النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
الجُزْءُ الأولُ
-
٦٢- وَأَبْنُ الصَّلاحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَاً
فَحَسَنٌّ إِلَّ لِضَعْفِ فَارْدُدَا
٦٣ - جَرَّيًا عَلَى امْتِناعِ أَنْ يُصَحَّحَا
فِي عَصْرِنَا (*) كَمَا إِلَيْه جَنَحَا
كثيراً مما وافق فيه الحاكم غير موفق. فينبغي التنبه لهما، والتدقيق في متابعة حكمهما،
والله تعالى ولي التوفيق.
ثم ذكر ما قاله الإمام ابن الصلاح في شأن ما تفرد الحاكم بتصحيحه فقال :
فَحَسَنٌ إِلاَّ لضَعْفٍ فَارْدُدَا
وَأَبْنُ الصَّلاحِ قَالَ: مَا تَفَرَّدَاً
فِي عَصْرِنَا كَمَا إِلَيْه جَنَحَا
جَرْيًا عَلَى امْتِناعٍ أَنْ يُصَحَّحَا
(و) الإمام الحافظ أبو عمر عثمان (ابن الصلاح قال) في شأن الحاكم (ما) أي الحديث
الذي (تفردا) بألف الإطلاق، أي الحاكم بتصحيحه، لا بتخريجه فقط من غير تصريح
بصحته إذ لا يعتمد عليه (ف) هو حديث (حسن) للعمل به، والاحتجاج، فقوله: ((وابن
الصلاح)) مبتدأ خبره جملة ((قال )) ، و((ما)) موصولة، أو نكرة موصوفة مبتدأ، و ((تفرد)»
صلة، أو صفة، والفاء داخلة في خبر ((ما)) لما فيها من معنى العموم، وقوله ((حسن )) خبر
((ما)) والجملة مقول القول.
ثم استثنى ابن الصلاح من ذلك ما إذا ظهرت فيه علة توجب ضعفه كما أشار إليه
بقوله (إلا لضعف) أي إلا أن يظهر ضعفه، فإذا كان كذلك (فارددا) بألف مبدلة من نون
التوكيد الخفيفة، وإنما قال ذلك (جريا) أي لأجل جريه (على) رأي (امتناع أن يصححا)
وكذا أن يحسن، أو يضعف (في عصرنا) المتأخر، لضعف أهلية أهل هذه الأزمان، وقوله
(كما إليه) أي إلى هذا الرأي (جنحا) بألف الإطلاق، أي مال ابن الصلاح، واعتمده،
مؤكدٌ لما قبله.
والمعنى أن ابن الصلاح إنما حكم بكون ما تفرد بتصحيحه الحاكم حسنًا، لأجل كونه
جاريًا على منع الاستقلال بإدراك الصحيح، وكذا الحسن، والضعيف، كما تفيده عبارة
التدريب في هذه الأعصار المتأخرة لضعف أهلها عن ذلك.
ثم أشار الناظم إلى رد رأي ابن الصلاح هذا بقوله:
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: في عصره.

٦٢
شَرِجُ الفِيَةُ الشَّيُوطِي -
٦٤ - وَغَيْرُهُ جَوَّزَهُ (وَهْوَ الأَبَرّ)
فَاحْكُمْ هُنَا بِمَا لَهُ أَنَّى النَّظَرْ (*)
فَاحْكُمْ هُنَا بِمَا لَهُ أَدَّى النَّظَرْ
وَغَيْرُهُ جَوَّزَهُ (وَهْوَ الأَبَرّ)
(وغيره) أي غير ابن الصلاح كالإمام النووي (جوزه) أي التصحيح وكذا التحسين،
والتضعيف، كما تقدم لمن تمكن، وقويت معرفته (وهو) أي القول هذا (الأبر) أي
الأحسن، والأرجح، وهو الذي عليه عمل أهل الحديث من المعاصرين لابن الصلاح،
ومن بعدهم، فقد صححوا أحاديث لم يجر لمن تقدمهم فيها تصحيح، كأبي الحسن بن
القطان، والحافظ ضياء الدين المقدسي، والحافظ شرف الدين الدمياطي، والحافظ تقي
الدين السبكي، ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهلية ذلك منهم، إلا أن منهم من لا يقبل ذلك
منه، وكذلك المتقدمون ربما صحح بعضهم شيئًا فأنكر ذلك عليه.
(فاحكم) أي فإذا كان كذلك فاحكم أيها المتأهل لذلك في الحديث، بالاطلاع على ما
فيه من الخفايا في القديم والحديث (هنا) أي فيما انفرد بتصحيحه الحاكم (بما له أدى النظر)
أي بالحكم الذي أدى إليه نظرك واجتهادك من الصحة، أو الحسن، أو الضعف.
ومعنى البيت أن غير ابن الصلاح من الأئمة جوزوا التصحيح وكذا التحسين
والتضعيف لمن تأهل لذلك، وهذا القول هو الأرجح، فإذا أدى اجتهادك إلى التصحيح،
أو غيره فیما انفرد بتصحيحه الحاكم فاحکم به .
(تتمة) قوله: ((حتى ورد فيه مناكر وموضوع يرد))، وقوله: ((جريًا على)) وقوله:
((وهو الأبر)). من زياداته.
ولما نسب بعضهم ابن حبان إلى التساهل أيضًا، وليس ذلك بصحيح فنده بقوله :
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: ذهب ابن الصلاح إلى أنه قد تعذر في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك
الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد، ومنع بناء على هذا من الجزم بصحة حديث لم نجده في أحد الصحيحين ولا
منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة.
وبنى على قوله هذا أن ما صححه الحاكم من الأحاديث ولم نجد فيه لغيره من المعتمدين تصحيحًا ولا تضعيفًا
حكمنا بأنه حسن إلا أن يظهر فيه علة توجب ضعفه.
وقد رد العراقي وغيره قول ابن الصلاح هذا، وأجازوا لمن تمكن وقويت معرفته أن يحكم بالصحة أو بالضعف
على الحديث بعد الفحص عن إسناده وعلله، وهو الصواب.
والذي أراه أن ابن الصلاح ذهب إلى ما ذهب إليه بناء على القول بمنع الاجتهاد بعد الأئمة، فكما حظروا
الاجتهاد في الفقه أراد ابن الصلاح أن يمنع الاجتهاد في الحديث. وهيهات.
فالقول بمنع الاجتهاد قول باطل، لا برهان عليه من كتاب ولا سنة، ولا تجد له شبه دليل !!

