النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
- الجُزُءُ الأولُ
المعجمة من الرباعي المعتدي، يقال: أعضله فهو معضل، وعضيل، كما سمع في أعقدت
العسل، فهو عقيد بمعنى معقد، وأعله المرض، فهو عليل، بمعنى معل، وفعيل بمعنى
مفعل، إنما يستعمل في المتعدي، والمعضل الأمر المستغلق الشديد، ففي الحديث: ((إن عبداً
قال: يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم شأنك، فأعضلت بالملکین، فلم يدريا
کیف یکتبان» الحديث رواه أحمد، وابن ماجه قاله المنذري(١) .
قال أبو عبيد: هو من العضال الأمر الشديد الذي لا يقوم له صاحبه. انتهى، فكأن
المحدث الذي حدث به أعضله حيث ضيق المجال على من يوفيه إليه، وحال بينه وبين معرفة
راویه بالتعديل والتجريح، وشدد عليه الحال، ویکون ذلك الحديث معضلاً لإعضال الراوي
له هذا تحقيق لغته، وبيان استعارته هكذا حققه العلامة السخاوي في فتح المغيث(٢).
وأما اصطلاحًا فهو الذي سقط منه اثنان، فصاعدًا مع التوالي، كما أشار إليه بقوله :
(حيث ولا) بكسر الواو، والقصر، للضرورة، مصدر والى بمعنى تابع، وهو نائب فاعل
المحذوف، أي: حيث وجد ولاء، أي: تتابع بين الساقطين.
فقوله: معضل خبر لمحذوف، أي: هو معضل، أي: السند الذي سقط منه اثنان
يسمى بالمعضل، والظرف خبر لمحذوف أيضًا، أي وذلك كائن حيث وجد ولاء.
والحاصل أن المعضل هو الذي سقط من إسناده اثنان، فأكثر مع التوالي، ويسمى
المعضل أيضاً منقطعًا، ويسمى مرسلاً عند الفقهاء وغيرهم. قاله النووي.
وقال السخاوي: ولعدم التقييد باثنين قال ابن الصلاح: وقول المصنفين: قال رسول
الله ◌َّي من قبيل المعضل، يعني كما قيل بمثله في المرسل، والمنقطع، وسواء في سقوط
اثنين الصحابي والتابعي، أو اثنين بعدهما من أي موضع كان، كل ذلك مع التقييد بالرفع
الذي استغني عن التصريح به بما يفهم من القسم الثاني (٣).
وعلم بهذا أنه أعم من المعلق من وجه، ومباين للمقطوع والموقوف، وكذا مباين
للمرسل والمنقطع بالنظر لكثرة استعمالهم فيهما. اهـ. كلام السخاوي(٤).
ولما كان للمعضل قسم آخر غير ما تقدم أشار إليه بقوله :
(١) حديث ضعيف. انظر ضعيف ابن ماجه ص ٣٠٦ .
(٢) ج ١ ص ١٨٥ .
(٣) أي: القسم الذي ذكر في البيت التالي بقوله: ومنه حذف صاحب إلخ .
(٤) فتح ج ١ ص ١٨٦ .

١٢٢
شَرْجُ الْفِيَّة الشَّيُوخِيّ -
١٣٧ - وَمَنْهُ حَذْفُ صَاحِب وَالْمُصْطَفَى
(*)
وَمَتْنُهُ بِالنَّابِعِيِّ وُقِفَا (
وَمَتْئُهُ بِالتَّابِعِيِّ وُقُفَا
وَمَنْهُ حَذْفُ صَاحِب وَالْمُصْطَفَى
(ومنه) أي: ومن المعضل خبر مقدم لقوله: (حذف صاحب) أي: صحابي من السند،
(و) حذف الرسول المصطفى ◌َطل (ومتنه) أي متن ذلك السند، مبتدأ (بالتابعي) أي: عليه،
متعلق بـ (وقفا) بالبناء للمفعول، والألف للإطلاق، والجملة خبر المبتدإ، والجملة الكبرى
حال من حذف أي والحال أن ذلك المتن موقوف على التابعي.
وحاصل معنى البيت: أن من المعضلة ما حذف منه الصحابي، والنبي وَّ ما، ووقف متنه
على التابعي، وهكذا أطلقه الناظم تبعًا للعراقي، ولكن لابد من كون ذلك الحديث متصلا
مرفوعًا عند ذلك التابعي من جهة أخرى، وإلا فقد يكون ذلك من كلام ذلك التابعي، فيكون
مقطوعًا، أو منقولاً عن الإسرائيليات، فالأولى ما عبر به النووي في التقريب حيث قال: وإذا
روى تابع التابعي عن التابعي حديثًا وقفه عليه، وهو عند ذلك التابعي مرفوع متصل فهو
معضل أفاده المحقق (١)، قال في التدريب نقلاً عن الحافظ أن شرط ما ذكر أمران:
(أحدهما): أن يكون ما يجوز نسبته إلى غير النبي ◌َّ، فإن لم يكن فمرسل.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ما روي عن النبي ◌ِّم مرفوعًا، أو عن صحابي موقوفًا، وكان إسناده
متصلاً: يسمى ((الموصول)) أو ((المتصل))؟
وأما إذا كان المروي من كلام التابعين فمن دونهم واتصل إسناده فلا يسمى بذلك من غير قيد، وإنما يجوز أن
يقال: ((هذا متصل إلى فلان)). وإذا سقط من الإسناد واحد قبل الصحابي سمي ((منقطعًا)).
وقيل: يسمى بذلك أيضًا إذا سقط الصحابي، فكأن هذا القائل جعل المرسل داخلاً في المنقطع، وهو غير جيد.
وإذا سقط من الإسناد اثنان: فإن لم يكونا متواليين سُمِّي ((منقطعًا)) أيضًا، وإن كانا متواليين سُمِّي ((معضلاً)).
ومما اعتبره المؤلف من المعضل ما يرويه تابع التابعي عن التابعي موقوفًا عليه؛ لأنه حذف منه الصحابي ولم
يذكر فيه النبي ◌ِيَ ◌ّم، وهذا على إطلاقه غير جيد، فإن ما يقوله التابعي كلام من كلامه فقط، حتى ولو
كان مما ليس للرأي فيه مجال، فإنه لعله نقله عن ضعيف أو عن الإسرائيليات، أو لعله رأى أن ما يقوله
يدخل تحت الاجتهاد. والصحيح ما عبر به النووي في التقريب، قال: ((وإذا روى تابع التابعي عن التابعي
حديثًا وقفه عليه وهو عند ذلك التابعي مرفوع متصل فهو معضل)) وهذا الرأي رأي الحاكم، وقد ذكر له مثالاً
حديث الأعمش عن الشعبي قال: ((يقال للرجل يوم القيامة: عملت كذا وكذا؟ فيقول: ما عملته، فيختم
على فيه)) الحديث، أعضله الأعمش، ووصله فضيل بن عمرو عن الشعبي عن أنس قال: ((كنا عند النبي
◌ِّيم)) فذكر الحديث. وقد رواه مسلم من طريق فضيل بن عمرو، وهذه الصورة باسم ((المرسل)) أولى، بل
هي داخلة فيه. وإطلاق اسم ((المعضل)) عليها جائز أيضًا، كما هو ظاهر.
(١) ص ٢٥ .

