨٣ - الجُزْءُ الأولُ قال الحافظ: قلت: وقد نازعته في كونه يصير مجهولاً عند الجميع، لكن من مفسدته أن يوافق ما يدلس به شهرة راوٍ ضعيف يمكن ذلك الراوي الأخذ عنه، فيصير الحديث من أجل ذلك ضعيفًا، وهو في نفس الأمر صحيح، وعكس هذا في حق من يدلس الضعيف ليخفي أمره، فينتقل عن رتبة من يرد خبره مطلقًا إلى رتبة من يتوقف فيه، فإن صادف شهرة راوٍ ثقة، يمكن أخذ ذلك الراوي عنه، فمفسدته أشد، كما وقع لعطية العوفي في تکنیته محمد بن السائب الكلبي أبا سعيد، فكان إذا حدث عنه يقول: حدثني أبو سعيد، فیوهم أنه أبو سعيد الخدري الصحابي رضی الله عنه، لأن عطية كان قد لقيه، وروى عنه، وهذا أشد ما بلغنا من مفسدة تدليس الشيوخ(١). (كاستكثار) أي كما يكون أخف إذا كان الحامل له على ذلك استكثار الشيوخ، أي طلب كثرتهم عند السامعين موهمًا لهم كونه يروي عن مشايخ كثيرين بحيث يظن الواحد ببادئ الرأي جماعة . قال السخاوي: وإلى ذلك أشار الخطيب بقوله: أو تكون أحاديثه التي عنده كثيرة، فلا یحب تكرار الرواية عنه، فغيّر حاله لذلك. قال السخاوي(٢): قلت: ولكن لا يلزم كون الناظر قد يتوهم الإكثار أن يكون مقصوداً لفاعله، بل الظن بالأئمة خصوصًا من اشتهر إكثاره مع ورعه خلافه، لما يتضمن من التشبع والتزين الذي يراعي تجنبه أرباب الصلاح والقلوب، ولا مانع من قصدهم به الاختبار لليقظة والالتفات إلى حسن النظر في الرواة وأحوالهم إلى آخر ما قدمناه عن الحافظ. وفي التنقيح مع التوضيح (٣): وهذا يعني إيهام كثرة الشيوخ مقصد يلوح على صاحبه بمحبته الثناء، وشوب الإِخلاص، إذ إيهام كثرة الشیوخ دال على محبته لمدحه بكثرة ملاقاة من أخذ عنه، وهمته، ورغبته، مع أن له محملاً صالحًا إذا تؤمل، وهو أن يكون كثير الشيوخ أجل قدرًا عند من لا يميز، وهم الأكثرون، فيكون ذلك داعيًا لهم إلى الأخذ عن الراوي، وذلك يشتمل على قربة عظيمة، وهي إشاعة الأخبار النبوية. (١) تمام عبارة الحافظ في النكت: وأما ما عدا ذلك من تدليس الشيوخ فليست فيه مفسدة تتعلق بصحة الإسناد، وسقمه، بل فيه مفسدة دينية فيما إذا كان مراد المدلس إيهام تكثير الشيوخ، لما فيه من التشبع . والله أعلم . ونظيره في تدليس الإسناد أن يوهم العلو، وهو عنده بنزول . والله أعلم . انتهى كلام الحافظ رحمه الله. انظر النكت ج ٢ ص ٦٢٧، ٦٢٨ . (٢) أفاده في فتحه ج ١ ص ٢٢٤ . (٣) ج ١ ص ٣٦٩. ١٨٤ شَرِجُ الْفِيَّةُ السُّيُوطِيّ - ١٧٦ - وَمَنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا (*) اسْمَ مُسَمَّى آخَرَ تَشْبِيهَا (تنبيه): وممن اشتهر بتدليس الشيوخ الخطيب، فقد كان لهجًا به في تصانيفه، قال الحافظ: ينبغي أن يكون الخطيب قدوة في ذلك، وأن يستدل بفعله على جوازه (١) فإنه إنما يعمى على غير أهل الفن، وأما أهله فلا يخفي ذلك عليهم لمعرفتهم بالتراجم، ولم يكن الخطيب يفعل ذلك إيهامًا للكثرة، فإنه مكثر من الشيوخ والمرويات، والناس بعده عيال عليه، وإنما يفعل ذلك تفنًا في العبارة. أفاده في التوضيح (٢). ثم إن من أقسام التدليس ما هو عكس ذلك، كما أشار إليه بقوله : اسْمَ مُسَمَّى آخَرْ تَشْبِيهَا وَمِنْهُ إِعْطَاءُ شُيُوخٍ فِيهَا (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: تدليس الشيوخ: هو أن يسمى الراوي شيخه أو شيخ شيخه باسم أو كنية أو لقب غير ما اشتهر به وعرف. وهو عمل غير جيد أيضًا، فإن كان عمل هذا سترًا لضعف الشيخ فقد قال بعضهم: إن هذا جرح فيمن فعله، والأصح أنه ليس بجرح، إلا إن قصد إلى إخفاء ضعف الحديث وإظهاره في مظهر الصحيح. وبعضهم يفعل هذا لأن شيخه صغير في السن أو متأخر الوفاة أو سمع منه كثيرًا فامتنع من تكراره على صورة واحدة إبهامًا لكثرة الشيوخ. وكل هذه الصور غير مستحسنة، لما فيها من صعوبة معرفة الشيخ لمن لم يعرفه، فقد لا يفطن له الناظر فیحکم عليه بالجهالة . وهذا يحصل كثيرًا من الخطيب البغدادي وابن الجوزي وغيرهما. ومنع بعضهم إطلاق اسم ((تدليس)) على هذا النوع، والمسألة اصطلاح. ثم إن لهم صورة أخرى عكس هذه: بأن يذكر الراوي شيخه بكنية أو لقب أو صفة تتفق مع صفة شيخ آخر مشهور تشبيهًا له به، كما يفعل ابن السبكي إذ يقول: ((أخبرنا أبو عبد الله الحافظ)) يريد ((الذهبي)) تشبهًا بالبيهقي إذ يقول هذا، ويريد به الحاكم، وكذا إبهام اللقي والرحلة، كأن يقول: ((حدثنا من وراء النهر)) يوهم أنه جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد أو الجيزة بمصر، وليس هذا بجرح قطعًا، لأنه من المعاريض، لا من الكذب، قاله الآمدي وابن دقيق العيد. فائدة نقل المؤلف في التدريب عن الحاكم قال: ((أهل الحجاز والحرمين ومصر والعوالي وخراسان وإصبهان وبلاد فارس وخوزستان وما وراء النهر: لا نعلم أحدًا من أئمتهم دلسوا، وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة ونفر يسير من أهل البصرة. وأما أهل بغداد فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس إلا أبي بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها)). (١) في استدلاله بفعل الخطيب على الجواز نظر، إذ الجواز حكم، والحكم لا يثبت إلا بنص أو إجماع . فتأمل . (٢) ج ١ ص ٣٦٩. ١٨٥ - الجُزْءُ الأولُ ومنه أي من تدليس الشيوخ خبر مقدم لقوله: (إعطاء شيوخ فيها) أي في الأسانيد (اسم مسمى) مفعول ثانٍ لـ ((إعطاء))، وقوله (آخر) صفة لـ ((مسمى))، وصرف للضرورة، أي: إعطاء شيخ من شيوخ الإسناد اسم شخص آخر، وذلك الشخص مشهور تشبيهًا مفعول لأجله، أي لأجل تشبيه ذلك الشيخ بذلك الشخص المشهور. وحاصل المعنى: أن من تدليس الشيوخ إعطاء شخص اسم آخر مشهور تشبيهًا، ذكر هذا ابن السبكي في جمع الجوامع، قال: كقولنا: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ - يعني: الذهبي - تشبيهًا بالبيهقي، حيث يقول ذلك، يريد به الحاكم. وكقول الناظم: حدثنا أبو الفضل الحافظ، يعني ابن فهد، تشبيهاً بالحافظ ابن حجر، حيث يقول ذلك، ويريد به العراقي، وكذا إيهام اللقي والرحلة؛ كحدثنا من وراء النهر يوهم أن جيحون، ويريد نهر عيسى ببغداد، أو الجيزة بمصر، وليس ذلك بجرح قطعًا، كما قاله جماعة من المحققين؛ لأن ذلك من باب المعاريض، لا من باب الكذب، قاله الآمدي في الإِحكام، وابن دقيق العيد في الاقتراح (١). (تنبيهات): الأول: قال الحافظ: ويلحق بقسم تدلیس الشیوخ تدلیس البلاد، کما إذا قال المصري: حدثني فلان بالأندلس فأراد موضعًا بالقرافة، أو قال بزقاق حلب، وأراد موضعًا بالقاهرة، أو قال البغدادي: حدثني فلان بما وراء النهر وأراد نهر دجلة، أو قال بالرقة وأراد بستانًا على شاطئ دجلة، أو قال الدمشقي: حدثني بالكرك ، وأراد كرك نوح، وهو بالقرب من دمشق، ولذلك أمثلة كثيرة، وحكمه الكراهة، لأنه يدخل في باب التشبع، وإيهام الرحلة في طلب الحديث، إلا أن تكون هناك قرينة تدل على عدم إرادة التكثر فلا كراهة. انتهى كلام الحافظ (٢). (الثاني): قال في التدريب: استدل على أن التدليس ليس بحرام بما أخرجه ابن عدي عن البراء رضي الله عنه، قال: ((لم يكن فينا فارس يوم بدر إلا المقداد)) . قال ابن عساكر: قوله: فينا يعني المسلمين؛ لأن البراء لم يشهد بدراً. اهـ (٣). قلت: في استدلاله بهذا على عدم الحرمة نظر، إذ هذا قول صحابي، لا يدل على الجواز، ولا على عدمه. (١) انظر التدريب ج ١ ص ٢٠٣، ٢٠٤ . (٢) النكت ج ٢ ص ٦٥١ . (٣) ج ١ ص ٢٠٤ . ١٨٦ شَرِجُ الْفِيَةُ السُّيُوَطِيّ - (الثالث): قال الحافظ في كتابه تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس: هم على خمس مراتب : (الأولى): من لم يوصف بذلك إلا نادراً، كيحيى بن سعيد الأنصاري. (الثانية): من احتمل الأئمة تدليسه في جنب ما روى كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة . (الثالثة): من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قبلهم، كأبي الزبير المكي(١). (الرابعة): من اتفق على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل، كبقية بن الوليد. (الخامسة): من ضُعُف بأمر آخر سوى التدليس، فحديثهم مردود ولو صرحوا بالسماع، إلا أن يوثق من كان ضعفه يسيرًا كابن لهيعة. اهـ. ونظمت ذلك في منظومتي المسماة بـ ((الجوهر النفيس في نظم أسماء ومراتب الموصوفين بالتدليس))، فقلت: إلا بندرة فنعم ما احتذا أولها من ليس يوصف بذا لكونه قلل وهو قدوة والثان من تحتمل الأئمة ثالثها من أكثروا فأهملوا إلا إذا السماع منهم ينقل منهم على الإطلاق فيهما انجلى وردهم بعض وبعض قبلا إلا إذا السماع حقًّا صرحوا رابعها من باتفاق طرحوا والضعفاء فاحذرن أن تنقلا لكثرة التدليس عمن جهـلا خامسها من ضعفهم قد نجما إلا إذا وثق من ضعفه قل بما سوى التدليس فاردد دائمًا فاقبل لما سماعه نصًّا حصل (الرابع): قال الحاكم: أهل الحجاز، والحرمين، ومصر، والعوالي، وخراسان، والجبال، وأصبهان، وبلاد فارس، وخوزستان، وما وراء النهر، لا نعلم أحدًا من أئمتهم دلسوا، قال: وأكثر المحدثين تدليسًا أهل الكوفة، ونفر يسير من أهل البصرة، قال: وأما أهل بغداد، فلم يذكر عن أحد من أهلها التدليس، إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان (١) عندي في عد أبي الزبير في هذه المرتبة نظر، إذ هو ليس ممن أكثر من التدليس، بل لم يصفه به إلا بعض العلماء، كما يظهر ذلك من مراجعة ترجمته في تهذيب التهذيب وغيره . ١٨٧ - الجُزْءُ الأولُ الإرسال الخفي والمزيد في متصل الأسانيد ١٧٧ - وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاء بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاَللَّقَاءِ الباغندي الواسطي، فهو أول من أحدث التدليس بها، ومن دلس من أهلها إنما تبعه في ذلك. وقد أفرد الخطيب كتابًا في أسماء المدلسين ثم ابن عساكر. اهـ. تدريب(١). وقال الحافظ في تعريف أهل التقديس، ما حاصله: قد أفرد أسماء المدلسين من القدماء الكرابيسي صاحب الشافعي، ثم النسائي، ثم الدار قطني، ثم نظم الحافظ الذهبي أرجوزة في ذلك، وتبعه في ذلك الحافظ أحمد بن إبراهيم المقدسي، فزاد عليه، ثم ذيل الحافظ العراقي كتاب العلائي المسمى ((جامع التحصيل في أحكام المراسيل)) ثم ولده الحافظ أبو زرعة في تصنيف مستقل، ومن المتأخرين أيضًا برهان الدين الحلبي سبط ابن العجمي. اهـ. ملخصًا. قلت: ثم جمع الجميع الحافظ في كتابه المذكور، فجملة ما فيه مائة واثنان وخمسون شخصًا. ونظمت الكتاب في أرجوزتي المذكورة، وعدتها مائة وثمانية عشر بيتًا. (تتمة): الزيادات على العراقي من قوله: ((وقيل)) في البيت الثالث إلى قوله: ((طرا)» وقوله: ((وما أتانا في الصحيحين)) البيت، ولفظ ((التجويد))، وقوله: ((إسقاط))، إلى قوله: (يجرح)) وقوله: ((فقيل جرح)، وقوله: ((ومنه إعطاء شيوخ)) البيت. والله تعالى أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. الإرسال الخفي، والمزيد في متصل الأسانيد أي هذا مبحثهما، وهما