٦٣
الجُزُءُ الأُولْ
--
٦٥ - (مَا سَاهَلَ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ
بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَى بِهِ)
٦٦ - وَاسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (بِأَنْ
يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنّ
٦٧ - لا مِنْ طَرِيقِ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَاً
مُجْتَمِعًا فِي شَيْخِهِ فَصَاعِدًا)
بَلْ شَرْطُهُ خَفَّ وَقَدْ وَفَى بِهِ )
( مَا سَاهَلَ البُسْتِيُّ فِي كِتَابِهِ
(ما) نافية (ساهل) أي تساهل الإمام الحافظ محمد بن حبان (البستي) بضم فسكون
نسبة إلى بلد بسجستان، في التصحيح (في كتابه) الأنواع والتقاسيم خلافًا لمن حكم عليه
بذلك (بل شرطه) أي البستي (خف) بصيغة الماضي، أي قل بخلاف شرط غيره من الأئمة
(وقد وفى) البستي (به) أي بما اشترطه، وغايته أنه يسمي الحسن صحيحًا، وذلك أنه يخرج
في كتابه المذكور ما كان راويه ثقة غير مدلس سمع من شيخه، وسمع منه الآخذ عنه، ولا
يكون هناك إرسال، ولا انقطاع، وإذا لم يكن في الراوي جرح، ولا تعديل، وكل من
شيخه، والراوي عنه، ثقة، ولم يأت بحديث منكر، فهو عنده ثقة، وفي كتاب الثقات له
كثير ممن هذه حاله، ولذا ربما اعترض عليه في ذلك من لم يُعرف حاله، ولا اعتراض
عليه، إذ لا مشاحة في الإصطلاح، بخلاف الحاكم إذ شرط أن يخرج عن رواة خرج لمثلهم
الشيخان في كتابيهما اجتماعًا، أو انفرادًا، ثم يترك هذا الشرط، ، فاتجه الاعتراض عليه.
(تتمة) هذا البيت من زیاداته.
ثم تكلم على الكتب المستخرجة على الصحيحين، بقوله:
يَرْوِي أَحَادِيثَ كِتَابٍ حَيْثُ عَنّ
وَأَسْتَخْرَجُوا عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (بِأَنْ
لا مِنْ طَرِيقٍ مَنْ إِلَيْهِ عَمَدَاً
مُجْتَمِعًا فِي شَّيْخِّهِ فَصَاعدا )
ے
(واستخرجوا) أي العلماء (على الصحيحين) صحيح البخاري، ومسلم، وكذا
غيرهما، وإنما اقتصر عليهما، نظراً إلى كثرته وشهرته، وإلا فقد استخرج محمد بن عبد
الملك بن أيمن على سنن أبي داود، وأبو علي الطوسي على الترمذي، وأبو نعيم على
التوحيد لابن خزيمة، وأملى الحافظ العراقي على المستدرك مستخرجًا لم يكمل وقيل: إنما
اقتصر علیهما لأن كلامه سابقًا ولا حقًا في الصحیح، ثم بیَّن معنى الاستخراج، فقال:
(بأن يروي) الباء للتصوير، والجار والمجرور خبر لمحذوف، أي ذلك بأن يروي إلخ،

٦٤
شَرْجُ الفِيُ الشَّيُوطِ .
٦٨- فَرُبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنَى ، وَفِي
لَفْظ كثيراً، فَاجْتَنَبْ أَنْ تُصف
٦٩ - إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا
بِذَلِكَ الأَصْلَ (وَمَا أَجَادَا)
أي يذكر المستخرج (أحاديث كتاب) وإنما نكره، وإن كان الأولى كونه معرفًا ليفيد أن هذا
الحکم غیر مختص بهذین الکتابین کما تقدم.
(حيث عن) بتشديد النون، وخففت هنا للوزن: أي ظهر المذكور من الأحاديث وإنما .
ذکره لتأويله بالمذکور (لا) عاطفة على محذوف متعلق ب ایروي))، أي يروي من طريقه
نفسه، لا (من طريق من) أي الشخص الذي (إليه عمداً) أي قصده لاستخراج أحاديثه،
فـ (من)) واقعة على صاحب الكتاب، والألف للإِطلاق، ويقال: عمدت للشيء عمدًا،
من باب ضرب، وعمدت إليه: قصدته، وتعمدته قصدت إليه أيضًا، قاله في المصباح،
والضمير عائد إلى الراوي، أي المستخرج حال كونه (مجتمعًا) مع صاحب الكتاب في
الإِسناد (في شيخه) أي مع شيخ صاحب الكتاب، وهو البخاري، أو مسلم في مثالنا،
ويسمى هذا النوع موافقة، لأنه وافق المستخرج بالکسر صاحب الكتاب في شيخه.
(فصاعداً) أي فما فوق الشيخ، كشيخ الشيخ، حتى يصل إلى الصحابي، ويسمى هذا
النوع عاليًا بدرجة، أو أكثر على حسب العلو، فإذا اجتمع مثلاً مع صاحب الكتاب في
شیخ شيخه، كان عاليًا بدرجة، وفي الثاني بدرجتين، وهكذا.
ومعنى البيت أن العلماء عملوا المستخرجات على الصحيحين، والاستخراج أن يأتي
المحدث إلی کتاب من کتب الحدیث، فيخرج أحاديثه بأسانید لنفسه، لا بأسانيد صاحب
الكتاب، بشرط أن يجتمع معه في شيخه أو من فوقه، قال الحافظ : وشرطه أن لا يصل إلى
شيخ أبعد حتى يفقد سنداً يوصله إلى الأقرب، إلا لعذر، من علو أو زيادة مهمة. اهـ (١).
ثم إن المستخرجات لم يلتزم فيها موافقة الصحيحين في الألفاظ، وإليه أشار بقوله:
لَفْظِ كَثِيرًا، فَاجْتَنبْ أَنْ تُضف
فَرَّبَّمَا تَفَاوَتَتْ مَعْنِى ، وَفِي
بِذَلكَ الأَصْلَ (وَمََا أَجَـاَدَا)
إِلَيْهِمَا، وَمَنْ عَزَا أَرَادَا
(فربما تفاوتت) المستخرجات والمستخرج عليها (معنى) أي في المعنى، وهذا قليل، (وفي
لفظ كثيرًا) أي تفاوتت في لفظ تفاوتًا كثيرًا، لأنهم يروونها بالألفاظ التي وقعت لهم من
(١) انظر التدريب ج١ ص ١١٢ .

٦٥
- الجُزْءُ الأولُ
شيوخهم، والجار والمجرور عطف على معنى لأنه منصوب بنزع الخافض، ولا يقال: إنه غير
قياسي، لأن ذلك إذا لم يدل عليه دليل، وهنا دل عليه، وجودها في المعطوف، ثم إن (رب))
هنا مستعملة في التقليل والتكثير استعمالاً لمشترك في معنييه، فبالنسبة إلى المعنى للتقليل،
وبالنسبة إلى اللفظ للتكثير، ويحتمل كونها للتقليل فقط، وفي لفظ متعلق بمحذوف أي :
وتفاوتت في لفظ كثيرًا، فيكون عطف جملة على جملة، وأفاد العلامة الصنعاني أن في
عباراتهم مسامحة(١) إن حصل تفاوت، أو باعتبار من ينتهي إليه الإِسناد من شيوخه إلى
الصحابي الذي ذكر حديثه في الصحيحين (فاجتنب) أيها المحدث (أن تضف) أي: تنسب
(إليهما) أي: الصحيحين، و((أن)) يحتمل أن تكون مصدرية و((تضف)) صلتها منصوب إلا
أنه استعمله مجزومًا فحذف عين فعله للضرورة (٢) وهو مفعول ((اجتنب))، ويحتمل أن تكون
شرطية ومفعول ((اجتنب)) محذوف، أي: اجتنب الغلط، وجوابها دل عليه السابق.
والمعنى اجتنب الإضافة إلى الصحيحين، أو اجتنب الغلط في الإضافة إليهما، بأن تنقل
حديثًا من المستخرجات وتقول: هو كذا فيهما، أو في أحدهما، لأنه يكون كذبًا إلا أن تقابله
بهما، أو يقول المستخرج: أخرجاه بلفظه (ومن) شرطية، أو موصولة (عزا) من المحدثين
كالبيهقي في ((السنن)) و((المعرفة)) وغيرهما، والبغوي في ((شرح السنة)) إلى ((الصحيحين))،
أو إلى أحدهما قائلاً: رواه البخاري، أو مسلم مع أنه قد وقع في بعضه تفاوت في المعنى، أو
في اللفظ (أرادا) جواب (من)، أو خبرها، والألف للإِطلاق (بذلك) أي: العزو المذكور
(الأصل) مفعول ((أرادا))، أي أصل الحديث الذي أورده دون اللفظ (وما أجادا) بألف
الإطلاق أيضًا، أي ما أحسن في صنيعه هذا، لإيقاعه في اللبس من لا يعرف اصطلاحه.
تنبيهان:
الأول: قال في التدريب ج١ ص ١١٤ : ولابن دقيق العيد في ذلك تفصيل حسن،
وهو أنك إذا كنت في مقام الرواية فلك العزو، ولو خالف، لأنه عرف أن جل قصد
المحدث السند، والعثور على أصل الحديث، دون ما إذا كنت في مقام الاحتجاج، فمن
(١) أي حيث قالوا في بيان معنى المستخرج فيخرج أحاديثه بأسانيد نفسه إلخ؛ فإنه يفيد أن الحديث لم يقع فيه
مخالفة فتأمل .
(٢) أو الجزم بها لغة لبعض العرب، وهو مذهب الكوفيين، وأنشدوا عليه قوله: (من الطويل):
تَعَالَوْا إِلَى أَنْ يَأْتِنَا الصَّيْدُ نَخْطِب
إِذَا مَا غَدَوْنَا قَالَ ولدَانُ أَهْلِنَا
أفاده في مغني اللبيب ج ١ ص ٢٩ .