١٢٣
الجُزُءُ الأولُ
(الثاني): أن يروي مسنداً من طريق ذلك الذي وقف عليه، فإن لم يكن، فموقوف، لا
معضل، لاحتمال أنه قاله من عنده، فلم يتحقق شرط التسمية من سقوط اثنين .اهـ. بتغيير يسير (١).
وهذا الرأي للحاكم رحمه الله نقله عنه ابن الصلاح، ومثاله حديث الأعمش عن
الشعبي: ((يقال للرجل يوم القيامة عملت كذا وكذا، فيقول ما عملته، فيختم على فيه )) الحديث
أعضله الأعمش، وهو عند الشعبي متصل مسند، أخر جه مسلم في صحيحه، وساقه من
حديث فضيل بن عمرو، عن الشعبي، عن أنس، قال: كنا عند رسول الله ◌َ ◌ّ﴾ فذكر الحديث.
قال ابن الصلاح: وهذا جيد حسن لأن الانقطاع بواحد مضمومًا إلى الوقف يشتمل على
الانقطاع باثنين، النبي ◌ُّ، والصحابي، وذلك باستحقاق اسم الإِعضال أولى. اهـ. (٢).
وقال ابن جماعة: وفيه نظر، أي: لأن مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي، فحكمه حكم
المرسل، وذلك ظاهر لا شك فيه قاله في التدريب.
قلت: لكن قدمنا عن الحافظ أنه يشترط لما قاله ابن الصلاح شرطان، فسقط
الاعتراض، فتأمل.
وقال السخاوي رحمه الله: ثم إنه قد يكون الحديث معضلاً ويجيء من غير طريق من
أعضله متصلاً كحديث خليد بن دعلج(٣) عن الحسن أخذ المؤمن عن الله أدبًا حسنًا إذا
وسع عليه وسع، وإذا قتر عليه قتر - فهو مروي من حديث معاوية بن عبد الكريم الضال،
عن أبي حمزة، عن ابن عمر رضي الله عنهما رفعه به. ذكره الحاكم. اهـ (٤).
قلت: لكن هذا لا يتمشى مع ما ذكرنا عن الحافظ من اشتراط كونه متصلاً عمن أعضله فتدبر.
(واعلم) أنه قد وقع كما قال الحافظ التعبير بالمعضل في كلام جماعة من أئمة الحديث
فيما لم يسقط منه شيء ألبتة، بل لإشكال في معناه، وذكر لذلك أمثلة، قال: فإما أن
يكون يطلق على كل من المعنيين، أو يكون المعرف به وهو المتعلق بالإسناد بفتح الضاد،
والواقع في كلامهم بكسرها، ويعنون به المستغلق الشديد، أي: الإسناد والمتن، قال:
وبالجملة فالتنبيه عليه كان متعينًاً. اهـ(٥).
(١) تدريب ج ١ ص ١٨٦ .
(٢) المصدر السابق .
(٣) بوزن جعفر .
(٤) معرفة علوم الحديث ص ٤٧، ٤٨ .
(٥) النكت ج ٢ ص ٥٧٥ - ٥٧٩ .

١٢٤
شَرْع ◌َلُيُ السَّيُوطِىّ
المرسل
١٣٨ - الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالتَّابِعِ، أَوْ
ذِي كِبَرِ، أَوْ سَقْطُ رَاو قَدْ حَكَوْا
(تنبيه) لم يذكر الناظم حكم المنقطع، والمعضل، كما ذكر حكم المرسل كما يأتي، قال
الحافظ: وقد قال ابن السمعاني: من منع قبول المراسيل فهو أشد منعاً من قبول المنقطعات
ومن قبل المراسيل اختلفوا.
ونقل عن الجوزجاني أنه قال: المعضل أسوأ حالاً من المنقطع، وهو أسوأ حالاً من
المرسل وهو لا تقوم به حجة.
قال الصنعاني: إنما يكون المعضل أسوأ حالاً من المنقطع إذا كان الانقطاع في موضع
واحد من الإسناد فأما إذا كان في موضعين أو أكثر فإنه يساوي المعضل في سوء الحال . اهـ.
كلام الصنعاني (٢).
(تتمة) قوله: ((منقطع من موضعين اثنين، لا تواليًا)) من زياداته.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المرسل
أي: هذا مبحثه وهو النوع الحادي عشر من أنواع علوم الحديث وإنما أخره الناظم عن
المنقطع، والمعضل مع أن غيره قدمه؛ لأنه ذكر المتصل مع المنقطع والمعضل للمناسبة، فكانا
أولى بالتقديم، وإن كان أسوأ حالا من المرسل لذلك، والمرسل: اسم مفعول، جمعه
مراسيل بإثبات الياء، وحذفها مأخوذ من الإرسال وهو الإطلاق وعدم المنع، قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [مريم: ٨٣].
فكأن المرسل أطلق الإسناد ولم يقيده براوٍ معروف، أو من قولهم: ناقة مرسال، أي: سريعة
السير، كأن المرسل أسرع فيه عجلاً، فحذف بعض إسناده، قال كعب بن زهير (من البسيط):
إلا العتاق النجيبات المراسيل
أمست سعاد بأرض لا يبلغها
أو من قولهم: جاء القوم أرسالاً، أي متفرقين؛ لأن بعض الإِسناد منقطع من بقيته.
أفاده السخاوي (٢). هذا معناه لغة، وأما اصطلاحًا: ففيه أقوال، أشار إليها الناظم بقوله:
ذِي كِبَرٍ، أَوْ سَقْطُ رَاوٍ قَدْ حَكَوْا
الْمُرْسَلُ الْمَرْفُوعُ بِالنَّابِعِ، أَوْ
(١) توضيح ج ١ ص ٣٢٩.
(٢) فتح ج ١ ص ١٥٥، ١٥٦ .

١٢٥
الجُزُءُ الأولُ
-
١٣٩ - أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ، ثُمَّ الحُجَّةُ
بِهِ رَأَى الأَئِمَّةُ (الثَّلاثَةُ)
أَشْهَرُهَا الأَوَّلُ،
القول الأول ما أشار إليه بقوله: (المرسل المرفوع) مبتدأ وخبر، أي: المرسل في
اصطلاح أهل الحديث هو الحديث المرفوع إلى النبي ◌َّله قولاً، أو فعلاً، أو نحوهما
(بالتابع) متعلق بالمرفوع ، والباء سببية، أي بسببه، أو بمعنى مع على حذف مضاف، أي:
مع ذكر التابع في السند، وفي نسخة الشارح باللام، وهو واضح.
وحاصل المعنى: أن المرسل اصطلاحًا هو قول التابعي مطلقًا، كبيرًا كان، أو صغيراً؛
قال رسول الله لي كذا، أو فعل كذا، أو فعل بحضرته كذا، أو نحو ذلك.
قال السخاوي: وعبر عنه بعضهم بإسقاط الصحابي من السند، وليس بمتعين فيه،
ونقل الحاكم تقييدهم له باتصال سنده إلى التابعي، وقيده في المدخل بما لم يأت اتصاله من
وجه آخر، وكذا قيده الحافظ بما سمعه التابعي من غير النبي وَلّ ليخرج من لقيه كافراً،
فسمع منه كالتنوخي رسول هرقل، فإنه مع كونه تابعيًّا محكوم لما سمعه بالاتصال، لا
الإرسال، وهو متعين، وكأنهم أعرضوا عنه لندوره.
وخرج بقيد التابعي مرسل الصحابي كبيراً كان أو صغيرًا، وسيأتي.
والتابع، والتابعي: هو من لقي الصحابي، والكبير هو الذي لقي جماعة من
الصحابة، وجالسهم، وکانت جل روايته عنهم، کعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقیس بن
أبي حازم، وسعيد بن المسيب، والصغير هو الذي لم يلق منهم إلا العدد اليسير، أو لقي
جماعة إلا أن جل روايته عن التابعين كالزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري. اهـ. كلام
السخاوي بتغيير وزيادة(١) .
وحاصل هذا القول: أن المرسل مرفوع التابعي مطلقًا، وأشار إلى القول الثاني بقوله:
(أو) لتنويع الخلاف، أي: قال بعضهم: المرسل هو مرفوع تابعي (ذي كبر) أي: كبير،
فذي معطوف على التابع أي: تابع ذي كبر، فكأنه قال: المرسل المرفوع بالتابع مطلقًا أو
بالتابع الكبير، وتقدم معناه .
وحاصل المعنى على هذا القول: أن المرسل هو مرفوع التابعي الكبير. قال السخاوي:
كما هو مقتضى القول بأن مرفوع صغير التابعين إنما يسمى منقطعًا، قال ابن عبد البر في
(١) فتح ج ١ ص ١٥٦، ١٥٧ .

١٢٦
شَرْخ ◌ِيَة الشَّيُوطِي -
مقدمة التمهيد: المرسل أوقعوه بالإجماع على حديث التابعي الكبير عن النبي بَّر، ومثل
بجماعة منهم، قال: وكذلك من دونهم، وسمى جماعة، قال: وكذلك یسمی من دونهم
أيضًا ممن صح له لقاء جماعة من الصحابة ومجالستهم، قال: ومثله أيضًا مرسل من دونهم
فأشار بهذا الأخير إلى مراسيل صغار التابعين، ثم قال: وقال آخرون: لا . يعني لا يكون
حديث صغار التابعين مرسلاً، بل يسمى منقطعًا؛ لأنهم لم يلقوا من الصحابة إلا الواحد،
أو الاثنين، فأكثر روايتهم عن التابعين.
وإلى هذا الاختلاف أشار ابن الصلاح بقوله: وصورته التي لا خلاف فيها حديث
التابعي الكبير الذي لقي جماعة من الصحابة وجالسهم.
قال الحافظ: ولم أر التقييد بالكبير صريحًا عن أحد منهم، نعم قيد الشافعي المرسل،
الذي يقبل إذا اعتضد كما سيأتي بأن يكون من رواية التابعي الكبير، ولا يلزم من ذلك أنه
لا يسمى ما رواه التابعي الصغير مرسلاً، بل الشافعي صرح بتسمية رواية من دون کبار
التابعين مرسلة، وذلك في قوله: ومن نظر في العلم بخبرة، وقلة غفلة استوحش من
مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة. اهـ (١).
ثم أشار إلى القول الثالث بقوله: (أو) لتنويع الخلاف أيضًا (سقط) بفتح فسكون،
بمعنى سقوط، وهو عطف على المرفوع على حذف مضاف، أي: المرسل ذو سقوط (راو)
من سنده، يعني أن بعضهم قال: إن المرسل هو ما سقط من سنده راوٍ، سواء كان في أوله،
أو آخره، أو بينهما، واحدًا أو أكثر، کما یومی إلیه تنکیرُ راوٍ وجعله اسم جنس، ليشمل
راويًا، فأكثر بحيث يدخل فيه المنقطع، والمعضل، والمعلق.
وهذا القول حكاه ابن الصلاح عن الفقهاء، والأصوليين، بل وعن الخطيب، فإنه
قال: والمعروف في الفقه وأصوله أن ذلك كله، أي المنقطع، والمعضل يسمى مرسلاً،
قال: وإليه ذهب من أهل الحديث الخطيب، وقطع به، ونحوه قول النووي في شرح
مسلم: المرسل عند الفقهاء، والأصوليين والخطيب، وجماعة من المحدثين: ما انقطع
إسناده على أي وجه كان، فهو عندهم معنى المنقطع، فإن قوله على أي وجه کان یشمل
الابتداء والانتهاء وما بينهما، والواحد، فأكثر. اهـ.
وممن صرح بنحوه من المحدثين الحاكم في المدخل، ولكن مشي في علومه بخلافه،
(١) انظر فتح المغيث ج ١ ص ١٥٧ .

١٢٧
الجُزْءُ الأُولْ
-
١٤٠ - وَرَدَّهُ الأَقْوَى، وَقَوْلُ الأَكْثَرُ
كَالشَّافِعِيْ، وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ
٠,٠٠٠۴
وصرح به أيضًا البغوي في شرح السنة، أبو نعيم في مستخرجه، وأبو زرعة، وأبو حاتم،
ثم الدارقطني، ثم البيهقي، بل صرح البخاري في حديث لإبراهيم بن يزيد النخعي، عن
أبي سعيد الخدري، بأنه مرسل، لكون إبراهيم لم يسمع منه، وكذا صرح هو وأبو داود في
حديث لعون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود، بأنه مرسل، لكونه لم
يدركه، والترمذي في حديث لابن سيرين، عن حكيم بن حزام، ومشى عليه أبو داود في
مراسليه، وغيرهم أفادهُ السخاوي (١).
وقوله: (قد حكوا) جملة حالية مما تقدم من الأقوال، أي: حال كون العلماء قد
حكوها في تعريف المرسل (أشهرها الأول) مبتدأ وخبر، أي: أشهر الأقوال الثلاثة عند
المحدثين، والأكثر في استعمالهم، هو القول الأول، كما قال الخطيب في كفايته، قال
عقب حكايته الثالث: إلا أن أكثر ما يوصف الإِرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي
عن النبي ◌َّل، وأما ما رواه تابع التابعي فيسمونه المعضل.
وصرح الحاكم في علومه بأن مشايخ الحديث لم يختلفوا أنه هو الذي يرويه المحدث
بأسانيد متصلة إلى التابعي، ثم يقول التابعي قال رسول الله تَلير، ووافقه غيره على حكاية
الاتفاق، قاله السخاوي (٢).
قلت: لكن في دعوى الاتفاق نظر لما تقدم من القول الثالث، إلا أن يقال: إن المراد
اتفاق الأکثرین فتأمل. ثم ذکر حکمه، فقال:
ثُمَّ الْحُجَّةُ
به رأَى الأَثْمَّةُ الثَّلاثَةُ
كَالشَّافِعِي، وَأَهْلِ عِلْمِ الْخَبَرِ
وَرَدُّهُ الأَقْوَى ، وَقَوْلُ الأَكْثَرِ
(ثم) بعد أن عرفت الأقوال في تعريفه (الحجة به) بالضم في الأصل: هو الدليل،
والبرهان، واستعمله هنا بمعنى المصدر، أي: الاحتجاج بالمرسل، وهو مبتدأ خبره جملة
(رأى) أي: ذهب إليه، يقال: الذي أراه بمعنى أذهب إليه أفاده في المصباح (الأئمة الثلاثة)
الإمام أبو حنيفة، والإمام مالك في المشهور عنه، وجمهور أتباعهما، والإِمام أحمد في
رواية عنه، وحکاه النووي في شرح المهذب عن كثير من الفقهاء، أو أكثرهم، قال: ونقله
(١) انظر فتح المغيث ج ١ ص ١٥٩، ١٦٠.
(٢) فتح ج ١ ص ١٦١ .
٠.1