النوع الخامس عشر، والسادس عشر من أنواع علوم الحديث. وهذان النوعان مهمان عظيما الفائدة، عميقا المسلك، لم يتكلم فيهما قديمًا وحديثًا إلا نقاد الحديث، وجهابذته، وهما متجاذبان، إذ يعترض بكل منهما على الآخر، فربما کان الحکم للزائد، وربما كان العكس، فلذلك قرن بينهما . فأما أولهما فليس المراد به قول التابعي: قال رسول الله تَّ، كما هو المشهور في المرسل الظاهر، ولا الانقطاع بين راويين لم يدرك أحدهما الآخر، كرواية القاسم، عن ابن مسعود. وإبراهيم بن أبي عبلة، عن كل من عبادة بن الصامت، وابن عمر. ومالك، عن سعيد بن المسيب، بل المعتمد في تعريفه على ما حققه الحافظ: هو الانقطاع في أي موضع كان من السند بين راويين متعاصرين لم يلتقيا، وكذا لو التقيا، ولم يقع بينهما سماع، فهو (١) ج ١ ص ٢٠٤ . ١٨٨ شَرْجُ الفِنَّة السّيُوطِيّ - ١٧٨ - [ وَمَنْهُ مَا يُحْكَمُ بِانْقِطَاعِ مِنْ جِهَةٍ بِزِيْدِ شَخْصٍ وَعِ (*)] ١٧٩ - وَبَزِيَادَةٍ تَجِي، وَرَبَّمَا يُقْضَى عَلَى الزَّائد أَنْ قَدْ وَهمَا ١٨٠ - (حَيْثُ قَرِينَةٌ) وَإِلَّ احْتَمَلا سَمَّاعُهُ مِنْ ذَيْنٍ لَمَّا حَمَلا انقطاع مخصوص يندرج في تعريف من لم يتقيد في المرسل بسقط خاصٍّ، وإلى ذلك الإشارة بقول البلقيني: إن تسميته بالإِرسال، هو على طريقة سبقت في نوع المرسل، وبهذا التعريف يباين التدليس، إذ هو على المعتمد، كما تقدم رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، فأما على تعريف من عرف ما هنا برواية الراوي عمن سمع منه ما لم یسمعه منه، أو عمن لقیه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره، ولم يلقه فيكون بينهما عموم وخصوص مطلق، والمعتمد ما تقدم تحقيقه أولاً. أفاده السخاوي (١). وبهذا التقرير ظهر مناسبة ذكر هذا الباب بعد باب التدليس، فهو أولى من فعل العراقي تبعًا لابن الصلاح حيث ذكره بين مختلف الحديث ومعرفة الصحابة . ثم ذكر رحمه الله تعالى ما يعرف به الإرسال الخفي، وهي أمور فقال: بِعَدَمِ السَّمَاعِ وَاللَّقَاء] [ وَيُعْرَفُ الإِرْسَالُ ذُو الْخَفَاءِ يُقْضَى عَلَى الزَّائِدِ أَنْ قَدْ وَهِمَا وَيَزِيَادَةٍ تَجِي، وَرَّبَّمَا سَمَاعُهُ مِنْ ذَيْنٍ لَمَّا حَمَلا (حَيْثُ قَرِينَةٌ) وَإِلاَّ احْتَمَلا (ويعرف الإرسال) فعل مضارع مغير الصيغة، ونائب فاعله، وقوله: (ذو الخفاء) صفة الإِرسال، وهو الذي قدمنا تعريفه عن الحافظ، واحترز به عن الإرسال الظاهر، وهو أن يروي الرجل عمن لم یعاصره بحیث لا يشتبه إرساله باتصاله على أهل الحديث، كأن يروي مالك مثلاً عن سعيد بن المسيب، وكحديث رواه النسائي من رواية القاسم بن محمد، عن ابن مسعود، قال: ((أصاب النبي ◌ُّ بعض نسائه، ثم نام حتى أصبح)) (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هذا البيت زيادة في المتن الذي شرحه ((الترمسي))، ولم يوجد في الأصل، وأرى أنه لا داعي له، لفهم معناه مما في الأبيات بعده، ولعله من مسودة المؤلف ثم حذفه في النسخة الأخيرة. ( **** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: في المتن الذي شرحه الترمسي ((من ذين ما قد حملا)) والمعنى واحد. (١) انظر فتح المغيث ج ٤ ص ٧٠ . ١٨٩ الجُزُءُ الأول لحديث، فإن القاسم لم يدرك ابن مسعود. قاله العراقي. وإنما سمي هذا بالخفي لخفائه على كثير من أهل الحديث، لاجتماع الراويين في عصر احد. والمعنى أن الإِرسال الخفي يعرف (بعدم السماع) أي سماع الراوي من المروي عنه طلقًا، لا هذا الحديث، ولا غيره، ولو تلاقيا (و) يعرف أيضًا بعدم (اللقاء) بينهما حيث ـلم ذلك، إما بالإخبار عن نفسه، أو بإخبار إمام مطلع، كما يأتي قريبًا. (و) يعرف أيضاً (بزيادة) أي: بسبب زيادة اسم، وجملة قوله (تجي) صفة ((زيادة)) أي: جيء تلك الزيادة في السند بين الراويين اللذين كان يظن الاتصال بينهما، والمعنى أن الإرسال لخفي يعرف أيضًا بزيادة اسم راوٍ بين راويين، يظن الاتصال بينهما على رواية أخرى حذف نها ذلك الاسم، لكن بشرط أن يكون الخالي عن الزائد بما لا يقتضي الاتصال، كـ ((عن)) (قال )) ونحوهما، وأما إن کان بلفظ يقتضي الاتصال کالتحدیث، فسیأتي حکمه. وحاصل ما أشار إليه: أن الإرسال الخفي يعرف بأحد أمور ثلاثة: (الأول): عدم سماع الراوي من المروي عنه مطلقًا، ولو تلاقيا، كأحاديث أبي عبيدة ـن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، وهي في السنن الأربعة، فقد روى الترمذي أن عمرو بن ـرة قال لأبي عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قال: لا. أو لذلك الحديث فقط، وإن سمع غيره. (الثاني): عدم اللقاء بينهما، وقد تعاصرا بأن أخبر عن نفسه بذلك، أو جزم إمام به، ـحديث ابن ماجه من رواية عمر بن عبد العزيز، عن عقبة بن عامر، عن النبي وَّ قال: رحم الله حارس الحرس)(١) فإن عمر لم يلق عقبة، كما قال المزي في الأطراف. قلت: هكذا نسب العراقي، والسخاوي، والناظم في التدريب هذا القول إلى المزي ـي الأطراف، كأنه هو الذي حكم بأن عمر لم يلق عقبة، وليس كذلك، بل الذي حكم به والدارمي في مسنده، فإنه بعد سوق هذا الحديث، قال ما نصه: قال عبد الله - يعني: فسه -: وعمر لم يلقه، فعلى هذا يكون المزي تابعًا له، فافهم. (الثالث): بأن يرد في بعض طرق الحديث زيادة اسم راوٍ بينهما كحديث رواه عبد رزاق، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق عن زيد بن يثيع (٢) عن حذيفة مرفوعًا: ((إن ليتموها أبا بكر، فقوي أمين)) ، فهو منقطع في موضعين، لأنه روي عن عبد الرزاق، ١) أخرجه ابن ماجه برقم ٢٧٦٩ وهو حديث ضعيف، فيه صالح بن محمد بن زائدة ضعيف، وفيه انقطاع أيضًا. ٢) يثيع: بضم الياء وفتح المثلثة بعدها ياء تحتانية ساكنة بعدها عين مهملة. اهـ . ١٩٠ شَج ◌ُِّ السَّيُوطِيّ قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة، عن الثوري، وروي أيضًا عن الثوري، عن شريك، عن أبي إسحاق. وحاصل هذا الثالث: أن تأتي روايتان في إحداهما زيادة اسم راوٍ بين راويين، وكانت الناقصة مروية بما لا يقتضي الاتصال، كـ ((عن)) ونحوها، فإن الرواية الناقصة تكون معلة بالإِسناد الزائد؛ لأن الزيادة من الثقة مقبولة، وأما إذا كانت الناقصة بما يقتضي الاتصال، کتحدیث، أو سماع، أو نحوهما، فلا تعل الناقصة بالزائدة، بل يكون بالعكس، فيكون الحكم للناقص ؛ لأن معه زيادة، وهي إثبات سماعه، وإليه أشار بقوله: (وربما يقضي) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله قوله (على) الراوي (الزائد) راوياً بين الراويين (أن) مخففة من الثقلية، واسمها ضمير محذوف يعود إلى الزائد، وقوله: (قد وهما) خبرها، كما قال ابن مالك: والخبر اجعل جملة من بعد أن وإن تخفف أن فاسمها استكن أي بأنه قد وهم، أي غلط، يقال: وهم في الحساب يوهم وهمّا، مثل غلط يغلط غلطًا، وزنًا ومعنّى، وجملة أن وصلتها في تأويل المصدر مجرور بحرف محذوف، أي بالوهم. وحاصل المعنی: أنه ربما كان الحكم للناقص، وهذا إذا كان حذف الزائد بتحدیث، أو نحوه، مما يقتضي الاتصال، وراویه أتقن ممن زاد، كما قيده به الحافظ، فحينئذ يكون الحكم له؛ لأن مع راويه كذلك زيادة، وهي إثبات سماعه، وهذا هو النوع المسمى ((بالمزيد في متصل الأسانيد)» المحكوم فيه يكون الزيادة غلطًا من راويها. مثاله: حديث رواه مسلم، والترمذي من طريق ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر، عن بسر بن عبيد الله، قال: سمعت أبا إدريس الخولاني، قال: سمعت واثلة، يقول: سمعت أبا مرثد، يقول: سمعت رسول الله ◌ّله يقول: ((لا تجلسوا على القبور، ولا تصلوا إليها)) فذكر أبي إدريس في هذا الحديث وهم من ابن المبارك؛ لأن جماعة من الثقات رووه عن ابن جابر، عن بسر، عن واثلة بلفظ الاتصال بين بسر، وواثلة، رواه مسلم، والترمذي أيضًا، والنسائي عن علي بن حُجْر، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جابر، عن بسر قال: سمعت واثلة. ورواه أبو داود، عن إبراهيم بن موسئ، عن عیسی بن یونس، عن ابن جابر كذلك، وحكى الترمذي عن البخاري، قال: حديث ابن المبارك خطأ، إنما هو عن بسر بن عبيد الله، عن واثلة، هكذا روى غير واحد عن ابن جابر، قال: وبسر قد سمع من واثلة. وقال أبو حاتم الرازي: يرون أن ابن المبارك وهم في هذا، قال: وكثيراً ما ١٩١ - الجُزْءُ الأولْ يحدث بسر، عن أبي إدريس، فغلط ابن المبارك، وظن أن هذا مما روى عن أبي إدريس، عن واثلة، قال: وقد سمع هذا بسر من واثلة نفسه. وقال الدار قطني: زاد ابن المبارك في هذا أبا إدريس، ولا أحسبه إلا أدخل حديثًا في حديث، فقد حكم هؤلاء الأئمة على ابن المبارك بالوهم في هذا. ذكره العراقي في شرحه على ألفيته(١). وقد وقع في هذا الحديث وهم آخر لمن دون ابن المبارك بزيادة راوٍ آخر في السند، فقال فيه عن ابن المبارك: قال: حدثنا سفيان، عن ابن جابر، حدثني بسر، قال: سمعت أبا إدريس، قال: سمعت واثلة، فذكر سفيان في هذا وهم ممن دون ابن المبارك، لأن جماعة ثقات رووه عن ابن المبارك، عن ابن جابر، من غير ذكر سفيان، منهم عبد الرحمن بن مهدي، وحسن بن الربيع، وهناد بن السري، وغيرهم، وزاد فيه بعضهم التصريح بلفظ الإخبار بينهما، ذكره العراقي أيضًا. وهذا الحكم للناقص (حيث) توجد (قرينة) أي: علامة قوية تدل على أن الزائد وهم في زيادته، مثل ما ذكره أبو حاتم في المثال المذكور، وأيضًا فالظاهر ممن وقع له مثل ذلك أن يذكر السماعين، فإذا لم يجئ عنه ذكره حملناه على الزيادة المذكورة. قاله ابن الصلاح (٢) (وإلا) أي: إن لم توجد قرينة تدل على الوهم (احتملا) بالبناء للفاعل، والألف للإطلاق، أي جاز، وأمکن، وقوله: (سماعه) فاعله، أي سماع ذلك الراوي(من ذين) أي هذين الراويين المزيد وشيخه، إذ لا مانع من أن يسمعه من واحد عن آخر، ثم يسمعه عن الآخر (ما) مفعول به لـ ((سماع))، أي الحديث الذي (قد حملا) بالبناء للفاعل، والألف إطلاقية، أي: نقله، وفي نسخة المحقق ((لما حملا)) أي: حين حمل ذلك عنهما، والمعنى متقارب. وحاصل المعنى: أنه إذا لم توجد قرينة تدل على الوهم حمل على أنه سمع هذا الحديث من شيخه، وسمعه أيضًا من شيخ شيخه، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا. قال السخاوي: وذلك موجود في الروايات والرواة بكثرة، ومنه قول ابن عيينة: قلت لسهيل ابن أبي صالح: إن عمرو بن دينار حدثني عن القعقاع، عن أبيك أبي صالح، عن عطاء بن يزيد بحديث كذا، قال ابن عيينة: ورجوت أن يسقط عني سهيل رجلاً، وهو القعقاع، ویحدثني به عن أبيه، فقال سهيل: بل سمعته من الذي سمعه منه أبي، ثم حدثني به سهيل عن عطاء. اهـ(٣). ويتأكد الحمل المذكور بوقوع التصريح في الطريقين بالتحديث ونحوه. أفاده (١) ج ٢ ص ٣٠٨، ٣٠٩. (٢) علوم الحديث ص ٢٩٠ . (٣) فتح ج ٤ ص ٧٣، ٧٤ . ١٩٢ شَرِجُ الْفُُّ الشَّيُوطِيّ ١٨١ - (وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالإِخْبَارِ عَنْ نَفْسِهِ وَالنَّصِّ مِنْ كِيَارِ (*)) السخاوي أيضًا. (تنبيه): يوجد في نسخة الشارح قبل هذين البيتين ما نصه: من جهة يزيد شخص واع ومنه ما يحكم بانقطاع قال المحقق ابن شاكر: ولم يوجد في الأصل، وأرى أنه لا داعي له، لفهم معناه مما في الأبيات بعده، ولعله من مسودة المؤلف، ثم حذفه في النسخة الأخيرة. اهـ. قلت: هو مفهوم قوله: وبزيادة تجي فقط. ثم ذكر ما يعرف به عدم السماع واللقاء، فقال: عَنْ نَفْسَه وَالنَّص مِنْ كِبَارِ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِالإِخْبَارِ (وإنما يعرف) عدم السماع واللقاء بأحد أمرين: إما (بالإخبار) أي: إخبار الراوي (عن (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: قد يجيء الحديث الواحد بإسناد واحد من طريقين، ولكن في أحدهما زيادة راوٍ، وهذا يشتبه على كثير من أهل الحديث، ولا يدركه إلا النقاد، فتارة تكون الزيادة راجحة، بكثرة الراوين لها أو بضبطهم وإتقانهم، وتارة يحكم بأن راوي الزيادة وهم فيها، تبعًا للترجيح والنقد، فإذا رجحت الزيادة كان الناقص من نوع الإرسال الخفي، وإذا رجح النقص كان الزائد من المزيد في متصل الأسانيد. مثال الأول: حديث عبد الرزاق عن الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن يشيع - بضم الياء التحتية المثناة وفتح الثاء المثلثة وإسكان الياء التحتية المثناة وآخره عين مهملة - عن حذيفة مرفوعًا: ((إن وليتموها أبا بكر فقوي أمين)) فهو منقطع في موضعين؛ لأنه روى عن عبد الرزاق قال: حدثني النعمان بن أبي شيبة عن الثوري، وروى أيضًا عن الثوري عن شريك عن أبي إسحاق. ومثال الثاني: حديث ابن المبارك قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بسر بن عبيد الله قال: حدثنا سفيان عن عبد الرحمن بن يزيد حدثني بسر بن عبيد الله قال: سمعت أبا إدريس الخولاني قال: سمعت واثلة يقول: سمعت أبا مرثد يقول: سمعت رسول الله وسلم يقول: ((لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا بها». فزيادة ((سفيان)) و((أبي إدريس)) وهم. فالوهم في زيادة سفيان من الراوي عن ابن المبارك، فقد رواه ثقات عن ابن المبارك عن عبد الرحمن بن زيد بغير واسطة، مع تصريح بعضهم بالسماع، والوهم في زيادة أبي إدريس من ابن المبارك، فقد رواه ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد عن بسر بغير واسطة مع تصريح بعضهم بالسماع . ويعرف الإرسال الخفي أيضًا بعدم لقاء الراوي لشيخه وإن عاصره، أو بعدم سماعه منه أصلاً، أو بعدم سماعه الخبر الذي رواه وإن كان سمع منه غيره، وإنما يحكم بهذا إما بالقرائن القوية. وإما بإخبار الشخص عن نفسه، وإما بمعرفة الأئمة الكبار والنص منهم على ذلك. وقد يجيء الحديث من طريقين في إحداهما زيادة راوٍ في الإسناد، ولا توجد قرينة ولا نصّ على ترجيح أحدهما على الآخر، فيحمل هذا على أن الراوي سمعه من شيخه وسمعه من شيخ شيخه، فرواه مرة هكذا، ومرة هكذا. ١٩٣ - الجُزُءُ الأولْ الشاذ والمحفوظ ١٨٢ - وَذُو الشُّذُوذ مَا رَوَى المَقْبُولُ مُخَالِفًا أَرْجَحَ، وَالَجْعُولُ ١٨٣ - (أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ)، وَقيلَ: مَا انْفَرَدْ لَوْلَمْ يُخَالفْ، قيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ نفسه) بأنه لم يلق فلانًا أو لم يسمع منه (و) إما بـ (النص) أي الإظهار، أو التعيين، يقال: نص الشيء: أظهره، وعلى الشيء: عينه. أفاده في ق (من) أئمة (كبار) مطلعين على دقائق الأسانيد، أي بإظهارهم، أو تعيينهم على أنه لم يلق فلانًا، أو لم يسمع منه. وحاصل معنى البيت: أن ما ذكره من عدم السماع واللقاء يعرف بأحد الأمرين: الأول: إخبار الشخص عن نفسه في بعض طرق الحديث به كما قدمنا في قول أبي عبيدة لما سئل: هل تذكر من أبيك شيئًا؟ قال: لا. الثاني: جزم إمام مطلع من أئمة الحديث بکونه لم يثبت عنده من و جه يحتج به أنهما · تلاقيا، مثل أبي زرعة الرازي، وغيره في قولهم: إن الحسن البصري لم يلق عليًّا. ومثل المزي في المتأخرين، وكان في هذا عجبًا من العجب في قوله: إن عمر بن عبد العزيز لم يلق عقبة بن عامر. قاله السخاوي(١) . قلت: لكن في هذا نظر كما قدمناه، فإنه تقدمه الدارمي في هذا. (تنبيه): ألّف في هذين النوعين أبو بكر الخطيب تأليفين مفردين سمى الأول: التفصيل لمبهم المراسيل، والثاني: تمييز المزيد في متصل الأسانيد. تتمة: الزيادة على العراقي في هذا الباب قوله: حيث قرينة، والبيت الأخير بتمامه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما كان في الباب المتقدم أنه يحكم على الزيادة بالوهم، حيث كان الراوي الناقص أتقن کعكسه، وهذا هو معنى الشاذ، والمحفوظ، ناسب ذكرهما بعده، ولذا أتبعهما، فقال: الشاذ والمحفوظ أي هذا مبحثهما، وهما النوع السابع عشر، والثامن عشر، وجمع بينهم لتقابلهما. مُخَالفًا أَرْجَحَ، وَالَجْعُولُ وَذُو الشُّذُوذ مَا رَوَى المَقْبُولُ لَوْلَمْ يُخَالِفْ، قِيلَ: أَوْ ضَبْطًا فَقَدْ (أَرْجَحَ مَحْفُوظٌ)، وَقِيلَ: مَا انْفَرَدْ (١) فتح ج ٤ ص ٧١ . ١٩٤ شَرْع الْفَيُالسَّيُوطِي - (وذو الشذوذ) مبتدأ خبره ما والشاذ لغة المنفرد عن الجماعة، يقال: شَذَّيَشُذّ وَيَشذ، بضم الشين المعجمة، وكسرها، شذوذًا: إذا انفرد، واصطلاحًا: هو (ما) أي الحديث الذي (روى) أي نقله الراوي المقبول أي الثقة، حال كونه، مخالفًا بالزيادة، أو النقص في السند، أو