النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ الجُزْءُ الأُولْ وهذا القول لأبي عمرو عثمان بن سعيد المقرئ الداني(١)، وحاصله أنه يشترط زيادة على اللقاء وطول الصحبة كونه معروفًا بالأخذ عمن روى عنه، كما حكاه ابن الصلاح بلفظ إذا كان معروفًا بالرواية عنه. وحكى الزركشي عنه، ونقل عن أبي الحسن القابسي أيضًا اشتراط إدراك الناقل للمنقول عنه إدراكًا بينًا، قال السخاوي بعد أن حكى القولين عنه ما نصه: فإما أن يكون أحدهما وهما، أو قالهما معًا، فإنه لا مانع من الجمع بينهما، بل قد يحتمل الكناية بذلك عن اللقاء، إذ معرفة الراوي بالأخذ عن شيخ، بل وإكثاره عنه قد يحصل لمن لم يلقه إلا مرة. اهـ(٢). وقال الحافظ (٣): من حكم بالانقطاع شدد. ويليه من شرط طول الصحبة، ومن اكتفى بالمعاصرة سهل، والوسط الذي ليس بعده إلا التعنت مذهب البخاري ومن وافقه، والدليل له أن الظاهر من غير المدلس أنه لا يطلق ذلك إلا على السماع والاستقراء يدل عليه أن عادتهم عدم إطلاق ذلك إلا في المسموع فإذا ثبت التلاقي غلب على الظن الاتصال، والباب مبني على غلبته فاکتفینا به، وهذا غير موجود بمجرد إمكان اللقي ولم يثبت فإنه لا يغلب على الظن الاتصال بل يشك في حاله، وأما ما أورده مسلم عليه من لزوم رد المعنعن دائمًا لاحتمال عدم السماع فليس بوارد، إذ المسألة مفروضة في غير المدلس، ومن عنعن ما لم يسمعه فهو مدلس. اهـ. كلام الحافظ (٤). وما تقدم كله هو عرف المتقدمين، وأما المتأخرون فقد اصطلحوا على أنهما للإِجازة کما أشار إليه بقوله: وَاسْتُعْمِلا إِجَازَةً فِي ذَا الزَّمَنْ (واستعملا) بالبناء للمفعول، والضمير عائد على عن و أن (إجازة) مفعول لأجله، أو منصوب بنزع الخافض، أي لأجل إجازة، أو في إجازة (في ذا الزمن) أي في هذا الوقت المتأخر، وهو ما بعد الخمسمائة، كما قاله الحافظ وتبعه السخاوي . وحاصل المعنى: أن المتأخرين قد اصطلحوا على أن ((عن)) و((أن)) للإِجازة فهما عندهم (١) نسبة إلى دانية مدينة من مدن الأندلس. اهـ . (٢) فتح ج ١ ص ١٩٣. (٣) تدريب ج ١ ص ١٨٨ . (٤) قلت: الدليل الذي ذكره الحافظ للبخاري هو نفس دليل مسلم لمن تأمله، وأنصف . قال العلامة الصنعاني رحمه الله في توضيحه ج ١ ص ٣٣٤ بعد تعقبه لكلام الحافظ ما نصه: وإذا عرفت هذا، فمذهب مسلم لا يخلو عن القوة لمن أنصف . اهـ . والحاصل أن ما ذهب إليه مسلم هو الراجح عندي . كما تقدم والله أعلم . ١٦٢ شَرْجُ الفِيَةُ السَّيُوطِى - بمنزلة أخبرنا لكنه إخبار جملي، كما قال الحافظ. فإذا قال أحدهم مثلاً: قرأت على فلان، عن فلان، أو أن فلانًا حدثه، فمراده بذلك أنه رواه بالإجازة، وذلك لا يخرجه عن الاتصال. لكن قال في التدريب: هذا في المشارقة، وأما في المغاربة فيستعملونهما في السماع والإِجازة معًاً. اهـ. وحاصل الكلام على ((عن)) كما حققه الحافظ رحمه الله قائلاً: إن للفظ ((عن)) ثلاثة أحوال: أحدها: بمنزلة حدثنا وأخبرنا بالشرط السابق. الثاني: أنها ليست بتلك المنزلة إذا صدرت من مدلس، وهاتان الحالتان مختصتان بالمتقدمين، وأما المتأخرون، وهم من بعد الخمسمائة وهلم جرًّا، فاصطلحوا عليها للإِجازة، فهي بمنزلة ((أخبرنا)) لكنه إخبار جملي، كما سيأتي تقريره في الكلام على الإِجازة. وهذه هي الحالة الثالثة، إلا أن الفرق بينها وبين الحالة الأولى مبني على الفرق فيما بين السماع والإجازة، لكون السماع أرجح، وبقي حالة أخرى لهذه اللفظة وهي خفية جدًّا لم ينبه أحد عليها في علوم الحديث مع شدة الحاجة إليها، وهي أنها ترد ولا يتعلق بها حكم باتصال ولا انقطاع، بل يكون المراد بها سياق قصة، سواء أدركها الناقل، أو لم يدركها، ویکون هناك شيء محذوف، فيقدر. مثال ذلك: ما أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه، عن أبيه، قال أبو بكر ابن عياش: حدثنا أبو إسحاق، عن أبي الأحوص أنه خرج عليه خوارج فقتلوه. لم يرد أبو إسحاق(١) بقوله: عن أبي الأحوص (٢) أنه أخبره به وإنما فيه شيء محذوف، تقديره عن قصة أبي الأحوص، أو عن شأن أبي الأحوص، أو ما أشبه ذلك، ثم قال: وأمثلة هذا كثيرة، ومن تتبعها وجد سبيلاً إلى التعقب على أصحاب المسانيد ومصنفي الأطراف في عدة مواضع يتعين الحمل فيها على ما وصفنا من المراد بهذه العنعنة، انتهى كلام الحافظ (٣). ثم ذكر قاعدة مهمة وهي أن الراوي إذا روی حدیثًا في قصة أو واقعة، فإن أدرك ذلك فهو متصل، وإن لم يعلم أنه شاهدها، وإن لم يدرك ذلك فهو مرسل إن کان صحابيًّا، (١) هو السبيعي. (٢) هو عوف بن مالك بن نضلة التابعي الجشمي الكوفي مشهور بكنيته، ثقة من الطبقة الثالثة قتل في ولاية الحجاج على العراق. اهـ. ((تقريب)). (٣) النكت ج ٢ ص ٥٨٦ - ٥٩٠ . ١٦٣ - الجُزْءُ الأولْ ١٦٣ - وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ رَوَى مُتَّصلٌ، وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَسوَى ومنقطع إن کان دونه، فقال: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ رَوَى مُتَّصلٌ، وَغَيْرُهُ قَطْعًا حَوَى (وكل) مبتدأ على حذف مضاف، أي حديث كل (من أدرك) من الرواة سواء كان صحابيًّا أو من دونه (ما) مفعول به لـ ((أدرك)) واقعة على قصة، أو واقعة (له) مفعول قوله (روى) زيدت فيه اللام للتقوية لتقدمه فإنه متعد، يقال: رويت الحديث إذا حملته ونقلته، مأخوذ من روي البعير الماء يرويه من باب رمي: حمله فهو راوية، والهاء فيه للمبالغة. (متصل) خبر كل، والمعنى: أن كل من روى قصة، أو واقعة أدر کها فحديثه متصل، لكن بشرط السلامة من التدليس فيمن دون الصحابي، سواء كان رواه ((بقال)) أو ((بعن)) أو ((بأن)) أو ذكر أو ((حدث)) أو ((فعل)) أو نحوها. (وغيره) أي غير ما ذكر، هو كل من لم يدرك ما رواه من الواقعة مبتدأ خبره جملة ((حوى)) وقوله (قطعًا) أي انقطاعًا بالمعنى اللغوي، فيشمل المرسل مفعول مقدم لـ ((حوى)) أي جمع، والمعنى أن كل من روى واقعة لم يدركها فروايته منقطعة بالمعنى اللغوي، فإن كان صحابيًّا، فمرسل صحابي، وإلا