١٢٨
شَرْ الفِيَةُ السَّيُوطِيّ -
الغزالي عن الجماهير، وقال أبو داود في رسالته: وأما المراسيل فقد كان أكثر العلماء
يحتجون بها فيما مضى، مثل سفيان الثوري، ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعي
رحمه الله فتكلم في ذلك، وتابعه علیه أحمد، وغيره. انتهى.
قال السخاوي: فكأن من لم يذكر أحمد في هذا الفريق رأى ما في الرسالة أقوى مع
ملاحظة صنيعه في العلل وكونه يعمل بالضعيف الذي يندرج فيه المرسل فذاك إذا لم يجد
في الباب غيره. اهـ (١).
ثم إن قبوله مشروط كما قال ابن عبد البر وغيره بما إذا لم يكن المرسِل ممن لا يحترز،
ويرسل عن غير الثقات، وإلا فلا خلاف في رده، قاله النووي في شرح المهذب، وقال
غيره: محل قبوله عند الحنفية إذا كان مرسله من أهل القرون الثلاثة المفضلة، فإن كان من
غيرها فلا، لحديث ((ثم يفشو الكذب)) (٢).
ثم إن المحتجين به اختلفوا أهو أعلى من المسند، أو دونه، أو مثله، وتظهر فائدة الخلاف
عند التعارض، والذي ذهب إليه أحمد، وأكثر المالكية، والمحققون من الحنفية، كالطحاوي،
وأبي بكر الرازي تقديم المسند، قال ابن عبد البر: وشبهوا ذلك بالشهود يكون بعضهم أفضل
حالاً من بعض، وأقعد وأتم معرفة، وإن كان الكل عدولاً جائزي الشهادة. انتهى (٣).
وذهب آخرون إلى أنه أعلى وأرجح من المسند، ووجهوا ذلك بأن من أسند، فقد
أحالك على إسناده والنظر في أحوال رواته، والبحث عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه
وإمامته وثقته فقد قطع لك بصحته، وكفاك النظر فيه، ومحل الخلاف فيما قيل إذا لم
ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض رواته، وإلا فهو حينئذٍ أسوأ حالاً من مسند ضعيف
جزمًا، ولذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسل، وكونه لا يرسل إلا عن الثقات.
قاله ابن عبد البر، وأبو الوليد الباجي من المالكية، وأبو بكر الرازي من الحنفية.
ومن الحجج لهذا القول أن احتمال الضعف في الواسطة حيث كان تابعًّا لا سيما بالكذب
بعيد جدًّا، فإنه ◌َّلل أثنى على عصر التابعين، وشهد له بعد الصحابة بالخيرية، ثم للقرنين بعده
بحيث استدل بذلك على تعديل أهل القرون الثلاثة، وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، فإرسال
(١) فتح ج ١ ص ١٦٢ .
(٢) أخرجه الترمذي مطولاً من حديث عمر رضي الله عنه في الفتن في باب لزوم الجماعة. وهو حديث
صحيح. انظر جامع الترمذي بشرح تحفة الأحوذي. ج ٦ ص ٣٨٣، ٣٨٤.
(٣) فتح ج ١ ص ١٦٢ .

١٢٩
الجُزُءُ الأولُ
-
١٤١ - نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُّ إِنْ يَعْتَضد
بِمُرْسَلٍ آخَرَ أَوْ بِمُْشَدِ
التابعي، بل ومن اشتمل عليه باقي القرون الثلاثة الحديث بالجزم من غير وثوق بمن قاله مناف
لها، مع كون المرسل عنه ممن اشترك معهم في هذا الفضل. قاله السخاوي (١).
(ورده الأقوى) مبتدأ وخبر، أي: رد الاحتجاج بالمرسل هو الرأي الأقوى، لقوة دليله
(و) هو (قول الأكثر) من العلماء المحققين وذلك (كـ) الإمام القدوة رأس الفقهاء والمحدثين
أبي عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع (الشافعي) فإنه رضي الله عنه
أول من رد المرسل على ما قيل، إلا أنه يرد بما نقل عن سعيد بن المسيب، ومالك في رواية
عنه، وإن کان المشهور خلافها، وبما نقل عن الزهري، وابن سيرين، وابن مهدي، ويحيى
القطان، إلا أن يقال إن اختصاص الشافعي به لمزيد التحقيق فيه (وأهل علم الخبر) بالجر
عطف على الشافعي، أي: وكأهل علم الحديث، كما حكاه عنهم مسلم في صدر
صحيحه وابن عبد البرِّ في التمهيد وحكاه الحاكم عن ابن المسيب، ومالك، وهو قول كثير
من الفقهاء، والأصوليين، وأهل النظر.
واستدلوا بجهل حال المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وإذا كان كذلك
فيحتمل أن يكون ضعيفًا، ويحتمل أن يكون ثقة، وعلى الثاني يحتمل أن يكون حمل عن
تابعي آخر، وهكذا فيعود الاحتمال المذكور ويتعدد أما بالتجويز العقلي فإلى ما لا نهاية
له، وأما بالاستقراء فإلى ستة، أو سبعة، وهو أكثر ما وجد من رواية التابعين بعضهم عن
بعض أفاده الحافظ (٢).
وإن اتفق أن يكون المرسل لا يروي إلا عن ثقة فالتوثيق مع الإبهام غير كافٍ، كما
سيأتي، ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل حتى يوثق، فالمجهول عينًا وحالاً أولى.
أفاده في التدريب(٣).
ثم إن ما ذكر من رد المرسل ليس على إطلاقه، بل له حالات يعمل به فيها، كما أشار
إلى ذلك بقوله :
نَعَمْ بِهِ يُحْتَجُّ إِنْ يَعْتَضد
بِمُرْسَلِ آخَرَ أَوْ بِمُسْنَد
١
(١) المصدر السابق .
(٢) انظر النزهة بحاشية لقط الدرر ص ٧٤ .
(٣) ج ١ ص ١٧٠ .

١٣٠
١٤٢ - (أَوْ قَوْل صَاحِب أَوِ الْجُمْهُور
أَوْ قَيْس (*) وَمَنْ شُرُوطه كَمَا رَأَوْا
١٤٣ - كَوْنُ الَّذِي أَرْسَلَ مِنْ كِبَارِ
وَإِنْ مَشَى مَعْ حَافِظِ يُجَارِي
١٤٤ - وَلَيْسَ مِنْ شُهُوخِهِ مَنْ ضُعِّفَا
(كَنَهْيٌ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالأَصْلِ وَفَا)
أَوْ قَيْس وَمَنْ شُرُوطِهِ كَمَا رَأَوْا
(أَوْ قَوْل صَاحب أَوْ الْجُمْهُور
وَإِنْ مَشَىَ مَعْ حَافَظَ يُحَارِي
كَوْنُ الَّذِي أَرْسَلَ مِنْ كِبَار
كَنَهِيِّ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالأَصْلِ وَفَا)
وَلَيْسَ من شُيُوخه مَنْ ضُّعَّفَاَ
(نعم) بفتحتين، وقَد تكسر العين: كلمة كـ بلى، إلا أنه في جواب الواجب. اهـ.
((ق))، وقال في التاج، نقلاً عن المغني وشروحه: إنه حرف تصديق بعد الخبر ووعد بعد
افعل، ولا تفعل، وبعد استفهام، كهل تعطيني، وإعلام بعد استفهام ولو مقدراً. اهـ.
قلت: والمناسب هنا من هذه المعاني هو الأخير بتقدير الاستفهام، كأنه قيل: هل يحتج
بالمرسل بشروط، فأجاب بقوله: نعم (به) أي بالمرسل (يحتج) بالبناء للمفعول، أي: يحتج به
عند القائلين بعدم حجيته لما تقدم، بشروط أشار إليها بقوله: (إن) شرطية (يعتضد) بالبناء
للفاعل، يقال: عضده، من باب نصر: إذا أعانه، واعتضدت به استعنت. اهـ. ((ق)) باختصار.
والمراد هنا إن تقوى، يعني: أنه يحتج به إن تقوى بأحد أمور تأتي، وشذ القاضي
أبوبكر(١) فقال: لا أقبل المراسيل ولا في الأماكن التي قبلها الشافعي حسماً للباب، بل ولا
مرسل الصحابي إذا احتمل سماعه من تابعي، وهو مردود.
ثم شرع يذكر العاضد، وهو أمور: الأول: ما ذكره بقوله: (بمرسل آخر) متعلق بما
قبله، أي: يحتج به إن اعتضد بمرسل آخر يرويه المرسل من غير شيوخ الأول، كما نقل عن
نص الشافعي رحمه الله، واحترز به كما قال بعض المحققين عن مثل مرسل أبي العالية في
انتقاض الوضوء بالقهقهة في الصلاة فإنه رُوي من مرسلات غيره لكن تتبعت فوجدت
كلها ترجع إلى مرسل أبي العالية ذكره الشارح.
ثم ذكر العاضد الثاني بقوله: (أو) يعتضد (بمسند) أي: مرفوع متصل يجيء من وجه آخر
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أي: قياس، قال الجوهري: وقست الشيء بغيره وعلى غيره أقيسه قيسًا وقياسًا.
(١) هو أبو بكر الباقلاني.

١٣١
الجُزُءُ الأولُ
-
صحيح، أو حسن، أو ضعيف، وفائدة قبول المرسل إذا جاء مسنداً عن ثقات انكشاف
صحته، فيكونان حديثين، فإذا عارضهما مسند آخر كانا أرجح منه لاعتضاد المرسل بالمسند.
والحاصل أن المسند إن كان صحيحًا، أو حسنًا يتبين به صحة المرسل، فيصيران دليلين
یرجحان علی مسند آخر ليس له إلا طريق واحد.
وإن كان ضعيفًا حصل به لهما قوة فيتقوى كل منهما بالآخر .
ثم ذكر العاضد الثالث، فقال: (أو) يعتضد بـ (قول صاحب) أي صحابي؛ لأن الظن
يقوى عنده، فيدل على أن له أصلاً في الشريعة، وقد احتج بعضهم بالمرسل، وبعضهم
بقول الصحابي، فإذا اجتمعا تأكد أحدهما بالآخر، قاله الشارح.
ثم ذكر العاضد الرابع، فقال: (أو) يعتضد بقول (الجمهور) بالضم هو من الناس
جلهم، ومعظم كل شيء، كما في ((ق)) أي أكثر العلماء، يعني أنه إذا أفتى أكثر العلماء
بموافقة المرسل قبل .
ثم ذكر العاضد الخامس، فقال: (أو) يعتضد بـ (قيس) بفتح فسكون مصدر، يقال :
قاسه بغيره، وعليه، يقيسه، قيسًا، وقياسًا، واقتاسه: قدره على مثاله. أفاده في ((ق)) هذا
في اللغة، وأما اصطلاحًا فهو إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة بينهما، كإلحاق النبيذ
بالخمر في الحرمة للإِسکار.
قال بعضهم: ولو قياس معنى، وهو ما فقد فيه العلة، و کان الجمع بنفي الفارق، كما
روى الشافعي، عن الثقة، عن الزهري، قال: كان رسول الله وَ ل يأمر المؤذنين في العيد،
فيقولون: الصلاة جامعة، قال الحافظ في الفتح: وهذا مرسل يعضده القياس على صلاة
الكسوف لثبوت ذلك فيها. اهـ. وهذا العاضد زاده الأصوليون كما أفاده في التدريب (١) .
فهذه جملة العاضدات المشهورة، وهي خمسة أكثرها مأخوذ من كلام الشافعي رضي
الله عنه، وصرح بعضهم بأنها بضعة عشر. والله أعلم.
ولما كان الشافعي رحمه الله قيد المرسل الذي اعتضد بمرسل كبار التابعين، ومن إذا
سمى من أرسل عنه سمي ثقة، وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم يخالفوه، أشار إليه بقوله
(ومن شروطه) جار ومجرور خبر مقدم لـ ((كون))، أي: شروط قبول المرسل المعتضد
للاحتجاج به (كما رأو) أي: اعتقده المحققون، كالشافعي رحمه الله تعالى (كون)
(١) انظر ج ١ ص ١٧٤ .

١٣٢
شَرْجُ الغَّة الشَّيُوطِي
الشخص (الذي أرسل) الحديث (من كبار) التابعين، وتقدم تعريفه، وأما صغار التابعين فلا
يقبل مرسلهم مطلقًا، لأمور: منها أنهم أشد تجوزًاً فيمن يروون عنه، ومنها أنهم يوجد
عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه، ومنها كثرة الإحالة في الأخبار، وإذا كثرت
الإِحالة فيها كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه، كما نقل معنى ذلك من كلام الشافعي
رحمه الله (و) كون الذي أرسل (إن) شرطية (مشى) في حديثه (مع حافظ) من الحفاظ
(يجاري) بالجيم، يقال: جاراه مجاراة: جرى معه. قاله في ((ق)) والمراد يوافقه، ولا
يخالفه، وهو جواب الشرط، ورفع لكون فعل الشرط ماضيًا، كما قال ابن مالك:
وبعد ماض رفعك الجزا حسن
والمعنى: أن من شروط قبول المرسل المعتضد أيضًا كون المرسل إذا شارك أهل الحفظ في
أحاديثهم وافقهم، ولم يخالفهم، نعم لو خالفهم بنقص لفظ لا يختل معه المعنى، فإن
ذلك لا یضر، کما یؤخذ من نص الشافعي رحمه الله.
وهذا الذي شرحنا به هذا الشطر هو ما في نسخة المحقق، وهو الموافق لما في العراقي،
والمفهوم من كلام الشافعي، وأما الشارح فجعل أن بفتح الهمزة مصدرية، وجعل بدل يجاري
بخاري في صحيحه، فشرحه على هذا المنوال، فأورثه رکاکة لا تخفى على بصير فتنبه.
(و) كونه أيضًا (ليس في شيوخه) خبر مقدم، أي: الذين يروي عنهم الحديث، أو
الذين أرسل عنهم بحيث إذا عين شيخه في مرسله في رواية أخرى (من) اسم ليس مؤخراً
(ضعفًا) ككرم، أي: شخص ضعيف، ويجوز تشديد عينه مع بنائه للمفعول، أي:
شخص منسوب إلى الضعف.
والمعنى: أنه يلتزم الرواية عن الثقات بحيث إذا عين شيخه في مرسله في رواية أخرى،
أو في مطلق حديثه حسبما يحتمله كلام الشافعي لا يسمى مجهولاً، ولا مرغوبًا عن
الرواية عنه.
والحاصل أن الشروط ثلاثة:
الأول: كونه من كبار التابعين.
والثاني: كونه إذا شارك أهل الحفظ في أحاديثهم وافقهم إلا بما لا يضر، كنقص لفظ لا
يختل معه المعنى.
والثالث: روايته عن الثقات.
قال السخاوي رحمه الله: وكل من هذه الشروط صفة للمرسل بالكسر، دالة على

١٣٣
- الجُزْءُ الأولْ
صحة مرسله بالفتح، أي المروي عنه، وثالثها يعني روايته عن الثقات جارٍ في كل راوٍ،
أرسل، أو أسند(١) .
ثم ذكر مثالاً للمعتضد المستوفي للشروط، فقال: (كنهي بيع اللحم) خبر لمحذوف،
تقديره: وذلك كائن كنهي بيع اللحم (بالأصل) أي الحيوان، وذلك ما رواه الشافعي رحمه
الله في مختصر المزني قال: أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب أن
رسول الله مَّيقول: ((نهى عن بيع اللحم بالحيوان)) وعن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن
جزورًا نحرت على عهد أبي بكر رضي الله عنه فجاء رجلٌ بعناق فقال: أعطوني جزءًا
بهذه العناق، فقال أبو بكر: ((لا يصلح هذا)) وكان القاسم بن محمد، وابن المسيب،
وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان. قال وبهذا
نأخذ، ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله مَ # خالف أبا بكر الصِّديق رضي الله عنه،
وإرسال ابن المسيب عندنا حسن. انتهى.
قال في التدريب: واختلف أصحابنا في معنى قول الشافعي: وإرسال ابن المسيب
عندنا حسن علی وجھین:
(أحدهما): أن مراسليه حجة عنده بخلاف غيرها من المراسيل، لأنها فتشت فوجدت
مسندة .
(والثاني): أنها ليست بحجة كغيرها، وإنما رجح بها، والترجيح بالمرسل جائز، قال الخطيب:
وهو الصواب، والأول ليس بشيء؛ لأن في مراسليه ما لم يوجد مسندًا بحال من وجه يصح.
وكذا قال البيهقي، قال: وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح التابعين
إرسالاً فيما زعم الحفاظ. اهـ(٢).
ولما كان هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد يصلح مثالاً لأقسام المرسل
المقبول أشار إلى ذلك بقوله: (وفَّى) أي: أن هذا المثال الواحد تم به المثال لكلها، يقال: وفى
الشيء وفيّا بالضم، فهو وفي، ووافٍ، إذا تم أفاده في ((ق)) يعني: أنه مثال تام لا يحتاج معه
إلى أمثلة أخرى لصلاحه (٣) لها، وذلك لأنه عضده قول صحابي، وأفتى أكثر أهل العلم
(١) فتح ج ١ ص ١٧٢ .
(٢) تدريب ج ١ ص ١٧٢ .
(٣) قوله لصلاحه إلخ: أي: لما اعتضد بما ذكره الشافعي لا لجميع ما ذكر من العاضدات لأنه بقي العاضد
القياسي الذي زاده الأصوليون فتأمل .