المتن، وقوله: (أرجح) مفعول به لـ ((مخالفًا)) أي: أولى منه، إما لمزيد ضبط، أو كثرة عدد، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات (والمجعول) مبتدأ، وقوله: (أرجح) مفعول ثانٍ له، أي الحديث الذي جعل أرجح من مقابله لرجحان راويه (محفوظ) خبر المبتدإ، أي يقال له: محفوظ لأن الغالب أنه محفوظ عن الخطإ. وحاصل المعنى: أن الشاذ هو ما خالف فيه الثقة من هو أرجح منه لما ذُكر، ومقابله هو المحفوظ. وهذا التعريف هو المعتمد بحسب الاصطلاح كما قاله الحافظ في شرح النخبة، وهو المنقول عن الشافعي رحمه الله، کما أخرجه الحاكم من طريق ابن خزيمة، عن يونس بن عبد الأعلى، قال: قال لي الشافعي: ليس الشاذ أن يروي الثقة ما لا يرويه غيره، إنما الشاذ أن يروي الثقة حديثًا يخالف ما روى الناس، ذكره في التوضيح (١). وكذا حكاه أبو يعلى الخليلي عن جماعة من أهل الحجاز، وغيره عن المحققين، قال السخاوي: ومن هنا يتبين أنه لا یحکم في تعارض الوصل والرفع مع الإرسال والوقف بشيء معین، بل إن كان من أرسل، أو وقف من الثقات أرجح قدم، و کذا بالعكس. مثال الشذوذ في السند: ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عوسجة، عن ابن عباس: ((أن رجلاً تُوفي على عهد رسول الله پڼے ولم يدع وارثًا إلا مولی هو أعتقه )) الحدیث، فإن حماد بن زید رواه عن عمرو، مرسلاً بدون ابن عباس، لكن تابع ابن عيينة على وصله ابن جريج، وغيره، ولذا قال أبو حاتم: المحفوظ حديث ابن عيينة. هذا مع كون حماد من أهل العدالة والضبط، ولكنه رجح روایة من هم أکثر عددًا منه. ومثاله في المتن زيادة يوم عرفة في حديث: ((أيام التشريق أيام أكل وشرب)) (٢) فإن الحديث من جميع طرقه بدونها، وإنما جاء بها موسى بن علي بن رباح، عن أبيه، عن عقبة بن عامر، كما أشار إليه ابن عبد البر، قال الأثرم: والأحاديث إذا كَثُرَت كانت أثبت من الواحد الشاذ، وقد يهم الحافظ أحيانًا على أنه قد صحح حديث موسى هذا ابن خزيمة، وابن حبان، (١) توضيح ج ١ ص ٣٧٧ . (٢) رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وأحمد، وهو حديث صحيح . ١٩٥ - الجُزُءُ الأولُ والحاكم، وقال: إنه على شرط مسلم، وقال الترمذي: إنه حسن صحيح، وكأن ذلك لأنها زيادة ثقة غير منافية لإمكان حملها على حاضري عرفة. اهـ. كلام السخاوي (١). وبما تقرر علم أن شرط الشذوذ أمران: الثقة، والمخالفة. ولما خالف في هذا بعضهم ذكر ذلك بقوله: (قيل) الشاذ هو (ما انفرد) أي الحديث الذي انفرد براويته المقبول، أي الثقة، و (لو لم يخالف) من هو أرجح منه، والمعنى: أن الشاذ على هذا القول هو ما انفرد به الثقة، وإن لم يكن مخالفًا للأرجع. وهذا القول للحاكم أبي عبد الله صاحب المستدرك قال: هو الذي يتفرد به ثقة من الثقات، وليس له أصل متابع لذلك الثقة، فاقتصر على قيد الثقة وحده، وزاد أيضًا قوله: ((وينقدح في نفس الناقد أنه غَلْط، ولا يقدر على إقامة الدليل على هذا))، قال الحافظ: وهذا القيد لا بد منه، قال: وإنما يغاير المعلل من هذه الجهة، قال: وهو على هذا أدق من المعلل بكثير، فلا يتمكن من الحكم به إلا من مارس الفن غاية الممارسة، وكان في الذروة من الفهم الثاقب، ورسوخ القدم في الصناعة، ورزقه الله نهاية الملكة. انتهى كلام الحافظ. ونقله في التوضيح(٢). قال الناظم: قلت: ولعسره لم يفرده أحد بالتصنيف، ومن أوضح أمثلته ما أخرجه في المستدرك من طريق عبيد بن غنام النخعي، عن علي بن حكيم، عن شريك، عن عطاء بن السائب، عن أبي الضحى، عن ابن عباس قال: «في کل أرض نبي کنبیکم، وآدم کآدم، ونوح كنوح، وإبراهيم كإبراهيم، وعيسى كعيسى)) وقال: صحيح الإسناد، ولم أزل أتعجب من تصحيح الحاكم له حتى رأيت البيهقي قال: إسناده صحيح (٣) ولكنه شاذ بمرة. اهـ. تدريب (٤). وقال السخاوي: ثم إن الحاكم لم ينفرد بهذا التعريف، بل قال النووي في شرح المهذب: إنه مذهب جماعة من أهل الحديث، قال: وهذا ضعيف. اهـ. (٥). فعُلم بما قررناه أن شرط الشذوذ عند الحاكم كون المنفرد ثقة . وخالف بعضهم في الشرطين المذكورين أيضًا، وإليه أشار بقوله : (قيل) الشاذ: ما (١) فتح ج ١ ص ٢٣٠ - ٢٣١ . (٢) توضيح ج ١ ص ٣٧٩ . (٣) قلت: إسناده ليس بصحيح فإن فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط، وشريك ليس ممن روى عنه قبل الاختلاط، وفي شريك أيضًا كلام، والحاصل أن تصحيحه غير صحيح، فتأمل . (٤) ج ١ ص ٢٠٥، ٢٠٦ . (٥) فتح ج ١ ص ٢٣٢ . ١٩٦ شَرِجَ الِيُ السَّيُوطِي انفرد به واحد، سواء كان ضابطًا (أو ضبطًا فقد) أي أو لم يكن ضابطًا. والمعنى: أن الشاذ على هذا القول، هو ما انفرد بروايته واحد سواء كان ثقة أم غير ثقة، فقوله: (أو ضبطًا فقد) معنى قوله: أم غير ثقة، ولو قال بدله: قيل ما فردًا ورد: لكان أوضح، يعني: أن الشاذ هو الفرد مطلقًا، سواء كان الراوي ثقة، أو غير ثقة، خالف، أو لم يخالف. وهذا القول للحافظ أبي يعلى الخليلي (١)، قال: والذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ به ثقة، أو غيره، فما كان عن غير ثقة، فمتروك، وما كان عن ثقة توقف فيه، ولا يحتج به. فجعل الشاذ مطلق التفرد، لا مع اعتبار المخالفة. اهـ. تدريب (٢). وملخص الأقوال الثلاثة: أن القول الأول قيد الشاذ بقيدين الثقة، والمخالفة، والثاني بالثقة فقط، على ما قال الناظم. والثالث لم يقيده بشيء، أي سوى التفرد، وحاصل كلامهم كما قال الحافظ: إن الخليلي يسوي بين الشاذ والفرد المطلق، فيلزم على قوله أن يكون في الشاذ الصحيح وغيره، فكلامه أعم، وأخصَّ منه كلام الحاكم؛ لأنه يخرج تفرد غير الثقة، ويلزم على قوله أن يكون في الصحيح الشاذ وغيره، بل اعتمد ذلك في صنيعه حيث ذكر في أمثلة الشاذ حديثًا أخرجه البخاري في صحيحه من الوجه الذي حكم عليه بالشذوذ، وأخص منه كلام الشافعي لتقييده بالمخالفة مع كونه يلزم عليه ما يلزم على قول الحاكم، لكن الشافعي صرح بأنه مرجوح، وأن الرواية الراجحة أولى، وهل يلزم من ذلك عدم الحكم عليه بالصحة، محل توقف، أشير إليه في الكلام على الصحيح، وأنه يقدح في الاحتجاج، لا في التسمية، ويستأنس لذلك بالمثال الذي أورده الحاكم مع كونه في الصحيح فإنه موافق على صحته، إلا أنه يسميه شاذًّا، ولا مشاحة في التسمية. أفاده العلامة السخاوي رحمه الله (٣). وقال العلامة الصنعاني رحمه الله: فإن قلت: قد تقدم لهم في رسم الصحيح قيد أن لا یکون شاذًّا، وهو یفید أن الشاذ لا یکون صحیحًا، لعدم شمول رسمه له، قلت: لا عذر لمن اشترط نفي الشذوذ عن الصحيح أن يقول: بأن الشاذ ليس بصحيح بذلك المعنى. إن قلت: من كان رأيه أنه إذا تعارض الوصل والإِرسال وفسر الشاذ بأنه الذي يخالف (١) نسبه لجده الأعلى لأنه هو الحافظ أبو يعلى الخليل بن عبد الله بن أحمد بن إبراهيم بن خليل القزويني، المتوفى سنة ٤٤٦ هـ . (٢) ج ١ ص ٢٠٤، ٢٠٥ . (٣) ج ١ ص ٢٣٢ . ١٩٧ - الجُزْءُ الأولُ راويه من هو أرجح منه أنه يقدم الوصل مطلقًا سواء كان رواة الإرسال أقل، أو أكثر، أحفظ، أم لا، فإذا كان راوي الإرسال أرجح ممن روى الوصل مع اشتراكهما في الثقة، فقد ثبت كون الوصل شاذًّا، فكيف نحكم له بالصحة مع شرطهم في الصحيح أن لا يكون شاذًّا هذا في غاية الإِشكال. قلت: قال الحافظ ابن حجر: إنه يمكن أن يجاب عنه بأن اشتراط نفي الشذوذ في رسم الصحيح إنما يقوله المحدِّثُون، وهم القائلون بترجيح رواية الأحفظ إذا تعارض الوصل والإِرسال، والفقهاء وأهل الأصول لا يقولون بذلك، فأهل الحديث يشترطون أن لا يكون الحديث شاذًّا، ويقولون: إن من أرسل من الثقات إن كان أرجح ممن وصل من الثقات قدم وكذا بالعكس، ويأتي فيه الاحتمال عن القاضي(١)، وهو أن الشذوذ إنما يقدح في الاحتجاج، لا في التسمية. اهـ. كلام الصنعاني رحمه الله تعالى(٢) . قلت: قد تقدم في بحث الصحيح أن الراجح عدم اشتراط عدم الشذوذ في صحة الحديث. والله أعلم. ثم إن ما ذكره الحاکم، والخلیلي مشکل، کما قال ابن الصلاح، وتبعه النووي بأفراد العدل الضابط، كحديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) والنهي عن بيع الولاء، وغير ذلك مما في الصحيح، فالصحيح التفصيل، فإن كان بتفرده مخالفًا أحفظ، وأضبط، كان شاذًّا مردودًا، وإن لم يخالف الراوي، فإنه كان عدلاً حافظًا موثوقًا بضبطه كان تفرده صحيحًا، وإن لم يوثق بضبطه، ولم يبعد عن درجة الضابط كان حسنًا، وإن بَعُدَ كان شاذًّا منكراً مردودًا. والحاصل: أن الشاذ المردود هو الفرد المخالف، والفرد الذي ليس في رواته من الثقة والضبط ما يجبر به تفرده. اهـ. تقريب(٣) . (تتمة): الزيادة هنا قوله: أرجح محفوظ فقط، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما كان الشاذ والمنكر بمعنى واحد على قول، ويجتمعان اشتراط المخالفة، ويفترقان في كون الشاذ راويه ثقة، والمنكر راويه ضعيفًا على قول المحققين، ناسب أن يذكر المنكر بعده، فلذا قال : (١) أي القاضي عياض . (٢) توضيح ج ١ ص ٣٧٨ . (٣) انظر التقريب مع التدريب ج ١ ص ٢٠٦، ٢٠٧ . ١٩٨ شَرْجُ الْفِيَةُ الشَّيُوطِيّ المنكر والمعروف ١٨٤ - (المُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثّقَهْ مُخَالِفًا، في نُخْبَة قَدْ حَقَّقَهْ ١٨٥ - قَابَلَهُ الْمَعْرُوفُ، وَلَّذِي رَأَى تَرَادُفَ الْمُنْكَرِ وَالشَّاذْ نَأَى) المنكر والمعروف أي هذا مبحثهما، وهما النوع التاسع عشر، والعشرون، وجمعهما في باب واحد لتقابلهما . (الُنْكَرُ الَّذِي رَوَى غَيْرُ الثِّقَهُ مُخَالفًا، في نُخْبَةٍ قَدْ حَقَّقَهْ تَرَادُفَ الْمُنْكَسَرِ وَالْشَّاذِ نَأَى) قَابَلَهُ الْمَعْرُوفُ، وَلَّذِي رأى (المنكر) اسم مفعول، من أنكره بمعنى جحده، أو لم يعرفه، يقال: أنكرته إنكارًا: خلاف عرفته، ونكرته، مثال تعبت كذلك، غير أنه لا يتصرف، وأنكرت عليه فعله إنكاراً: إذا عبته، ونهيته، وأنكرت حقه: جحدته. أفاده في المصباح، وهو مبتدأ خبره قوله: (الذي روى) أي: الحديث الذي نقله، وحدث به غير الثقة من الرواة فاعل روى حال كونه مخالفًا لغيره من الثقات. والمعنى: أن المنكر هو الحديث الذي رواه غير ثقة مخالفًا للثقات في نخبة متعلق بـ((حققه))، أي في كتاب مسمى بـ ((نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر)) قد حققه أي ذكره على الوجه الحق مؤلفها الحافظ أبو الفضل شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر الكناني العسقلاني المصري الشافعي حافظ الدنيا في عصره، قاضي القضاة عُرف بابن حجر، وهو لقب لبعض آبائه، وُلد بمصر العتيقة ثاني عشر شعبان سنة ٧٧٣ هـ وتُوفي في ٢٨ من ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ. (قابله) أي المنكر الذي عرف بهذا التعريف المعروف أي النوع المسمى به، لكونه معروفًا عندهم. وحاصل المعنى: أن المنكر هو ما رواه الضعيف مخالفًا للثقة، ويقابله المعروف، وهكذا حققه الحافظ في نخبته، ونصّه فيها: وزيادة راوي الصحيح