فمنقطع بالمعنى الاصطلاحي. وحاصل معنى البيت: أن الراوي إذا روى حديثًا فيه قصة، أو واقعة، فإن أدرك ما رواه بأن حكى قصة وقعت بين النبي ◌َّ وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة فهو محكوم له بالاتصال، وإن لم يُعلم أنه شاهدها، وإن لم يدرك تلك (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا روى أحد الرواة قصة لم يدركها كانت روايته منقطعة، فإن كان الراوي صحابيًّا، قبلت روايته، لأنها تكون من مراسيل الصحابة، وهي حجة كما تقدم وإن كان غير صحابي لم تقبل إذا لا حجة في المرسل. مثال ذلك: رواية قيس بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن محمد بن الحنفية ((أن عماراً مرَّ بالنبي ◌ِّ ملكهم وهو يصلي)) إلخ، فهذه رواية منقطعة؛ لأن ابن الحنفية لم يدرك ذلك، ولكن وصله أبو الزبير فقال: ((عن محمد ابن الحنفية عن عمار قال: أتيت النبي ◌ِّيَّم وهو يصلي)) إلخ، فهذه رواية موصولة غير مرسلة. روى الخطيب في الكفاية عن أبي داود صاحب السنن قال: ((سمعت أحمد - يعني: ابن حنبل - قيل له: إن رجلاً قال: قال عروة: إن عائشة قالت: يا رسول الله، وعن عروة عن عائشة - سواء؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء)». قال ابن المواق: ((فإنما فرق أحمد بين اللفظين؛ لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند على عائشة ولا أدرك القصة، فكانت مرسلة، وأما اللفظ الثاني فأسند إليها بالعنعنة فكانت متصلة)». ١٦٤ شَرْع ◌ِفِيَةُ السَّيُوطِيّ - الواقعة فهو مرسل صاحبي، وإن كان الراوي تابعيًا فهو منقطع. وإن روى التابعي عن صحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً، وإن لم يدرك وقوعها وأسندها إلى الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة. مثال ذلك ما في مسند يعقوب بن شيبة من رواية أبي الزبير، عن محمد بن الحنفية، عن عمار قال: أتيت النبي ◌ُّال وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي السلام؛ فجعله مسنداً موصولاً. وذكر رواية قيس بن سعد كذلك عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية أن عمار مر بالنبي ګ وهو يصلي، فجعله مرسلاً. فجعل يعقوب الأول من المتصل؛ لأن ابن الحنفية أسند الحكاية إلى عمار حيث قال: عن عمار، قال: أتيت النبي ◌َّ، وجعل الثاني من المرسل؛ لأنه لم يسند الحكاية إلى عمار، بل إلى نفسه مع أنه لم يدرك مروره. ولا بد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم، وقد حكى أبو عبد الله بن المواق اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك في كتابه ((بغية النقاد))، عند ذكر عبد الرحمن بن طرفة ((أن جده عرفجة قطع أنفه يوم الكلاب )) الحديث، فقال: الحديث عند أبي داود مرسل، وقد نبه ابن السكن على إرساله، فقال: فذكر الحديث مرسلاً، قال ابن المواق: وهو أمر بين، لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروي كذلك، إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث. أفاده العراقي في شرح ألفيته. وما ذكر من تسوية الحكم سواء نقله ((بأن) أو (عن) أو (قال) أو نحوها، صرح به ابن عبد البر. ولكن ينبغي تقییده من لم يعلم له استعمال خلافه کالبخاري، فإنه قد یورد عن شيوخه بقال ما يرويه في مواضع أخر بواسطة عنهم، كما تقدم في التعليق، وبمن عدا المتأخرين، كما مر قريبًا أفاده السخاوي رحمه الله تعالى(١). والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. ولما أنهى الكلام على المعنعن شرع يبين ما يشترط انعدامه فيه، وهو التدليس، إذ شرط قبول المعنعن عدم التدليس، فقال: (١) فتح ج ١ ص ١٩٧ . ١٦٥ - الجُزْءُ الأول التدليس ١٦٤ - تَدْلِيسُ الإِسْنَادِ بِأَنْ يَرْوِيَّ عَنْ مُعَاصِرٍ مَا لَمْ يُحَدِّثَهُ بـ ((أَنْ)) ١٦٥ - يَأْتِي بِلَفْظِ بُوهِمُ اتِّصَالا كَـ («عَنْ» وَ«أَنَّ) وكذاك ((قالا)) ١٦٦ - (وَقِيلَ : أَنْ يَرْوِيَ مَا لَمْ يَسْمَعِ بِه وَلَوْ تَعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ التدليس أي هذا مبحثه، وهو النوع الرابع عشر من أنواع علوم الحديث. والمناسبة بينه وبين سابقه واضحة مما ذكرناه في التمهيد. واشتقاقه من الدلس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام كأنه لتغطيته على الواقف عليه أظلم أمره، قاله السخاوي(١). وقال الصنعاني نقلاً عن الحافظ: إنه مشتق من الدلس، وهو الظلام، قاله ابن السيد وكأنه أظلم أمره على الناظر لتغطيته وجه الصواب، وقال البقاعي: إنه مأخوذ من الدلس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام الذي هو سبب لتغطية الأشياء عن البصر، ومنه التدليس في البيع، يقال: دلس فلان على فلان، أي ستر عنه العيب الذي في متاعه، كأنه أظلم عليه الأمر. اهـ. كلام الصنعاني (٢) . ثم إن التدليس على قسمين: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، وتحتهما أنواع يأتي تفصيلها، فذكر الأول بقوله: تَدْلِيسُ الاسْنَادِ(٣) بِأَنْ يَرْوِيَ عَنْ مُعَاصرٍ مَا لَمْ يُحَدَّهُ بِـ ((أَنْ) كَـ (عَنْ)) وَأَنَّ) وكذاك ((قالا)) يَأْتِي بِلَفْظِ يُوهِمُ اتِّصَالا به وَلَوْ تَعَاصُرًا لَمْ يَجْمَعِ وَقِيلَ : أَنْ يَرْوِيَ مَالَمْ يَسْمَعِ (تدليس الإسناد) مبتدأ، أي النوع المسمى به (بأن يروي) الباء للتصوير، والجار والمجرور ٠٠ خبر المبتدأ، يعني أن تدلیس الإسناد مصور برواية شخص (عن معاصر) متعلق بایروي))، أي شيخ معاصر له، أو ملاق، كما زاده ابن الصلاح (ما) مفعول به لـ ((يروي))، أي الحديث الذي (١) فتح ج ١ ص ٢٠٨ . (٢) توضيح ج ١ ص ٣٤٦ - ٣٤٧ . (٣) بنقل حركة الهمزة إلى اللام وحذفها للوزن . ١٦٦ شَرْجُ نُفِيَةُ السَّيُوظِىّ - لم يحدثه أي ذلك المعاصر، فالضمير المستتر يعود إلى معاصر، والبارز إلى ما. يعني أن ذلك المعاصر، وكذا الملاقي لم يحدث ذلك الراوي بالحديث، وإنما حدثه رجل آخر عنه (بأن يأتي) الباء بمعنى ((مع)) متعلق بـ ((يروي))، أي مع إتيان ذلك الراوي بلفظ من ألفاظ الأداء (يوهم) أي يوقع في الوهم، أي الذهن (اتصالا) بذلك الشيخ، ولكن لا يقتضيه كـ((عن)) خبر لمحذوف، أي ذلك كلفظة عن، مثل عن فلان، لشخص عاصره (و) كلفظة (أن) مثل أن فلانًا قال كذا (وكذاك) أي مثل ((عن)) و((أن)) في إيهام الاتصال بلا اقتضائه، وهو خبر مقدم لـ (قالا) أي لفظة قال، مثل ((قال)) فلان كذا، والألف يحتمل أن تكون إطلاقیة، أو ضميرًا للمثنى. وحاصل معنى البيتين: أن تدليس الإِسناد، هو أن يروي شخص عمن عاصره، أو لقيه ما لم يسمعه منه موهمًا سماعه، بإتيانه بلفظ يوهم الاتصال، ولا يقتضيه، مثل عن ((فلان))، أو ((أن فلانًا))، أو ((قال فلان)»، أو نحوها. والحاصل أن شرط التدليس أمران: الإتيان بلفظ محتمل غير كذب، كما ذكرناه، والمعاصرة، لأنه إن لم يعاصر زال التدليس، وصار كذبًا، أو مرسلاً محضًا، وهذا هو المشهور في تعریف التدلیس. وقيل: لا تشترط المعاصرة، وإليه أشار بقوله (وقيل) التدليس (أن) مصدرية (يروي) الرجل عن الرجل (ما لم يسمع) أي الحديث الذي لم يسمعه (منه) أي من المحدث المفهوم من المقام، وفي نسخة المحقق ((به)) بالباء بدل ((من)) وعليه فالضمير يعود إلى قوله: بلفظ يوهم إلخ والمعنى: أن التدليس هو أن يروي ما لم يسمعه بلفظ يوهم اتصالاً كعن إلخ (ولو) كان الراوي (تعاصرًا) مفعول مقدم لـ((يجمع))، أي معاصرة مع من روى عنه (لم يجمع) أي ولو لم يجمع المعاصرة، وکسرت العين فيه وفي يسمع للوزن. وحاصل المعنى: أن التدليس على هذا القول هو أن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحًا بالسماع، ولو لم يتعاصرا. وهذا القول نقله ابن عبد البر في التمهيد عن بعضهم. قال: وعلى هذا فما سلم من التدليس، لا مالك، ولا غيره. وقال الحافظ أبو بكر البزار: هو أن يروي عمن سمع منه ما لم یسمعه منه من غير أن یذکر أنه سمعه منه، وكذا قال الحافظ أبو الحسن القطان في بيان الوهم والإيهام، قال: والفرق بينه وبين الإرسال، هو أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، ولما كان في هذا أنه قد سمع كانت روايته عنه بما لم يسمع منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك يسمى تدلیسًا . وارتضى هذا القول الحافظ، لتضمنه الفرق بين النوعين، قال: ويؤيده كلام الخطيب ١٦٧ - الجُزْءُ الأولُ ١٦٧ - وَمَنْهُ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيخَ فَقَطْ قَطْعٌ بِهِ الأَدَاءُ مُطْلَقًا سَقَطْ في کفایته، وعبارته فيها: هو تدليس الحديث الذي لم يسمعه الراوي ممن دلسه عنه بروايته إياه على وجه أنه سمعه منه، ویعدل عن البيان لذلك. قال: ولو بین أنه لم يسمعه من الشیخ الذي دلسه عنه، و کشف ذلك لصار بيانه مرسلاً للحدیث غیر مدلس فیه. لأن الإِرسال للحديث ليس بإيهام من المرسل كونه سامعاً ممن لم يسمع منه وملاقيًا لمن لم يلقه، إلا أن التدليس الذي ذكرناه متضمن الإرسال لا محالة، الإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه فقط، وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمنًا للإِرسال، والإِرسال لا يتضمن التدليس، لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمع منه، ولهذا لم يذم العلماء من أرسل، أي لظهور السقط، وذموا من دلس هكذا ذكره السخاوي في الفتح(١). ثم إن تدليس الإسناد كما ذكرنا على أنواع، فمنه تدليس القطع، وإليه أشار بقوله: وَمَنْهُ أَنْ يُسَمِّيَ الشَّيِخَ فَقَطْ قَطْعٌ بِهِ الأَدَةُ مُطْلَقًا سَقَطْ (ومنه) أي من تدليس الإسناد، وهو خبر مقدم (أن) مصدرية (يسمي) الراوي (الشيخ) أي يذكر اسم الشيخ فقط أي فحسب، يعني أنه ما ذكر صيغ الأداء كما بينه ما بعده، وأن وصلتها مبتدأ مؤخر، أي تسمية الشيخ بدون الصيغ كائن من تدليس الإسناد (قطع) خبر المحذوف على حذف مضاف، أي هو تدليس قطع، يعني أنه يسمى بذلك (به) متعلق بـ(سقط)) والباء بمعنى من أي من ذلك الحديث (الأداة) مبتدأ، أي صيغة التحديث مطلقًا حال من الأداة أي سواء كان حدثنا أو أخبرنا أو عن أو نحو ذلك، وجملة قوله (سقط) أي حذف من السند خبر المبتدأ، ويحتمل أن يكون قوله: ((منه)) خبرًاً مقدمًا، و((قطع)) مبتدأ مؤخرًاً، وقوله: ((أن يسمي)) إلخ خبر لمحذوف، الجملة معترضة بين المبتدأ والخبر، والتقدير: ومنه تدليس قطع، وهو تسميته الشيخ فقط، وجملة ((الأداة مطلقًا سقط)) حال من تسمية الشيخ. وحاصل معنى البيت: أن من تدليس الإسناد، ما يسمى تدليس القطع، سماه به الحافظ في تصنيفه في المدلسين، وهو أن يسقط أداة الرواية أصلاً مقتصراً على اسم شيخه، ويفعله أهل الحدیث کثیرًا. (١) ج ١ ص ٢٠٩ . ١٦٨ شِجَ الْفِيَةُ السَّيُوظِ ١٦٨ - وَمَنْهُ عَطْفٌ، وَكَذَا أَنْ يَذْكُرَاً ((حَدَّثَنَا)) وَفَصْلُهُ الإِسْمَ طَرًا) ومن أمثلته ما قال علي بن خشرم: كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدثك الزهري؟ فسكت، ثم قال: الزهري، فقيل له: أسمعته من الزهري؟ فقال: لا، لم أسمعه من الزهري، ولا ممن سمعه من الزهري، حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري أخرجه الحاكم (١)، ونحوه: أن رجلاً قال لعبد الله بن عطاء الطائفي، حدثنا بحديث ((من توضأ فأحسن الوضوء دخل من أي أبواب الجنة شاء » فقال: عقبة بن عامر. فقيل: سمعته منه؟ قال: لا ، حدثني سعد بن إبراهيم، فقيل لسعد؟ فقال: حدثني زياد بن مخراق، فقيل لزياد؟ فقال: حدثني رجل، عن شهر بن حوشب، يعني عن عقبة. ذكره السخاوي(٢). ومن أنواع تدليس الإسناد أيضًا تدليس العطف وإليه أشار بقوله: ((حَدَّثَنَا) وَفَصْلُهُ الإِسْمَ (٣) طَرَا) وَمَنْهُ عَطْفٌ ، وَكَذَا أَنْ يَذْكُرَاً (ومنه عطف) مبتدأ وخبر، أي ومن تدلیس الإسناد تدلیس عطف، أي ما يسمى به، زاده الحافظ أيضًا. وهو أن يروي عن شیخین من شيوخه ما سمعاه من شیخ اشتركا(٤) فیه، ویکون قد سمع من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع، ويعطف الثاني عليه، فيوهم أنه حدث عنه بالسماع أيضًا، وإنما حدث بالسماع عن الأول، ونوى القطع، فقال: فلان، أي حدث فلان. مثاله ما في علوم الحديث للحاكم قال: اجتمع أصحاب هشيم، فقالوا: لا نكتب عنه اليوم مما يدلسه، ففطن لذلك، فلما جلس قال: حدثنا حصين، ومغيرة، عن إبراهيم، فحدث بعده أحاديث فلما فرغ قال: هل دلست لكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: بلى، كل ما حدثتكم عن حصين، فهو سماعي، ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئًا. انتهى (٥). ومن أنواع تدليس الإسناد أيضًا تدليس الحذف، وإليه أشار بقوله: (وكذا) أي مثل ما (١) معرفة علوم الحديث ١٣٠، ١٣١. (٢) فتح ج ١ ص ٢١٢، ٢١٣. (٣) بقطع همزة الإسم للوزن . (٤) وأفاد السخاوي أنه لا يشترط اشتراكهما في الرواية عن شيخ واحد، وإنما قيده الحافظ به لأجل المثال الذي وقع له . انظر فتح ج ١ ص ٢١٣ . (٥) انظر معرفة علوم الحديث ص ١٣١ . ١٦٩ - الجُزْءُ الأول تقدم من تدليس القطع، والعطف في كونه من أنواع تدليس الإِسناد، وهو خبر مقدم عن قوله (أن) مصدرية (يذكرا) بالبناء للفاعل، أي الراوي، والألف إطلاقية، وقوله: (حدثنا) منصوب على المفعولية لقصد لفظه، أي لفظ ((حدثنا)) مثلاً (وفصله) مبتدأ، أي فصل الراوي الإِسم أي اسم الشيخ مفعول ((فصل))، وقوله (طرا) بقلب الهمزة ألفًا للوقف، أي وقع، وحصل، خبر المبتدأ، والجملة حال من فاعل يذكر، والتقدير: ومثل ما تقدم من الأنواع ذكر الراوي ألفاظ الأداء، والحال أن فصله اسم الشيخ عن صيغ الأداء طارئ، بأن یسکت بعد ذكر الأداة، ثم يذكر اسم الشيخ. مثاله ما ذكر محمد بن سعيد، عن أبي حفص عمر بن علي المقدمي، أنه کان یدلس تدليسًا شديدًا، يقول: سمعت، وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول هشام بن عروة، الأعمش، وقال أحمد بن حنبل: كان يقول حجاج: سمعته يعني حدثنا آخر. وقال جماعة: كان أبو إسحاق يقول: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، فقوله: عبد الرحمن تدليس يوهم أنه سمعه منه قاله في التدريب (١). وفيه نظر(٢). (تنبيه): كان الأولى للناظم تقديم قوله: و((كذا أن يذكرا)) إلخ قبل تدليس العطف؛ لأنه من تدليس القطع، فإنه كما قال السخاوي على نوعين: الأول: إسقاط أداة الرواية مقتصراً على اسم شيخه كما قدمنا عن ابن عيينة أنه قال : الزهري إلخ. الثاني: أن يذكر الأداة مثل حدثنا، ثم يسكت، وينوي القطع، ثم يذكر اسم الشيخ كما في المثال المذكور آنفًا، ولو قال بدل البيتين: اسْمَا لِشَيْخِه أَوِ الْفَصْلُ جَرَى وَمَنْهُ إِسْقَاطُ أَدَاةِ ذَاكِرَاً سواءُ عَطْفٌ دُلَسَةَ قَدْ أُتبعًا قَطَعْ وَإِنْ يَعَّطِفْ عَلَى مَنْ سَمَعَا لكان أوضح مع بيان تعريف تدلَيس العطف. والمعنى: أن من تدليس الإِسناد إسقاط أداة التحديث، مع ذكر اسم الشيخ، وقولي: ((أو الفصل جرى))، أي فصل الأداة عن اسم الشيخ، وكلاهما يسمى تدليس القطع. (١) ج ١ ص ١٩٩ . (٢) هذا الإسناد أخرجه البخاري في صحيحه، وأعله الدارقطني، وأطال فيه في العلل ج ٥ ص ١٨ . وأجاب عنه الحافظ في هدي الساري ص ٣٤٩ . ١٧٠ شَرِجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِىّ ١٦٩ - وَكُلُّهُ ذَمٌّ، وَقِيلَ : بَلْ جَرَحْ فَاعِلَهُ ، وَلَوْ بِمَرَّةٍ وَضَحْ وتدليس العطف: هو أن يذكر شيخًا سمع منه الحديث، ويعطف عليه آخر لم يسمع منه ذلك الحديث . وقولي: دلسة بالضم اسم من الدلس بمعنى التدليس، يعني أن كلا من القطع والعطف قد أتبع التدليس بمعنى أنه يضاف إليهما، فيقال: تدليس القطع، وتدليس العطف. (تنبيه): قسم الحاكم التدليس إلى ستة أقسام: الأول: قوم لم يميزوا بين ما سمعوه، وما لم يسمعوه. الثاني: قوم يدلسون، فإذا وقع لهم من ينقر عنهم، ويلح في سماعاتهم ذكروا له، ومثله بما حكى ابن خشرم، عن ابن عيينة . الثالث: قوم دلسوا عن مجهولين لا يدري من هم؟ ومثله بما روي عن ابن المديني قال: حدثني حسين الأشقر، حدثنا شعيب بن عبد الله، عن أبي عبد الله، عن نوف، قال: بت عند علي، فذكر كلامًا، قال ابن المديني: فقلت لحسين: ممن سمعت هذا؟ فقال: حدثنيه شعيب، عن أبي عبد الله، عن نوف، فقلت لشعيب: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو عبد الله الجصاص فقلت: عمن؟ قال: عن حماد القصار، فلقیت حمادًا، فقلت له: من حدثك بهذا؟ قال: بلغني عن فرقد السبخي، عن نوف، فإذا هو قد دلس عن ثلاثة، وأبو عبد الله مجهول، وحماد لا يدرى من هو؟ وبلغه عن فرقد، وفرقد لم يدرك نوفًا. الرابع: قوم دلسوا عن قوم سمعوا منهم الكثير، وربما فاتهم الشيء، فيدلسونه. الخامس: قوم رووا عن شيوخ ولم يروهم، فيقولون: قال فلان، فحمل ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم سماع. قال البلقيني: وهذه الخمسة كلها داخلة تحت تدليس الإِسناد وذكر السادس: وهو تدليس الشيوخ الآتي. انتهى كلام الحاكم(١). ثم ذكر حكمه، فقال: وَكُلُّهُ ذَمِّ ، وَقِيلَ: بَلْ جَرَحْ فَاعِلَهُ، وَلَوْ بِمَرَّةَ وَضَحْ (وكله) مبتدأ، أي جميع أنواع التدليس، لا خصوص هذا القسم، كما قاله السخاوي، وقال النووي في التقريب: أما الأول، فمكروه جدًّا، ذمه أكثر العلماء. وأما الثاني: فكراهته أخف. اهـ. باختصار(٢). وقوله (ذم) يحتمل كونه فعلاً ماضيًا مغير الصيغة، أي (١) انظر التدريب ج ١ ص ١٩٩ - ٢٠٠. (٢) ج ١ ص ٢٠٠ بنسخة التدريب. ١٧١ الجُزْءُ الأولُ مه العلماء، ويحتمل كونه مصدرًا بمعنى اسم المفعول، أي مذموم، وهو الخبر. والمعنى: أن التدليس كله ذمه أكثر العلماء، كما مر عن التقريب، ولم ير به بأسًا جماعة من المحدثين، كما قاله يعقوب بن شيبة، قال السخاوي: يعني وهم الفاعلون له، ـ معظمهم. وممن بالغ في ذمه شعبة بن الحجاج، فروى الشافعي عنه، أنه قال: التدليس أخو كذب، وقال غندر عنه: أشد من الزنا، ولأن أسقط من السماء إلى الأرض أحب إلي من ن أدلس. وقال أبو الوليد الطيالسي عنه: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من ن أقول: زعم فلان، ولم أسمع ذلك الحديث منه. وكذا قال ابن المبارك، وزاد: إن الله ( يقبل التدليس. وممن أطلق على فاعله الكذب أبو أسامة، وكذا قرنه به بعضهم، وقرنه خر بقذف المحصنات، وقال سليمان بن داود المنقري: التدليس، والغش، والغرور، الخداع، والكذب تحشر يوم تبلى السرائر في نفاذ(١) واحد. وقال عبد الوارث بن سعيد: إنه ذل، يعني لسؤاله أسمع، أم لا؟ قال ابن معين: إني ازین الحدیث بالكلمة، فأعرف مذلة ذلك في وجهي، فأدعه، وقال حماد بن زيد: هو تشبع بما لم يعط، ونحوه قول أبي عاصم النبيل: أقل حالاته عندي أنه يدخل في حديث: المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) (٢) وقال وكيع: الثوب لا يحل تدليسه فكيف لحديث، وقال بعضهم: أدنى ما فيه التزين، وقال يعقوب بن شيبة: وكرهه جماعة من لحدثين، ونحن نكرهه، زاد غيره: وتشتد الكراهة إذا كان المتروك ضعيفًا، فهو حرام، لكن اختص شعبة منهم مع تقدمه بالمزيد، كما ترى، على أن شعبة قد عيب بقوله: لأن زني أحب إلي من أن أحدث عن يزيد بن أبان الرقاشي. فقال يزيد بن هارون راوي ذلك عنه: ما كان أهون علیه الزنا. قال الذهبي: وهو - أي التدليس - داخل في قوله عليه السلام: ((من غشنا فليس منا)) (٣)؛ أنه يوهم السامعين أن حديثه متصل، وفيه انقطاع، هذا إن دلس عن ثقة، فإن كان صعيفًا، فقد خان الله ورسوله، بل هو كما قال بعض الأئمة حرام إجماعًا. وأما ما نقله بن دقيق العيد عن الحافظ أبي بكر، أنه قال: التدليس اسم ثقيل، شنيع الظاهر، لكنه ١) نفاذ بالمعجمة: أي طريق . ٢) متفق عليه . ٣) أخرجه مسلم، والترمذي، وابن ماجه . ١٧٢ شَرْجُ الفِيَةُ الشَّيُوظِيّ _- خفيف الباطن، سهل المعنى، فهو محمول على غير المحرم منه، ذكر ذلك كله العلامة السخاوي رحمه الله(١). ثم إن فريقًا ممن ذمه جر حوا بسببه فاعله، کما أشار إليه بقوله: (وقيل) أي قال فريق من أهل الحديث، والفقهاء زيادة على ذمة (بل) للإضراب الانتقالي (جرح) بالبناء للفاعل، والفاعل ضمير يعود إلى التدليس، وقوله (فاعله) مفعوله، أي جرح التدليس فاعله، ويحتمل ضبط جرح بالبناء للمفعول، وفاعله نائب الفاعل، أي جرح فاعل التدليس بسببه، فردت روايته كلها (ولو) للتقليل كما في ((التمس ولو خاتمًا من حديد)) (٢) (بمرة) واحدة (وضح) أي ظهر التدليس. قال الشافعي رحمه الله: من عرف بالتدليس ولو مرة لا يقبل منه ما يقبل من أهل النصيحة في الصدق، حتى يقول: حدثني، أو سمعت. اهـ (٣). قال السخاوي: وبيان ذلك أنه بثوبت تدليسه مرة صار ذلك هو الظاهر من حاله في معنعناته، كما أنه إذا ثبت اللقاء مرة صار الظاهر من حاله السماع، وكذا من عرف بالكذب في حدیث واحد صار الكذب هو الظاهر من حاله، وسقط العمل بجميع حديثه، مع جواز كونه صادقًا في بعضه. اهـ. كلام السخاوي (٤). وحاصل المعنى: أن التدليس جرح لفاعله، يرد به ما رواه مطلقًا سواء بيَّن السماع أم لا، دلس عن الثقات، أم لا، ولو ظهر منه مرة واحدة، وهو منقول كما قال ابن الصلاح تبعًا للخطيب وغيره، عن فريق من المحدثين، والفقهاء، حتى بعض من احتج بالمرسل، لمافيه من التهمة والغش، حيث عدل عن الكشف إلى الاحتمال، وكذا التشبع بما لم يعط، حيث يوهم السماع لما لم يسمعه، والعلو، وهو عنده بنزول، الذي قال فيه ابن دقيق العيد : إنه أكثر قصد المتأخرين به، وممن حكى هذا القول القاضي عبد الوهاب في الملخص؛ وقیده ابن السمعاني في القواطع بما إذا استكشف فلم يخبر باسم من يروي عنه، قال: لأن التدليس تزوير، وإيهام لما لا حقيقة له، أما إذا أخبر فلا. قاله السخاوي (٥). والقول الثاني: القبول مطلقًا صرح، أم لا، حكاه الخطيب عن خلق كثيرين من أهل العلم، قال: وزعموا أن نهاية أمره أن یکون مرسلاً . (١) فتح ج ١ ص ٢٢٠ - ٢٢٢ . (٢) متفق عليه . (٣) انظر المعرفة للبيهقي ج ١ ص ١٥ . (٤) فتح ج ١ ص ٢٢٦ . (٥) ج ١ ص ٢١٤ . ١٧٣ الجُزُءُ الأولُ - ١٧٠ - وَاَلْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا بِالْوَصْلِ، فَالأَكْثَرُ هَذَا صَحَّحُوا والثالث: وعزاه ابن عبد البر لأكثر أئمة الحديث التفصيل فمن كان لا يدلس إلا عن الثقات قبل، ومن لا فلا. قاله البزار، وبه أشعر قول ابن الصباغ، وصرح به أبو الفتح الأزدي، وأشار إليه أبو بكر الصير في في شرح الرسالة، وجزم أبو حاتم بن حبان، وابن عبد البر، وغيرهما في حق سفيان بن عيينة، وبالغ ابن حبان في ذلك، حتى قال: إنه لا یوجد له تدلیس قط إلا وجد بعینه قد بین سماعه فیه عن ثقة . والرابع: إن كان وقع التدليس منه نادرًا قبلت عنعنته ونحوها، وإلا فلا، وهو مروي عن ابن المدني. أفاده السخاوي(١). قلت: وهذان التفصيلان غير التفصيل المذكور في قوله : بِالْوَصْلِ، فَالأَكْثَرُ هَذَا صَحَّحُوا وَالْمُرْتَضَى قَبُولُهُمْ إِنْ صَرَّحُوا (والمرتضى) أي القول المرضي من أقوال العلماء في المدلسين، مبتدأ خبره (قبولهم) من إضافة المصدر إلى فاعله، أي قبول العلماء حديث المدلسين، أو من إضافة المصدر إلى مفعوله، أي قبول المدلسين في روايتهم (إن) شرطية (صرحوا) أي المدلسون فيما رووه (بالوصل) أي بكون ما رووه موصولاً بالسماع، بأن قالوا: سمعت، أو حدثنا، أو أخبرنا أو نحوها (فالأكثر) من أئمة الحديث، والفقه، والأصول، مبتدأ خبره الجملة بعده (هذا) القول مفعول مقدم لقوله (صححوا) أي صحح أكثر العلماء هذا القول المفصل. وحاصل معنى البيت: أن الصحيح المرضي من الأقوال في المدلسين هو التفصيل، فما صرحوا فيه بالسماع مقبول محتج به، وما رووه بلفظ محتمل فحكمه حكم المرسل، ونحوه، وعزي، هذا التفصيل إلى الشافعي، وابن المديني، وابن معين، وآخرين. ومن صحح هذا القول الخطيب، وابن الصلاح، ونفى ابن القطان الخلاف فيه، وكذا ابن عبد البر، لكن نفي الخلاف منتقد بما مر من الخلاف. وهذا التفصيل هو خامس الأقوال في المدلسين. (واعلم): أن في رواة الصحيحين جماعة من المشاهير بالتدليس، كالأعمش، وهشيم، وقتادة، والثوري، وابن عيينة، والحسن البصري، وعبد الرزاق، والوليد بن مسلم، وغيرهم، وإليه أشار العراقي حیث قال: (١) فتح ج ١ ص ٢١٥ - ٢١٦ . ١٧٤ شَرْعُ الفِيَةُ الشَّيُوطِىّ - ١٧١ - وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بـ ((عَنْ)) فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوتِه قَمَنْ (*) وَفِي الصَّحِيحِ عِدَّةٌ كَالأَعْمَشِ وَكَهُشَيْمٍ بَعْدَهُ فَفَتِّشْ فقال النووي رحمه الله: إن ما فيهما وفي غيرهما من الكتب الصحيحة (بـ ((عن))) محمول على ثبوت سماعه من جهة أخرى، وإليه أشار بقوله: وَمَا أَتَانَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِـ((عَنْ)) فَحَمْلُهُ عَلَى ثُبُوته قَمَنْ (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا روى الراوي شيئًا لم يسمعه من المروي عنه وصرح في روايته بالتحديث والسماع كان كاذبًا فاسقًا، وفرغ من أمره. أما إذا روى ذلك بصيغة لا تقتضي السماع كأن يقول ((عن فلان) أو ((قال فلان)) أو نحو هذا، فإن كان المروي عنه لم يعاصره الراوي ولم يلقه كان ما يرويه منقطعًا كما مضى، وزعم بعضهم أن هذا من باب التدليس، وهو قول مرجوح غير مشهور. قال ابن عبد البر: ((وعلى هذا فما سلم أحد من التدليس، لا مالك ولا غيره)) أي: لأنهم كثيرًا ما يروون عمن لم يعاصروه بغير إسناد، ثقة منهم بمعرفة أهل العلم أنه منقطع وأنهم قصدوا إلى روايته بغير إسناد. وإذا كان الراوي معاصرًا لمن روى عنه وثبت أن لقيه وأتى في روايته بصيغة لا تقتضي السماع وروى بها ما لم یسمع کان هذا تدليسا، وسمي الراوي ((مدلسًا)). ومن ألفاظ التدليس وصيغه: أن يسقط أداة الرواية ويسمي الشيخ فقط فيقول: ((فلان عن فلان)) كما حكى على بن خشرم قال: ((كنا عند ابن عيينة فقال: الزهري، فقيل له: حدثكم الزهري؟ فسكت ثم قال: الزهري، فقيل له: سمعته من الزهري؟ فقال: لا ولا ممن سمعه من الزهري، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري)). وهذا یسمی «تدلیس القطع)). ومنها: أن يحدث عن شيخ بما سمعه منه ويعطف عليه شيخ آخر لم يسمعه منه، مثل ما نقل الحاكم والخطيب عن هشيم: ((أن أصحابه قالو له: نريد أن تحدثنا اليوم شيئًا لا يكون فيه تدليس! فقال: خذوا، ثم أملى عليهم مجلسًا، يقول في كل حديث منه: حدثنا فلان وفلان، ثم يسوق السند والمتن، فلما فرغ قال: هل دلست لكم اليوم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: بلى، كل ما قلت: ((فلان)) فإني لم أسمعه منه !! - ويسمى هذا («تدليس العطف)). ومنه أن يقول: ((حدثنا)) ثم يسكت وينوي القطع ثم يذكر اسم الشيخ، كما نقل ابن سعد عن أبي حفص عمر ابن علي المقدمي ((أنه كان يدلس تدليًا شديدًا، يقول: سمعت وحدثنا، ثم يسكت، ثم يقول: هشام بن عروة، الأعمش)) وهذا قبيح جدًّا. والتدليس أنواع كثيرة ذكرها المؤلف في التدريب؛ وألف الحافظ برهان الدين سبط ابن العجمي المتوفى سنة ٨٤١ رسالة فيه وفي الرواة المدلسين طبعت في حلب، وكذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني طبعت في مصر. وحكم التدليس: أنه مذموم كله على الإطلاق، حتى بالغ شعبة بن الحجاج - إمام أهل الجرح والتعديل - فقال: ((لأن أزني أحب إليَّ من أن أدلس)). وقال أيضًا: ((التدليس أخو الكذب)). = -- الجُزْءُ الأولُ ١٧٥ (وما) شرطية، أو موصولة مبتدأ، أي الحديث الذي (أنانا) أي وصل إلينا عن المدلسين، كقتادة، والسفيانين (في الصحيحين) حال من الفاعل، أي حال كونه في كتابي البخاري ومسلم، وكذا غيرهما ممن التزم الصحة (بـ ((عن))) حال من الفاعل أيضًا، أي حال كونه مرويًّا بصيغة تحتمل السماع وعدمه كعن ونحوها (فحمله) أي حمل ذلك الحديث مبتدأ (على ثبوته) أي ثبوت ذلك الحديث بالسماع له من جهة أخرى متعلق بقوله (قمن) أي حقیق، قال في ((ق)) وشرحه: القَمين، كأسير، والقمن، ككتف، وجبل: الخليق، والجدير. قال ابن سيده: هو قمن بكذا، وقمن منه، وقمين: أي حري، وخليق، وجدير، والمحركة لا تثنى، ولا تجمع، ولا تؤنث إن أريد بها المصدر، يقال: هما قمن، وهم قمن، وهن قمن، وإن أريد بها النعت تثنى وتجمع وتؤنث، وكذا المكسورة الميم، والتي فيها الياء. اهـ. بتصرف، وهو خبر المبتدأ، والجملة جواب الشرط، أو خبر الموصول، ودخلت الفاء في الخبر لما في المبتدأ من معنى العموم. وحاصل معنى البيت: أن ما جاء في الصحيحين ونحوهما من المدلسين بـ ((عن)) ونحوها فهو محمول على ثبوت سماعة من جهة أخرى، وإنما اختار صاحب الصحيح طريقة العنعنة على طريق التصريح بالسماع لكونها على شرطه دون تلك، وقال القطب الحلبي في القدح المعلي: أكثر العلماء أن المعنعنات التي في الصحيحين منزلة منزلة السماع. قال السخاوي: يعني إما لمجيئها من وجه آخر بالتصريح، أو لكون المعنعن لا يدلس إلا عن ثقة، أو عن بعض شيوخه، أو لوقوعها من جهة بعض النقاد المحققين سماع المعنعن لها، ولذا استثنى من هذا الخلاف الأعمش، وأبو إسحاق، وقتادة بالنسبة لحديث شعبة خاصة عنهم، فإنه قال: كفيتكم تدليسهم، فإذا جاء حديثهم من طريقه بالعنعنة حمل على السماع جزمًا، وأبو إسحاق فقط بالنسبة لحديث القطان عن زهير عنه، وأبو الزبير عن جابر بالنسبة لحديث الليث خاصة، والثوري بالنسبة لحديث القطان عنه، بل قال = قال ابن الصلاح: ((وهذا منه إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير)). وذهب بعضهم إلى أن من عرف به صار مجروحًاً مردود الرواية مطلقًا، وإن صرح بالسماع بعد ذلك. والصحيح الذي رجحه علماء الحديث أن ما رواه المدلس بلفظ محتمل - لم يصرح فيه بالسماع - لا يقبل؛ بل يكون منقطعًا، وما صرح فيه بالسماع يقبل، وهذا كله إذا كان الراوي ثقة في روايته كما هو معروف بداهة، وفصل بعضهم تفصيلاً آخر فقال: ((إن كان الحامل له على التدليس تغطية فهو جرح له، لأن ذلك حرام وغش، وإلا فلا)». وقد وقع في الصحيحين أحاديث كثيرة من رواية بعض المدلسين الثقات، ولم يصرحوا فيها بالسماع، كقتادة وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق، وهو محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى غير التي ذكرها صاحب الصحيح. ١٧٦ شَرْجُ النَّةِ الشَّيُوطِىّ - البخاري: لا يعرف لسفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت، ولا