١٣٤
شَرِجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِىّ -
١٤٥ - وَمُرْسَلُ الصَّاحب وَصْلٌ فِي الأَصَحْ
(كَسَامِعِ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ اتَّضَحْ
بمقتضاه، وله عاضد آخر أرسله من أخذ العلم عن غير رجال الأول، وعاضد آخر مسند،
فروى البيهقي في المدخل من طريق الشافعي: عن مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن
القاسم بن أبي بزة، قال: قدمت المدينة، فوجدت جزوراً قد نحرت، فجزئت أربعة أجزاء،
كل جزء منها بعناق، فأردت أن أبتاع منها جزءًا، فقال رجال من أهل المدينة: إنه ◌َله: ((نهى
أن يباع حي بميت)) فسألت عن ذلك الرجل، فأخبرت عنه خيراً. قال البيهقي: فهذا حديث
أرسله سعيد بن المسيب، ورواه القاسم بن أبي بزة، عن رجل من أهل المدينة مرسلاً،
والظاهر أنه غير سعيد فإنه أشهر من أن لا يعرفه ابن أبي بزة المكي، حتى يسأل عنه .
قال البيهقي: ورويناه من حديث الحسن عن سمرة عنه ◌َلير، إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع
الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة، فمنهم من أثبته، فيكون مثالاً للفصل الأول يعني ما
له شاهد مسند، ومنهم من لم يثبته فيكون أيضًا مرسلاً انضم إلى مرسل سعيد. انتهى (١).
(فائدة) جملة الأقوال في الاحتجاج بالمرسل عشرة: حجة مطلقًا، لا يحتج به مطلقًا،
يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة، يحتج به إن لم يرو إلا عن عدل، يحتج به إن أرسله
سعيد فقط، يحتج به إن اعتضد، يحتج به إن لم يكن في الباب سواه، هو أقوى من المسند،
يحتج به ندبًا لا وجوبًا، يحتج به إن أرسله صحابي. أفاده في التدريب. ونظمت ذلك بقولي :
عشرة كاملة فاستفصلٍ
وجملة الأقوال في المراسل
أو إن أتى عن القرون الفضلا
به احتجاج مطلقًا وقيل لا
أو عن سعيد أو يجي معتضدا
أو إن روى من بثقات قيدا
وبعضهم من مسند أعلاه
أو لم يكن في الباب جاسواه
أرسله فذا تمام الباب
أو حجة ندبًا أو الصحابي
إن يعتضد أصح في الحجاج
وقول من قال بالاحتجاج
ثم إن ما تقدم كله في مرسل غير الصحابي، وأما مرسله فذكره بقوله :
وَمُرْسَلُ الصَّاحِبِ وَصْلٌ فِي الأَصَحْ
(ومرسل الصاحب) أي الصاحبي، كلام إضافي، مبتدأ خبره قوله: (وصل) على
حذف مضاف، أي: ذو وصل، أو موصول، أي محکوم بأنه صحیح يحتج به .
(١) انظر التدريب ج ١ ص ١٧٣، ١٧٤ .

١٣٥
- الجُزْءُ الأولُ
١٤٦ - إسْلامُهُ بَعْدَ وَفَاةٍ ، وَالَّذِي
رآهُ لامُمَيِّزًا لاَ تَحْتَ ذي (*)
والمعنى: أن مرسل الصحابي، وهو الذي يرويه صحابي عن النبي وقّ، وتدل الدلائل
على أنه لم يسمعه منه، كما إذا كان متأخر الإسلام، وروى حكاية عن صدر الإسلام، أو
كان من صغار الصحابة کابن عباس، وابن الزبير رضي الله عنهم، فإنه حجة له حکم
الوصل المقتضي للاحتجاج به، لأن غالب روايتهم عن الصحابة، وروايتهم عن غيرهم
نادرة فإذا رووها بينوها، وحيث أطلقوا فالظاهر أنه عنوا الصحابة، ولا شك أنهم عدول
لا يقدح فيهم الجهالة بأعيانهم، وأيضًا فما يروونه عن التابعين غالبه، بل عامته إنما هو
الإِسرائيليات، وما أشبهها من الحكايات، والموقوفات.
وهذا الحكم (في) المذهب (الأصح) الذي قطع به الجمهور، وأطبق عليه المحدثون المشترطون
للصحيح القائلون بضعف المرسل، وفي الصحيحين منه ما لا يحصى. قاله في التدريب (١).
قال السخاوي: بل أهل الحديث وإن سموه مرسلاً لا خلاف بينهم في الاحتجاج به،
وإن نقل ابن كثير عن ابن الأثير وغيره فيه خلافًا. اهـ(٢).
ومقابل الأصح: قول الأستاذ أبي إسحاق الإِسفرائيني، وغيره من أئمة الأصول: إنه
لا يحتج به .
ثم بين حكم من سمع في كفره، فأداه بعدما أسلم، فقال:
كَسَامِعٍ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ انَّضَحْ
إِسْلامُهُ بَعْدَ وَفَاة ،
ء
(١) ج ١ ص ١٧٩ .
(٢) فتح ج ١ ص ١٧٩ .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الحديث المرسل هو ما رواه التابعي - صغيرًاً أو كبيراً - عن النبي عن الم
ولم يذكر من حدثه به، وكذلك ما رواه من رأى النبي عدّام ولكنه كان غير مميز حين الرؤية، كمحمد بن
أبي بكر الصديق، فإنه وإن كان يدخل في تعريف الصحابي إلا أن روايته مرسلة.
وأما من سمع من النبي علُّم شيئًا قبل إسلامه ثم أسلم بعد وفاة رسول الله بِدَّم - كالتنوخي رسول
هرقل، وقيل: رسول قيصر - فإنه وإن كان تابعًا إلا أن حديثه موصول ليس بمرسل؛ لأن العبرة في كل
هذا بالرواية، أعني: أن هذا روى عن النبي ◌ِّ ◌َّم وهو يدرك الرواية، وإن كان غير عدل حين التحمل،
ولكنه صار عدلاً حين الأداء.
وأما غير المميز حين الرؤية فإنه لم يكن أهلاً للتحمل، فروايته حقيقتها أنها عن غير النبي ◌َّام، فكانت
لذلك مرسلة. هذا هو الصحيح في ذلك كله.