والحسن مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق، فإن خُولف بأرجح، فالراجح المحفوظ، ومقابله الشاذ، ومع الضعيف، فالراجح المعروف، ومقابله المنکر )). اهـ. ١٩٩ - الجُزُءُ الأولُ فتحصل من هذا أنه يشترط في المنكر شرطان: أحدهما أن يكون راويه ضعيفًا، وثانيهما أن يخالف بذلك الثقة، مثاله ما رواه ابن أبي حاتم من طريق حُبيب (١) بن حَبيب، وهو أخو حمزة الزيات المقرئ، عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي وَالر قال: ((من أقام الصلاة وآتى الزكاة، وحج، وصام، وقرى الضيف دخل الجنة)) قال أبو حاتم: هذا حديث منكر لأن غيره من الثقات رواه عن أبي إسحاق موقوفًا، وهو المعروف (٢). والذي رأى أي اعتقد مبتدأ خبره (نأى) ترادف المنكر والشاذ بتخفيف الذال للوزن، أي كونهما بمعنى واحد، وهو الإمام الحافظ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله (نأى) أي بعد عن الصواب، ومقتضى الاصطلاح؛ لأن الصواب التفريق بينهما على الوجه الذي حررناه أولاً . وحاصل المعنى: أن من سوى بين الشاذ والمنكر، فقد غفل عن منهج الصواب. وعبارة ابن الصلاح رحمه الله: وبلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي الحافظ أنه (( يعني المنكر)) الحديث الذي ينفرد به الرجل، ولا يعرف متنه من غير روايته، لا من الوجه الذي رواه منه، ولا من وجه آخر، فأطلق البرديجي ذلك، ولم يفصل، وإطلاق الحكم على التفرد بالرد، أو النكارة، أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث، والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفًا في شرح الشاذ. وعند هذا نقول: المنكر ينقسم إلى قسمين على ما ذكرناه في الشاذ، فإنه بمعناه. اهـ (٣). فأفاد أن المنكر والشاذ مترادفان، وكتب الحافظ على قول ابن الصلاح هذا: ما نصه: وأما قول المصنف: والصواب التفصيل الذي بيناه آنفًا في شرح الشاذ، فليس في عبارته ما يفصل أحد النوعين عن الآخر، نعم هما مشتركان في كون كل منهما على قسمين، وإنما اختلافهما في مراتب الرواة، فالصدوق إذا انفرد بشيء لا متابع له، ولا شاهد، ولم يكن عنده من الضبط ما يشترط في حد الصحيح والحسن، فهذا أحد قسمي الشاذ، فإن خُولف من هذه صفته مع ذلك كان أشد شذوذًا، وربما سماه بعضهم منكرًا، وإن بلغ تلك المرتبة في الضبط لكنه خالف من هو أرجح منه في الثقة والضبط فهذا القسم الثاني من الشاذ، وهو المعتمد في تسميته . وأما إذا انفرد المستور، أو الموصوف بسوء الحفظ في بعض دون بعض، أو الضعيف (١) الأول بالتصغير والثاني بالتكبير . (٢) العلل. ج ٢ ص ١٨٢ . (٣) علوم الحديث ص ١٠٦ . ٢٠٠ شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطى - في بعض مشايخه بشيء لا متابع له ولا شاهد عليه، فهذا أحد قسمي المنكر، وهو الذي يوجد في إطلاق كثير من أهل الحديث، فإن خُولف في ذلك فهو القسم الثاني، وهو المعتمد على رأي الأكثرين، فبان بهذا فصل المنكر من الشاذ وأن كلاً منهما قسمان يجمعهما مطلق التفرد، أو مع قيد المخالفة. اهـ. كلام الحافظ(١). ثم إن لكل قسم من قسمي المنكر أمثلة كثيرة: فمن أمثلة الأول وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات رواية مالك، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن زيد عن رسول الله و لو قال: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم » فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان، بضم العين، وذكر مسلم في كتاب التمييز أن کل من رواه من أصحاب الزهري قاله بفتح العین، وذكر أن مالكًا کان یشیر إلى دار عمر ابن عثمان، كأنه علم أنهم يخالفونه، وعمر، وعمرو جميعاً ولدا عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن عمرو بفتح العين، وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه ذكره ابن الصلاح. واعترضه العراقي قائلاً: إن الحديث ليسٍ بمنكر، ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت، وغايته أن يكون السند منكراً أو شاذًّا، لمخالفة الثقات لمالك في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته وجود ذلك الوصف في المتن قال: فالمثال الصحيح ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همام بن يحيى، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس، قال: ((كان النبي ◌َّ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه)) قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث منكر، وإنما يعرف عن ابن جريج، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس: ((أن النبي وُ لّ اتخذ خاتمً من ورق، ثم ألقاه)) قال: والوهم فيه من همام ولم يروه إلا همام، وقال النسائي بعد تخريجه: هذا حديث غير محفوظ، فهمام بن يحيى ثقة، احتج به أهل الصحيح، ولكنه خالف الناس، فروى عن ابن جريج هذا المتن بهذا السند، وإنما روى الناس عن ابن جريج الحديث الذي أشار إليه أبو داود، فلهذا حكم عليه بالنكارة. اهـ. قال الحافظ السخاوي رحمه الله: ولم يوافق أبو داود على الحكم عليه بالنكارة، فقد قال موسى بن هارون: لا أدفع أن یکونا حدیثین ومال إلیه ابن حبان فصححهما معاً، ویشهد له أن ابن سعد أخرج بهذا السند أن أنسًا نقش في خاتمه محمد رسول الله، قال: فكان إذا أراد الخلاء وضعه، لا سيما وهمام لم ينفرد به، بل تابعه عليه يحيى بن المتوكل، عن ابن (١) النكت ج ٢ ص ٦٧٤، ٦٧٥ .