عن سلمة بن كهيل، ولا عن منصور، ولا عن كثير من مشايخه تدليس، ما أقل تدليسه. اهـ. كلام السخاوي(١). (تنبيهات): الأول: قد اعترض استثناء ما في الصحيح صدر الدين بن المرحل (٢) في كتاب الإنصاف، فقال: في هذا الاستثناء غصة؛ لأنها دعوى لا دليل عليها، لاسيما أنا قد وجدنا كثيراً من الحفاظ يعللو أحاديث وقعت في الصحيحين، أو أحدهما بتدليس رواتها، وكذلك استشكل ذلك قبله المحقق ابن دقيق العيد، فقال: لا بد من الثبوت على طريق واحدة، إما القبول مطلقًا في كل كتاب (٣)، أو الرد مطلقًا في كل كتاب، وأما التفرقة بين ما في الصحيح من ذلك، وما خرج عنه فغاية ما يوجه به أحد أمرين: إما أن يدعى أن تلك الأحاديث عرف صاحب الصحيح صحة السماع فيها، قال: وهذا إحالة على جهالة، وإثبات أمر بمجرد الاحتمال، وإما أن يدعى أن الإجماع على صحة ما في الصحيحين دليل على وقوع السماع في هذه الأحاديث، وإلا لكان أهل الإجماع مجمعين على خطإ، وهو ممتنع، قال: لكن هذا يحتاج إلى إثبات الإجماع الذي يمتنع أن يقع في نفس الأمر خلاف مقتضاه، قال: وهذا فيه عسر، قال: ويلزم على هذا أن لا يستدل بما جاء من رواية المدلس خارج الصحيح، ولا نقول هذا على شرط مسلم مثلاً، لأن الإجماع المدعى ليس موجودًا في الخارج انتهى (٤). الثاني: قد سأل الإِمام تقي الدين السبكي شيخه أبا الحجاج المزي عما وقع في الصحيحين من حديث المدلسين معنعنًا هل نقول إنهما اطلعا على اتصالها؟ قال: كذا يقولون، وما فيه إلا تحسين الظن بهما، وإلا ففيهما أحاديث من رواية المدلسين ما توجد من غير تلك الطريق التي في الصحيح(٥). الثالث: قال الحافظ: ليست الأحاديث التي في الصحيحين بالعنعنة عن المدلسين كلها في الاحتجاج، فيحمل كلامهم هنا على ما كان منها في الاحتجاج فقط، وأما ما كان في المتابعات فيحتمل التسامح في تخريجها كغيرها. اهـ (٦). (١) فتح ج ١ ص ٢١٨، ٢١٩. (٢) بالحاء المهملة كمحدث، هكذا ضبطه في تاج العروس ج ٦ ص ٣٤٢. (٣) قلت: الأولى عندي إجراء هذا الاستثناء في كل من التزم الصحة في كتابه، كابن خزيمة، وابن حبان، فقد أوضح هذا المعنى ابن حبان أتم إيضاح في صحيحه. انظر الإحسان ج ١ ص ١٦١، ١٦٢ . والله أعلم . (٤) انظر النكت ج ٢ ص ٦٣٥، ٦٣٦ . (٥) النكت ج ٢ ص ٦٣٦ . (٦) النكت ج ٢ ص ٦٣٦ . ١٧٧ الجُزُءُ الأولُ - ١٧٢ - وَشَرَّهُ (التَّجْويدُ) وَالتَّسْوِيَةُ (إسْقَاطُ غَيْر شَيْخه وَيُثِبتُ ١٧٣ - كَمِثْلِ (عَنْ) وَذَكَ قَطْعًا يَجْرَحُ (*)) وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخِ يُفْصِحُ ثم ذكر شر أقسام التدليس، وهو التجويد، فقال: (إسْقَاطُ غَيْرِ شَيْخِهِ وَيُثْبِتُ وَشَرُّهُ (الَّجْويدُ) وَالتَّسْويَةُ كَمِثْلِ (عَنْ)) وَذَاكَ قَطْعًا يَجْرَعُ) (وشره التجويد) مبتدأ وخبر، أي شر أقسام التدليس النوع المسمى عند المتقدمين بالتجويد حيث يقولون: جوده فلان، أي ذكر من فيه من الأجواد وحذف غيرهم (و) هو (التسوية) سماه به أبو الحسن بن القطان، فمن بعده، فقال: سواه فلان، وهذه تسوية، فالتجويد والتسوية اسمان لمسمى واحد، وهو الذي عرفه بقوله: (إسقاط) خبر لمحذوف، أي هو إسقاط (غير شيخه) أي حذف الراوي من السند غير شيخه، كشيخ شيخه، أو من فوقه لكونه ضعيفًا، أو صغيراً، وقوله (ويثبت) خبر لمحذوف، أي وهو يثبت، والجملة حالية (١) كما قال ابن مالك: لَهُ الْمُضَارِعَ اجْعَلَنَّ مُسْنَدَاً وَذَاتُ وَاَو بَعْدَهَا انْوٍ مُبْتَدَاً (*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: هناك نوع آخر سماه المتقدمون ((التجويد)) وسماه المتأخرون: ((تدليس التسوية)) لما فيه من تجويد الإسناد وتسويته. وذلك بأن الراوي يذكر شيخه الذي سمع منه، ولكن يسقط أحد الرواة في الإسناد، لضعفه أو لصغره، تحسينًا للحديث، ويأتي به بصيغة محتملة للسماع، نحو ((عن))، فيكون أصل الحديث عن ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر، فيسقط الضعيف، ويروي الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني فيستوي الإسناد كله. وهذا شر الأقسام وأفحشها، لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على السند - بعد التسوية - قد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة أو يتحير، وربما لصق البلاء بالثقة مع براءته منه، وفيه غرر شدید. وممن اشتهر بهذا النوع: (بقية بن الوليد)) و((الوليد بن مسلم)). مثال ذلك: أن بقية روى حديثًا عن عبيد الله بن عمرو بن أبي الوليد الأسدي الجزري الرقي عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع بن عمر وكل هؤلاء ثقات إلا إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، فإنه ضعيف جدًّا فجاء بقية فقال: ((حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر)) وأبو وهب الأسدي هو عبيد الله بن عمرو، لأنه يكنى أبا وهب وينسب لبني أسد، فغيره بهذه الصفة كيلا يفطن له، وحذف من الإسناد «إسحاق بن أبي فروة)) وجعل ظاهر الإسناد الصحة، فلا يفطن له إلا دقيق النظر من الحفاظ. قال العلائي: ((هذا النوع أفحش التدليس مطلقًا وشرها)). وقال العراقي: (وهو قادح فیمن تعمد فعله)). وقال شيخ الإسلام ابن حجر: ((لا شك أنه جرح)). (١) وصاحبها الراوي الفاعل للإسقاط. ١٧٨ شَرِجُ الغَةُ السَّيْطِيّ - أي يذكر في محل الإسقاط (كمثل عن) أي لفظًا محتملاً للسماع كـ ((عن)) ونحوها، فالکاف زائدة، ومثل مفعول به لـ ((یثبت)). وحاصل المعنى: أن أفحش أنواع التدليس ما يسمى بالتجويد والتسوية، وصورته كما قال العراقي: أن يروي حديثًا عن شيخ ثقة، وذلك يرويه عن ضعيف، عن ثقة، فيأتي المدلس الذي سمع الحديث من الثقة الأول، فيسقط الضعيف الذي في السند، ويجعل الحديث عن شيخه الثقة، عن الثقة الثاني، بلفظ محتمل، فيستوي الإِسناد کله ثقات، ولهذا سمي تدليس التسوية، وإنما كان شر أقسام التدليس؛ لأن الثقة الأول قد لا يكون معروفًا بالتدليس، ويجده الواقف على السند كذلك بعد التسوية، قد رواه عن ثقة آخر، فیحکم له