٦٦
شَرِجُ الْفِيَّةُ السَّيُوطِيّ -
٧٠ - وَاحْكُمْ بِصِحَّةِ لمَا يَزيدُ
فَسَهْوَ مَعَ العُلُوِ ذَا يُفيدُ (*)
٧١ - (وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ وَ تَبْبِينَ الَّذِي
أُبْهمَ أَوْ أُهْمِلَ أَوْ سَمَاَعَ ذِي
٧٢ - تَدْلِيسٍ أوْ مُخْتَلِطِ وَكُلُّمَّا
أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلَمَا ( ** ))
روى في المعاجم والمشيخات ونحوها فلا حرج عليه في الإطلاق بخلاف من أورد ذلك في
الكتب المبوبة ولا سيما إن كان الصالح للترجمة قطعة زائدة على ما في الصحيح.
الثاني: إنما منع العزو إلى الصحيحين، أو أحدهما في المستخرجات فقط، وأما
المختصرات فيجوز فيها ذلك؛ لأن أصحابها نقلوا فيها ألفاظهما من غير زيادة، ولا تغيير،
وكذا الجمع بين الصحيحين لعبد الحق، لا الحميدي، إذ فيه زيادة ألفاظ، وتتمات بلا تمييز.
ولما ذكر المستخرجات وحكم العزو إلى الصحيحين لمن نقل عنها شرع يذكر فوائدها،
وهي كثيرة، أوصلها الحافظ إلى عشرة، فذكر منها هنا ثمانية بقوله:
فَهْوَ مَعَ العُلُوِ ذَا يُفيدُ
وَاحْكُمْ بِصِحَّة لمَا يَزِيدُ
أُبْهِمَ أَوْ أُهْملَ أَوْ سَمَاَعَ ذِي
(وَكَثْرَةَ الطُّرْقِ وَ تَبْيِينَ الَّذَي
أُعِلَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْهُ سَلِمَا)
تَدْليس اوْ مُخْتَلَط وَكُلُّ مََا
الأولى: صحة الزيادة وإليّها أشار بقوله:
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يعني: أن المستخرجات على الصحيحين قد يأتي فيها ألفاظ كثيرة تخالف
رواية الأصل، فالأحوط أن لا ينسب ما ينقل عن المستخرج إلى الأصل، وأن من نقل عن المستخرج حديثًا
ونسبه إلى الأصل المستخرج عليه فإنما يريد أصل الحديث لا هذا اللفظ بعينه، ولكنه لم يحسن صنعًا بهذا
العزو، على أن الزيادة التي في المستخرج لها حكم الصحة؛ لأنها رويت بإسناد صحيح.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: لم يذكر المؤلف (موطأ مالك) في الصحاح، مع أنه في شرحه عليه قال
ص (٨): ((الصواب إطلاق أن الموطأ صحيح لا يستثنى منه شيء)) وهذا غير صواب !!
والحق: أن ما في الموطأ من الأحاديث الموصولة المرفوعة إلى رسول الله عز ب) صحاح كلها، بل هي في
الصحة كأحاديث الصحيحين. وأن ما فيه من المراسيل والبلاغات وغيرها يعتبر فيها ما يعتبر في أمثالها مما
تحويه الكتب الأخرى، وإنما لم يعد في الكتب الصحاح لكثرتها وكثرة الآراء الفقهية لمالك وغيره، ثم إن
الموطأ رواه عن مالك كثير من الأئمة وأكبر رواياته - فيما قالوه - رواية القعنبي.
والذي في أيدينا منه رواية يحيى بن يحيى الليثي، وهي المشهور الآن، ورواية محمد بن الحسن صاحب أبي
حنيفة، وهي مطبوعة في الهند وعليها شرح نفيس للعلامة اللكنوي.

٦٧
-
الجُزْءُ الأُولْ
(واحكم) أيها المحدث (بصحة لما يزيد) أي: للذي نزيده المستخرج بكسر الراء في
المستخرجات بفتحها من ألفاظ، أو تتمات، أو شرح لبعض ألفاظ الحديث، أو نحو ذلك،
لأنها خارجة من مخرج الصحيح، فلذا يشترط أن يكون رجال السند فيها على شرط من
خرج عليه صاحب الصحيح.
والثانية: العلو، وأشار إليها بقوله: (فهو) أي: المستخرج المفهوم من قوله:
((واستخرجوا)) مبتدأ (من العلو) متعلق بـ ((يفيد))، أي: علو الإسناد (ذا) أي: المذكور من
الصحة، مفعول مقدم لـ ((يفيد))، وجملة (يفيد) خبر المبتدأ .
والمعنى أن المستخرج يفيد الحكم بصحة الزيادة مع إفادته العلو، إذا قد تكون الرواية
المستخرجة أعلى إسنادًا.
مثاله: أن أبا نعيم لو روى حديثًا عن عبد الرزاق من طريق البخاري، أو مسلم لم
يصل إليه إلا بأربعة، ولو رواه عن طريق الطبراني، عن الدبري، عنه وصل باثنين، وعلى
هاتين الفائدتين اقتصر ابن الصلاح، وتبعه العراقي، إلا أنه أشار إلى أكثر منها بقوله ((من
فائدته )) (١).
الثالثة: ما أشار إليها بقوله (وكثرة الطرق) بالنصب عطف على ((ذا)) والطرق: بسكون
الراء للتخفيف: جمع طريق، أي: يفيد أيضًا كثرة الأسانيد، بأن يضم المستخرج بالكسر
شخصًا آخر، فأكثر مع الذي حدث عنه مصنف الصحيح، وربما ساق له طرقًا أخرى إلى
الصحابي بعد فراغه من استخراجه، كما يصنع أبو عوانة، فيحصل قوة الحديث
المستخرج، والمستخرج عليه، فإذا تعارضت الأحاديث رجح أكثرها طرقًا .
الرابعة: ما أشار إليها بقوله (وتبيين) بالنصب أيضًا (الذي أبهم) يعني : تبيين المستخرج
بالكسر الراوي الذي أبهمه صاحب الصحيح، كحدثنا فلان، أو رجل، أو فلان، وغيره،
أو غير واحد، فيعينه المستخرج.
والخامسة: ما ذكرها بقوله (أو) تبيين الذي (أهمل) في الصحيح، كحدثني محمد، من
غير ذكر ما يميزه عن غيره من المحمدين، وكان في مشايخه محمدون، فيميزه المستخرج
أيضًا.
(١) حيث قال:
وَمَا يَزِيدِ فَاحْكُمَنْ بِصحَّتِهْ فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَاتَدِتِهْ

٦٨
شَرْع ◌ِلُُّ الشَّيُوطِىّ -
والسادسة: ما أشار إليها بقوله: (أو سماع) بالنصب عطفًا على ((ذا)) أيضًا، أو بالجر
عطفًا على ((الذي))، أي: تبيين سماع (ذي تدليس) أي: مدلس، كأن يروي في الصحيح
عن مدلس بالعنعنة، فيبين المستخرج تصريحه بالسماع.
والسابعة: ما أشار إليها بقوله: (أو مختلط) عطف على ((الذي)) أي تبيين رواية مختلط
بكونها قبل اختلاطه، وذلك كأن يروي صاحب الصحيح عن مختلط، أي فاسد العقل
بسبب الهرم، أو المرض، أو آفة من الآفات، بعد أن كان حافظًا، ولم يبين هل سماع ذلك
الحديث منه قبل اختلاطه، أو بعده، فيبينه المستخرج، إما تصريحًا، أو بأن يرويه عنه عن
طريق من لم يسمع منه إلا قبل الاختلاط، ويحتمل العطف على ((ذي))، أي: وتبيين
سماع مختلط لكن باعتبار إضافة المصدر إلى مفعوله، أي: سماع الراوي عن مختلط،
والأول أولى، وهذه الفائدة، والتي قبلها فائدتان جليلتان، وإن كنا لا نتوقف فيما روي
في الصحيح من ذلك غير مبين، ونقول: لو لم يطلع مصنفه على أنه روى قبل الاختلاط،
وأن المدلس سمع لم يخرجه.
والثامنة: ما أشار إليها بقوله: (وكل ما) أي: الذي، أو شيء، و((ما)) واقعة على علة (أعل)
به حديث (في الصحيح) أي : صحيح البخاري، أو مسلم (منه) أي: مما أعل به متعلق بما بعده
(سلما) بألف الإطلاق، والضمير راجع إلى المستخرج المفهوم من السياق، ويحتمل أن تكون
((ما)) واقعة على حديث، والمعنى وكل حديث أعل، أي : حصلت فيه علة في الصحيح سلم
المستخرج منه، أي : من ذلك المعل بسبب زوال تلك العلة، لأن المستخرج لا يذكر ذلك الحديث
مع علته، بل يذكره بحيث لا توجد فيه تلك العلة(١)، والمعنى على كلا التقديرين واحد.
فجملة ما ذكره الناظم من الفوائد ثمانية .
وتزاد عليه تاسعة: وهي عدالة من أخرج له فيه؛ لأن المخرج على شرط الصحيح يلزمه
أن لا يخرج إلا عن ثقة عنده.
وعاشرة: وهي ما يقع فيها من التمييز للمتن المحال به على المتن المحال عليه، وذلك في
كتاب مسلم كثير جدًّا، فإنه يخرج الحديث على لفظ بعض الرواة، ويحيل باقي ألفاظ
الرواة على ذلك اللفظ الذي يورده، فتارة يقول: مثله، فيحمل على أنه نظيره، وتارة
يقول نحوه، أو معناه، فيحمل على أن فيهما مخالفة بالزيادة والنقصان كما سيأتي البحث
(١) وذلك كأن يقع في المستخرج من الفصل للكلام المدرج في الحديث مما ليس من الحديث ويكون في الصحيح
غير مفصول، أو يقع فيه من الأحاديث المصرح برفعها وتكون في أصل الصحيح موقوفة أو كصورة الموقوف.

٦٩
- الجُزْءُ الأولْ
خاتمة
٧٣ - لِأَخْذِ مَتْنٍ مِنْ مُصَنِّفِ يَجِبْ
عَرْضٌ عَلَى أَصْلِ، وَعِدَة نُدبْ
عنه، وفي ذلك من الفوائد ما لا يخفى. وقد نظمت هذه الفوائد بقولي :
فاسمعْ لأبيات من بعد ذا تجي
يا طالبًا فوائدَ المستخرجِ
لفظ وثانيها علوٌّ فاستبنْ
أولُهَا صحةُ ما يُزاد منَ
بذاكٌّ يقِوَى عندَ أهلِ النظرِ
ثالثهَا كثرةُ طرق الخبر
رابعهَا تبيينُ منْ قد أُبهما
خامسهَا توضيحُ مَهْمَل سَمَا
سابعها مختلط ملبس
قبلَ اختلاطه فقلْ يا حبذاً
لدى الصحيح ههنا في النقل
حيث يسوقهُ نظيفًا مكملا
له هنا إذْ شرطُ الاصل نُهجَا
ممّا عليه قد أحيلَ فانتبه
قربتها نظمًا لمن قد يرتجي
سادسها سماعُ منْ يدلسُ
يرويه عن طريق من قد أخذا
ثامنهَا سلامة المعلِّ
إذ المُخرِّج يزيلُ العللا
تاسعهَا ثقةٌ من قدْ أخرجا
عاشرُها التمييز للمحال به
فهذه فوائد المستخرج
(تتمة) الزيادات في هذا الباب قوله: ((أول جامع الحديث)) إلى قوله: ((وولد
المبارك))، وقوله: ((ومن يفضل مسلمًا)) البيت، وقوله: ((فكم ترى نحوهما نصيراً))،
وقوله: ((وربما يعرض للمفوق))، إلى قوله: ((بالجمع والإفراد)) وقوله: ((ومسلم أربعة
الآلاف))، وقوله: ((مراده أعلى الصحيح)) البيت، وقوله: ((ويتلو مسلما، وأوله))
وقوله: ((ثم )) في البيت نفسه، وقوله ((حتى ورد)) البيت، وقوله: ((وهو الأبر))، وقوله:
((ما ساهل البستي)) البيت، وقوله: ((بأن يروي أحاديث)) إلى قوله: ((فصاعدا))، وقوله:
((وما أجادا))، وقوله: ((وكثرة الطرق)) إلى آخر البيتين.
خاتمة
نسأل الله حسنها، أي هذا مبحث ((خاتمة)) يختم بها بحث الصحيح يذكر فيها كيفية
نقل الحديث من الكتب المصنفة للعمل به، أو الاحتجاج به لذي مذهب. قال رحمه الله:
عَرْضٌ عَلَى أَصْلِ، وَعِدَةِ نُدِبْ
لِأَخْذِ مَتْنِ مِنْ مُصَنِّفِ يَجِبْ

٧٠
شَرْع الْفِيَة الشَّيُوطِيّ -
٧٤ - وَمَنْ لِنَقْلِ فِي الحَدِيثِ شَرَطَا
رِوَايَةً وَلَوْ مُجَازًا (غُلِّطَا)
روَايَةً وَلَوْ مُجَازًا ( غُلِّطًا )
وَمَنْ لِنَقْل فِي الحَديثِ شَرَطَا
(لأخذ متن) أي: حديثَ، متعلق بـ ((يجب))، زاد ابن الصلاح ((لمن ساغ له ذلك))،
وهو العالم بشرط العمل، وكيفية الاستدلال به (من مصنف) بفتح النون أي: من كتاب من
الكتب المعتمدة، كالبخاري ومسلم، وأبي عوانة، وابن خزيمة، وابن حبان، مما اشتهر
وصح ليعمل، أو يحتج به لذي مذهب (يجب عرض) فعل وفاعله، أي: تجب مقابلة ذلك
المصنف (على أصل) واحد محقق، معتمد متعلق بعرض (وعدة) بالجر بحرف جر
محذوف لدلالة ما قبله عليه، متعلق بـ ((ندب)) ويحتمل الرفع، على أنه مبتدأ سوغه كونه
صفة لمحذوف، أي: نسخ عدة، أي: متعددة، أو موصوفًا بمحذوف، أي: عدة من النسخ
(ندب) فعل ونائب فاعله، خبر على الثاني.
ومعنى البيت أن من أراد الاحتجاج، أو العمل بحديث من كتاب من الكتب المعتمدة،
وجب عليه أن يقابله على أصل واحد محقق معتمد، واستحب أن يقابله على أصول
متعددة، بروايات متنوعة فيما تكثر فيه الروايات كالفربري، والنسفي، وحماد بن شاكر،
وغيرهم بالنسبة لصحيح البخاري، أو أصول متعددة فيما مداره على رواية واحدة کأكثر
الكتب، وقد تكثر تلك الأصول المقابل بها كثرة يتنزل منزلة التواتر، والاستفاضة، أفاده
السخاوي (١).
ولما کان من المحدثین من شدد في الرواية حتى قال: من وجد حدیثًا في کتاب صحيح
لا يجوز أنه يرويه؛ لأنه لم يسمعه، وهذا القول غلط أشار الناظم إلى تفنيده بقوله: (ومن)
شرطية، أو موصولة مبتدأ (لنقل) متعلق بـ((شرط)) (في الحديث) صفة لـ ((نقل)) أي: كائن
في الحديث (شرطا) بألف الإطلاق (رواية) أي: نقلاً عن الشيوخ (ولو) كان النقل على أقل
وجوه الروايات بأن يكون (مجازًا) بالضم من الإجازة (غلطا) بالبناء للمفعول، وتشديد
اللام، أي نسب قوله هذا إلى الغلط، جواب الشرط، أو خبر المبتدإ.
ومعنى البيت أن من شرط لرواية الحديث النقل عن الشيخ ولو بالإجازة غلط في قوله
هذا، وهذا المشترط هو بعض المحدثين، ومنهم أبو بكر محمد بن خير بن عمر الأموي(٢)
(١) انظر فتح المغيث ج ١ ص ٦٨ .
(٢) بفتح الهمزة اهـ .