١٣٦
شَرِجُ الْفِيَة الشَّيُوظِّ -
(كسامع) خبر لمحذوف، أي: الحكم المذكور كحكم سامع من النبي ◌َّ (في) حال
(كفره) متعلق بما قبله (ثم) أسلم و (اتضح) أي: ظهر. (إسلامه) أي: ذلك السامع (بعد
وفاة) أي موت النبي وَل.
والمعنى: أن من سمع من النبي وَ ل شيئًا قبل إسلامه، ثم أسلم بعد وفاة النبي ◌َّ فإنه
وإن كان تابعيًّا إلا أن حديثه موصول ليس بمرسل، لا خلاف في الاحتجاج به؛ لأن العبرة
بالرواية عنه پآلے، وهذا قد روى عنه، وهو وإن غیر عدل حال التحمل لكنه صار عدلاً عند
الأداء، وهو المعتبر كما يأتي في باب تحمل الحديث.
وذلك كالتنوخي رسول هرقل، وقيل قيصر، فقد أخرج حديثه الإِمام أحمد،
وأبويعلى في مسنديهما، وساقاه مساق الأحاديث المسندة.
ثم ذكر حكم رواية صغار الصحابة الذين لا تمييز لهم، فقال:
رَهُ لا مُمَيِّزًا لاَ تَحْتَ ذِي
وَالَّذِي
(والذي) مبتدأ: خبره جملة قوله: لا تحت ذي، أي: الصحابي الذي رآه أي النبي ◌َّ
(لا مميزًا) حال من الفاعل، أي: حال كونه غير مميز (لا تحت ذي) أي لا يدخل حكم روايته
= وذهب بعضهم إلى أن المرسل إنما هو رواية التابعي الكبير فقط، كسعيد بن المسيب وغيره، وأما رواية التابعي
الصغير كالزهري ونحوه فإنها عنده لا تدخل في المرسل بل هي من باب ((المنقطع))؛ لأن أكثر رواية صغار
التابعين عن كبارهم.
وأطلق بعضهم ((المرسل)) على كل ما سقط منه راوٍ أو أكثر من راوٍ، واشتهر هذا عند الأصوليين والفقهاء،
وهو اختلاف في الاصطلاح فقط.
والراجح عند العلماء والمختار: أن المرسل - أعني: على التعريف الأول - ليس بحجة؛ لأنه حذف منه راو
غير معروف، وقد يكون غير ثقة، والعبرة في الرواية بالثقة واليقين، ولا حجة في المجهول.
وذهب بعضهم إلى الاحتجاج بالمرسل مطلقًا، وبعضهم إلى الاحتجاج به إن اعتضد بحديث مسند - وهذا
غير جيد؛ لأن المسند إن كان صحيحًا فهو الحجة، وإن كان ضعيفًا فلا حجة فيه - أو اعتضد بمرسل آخر، أو
بقول صحابي أو بقول الجمهور، أو بالقياس.
وكل هذه أقوال ضعيفة عند المحققين.
وأما مرسل الصحابي: أي: ما يرويه صحابي عن النبي ◌ِّهم وتدل الدلائل على أنه لم يسمعه منه، كما إذا
كان متأخر الإسلام وروى حكاية عن صدر الإسلام، أو غير ذلك من الدلائل: فإنه حجة؛ لأن الصحابة
كلهم عدول، ويبعد جدًّا أن يروي الصحابي عن تابعي، وإن حصل فإنه يبينه ويظهره.
قال المؤلف في التدريب (ص ٧١): ((وفي الصحيحين من ذلك ما لا يحصى؛ لأن أكثر رواياتهم عن
الصحابة، وكلهم عدول، ورواياتهم عن غيرهم نادرة، وإذا رَوَوها بينوها. بل أكثر ما رواه الصحابة عن
التابعين ليس أحاديث مرفوعة، بل إسرائيليات أو حكايات أو موقوفات».

١٣٧
-
الجُزُءُ الأولُ
تحت المسألة المتقدمة، فلا يقال: إنه مرسل صحابي، بل مرسل كسائر المراسيل.
والمعنى: أن الصحابي الذي رأي النبي ◌َّ غير مميز: كعبيد الله بن عدي بن الخيار، فإن
أباه قُتل يوم بدر كافراً على ما قال ابن ماكولا، وعد ابن سعد أباه في مسلمة الفتح،
وكمحمد بن أبي بكر رضي الله عنهما، فإنه وُلد عام حجة الوداع، فإنهما وأمثالهما
يعدون من صغار الصحابة من حيث الرؤية، وأما من حيث الرواية فليست مراسيلهم
كمراسيل الصحابة، فلا يقال: إنها مقبولة كمراسيلهم؛ لأن غالب روايتهم عن التابعين،
فيقوى احتمال كون الساقط غير صحابي، ويجيء احتمال كونه غير ثقة .
(فوائد): الأولى: أن قد تكلم العلماء في عدة الأحاديث التي صرح ابن عباس رضي الله
عنهما بسماعها عن النبي ◌َّ، قيل: أربعة وهو غريب، وقيل: تسعة، وقيل: عشرة، وقيل:
دون العشرين، وقيل: خمسة وعشرون، قال السخاوي رحمه الله: وقد اعتنى شيخنا - يعني
الحافظ ابن حجر رحمه الله - بجمع الصحيح والحسن فقط من ذلك فزاد على الأربعين سوى
ما هو في حكم السماع، كحكاية حضور شيء فعل بحضرة النبي وَالر. اهـ(١).
الثانية: قال السخاوي رحمه الله: المراسيل مراتب: أعلاها ما أرسله صحابي ثبت
سماعه، ثم صحابي له رؤية فقط، ولم يثبت سماعه، ثم المخضرم، ثم المتقن كسعيد بن
المسيب، ويليها من كان يتحرى في شيوخه كالشعبي، ومجاهد، ودونها مراسيل من كان
يأخذ عن كل أحد، كالحسن. اهـ (٢) .
الثالثة: قال الحاكم في علوم الحديث: أكثر ما تروى المراسيل من أهل المدينة عن ابن
المسيب، ومن أهل مكة عن عطاء بن أبي رباح، ومن أهل البصرة عن الحسن، ومن أهل
الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النخعي، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل
الشام عن مكحول قال: وأصحها كما قال ابن معين: مراسيل ابن المسيب؛ لأنه من أولاد
الصحابة، وأدرك العشرة، وفقيه أهل الحجاز ومفتيهم، وأول الفقهاء السبعة الذين يعتد
مالك بإجماعهم كإجماع كافة الناس، وقد تأمل الأئمة المتقدمون مراسیله فوجدوها
بأسانيد صحيحة، وهذه الشرائط لم توجد في مراسيل غيره، قال: والدليل على عدم
الاحتجاج بالمرسل غير المسموع من الكتاب قوله تعالى: ﴿لَيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢]. ومن السنة حديث: ((تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن
(١) فتح ج ١ ص ١٨٠، ١٨١.
(٢) المصدر السابق .

١٣٨
شَرْعُ الفِرَةُ السَّيُوطِىّ
١٤٧ - وَقَوْلُهُمْ: عَنْ رَجُل (مُنَّصلُ)
وَقِيلَ: بَلْ مُنْقَطِعٌ أَوْ مُرْسَلُ
يسمع منكم)) (١) نقله في التدريب(٢).
قلت: وفي قوله: وأدرك العشرة. نظر؛ لأنه ما ولد إلا في خلافة عمر رضي الله عنه
إلخ فيه نظر أيضا، لما
سنة ١٥ من الهجرة. وكذا قوله: ((وقد تأمل الأئمة))
قدمناه عن الخطيب من أن في مراسليه ما لم يوجد مسنداً بحال من وجه يصح فتأمل.
ثم ذكر حكم قولهم: عن رجل، فقال:
وَقَوْلُهُمْ: عَنْ رَجُل مُتَّصلُ
وَقِيلَ: بَلْ مُنْقَطعٌ أَوْ مُرْسَلُ
(وقولهم) مبتدأ، أي قول المحدثين، وقوله: (عن رجل) مقول القول لقصد لفظه، أي
حدثنا فلان عن رجل، وقوله (متصل) خبر المبتدإ، أي هو حديث متصل، في إسناده
مجهول، وهو قول الأکثرین، وهو الراجح (وقیل) لا یکون متصلاً بل هو منقطع ولا يسمى
أيضًا مرسلاً، وهذا منقول عن الحاكم أبي عبد الله في معرفة علوم الحديث (أو) لتنويع
الخلاف، أي قال بعضهم: إنه مرسل من المراسيل، وهو منقول عن بعض الأصوليين.
وحاصل معنى البيت: أنه إذا وقع في الإسناد قولهم عن رجل، أو شيخ، أو نحو ذلك
مما يبهم الراوي فيه، وأمثلته كثيرة، ففيه ثلاثة أقوال :
(أحدها): أنه متصل في إسناده مجهول، وهذا هو الراجح الذي عليه أكثر المحدثين،
وأرباب النقل، كما حكاه الرشيد العطار في كتابه الغرر المجموعة عنهم، واختاره العلائي
في كتابه جامع التحصيل .
قال السخاوي: ولكن ذلك ليس على إطلاقه، بل هو مقيد بأن يكون المبهم (٣) صرح
بالتحديث ونحوه، لاحتمال أن يكون مدلسًا، وهو ظاهر، وكذا قيد القول بإطلاق الجهالة
بما إذا لم يجئ مسمّى في رواية أخرى، وإذا كان كذلك فلا ينبغي المبادرة إلى الحكم عليه
بالجهالة إلا بعد التفتيش لما ينشأ عنه من توقف الفقيه عن الاستدلال به للحكم مع كونه
مسمى في رواية أخرى، وليس بإسناده ولا متنه ما يمنع كونه حجة، ولذا كان الاعتناء
بذلك من أهم المهمات كما سيأتي.
(١) صحيح أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، انظر صحيح الجامع
الصغير ج ١ ص ٥٦٧ .
(٢) ج ١ ص ١٧٥ .
(٣) بصيغة اسم المفعول أي: الذي أبهمه الراوي.