بالصحة، وفي هذا غرر شديد، ولذا صار من يفعله مجروحًا كما أوضحه بقوله (وذاك) أي التجويد والتسوية المذكور مبتدأ خبره جملة يجرح (قطعًا) حال من ذاك على رأي، أو مفعول مطلق، أي جرحًا قطعًا، أي مقطوعًا به بين العلماء، يعني أنه لا خلاف فيه (يجرح) بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف، أي فاعله، أو بالبناء للمفعول، واسم الإشارة عائد على المجوِّد (١) المفهوم من التجويد، أي المجوِّد مجروح بلا خلاف بين العلماء. وحاصله: أن هذا النوع قادح في عدالة فاعله؛ لأنه خيانة لمن ينقل إليهم وغرور. قال الحافظ: لا شك أنه جرح، وإن وصف به الثوري والأعمش، فأحسن ما يعتذر به عنهما أنهما لا يفعلان ذلك إلا في حق من يكون ثقة عندهما ضعيفًا عند غيرهما . قال: ثم إن ابن القطان إنما سماه تسوية بدون لفظ التدليس، قال: والتحقيق أن يقال: متى قيل: تدليس التسوية لابد أن يكون كل من الثقات الذين حذفت بينهم الوسائط في ذلك الإِسناد قد اجتمع الشخص منهم بشيخ شيخه في ذلك الحديث، وإن قيل: تسوية بدون لفظ التدليس لم يحتج إلى اجتماع أحد منهم بمن فوقه، كما فعل مالك، فإنه لم يقع في التدليس أصلاً، ووقع في هذا، فإنه يروي عن ثور بن زيد، عن ابن عباس، وثور لم يلقه، وإنما روى عن عكرمة عنه، فأسقط عكرمة؛ لأنه غير حجة عنده، وعلى هذا يفارق المنقطع بأن شرط الساقط هنا أن يكون ضعيفًا، فهو منقطع خاص قاله في التدريب (٢). وقال الحافظ أيضًا: فتعريف العراقي المتقدم غير جامع، بل الحق أن يقول: هو أن يجيء الراوي ليشمل المدلس وغيره إلى حديث قد سمعه من الشيخ، وسمعه ذلك الشيخ (١) بكسر الواو بصيغة اسم الفاعل . (٢) ج ١ ص ١٩٨، ١٩٩ . ١٧٩ الجُزْءُ الأُولُ -- ١٧٤ - بوَصْفِهِ بِغَيْرٍ وَصْفِ يُعْرَفُ فَإنْ يَكُنْ لِكَوْنهُ يُضَعَّفُ ١٧٥ - فَقيلَ : جَرْحٌ أَوْ لِلاسْتِصْغَارِ فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتَكْفَارِ ٠ عن آخر، فيسقط الواسطة بصيغة محتملة فيصير الإِسناد عاليًا، وهو في الحقيقة نازل. ثم ذكر أن من التسوية في اصطلاحهم أن يسقط من السند واحد وإن كان ثقة فيكون عاليًا مثلاً، فلا تختص التسوية بإسقاط الضعيف(١). وممن نقل عنه أن يفعل هذا النوع بقية بن الوليد، والوليد بن مسلم إذا أتى بـ ((عن)) عن الأوزاعي، وابن جريج. (تنبيه): هذا النوع زاده العراقي على ابن الصلاح، وجعله قسمًا ثالثًا، ولكن الأولى كما قال الحافظ أنه نوع من تدليس الإسناد، وليس قسمًا مستقلاً. اهـ. وقال البقاعي رحمه الله: والتحقيق أنه ليس إلا قسمان: تدليس الإسناد، وتدليس الشيوخ، ويتفرع على الأول تدليس العطف، وتدليس الحذف، وأما تدليس التسوية فيدخل في القسمين، فتارة يصف شيوخ السند بما لا يعرفون به من غير إسقاط، فيكون تسوية الشيوخ، وتارة يسقط الضعفاء، فيكون تسوية السند، وهذا يسميه القدماء تجويدًا، فيقولون: جوده فلان، ويريدون ذكر من فيه من الأجواد، وحذف الأدنياء. انتهى (٢). ثم ذكر القسم الثاني : وهو تدليس الشيوخ فقال: وَدُونَهُ تَدْلِيسُ شَيْخِ يُفْصِحُ فَإِنْ يَكُنْ لِكَوْنه يُضَعَّفُ بوَصْفه بصفَة لا يُعْرَفُ فَأَمْرُهُ أَخَفُّ كَاسْتَكْثَار فَقِيلَ: جَزَعٌ أَوْ لِلأَسْتصْغَارِ (ودونه) أي دون تدليس الإِسناد بأنواعه، وإنما فصله عنه كما قالَ السخاويَ: لعدم الحذف فيه، وإنما كان دون الأول، لأنه قد زال الغرر، فإن شيخه الذي دلس اسمه إما أن يعرف فيزول الغرر، أو لا يعرف، فيكون في الإسناد مجهول قاله في التنقيح (٣). والظرف خبر مقدم لقوله (تدليس شيخ) من شيوخ الراوي، أي ما يسمى بذلك، وقوله (يفصح) (١) انظر النكت ج ٢ ص ٦٢١ . (٢) انظر التوضيح ج ١ ص ٣٧٦. (٣) تنقيح ج ١ ص ٣٦٨ . ١٨٠ شَرِجُ لَُّةُ الشَّيُوطِيّ بالبناء للمفعول، أي يبين ويُذكر ذلك الشيخ ، يقال: أفصح عن الشيء: بينه، وكشفه، والجملة صفة شيخ، أي يظهر في السند، ولا يحذف، أو بالبناء للفاعل، أي يظهره الراوي، ولا يحذفه (بوصفه) متعلق بـ(يفصح))، والباء بمعنى ((مع)) أي مع وصفه (بصفة) من صفاته (لا يعرف) بها بين الناس، وفي نسخة المحقق بوصفه بغير وصف يعرف والمعنى واحد. وحاصل المعنى: أن تدليس الشيوخ هو أن يصف المدلس شيخه الذي سمع منه بصفة لا يعرف بها، من اسم، أو كنية، أو قبيلة، أو بلد، أو صنعة، أو نحو ذلك، لكي يوعر معرفة الطريق على السامع. ومن أمثلته قول أبي بكر بن مجاهد المقرئ: حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله، يريد به الحافظ أبا بكر بن أبي داود صاحب السنن الحافظ. وقوله أيضًا: حدثنا محمد بن سند، یرید به أبا بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد النقاش نسبة لجد له، قال الحافظ: ليس قوله: بصفة لا يعرف بها قيدًا، بل إذا ذكره بما يعرف به، إلا أنه لم يشتهر به كان ذلك تدليسًا، كقول الخطيب: أخبرنا علي بن أبي علي البصري، ومراده بذلك أبو القاسم علي بن أبي علي الحسن بن علي التنوخي، وأصله من البصرة، فقد ذكره بما يعرف به، لكنه لم يشتهر بذلك، وإنما اشتهر بكنيته، واشتهر أبوه باسمه، واشتهرا بنسبتهما إلى القبيلة، لا إلى البلد. ولهذا نظائر، كصنيع البخاري في الذهلي، فإنه تارة يسميه فقط، فيقول: حدثنا محمد، وتارة يقول: محمد بن عبد الله، فينسبه إلى جده، وتارة يقول: محمد بن خالد، فینسبه إلى والدجده، وكل ذلك صحيح، إلا أن شهرته بمحمد بن يحيى الذهلي. ذكره في التوضيح(١). قال ابن الصلاح: وفيه أي في تدليس الشيوخ تضييع للمروي عنه، بعدم معرفة عينه ولا حاله، وقال العراقي: وللحديث أيضًا، بأن لا يتنبه له، فيصير بعض رواته مجهولاً، فهذه مفسدة عظيمة. قاله الصنعاني. ثم إن هذا الفعل يختلف في الكراهة باختلاف القصد الحامل له على ذلك، فشره أن يكون لضعفه، وإليه أشار بقوله (فإن يكن) أي التدليس (لكونه) أي ذلك الشيخ (يضعف) أي ينسب إلى الضعف (فقيل) أي قال بعضهم: هذا (جرح) أي جارح فاعله، أو مجروح فاعله. والمعنى: أن السبب الحامل للتدلیس إن کان لضعف المروي عنه، فیدلسه، حتى لا (١) توضيح ج ١ ص ٣٦٨.