٧١
الجُزُءُ الأُولُ
الإِشبيلي، خال أبي القاسم السهيلي صاحب الروض الأنف، قال في بَرْنَامَجِهِ (١): اتفق
العلماء على أنه لا يصح لمسلم أن يقول قال رسول الله مثير: كذا حتى يكون ذلك القول
مرويًّا، ولو على أقل وجوه الروايات، لحديث: ((من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من
النار)) متفق عليه. وقد تعقب الزركشي ذلك، فقال: نقل الإجماع عجيب، وإنما حكي
ذلك عن بعض المحدثين، ثم هو معارض بنقل ابن برهان إجماع الفقهاء على الجواز، قال
في الأوسط: ذهب الفقهاء كافة إلى أنه لا يتوقف العمل بالحديث على سماعه، بل إذا
صح عنده النسخة جاز العمل بها، وإن لم يسمع، وحكى الأستاذ أبو إسحاق الإِسفرائيني
الإجماع على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها،
وذلك شامل لكتب الحديث والفقه، وقال إلكيا٢ً) الهراسي(٣) الطبري في تعليقه: من
وجد حديثًا في كتاب صحيح جاز له أن يرويه ويحتج به، وقال قوم من أصحاب الحديث:
لا يجوز له أن يرويه لأنه لم يسمعه، وهذا غلط، وكذا حكاه إمام الحرمين في البرهان عن
بعض المحدثين، وقال: هم عصبة لا موالاة بهم في حقائق الأصول، يعني: المقتصرين
على السماع، لا أئمة الحديث، ونص الشافعي رحمه الله في الرسالة على أنه يجوز أن
يحدث بالخبر وإن لم يعلم أنه سمعه، فظهر بطلان ادعاء الإجماع، والاستدلال بالحديث
المذكور على المنع فاسد، لأنه ليس فيه اشتراط ذلك، وإنما فيه تحريم القول بنسبة الحديث
إليه حتى يتحقق أنه قاله، وهذا لا يتوقف على روايته بل يكفي في ذلك علمه بوجوده في
كتب من خرج الصحيح، أو كونه نص على صحته إمام، وعلى ذلك عمل الناس.
[تتمة] قوله: ((غلطا )) من زیاداته.
ولما أنهى الكلام على القسم الأول وهو الصحيح شرع يبين الثاني، فقال:
(١) البرنامج الورقة الجامعة للحساب معرب برنامه. اهـ. ((ق)). والمراد هنا الفهرست الذي يجمع به مروياته .
(٢) بكسر الهمزة وسكون اللام وكسر الكاف معناه بالفارسية الكبير .
(٣) الهراسي بتشديد الراء .

٧٢
شَرِجُ الْقَدُ السَّيُوطِىّ --
الحسن
٧٥ - المُرْتَضَى فِي حَدِّ مَا اتَّصَلا
بِنَقْلٍ عَدْلِ قَلَّ ضَبْطُهُ وَلا
٧٦- شَذَّ وَلا عُلِّلَ (وَلَيُرَتَّبَ
مَرَاتِبًا) والاِحْتِجَاجِ يَجْنَبِي
٧٧- أَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ
فَإِنْ أَنَى مِنْ طُرْقِ اخْرَى يَنْمِي
٧٨ - إِلَى الصِّحِيحِ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا
يَرْفَى إِلَى الْحُسْنِ الَّذِي قَدْوُسِمَا
٧٩- ضَعْفًا لسُوء الحفظ (أَوْ إِرْسَال أَوْ
تَدْلَيْس أوْ جَهَالَةٍ) إِذَا رَأَوْا
٨٠- مَجِيئَهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَمَا
كَانَ لفسْقِ أوْ يُرَى مُتَّهَمَا
٨١- (يَرْقَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالنَّعَدُّدَ
بَلْ رُبَّمَا يَصيرُ كَالَّذي بُدي (*)
الحسن
أي: هذا مبحثه، وهو النوع الثاني من أنواع علوم الحديث، قدمه على الضعيف
لاشتراكه مع الصحيح في الحجية، وهو لغة: ما تشتهيه النفوس، وتميل إليه، ولما كان
بالنظر لقسيميه تتجاذبه الصحة والضعف: اختلف تعبير الأئمة في تعريفه اصطلاحًا على
أقوال، اختار الناظم منها ما ذكره بقوله:
بِنَقْلِ عَدْلٍ قَلَّ ضَبْطُهُ وَلَا
الْمُرْتَضَى فِي حَدِّ مَا اتَّصَلا
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: أما إذا كان ضعف الحديث لسوء حفظ الراوي أو نحو ذلك فإنه يرقى على
درجة الحسن أو الصحة بتعدد طرقه إن كانت كذلك.
وأما إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع، فإنه لا
يرقى إلى الحسن، بل يزداد ضعفًا إلى ضعف، إذ أن تفرد المتهمين بالكذب أو المجروحين في عدالتهم
بحديث لا يرويه غيرهم: يرجح عند الباحث المحقق التهمة، ويؤيد ضعف روايتهم. وبذلك يتبين خطأ
المؤلف هنا وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي إلى الحسن مع هذه العلة القوية.

٧٣
- الجُزْءُ الأولْ
مَرَاتِبًا والإِحْتِجَاجِ يَجْتَبِي
شَذَّ وَلا عُلِّلَ وَلِيُرتَّبِ
فَإِنْ أَتَّى مَنْ طُرْقِ اخْرَى يَنْمِي
أَلْفُقَهَا وَجُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ
يَرْقَىَ إِلَى الَحُسْنِ الَّذِي قَدْ وُسِمَا
إِلَى الصَّحِيحِ ، أَيْ لِغَيْرِهِ، كَمَا
تَدْلِيسِ أوْ جَهَالَّةٍ إِذَا رَأَوْا
ضَعْفًا لسُوءِ الحَفْظِ أَوْإِرْسَال أوْ
كَانَ لِفُسْقِ أوْ يُرَى مُتَّهَمَا
مَجِيئَهُ مِنْ جَهَّةٍ أُخْرَى، وَمَا
بَلْ رُبَّمَا يَصِيْرُ كَالَّذِي بُدِي
يَرْفَى عَنِ الإِنْكَارِ بِالنَّعَدُُّ
(المرتضى) أي: القول المرضي من الأقوال التي ذكرت في (حده) أي: تعريف الحسن ما
قاله شيخ الإِسلام تقي الدين الشمني - بضم الشين وتشديد النون - وهو (ما اتصلا) بألف
الإطلاق، أي: خبر متصل سنده بلا سقوط فيه بحيث يكون كل من رجاله سمع ذلك المروي
عن شيخه (بنقل عدل) أي: مع عدالة الناقل بالمعنى السابق في الصحيح، متعلق بـ اتصل
(قل ضبطه) فعل وفاعل صفة لـ ((عدل))، أي: قليل الضبط صدرًا، أو كتابة، ولكنه مرتفع
عن حال من يعد تفرده منكراً (ولا شذ) أي: وليس حديثًا شاذًّا (ولا علل) بالبناء للمفعول،
أي: وليس معللاً بعلة قادحة، فخرج الصحيح، والضعيف. والجملة حال من ((ما)).
ثم أشار إلى أن للحسن مراتب كالصحيح، فقال:
(وليرتب) بالبناء للمفعول، أي: الحسن (مراتبًا) بالصرف للضرورة، وهو منصوب بنزع
اخافض، أي على مراتب، فأعلاها، كما قال الذهبي : بهز بن حکیم، عن أبيه، عن جده.
وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وابن إسحاق، عن التيمي، وأمثال ذلك مما
قيل فيه: إنه صحيح، وهو من أدنى مراتب الصحيح، ثم بعد ذلك ما اختلف في تحسينه
وتضعيفه، كحديث الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضمرة، وحجاج بن أرطاة،
ونحوهم، ثم ذكر حكمه فقال: (والاحتجاج) بالنصب مفعول مقدم، أي: جعل الحديث
الحسن حجة في الأحكام وغيرها (يجتبي ألفقها) أي: يختاره الفقهاء، أي: كلهم (وجل)
أي: معظم (أهل العلم) من المحدثين والأصوليين، فالحديث الحسن عندهم كالصحيح في
الحجية، وإن كان دونه في القوة، ولذا أدرجته طائفة، كالحاكم، وابن حبان، وابن خزيمة
في نوع الصحيح مع اعترافهم أنه دونه، واحترز بقوله: (وجل) إلخ عن طائفة تمنع الاحتجاج
به، كأبي حاتم الرازي، ونسب أيضًا إلى البخاري، واختاره أبو بكر بن العربي في
عارضته، وهذا النوع المعرف من الحسن هو المسمى بالحسن لذاته، وهو يرتقي إلى درجة