١٣٥
- الجُزُءُ الأولُ
١٤٨- (كَذَاكَ فِي الأَرْجَحِ كُتْبٌ لَمْ يُسَمْ
حَامِلُهَا أَوْ لَيْسَ يُدْرَى مَا اتَّسَمْ
وقال السخاوي رحمه الله أيضًا، ما نصه: ثم إن صورة المسألة في وقوع ذلك من غير
التابعي، فأما لو قال التابعي: عن رجل، فلا يخلو إما أن يصفه بالصحبة، أم لا، فإن لم
يصفه بها فلا یکون ذلك متصلاً، لاحتمال أن یکون تابعیًّا آخر، بل هو مرسل علی بابه،
وإن وصفه بالصحبة فلا يجري عليه حكم الإرسال في نفي الاحتجاج كما صرح به البيهقي
في معرفته، بل إسناده صحيح؛ لأن الصحابة كلهم ثقة فترك ذكر أسمائهم في الإسناد لا
يضر. اهـ. كلام السخاوي باختصار (١).
القول الثاني: أنه منقطع، وهذا القول منقول عن الحاكم، ونسب إلى عرف المحدثين،
كما قال ابن الصلاح، وقال العراقي: وصرح به ابن القطان في بيان الوهم والإيهام.
الثالث: أنه مرسل وهذا القول حكاه ابن الصلاح عن البرهان لإمام الحرمين. قال
العراقي رحمه الله: وكل من هذين القولين خلاف ما عليه الأكثرون من العلماء وأرباب
النقل، كما حكاه الرشيد العطار عنهم، واختاره العلائي. اهـ. أي: فإنهم على القول
الأول، وأشار على ذلك بعضهم بقوله:
لكن فى إسناده من يجهل
قلت الأصح أنه متصل
فتبين بهذا أن ما صححه المحقق ابن شاكر في تعليقه هنا من أنه منقطع، وجعل قول
من قال: إنه متصل، أبعد الأقوال عن الصواب، ليس مما يلتفت إليه، فإن المحققين على
خلاف قوله، فافهم.
ثم ذكر حكم الكتب التي أرسلها النبي ◌َّ، ولم يعرف حاملها، فقال:
حَامِلُهَا أَوْ لَيْسَ يُدْرَى مَا اَّسَمْ
(كَذاكَ فِي الأَرْجَحِ كُتْبٌ لَمْ يُسَمْ
(كذاك) أي: مثل ما تقدم في قولهم عن رجل خبر مقدم في الأرجح أي القول
الأقوى، حال، أو خبر لمحذوف، أي ذلك في الأرجح، والجملة معترضة بين المبتد!
والخبر (كتب) مبتدأ مؤخر، وهو بسكون التاء مخفف كتب بضمها، جمع كتاب، أي كتب
النبي ◌ِّيّ إلى الآفاق، وقوله: (لم يسم) بتخفيف الميم للوزن، مضارع سُمِّي مغير الصيغة،
وقوله: (حاملها) نائب الفاعل لـ((يسم)) والجملة صفة كتب.
والمعنى: أن كتب النبي ◌ّيّ التي أرسلها إلى الملوك وغيرهم حكمها إذا لم يسم حاملها
(١) فتح ج ١ ص ١٧٦، ١٧٧ .

١٤٠
شَرِجُ الْفِيَّةُ الشَّيُوطِيّ -
١٤٩ - وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ، وَأَبِى
الصَّيْرَفِيْ مُعَتْعَنًا، وَلِيُجْتَبَى (*))
أنها متصلة في سندها مجهول في الأرجح، وقيل: بل منقطعة، وقيل: بل مرسلة، قال
في البرهان: وإنما ألحق هذا القسم بالمرسلات من جهة الجهل بناقل الكتب، ولو ذكر من
يعزو الخبر إلى الكتاب ناقل الكتاب وحامله التحق بالمسندات(١).
قلت: هذا هو التقرير الذي يقتضيه حل النظم من إجراء الأقوال الثلاثة في هذه المسألة،
إلا أني لم أجد أحدا أجرى الخلاف السابق في هذه صريحًا فيما لدي من المراجع، بل كلهم
نقل المسألة عن البرهان لإمام الحرمين، وأنه قال: إنها مرسلة، ولم يحك الأقوال الثلاثة،
فليحرر (أو ليس) حاملها (يدرى) بالبناء للمفعول، أي يعلم (ما اتسم) به، أي: ما اتصف به،
وهو افتعل من الوسم، يقال: وسمت الشيء وسماً من باب وعد: إذا أعلمته، أي: جعلت له
علامة، فاتسم بها، يعني : أن ذلك الحامل للکتاب سُمِّ باسم لا يعرف به، فاسم لیس ضمیر
يعود إلى حاملها، وجملة يدرى خبرها، وجملة ليس معطوفة على لم يسم حاملها .
وحاصل المعنى: أن الكتب المذكورة إذا سمي حاملها باسم لا يعرف به، فحكمها كذلك،
أي: أنها متصلة في إسنادها مجهول في الأرجح، وهذا زاده في المحصول، وجعله من المرسل.
قال السخاوي: وهذا يشمل المهمل کعن محمد، وهو يحتمل جماعة يسمون بذلك،
وكذا المجهول إذ لا فرق، قال: وممن أخرج المبهمات في المراسيل أبو داود وكذا أطلق
النووي في غير موضع على رواية المبهم مرسلاً. اهـ (٢).
ثم إن ما ذكر في غير الصحابي، وأما إذا قال التابعي: ((عن رجل من الصحابة)) فقد
أشار إليه بقوله:
الصَّيْرَفِيْ مُعَنْعَنًا، وَلْيُجْتَبَى )
وَرَجُلٌ مِنَ الصِّحَابِ، وَأَبَّى
(ورجل من الصحاب) ظاهره أنه عطف على سابقه. فيجري فيه الخلاف السابق،
(١) انظر التوضيح ج ١ ص ٣١٦.
(٢) فتح ج ١ ص ١٧٦ .
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: إذا قال الراوي في الإسناد: ((عن رجل)) فإن أصح الأقوال فيه أنه منقطع؛ لأن
هذا الرجل مبهم مجهول، فكأنه لم يذكر، وقيل: إنه مرسل، وقيل: إنه متصل، وهو أبعدها عن الصواب.
هذا كله إذا كان الرجل المبهم غير صحابي.
أما إذا قال التابعي: ((عن رجل من الصحابة)) فالصحيح: أنه متصل.
روى البخاري عن الحميدي قال: ((إذا صح الإسناد عن الثقات إلى رجل من الصحابة فهو حجة، وإن لم يسم
ذلك الرجل».
=