٧٤
شَرِجُ الْفِيُ الشَّيُوطِ -
الصحيح بسبب تعدد طرقه، كما أشار إليه بقوله: (فإن أتى) الخبر الحسن الذي كان راويه
قاصراً عن درجة الحافظ الضابط مشهوراً بالصدق والستر (من طرق) بسكون الراء جمع
طريق (أخرى) أي: من جهة أخرى ولو واحدة (ينمى) كيرمي مضارع (نمى)) بمعنى: ارتفع
يقال: من الحديث: ارتفع، ونغمیته مخففًا یستعمل لازمًا ومتعدیًا، ونمیته بالتشديد: إذا
عزوته، أفاده في القاموس، والمناسب هنا اللزوم أي يرتفع من درجة الحسن (إلى) درجة
(الصحيح) لكن لما كان الصحيح له قسمان صحیح لذاته وصحيح لغيره، والحسن إنما
يرتفع إلى الصحيح لغيره بين ذلك بأي التفسيرية، فقال (أي لغيره) أي: الصحيح لغيره،
وهو تعدد الطرق، وإنما ارتفع لقوته بالمتابعة وزوال ما كنا نخشاه من جهة سوء الحفظ.
ومثاله: حديث محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله مَلآله قال:
(لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)) (١) فمحمد بن عمرو بن علقمة من
المشهورين بالصدق والصيانة، لكن لم يكن من أهل الإتقان حتى ضعفه بعضهم من جهة
سوء حفظه، ووثقه بعضهم لصدقه وجلالته، فحديثه من هذه الجهة حسن، فلما انضم إلى
ذلك كونه روي من أوجه أخر حكمنا بصحته، والمتابعة في هذا الحديث ليست لمحمد، عن
أبي سلمة، بل لأبي سلمة عن أبي هريرة فقد رواه عنه أيضًا الأعرج وسعيد المقبري وأبوه
وغيرهم (كما يرقى) بسبب المتابعة (إلى) درجة ذي (الحسن) ويسمى الحسن لغيره: الحديث
(الذي قد وسما) بالبناء للمفعول وألف الإطلاق، أي: علم (ضعفا) بالضم والفتح،
منصوب بنزع الخافض، أي: بضعف، يعني: أنه شهر بكونه ضعيفًا (لـ) أجل (سوء
الحفظ) من راويه الصدوق، فإذا جاء من وجه آخر زال ضعفه، وعلمنا به أنه قد حفظه،
ولم يختل ضبطه، فصار الحديث حسنًا لغيره، كحديث الترمذي وحسنه من طريق شعبة،
عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، أن امرأة من بني فزارة
تزوجت على نعلين فقال رسول الله ◌ُ له: «أرضيت من نفسك ومالك بنعلين؟))، قالت:
نعم، فأجاز. قال الترمذي: وفي الباب عن عمر، وأبي هريرة، وعائشة، وأبي حدرد،
فعاصم ضعيف لسوء حفظه، وقد حسن له الترمذي هذا الحديث لمجيئه من غير وجه (أو)
وسم بضعفه لأجل (إرسال) أي: كان ضعفه لوجود إرسال في سنده، فإذا جاء من وجه
آخر، فإنه يزول ضعفه، ويكون حسنًا لغيره، وسيأتي مثاله في بحث المرسل (او)كان
(١) متفق عليه من حديث الأعرج عن أبي هريرة.

٧٥
الجُزْءُ الأول
-
ضعفه لأجل (تدليس) من راويه: مثاله: ما رواه الترمذي وحسنه من طريق هشيم، عن
يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب مرفوعًا: ((إن حقًّا
على المسلمين أن يغتسلوا يوم الجمعة، وليمس أحدهم من طيب أهله، فإن لم يجد فالماء له
طیب )) فهشيم موصوف بالتدليس لكن لما تابعه عند الترمذي أبو يحيى التيمي، وكان
للمتن شواهد من حديث أبي سعيد الخدري وغيره حسنه (او) ضعف لأجل (جهالة) رجال
الإسناد، كما زاده الحافظ، فإنه يزول ضعفه بتعدد طرقه (إذا) ظرف لـ ((يرقى)) (رأوا) أي:
المحدثون (مجيئه) أي: الحديث الذي وسم بالضعف لسبب من الأسباب المذكورة (من جهة
أخرى) متعلق بـ ((مجيء)).
وحاصل المعنى أن الحديث الذي عرف ضعفه لسوء حفظ راويه أو اختلاطه، أو
إرساله، أو تدليسه، أو جهالته يرتقي إلى درجة الحسن لغيره إذا جاء من جهة أخرى، ولو
كان من وجه واحد، وهذا النوع هو المسمى بالحسن لغيره.
فاتضح بذلك أن المقبول من الحديث ينقسم أربعة أقسام: صحيح لذاته، صحيح
لغیره، حسن لذاته، حسن لغيره.
ثم إن ما ذكر من أن الضعيف يرتقي إلى درجة الحسن مشروط بعدم شدة ضعفه، وإلا
فلا يرتقي إليه بل يرتقي عن الإنكار، كما أشار إليه بقوله: (وما كان) أي: الحديث الذي
كان ضعفه (لفسق) في راويه (أو يرى) بالبناء للمجهول، أي: يظن راويه (متهما) بالكذب
(يرقى) خبر ما (عن الإنكار) أي: عن كونه منكرًا، أو لا أصل له (بالتعدد) متعلق
بایرقی))، أي: بسبب تعدد طرقه.
وحاصل المعنى: أن ما كان ضعفه لفسق راويه، أو تهمته بكذب يرتقي عن كونه
منكراً، ولا يرتقي إلى درجة الحسن لقوة ضعفه وتقاعد هذا الجابر عن جبره، ومقاومته.
ومثاله حديث: ((من حفظ على أمتي أربعين حديثًا من أمر دينها بعثه الله يوم القيامة في
زمرة الفقهاء والعلماء))، وفي لفظ: ((بعثه الله فقيهًا عالمًا))، قال النووي: اتفق الحفاظ على
ضعفه، وإن كثرت طرقه، لكن لو وجد بعد ذلك طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل
يرتقي إليه أيضًا كما أشار إليه بقوله: (بل ربما) كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة
المستور، والسيئ الحفظ بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل (يصير)
بمجموع ذلك (کالذي بدي) أي : كالحسن الذي بدئ به الباب، لكن يسمى أيضًا حسنًا

٧٦
شَرْخُ الْفِيَةُ الشَّيُطِى -
٨٢- وَاَلْكُتُبُ الأَرْبَعُ ثَمَّتَ السُّنَنْ
للدََّرَقُطْنِيْ مِنْ مَظَّات الحَسَنْ)
لغيره. وها هنا اعتراض للعلامة أحمد شاكر على الناظم في تعليقه فانظره(١) .
(تتمة) قوله: ((وليرتب مراتبًا)) وقوله: ((أو إرسال، او تدليس، او جهالة))، وقوله:
(يرقى عن الإِنكار)) من زياداته.
ثم ذكر رحمه الله مظان الحسن، فقال:
الدَّارَ قُطْنِيْ مِنْ مَظِنَّات الحَسَنْ
وَالْكُتُبُ الأَرْبَعُ ثَمَّتَ السُّتَنْ
(والكتب الأربع) التي هي السنن الأربع للأئمة الأربعة: أبي داود والترمذي،
والنسائي، وابن ماجه (ثمت) بمعنى الواو لأنه لا ترتيب يراد هنا بل المراد كونها مظان
الحسن، ويحتمل أن يراد الترتيب أيضًا بالنسبة إلى كثرة الحسن في الكتب الأربع، وقلته في
الدار قطني (السنن) بالضم جمع سنة، وهي الطريقة. وسيأتي تفسيرها اصطلاحًا (لـ) لإمام
شيخ الإِسلام حافظ الزمان، أبي الحسن علي بن عمر بن أحمد بن مهدي البغدادي
(الدار قطني) بفتح الراء وضم القاف وسكون الطاء نسبة إلى دار قطن محلة ببغداد كبيرة، ولد
رحمه الله سنة ست وثلاثمائة، سمع عن البغوي، وابن أبي داود، وابن صاعد، وخلائق،
وحدث عنه الحاكم، وأبو حامد الإِسفراييني، وتمام الرازي، وخلائق، كان أوحد عصره في
الحفظ، والفهم، والورع، وإمامًا في القراءة، والنحو، ونسب إلى التشيع. قال الذهبي: ما
أبعده من التشيع، توفي ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاثمائة عن تسع وسبعين سنة
(من مظنات الحسن) جار ومجرور خبر المبتدإ، جمع مظنة بكسر الظاء وهي مفعلة من الظن،
قال المطرزي: المظنة المعلم من ظن: بمعنى علم، وقال في المصباح: وقد يستعمل الظن بمعنى
اليقين ومنه المظنة بكسر الظاء للمعلم، وهو حيث يعلم الشيء أفاده الصنعاني (٢).
وحاصل المعنى: أن هذه الكتب من مواضع وجود الحديث الحسن ومعادنه.
(تتمة): هذا البيت من زياداته .
(١) وحاصل ما قاله رحمه الله تعالى: أنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي، أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق
أخرى من هذا النوع، فإنه لا يرقى إلى درجة الحسن؛ بل يزداد ضعفًا إلى ضعفه إذ إن تفرد المتهمين بالكذب، أو
المجروحين في عدالتهم بحديث لا يرويه غيرهم يرجح عند الباحث المحقق التهمة، ويؤيد ضعف روايتهم،
وبذلك يتبين خطأ المؤلف هنا وخطؤه في كثير من كتبه في الحكم على أحاديث ضعاف بالترقي إلى الحسن مع هذه
العلة القوية. اهـ . كلام العلامة: أحمد شاكر رحمه الله ص ١٦. وهو كلام حسن جدًّا. والله أعلم.
(٢) انظر التوضيح ج ١ ص ١٩٦ .

٧٧
- الجُزْءُ الأولُ
٨٣- قَالَ أُبُو دَاوُدَ عَنْ كِتَابِهْ
ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِهْ
٨٤- وَمَا بِه وَهْنٌ أَقُلْ وَحَيْثُ لا
فَصَالِحٌ (*)، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا
٨٥- مَالَمْ يُضَعِّفْهُ وَلَا صَحَّ حَسَنْ
لَدَيْهِ (مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَمَنْ)
ولما بين أن الكتب الأربع من مظان الحسن شرع يبين شروطهم فيها على الترتيب مقدمًا
أبا داود؛ لأن شرطه أشد من شروط غيره على ما قيل(١) . فقال:
ذَكَرْتُ مَا صَحَّ وَمَا يُشَابِهُ
قَالَ أُبُو دَاوُدَ عَنْ كِتَابِهْ
فَصَالِحٌ، فَابْنُ الصَّلاحِ جَعَلا
وَمَا بِهِ وَهْنٌ أَقُلَّ وَحَيْثُ لا
لَدَيْهِ مَعْ جَوَازِ أَنَّهُ وَهَنْ
مَا لَمْ يُضَعِّفْهُ وَلَا صَحَّ حَسَنْ
(قال) الإمام الحافظ الحجة (أبو داود) سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن
شداد بن عمرو الأزدي السجستاني، ولد سنة اثنتين ومائتين، سمع أبا عمر الضرير،
ومسلم بن إبراهيم، والقعنبي، وعبد الله بن رجاء، وأبا الوليد الطيالسي، وخلقًا كثيرًاً
وحدث عنه الترمذي، والنسائي، وكتب عنه شيخه أحمد بن حنبل حديث العتيرة، وأراه
كتابه فاستحسنه، توفي بالبصرة في سادس عشر شوال سنة خمس وسبعين ومائتين، عن
ثلاث وسبعين سنة (عن كتابه) أي: مبينًا عن شأن كتابه السنن الشهير الذي قال هو عنه:
كتبت عن النبي وَل خمسمائة ألف حديث انتخبت منها هذه السنن فيه أربعة آلاف وثمانمائة
حديث، وقال زكريا الساجي: كتاب الله أصل الإسلام، وسنن أبي داود عهد الإسلام.
وقال النووي: ينبغي للمشتغل بالفقه ولغيره الاعتناء به، وبمعرفته المعرفة التامة، فإن معظم
(#) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: اختصر الحافظ عبد الحافظ عبد العظيم المنذري سنن أبي داود، وتكلم على
أحاديثها وأبان عن ضعف الضعيف منها مما لم يبينه أبو داود.
ولذلك قال كثير من العلماء بالحديث: إن ما سكت عنه أبو داود والمنذري فهو صالح للاحتجاج.
وهذا لا بأس به.
ومع ذلك فقد فاتهما بعض الأحاديث لم يذكرا عنها ضعفًا فعلى المنصف أن يدقق النظر ويحتاط في تصحيح
الأحاديث. والتوفيق من الله سبحانه.
(١) قلت: هذا غير صحيح، بل شرط النسائي أشد، وقد استوفيت ذلك في مقدمة شرح النسائي، وإنما قدموا
بقية السنن عليه لتأخر وفاته عنهم .

٧٨
شرع الفِيطُالسُوطِ
أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه، مع سهولة تناوله، وتلخيص أحاديثه، وبراعة
مصنفة، واعتنائه بتهذیبه. ا هـ. أي قال في ذکر شأن کتابه ما معناه (ذكرت) فیه (ما صح)
أي الحديث الصحيح (وما يشابه) أي يشابه الصحيح، ونصه كما قال السخاوي نقلاً عن
تاريخ الخطيب البغدادي من طريق أبي داسة عنه: ذكرت في كتابي الصحيح، وما يشبهه،
ويقاربه، قال السخاوي: والواو هنا للتقسيم، أو لغيره من أنواع العطف المقتضي
للمغايرة، ولا شك فيها هنا فما يشبه الشيء، وما يقاربه ليس به، ولذا قيل: إن الذي
يشبهه هو الحسن، والذي يقاربه الصالح، ولزم منه جعل الصالح قسمًا آخر. اهـ (١).
وقال أبو داود أيضًا: (وما) أي الحديث الذي (به) أي فيه (وهن) بالفتح كالوعد، أي
ضعف شديد، فالتنوين للتعظيم (أقل) أي أبين وهنه، وجزمه للضرورة، والجملة خبر ما
(وحيث لا) أذكر فيه شيئًا (فـ) هو (صالح) للاحتجاج به، كما قال العراقي، أو صالح
للأعم من ذلك كما ذكره الحافظ احتمالاً .
وحاصل ما ذكره أبو داود عن كتابه أنه يقول: ذكرت في كتابي الصحيح، وما يشبهه،
وما يقاربه، وإذا كان فيه حديث فيه ضعف شديد بينته، وما لم أذكر فيه شيئًا فهو صالح.
(تنبيه): قال الحافظ السخاوي: وتردد شيخي - يعني الحافظ بن حجر - في محل
هذا البيان أهو عقب كل حديث على حدة، ولو تكرر ذلك الإِسناد بعينه، أو يكتفي
بالكلام على وهن إسناد مثلاً، فإذا عاد لم یبینه اكتفاء بما تقدم، ویکون كأنه قد بينه؟
وقال: هذا الثاني أقرب عندي، قال السخاوي: على أنه لا مانع من أن يكون سكوته هنا
لوجود متابع أو شاهد.
قال شيخنا: وقد يقع البيان في بعض النسخ دون بعض، ولا سيما رواية أبي الحسن ابن
العبد، فإن فيها من كلام أبي داود شيئًا زائدًا على رواية اللؤلؤي. وسبقه إلى ذلك ابن
كثير، فقال: الروايات عن أبي داود لكتابه كثيرة جدًّا، ويوجد في بعضها من الكلام، بل
والأحاديث ما ليس في الأخرى. قال: ولأبي عبيد الآجري أسئلة عن أبي داود في الجرح
والتعديل والتصحيح والتعليل كتاب مفيد، ومن ذلك أحاديث ورجال قد ذكرها في سننه
فقط، أو مطلقًا، وقال: إنه مما ينبغي التنبيه عليه والتيقظ له. انتهى.
قال السخاوي: والظاهر الأول، ولكن يتعين ملاحظة ما وقع في غيرها مصرحًا فيه
(١) فتح المغيث ج ١ ص ٨٨ .

٧٩
الجُزُءُ الأولُ
٨٦- فَإِنْ يَقُلْ: قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ
(قُلْنَا: احْتيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهْ )
بالضعف الشديد مما سكت عليه في السنن لا مطلق الضعف، وكذا ينبغي عدم المبادرة لنسبة
السكوت إلا بعد جمع الروايات واعتماد ما اتفقت عليه لما تقدم. وقد صرح ابن الصلاح
وتبعه النووي بذلك في نسخ الترمذي، حيث قرر اختلافها في التحسين والتصحيح. اهـ.
كلام السخاوي رحمه الله (١). (فا) لإمام أبي عمرو (ابن الصلاح) رحمه الله (جعلا) بألف
الإِطلاق (ما) أي الحديث الذي (لم يضعفه) أبو داود في سننه (ولا صح) عند غيره من
المعتمدين الذين يميزون بين الصحيح والحسن (حسن) مفعول ثانٍ لجعل، وقف عليه بالسكون
على لغة ربيعة (لديه) أي عند أبي داود (مع) بسكون العين لغة في فتحها (جواز) أي احتمال
(أنه) أي ما سكت هو عليه (وهن) بفتح الواو والهاء، يحتمل أن يكون مصدرًا، أي ذو
وهن، وأن يكون فعلاً ماضيًا، يقال: وهن كوعد، وورث، وكرم، ووجل في العمل، وهنا
بفتح فسکون ويحرك : ضعف، أفاده في «ق » وشرحه، أي مع احتمال ضعفه عند غيره.
ونص عبارة ابن الصلاح بعد ذكر ما قاله أبو داود: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه
مذكوراً مطلقًا، وليس في أحد الصحيحين، ولا نص على صحته أحد ممن يميز بين
الصحيح والحسن عرفناه بأنه من الحسن عند أبي داود، وقد يكون في ذلك ما ليس بحسن
عند غيره، ولا مندرج فيما حققنا ضبط الحسن به على ما سبق إلى آخر كلامه.
(تتمة): قوله: (مع جواز أنه وهن) ، من زیاداته.
ولما اعترض على ابن الصلاح الحافظ أبو بكر بن رشيد (٢) في قوله هذا قائلاً: ليس
يلزم من ذلك كونه حسنًا عند أبي داود إذ قد يكون صحيحًا عنده، واستحسنه أبو الفتح
اليعمري أشار الناظم إليه مع الجواب عنه بقوله:
فَإِنْ يَقُلْ : قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ لَهْ
قُلْنَا: احْتِيَاطًا حَسَنًا قَدْ جَعَلَهُ
(فإن يقل) بالبناء للمفعول، أي فإن قال قائل معترضًا على ابن الصلاح كما أبداه ابن
رشيد المذكور (قد يبلغ) ما سكت عنه أبو داود (الصحة له) أي لأبي داود، أي عنده، وإن
لم يكن صحيحاً عند غيره فكيف يقتصر ابن الصلاح على الحكم بحسنه فقط (قلنا) جوابًا
على اعتراضه (احتياطًا) أي لأجل احتياطه (حسنًا قد جعله) ابن الصلاح، إذ الصالح
(١) فتح ج ١ ص ٨٨ - ٨٩ .
(٢) هو العلامة محمد بن عمر بن محمد المعروف بابن رشيد مصغرًا (٦٥٧ - ٧٢١).

٨٠
شَرْع الْفُُّ الشَّيُوطِيّ _-
٨٧- فَإِنْ يَقُلْ: فَمُسْلِمٌ يَقُولُ : لا
يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبَلا
٨٨- فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّق
وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي
٨٩- هَلَّ قَضَى فِي الطَّبَقَات الثَّانِيَهْ
بالْحُسْنِ مِثْلَ مَا قَضَى فِي المَاضِيَهْ
٩٠- أَجِبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فِيهِ شَرَطْ
مَا صَحَّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الْحُسْنِ يُحَطْ
للاحتجاج لا يخرج عن الصحيح والحسن، ولا يرتقي إلى الصحة إلا بنص، وحينئذٍ
فالاحتياط الاقتصار على الحسن.
وحاصل الجواب: أن ابن الصلاح إنما ذكر ما نعرف به الحديث الذي سكت عنه
أبو داود؛ لأنه يحتمل أن یکون صحیحًا، وأن یکون حسنًا عنده، كما يحتمل أن يكون
ضعيفًا عند غيره، فالأولى أن يحمل على أنه حسن عنده، ولا يرتقي إلى درجة الصحة،
وإن جاز أن يبلغها؛ لأنه الأحوط .
ولما اعترض عليه أيضًا ابن سيد الناس (١) بأمر آخر أشار إليه مع الجواب عنه بقوله:
يَجْمَعُ جُمْلَةَ الصَّحِيحِ النُّبسلا
فَإِنْ يُقَلَ : فَمُسْلِمٌ يَقُولُ : لا
وَإِنْ يَكُنْ فِي حِفْظِهِ لا يَرْتَقِي
فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ لِلْمُصَدَّق
بالحُسْنِ مِثْلَ مَاقَضَى فِي الَاضِيَهْ
هَلَّ قَضَى فِي الطَّقَاتِ الثَّانِيَهُ
مَا صَحَّ فَامْنَعْ أَنْ لِذِي الْحُسْنِ يُحَطْ
أَجبْ بِأَنَّ مُسْلِمًا فيه شَرَطْ
(فإنَ يُقْلَ) بالبناء للمفعول، أيضًا، أي إن قال قائل معترضًا عليه كما أبداه ابن سيد
الناس اليعمري (فمسلم) صاحب الصحيح (يقول) في مقدمة صحيحه ما معناه (لا يجمع
جملة) الحديث (الصحيح) أي كل ما صح عن رسول الله مَلير (النبلا) بضم ففتح جمع
نبيل، من النبل بالضم، وهو الذكاء والنجابة كما في القاموس، أي الأئمة الأذكياء الذين
بلغوا الغاية في الحفظ والإتقان، كمالك، وشعبة، والسُّفيانين (فاحتاج) الإمام مسلم (أن
(١) هو العلامة محمد بن محمد بن محمد بن أحمد أبو الفتح اليعمري الأندلسي الشافعي القاهري المتوفى سنة
٧٣٤ عن ٦٣ سنة .