النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
- الجُزْءُ الأولُ
٣- وهذه أَلْفيَّةٌ تَحكِى الدَّرَرْ
منظومةٌ ضَمَّتُها عِلْمَ الأَثّرْ
٤- فائقةٌ أَلفيَّةَ العِراقِي
فِي الجَمْعِ والإِيجازِ وَآتِّسَاقِ
٥- واللهُ يُجْرِيْ سابِغَ الإِحْسان
لِيْ وَلَّهُ ولِذَوِيْ الإِيْمَانِ
ثم تحدث عن منظومته، فقال:
منظومةٌ ضَمَّنْتُها عِلمَ الأَثَرْ
وهذه أَلْفيَّةٌ تَحكى الدَّرَرْ
فِي الْجَمْعِ والإِيجازِ وَآتِّسَاقِ
فائقةٌ أَلْفيَّةَ العِرَاقِي
لِيْ وَلَهُ ولِذَوِيّ الإِيْمَانِ
واللهُ يُجْرِيْ سابِعَ الإِحْسان
(و) بعد ما تقدم فأقول (هذه) إشارة إلى المعاني الحاضرة في الذهن، تقدمت الخطبة،
أو تأخرت، وفيه احتمالات أخر مذكورة في المطولات، وهو مبتدأ خبره قوله (ألفية) أي
أرجوزة منسوبة إلى ألف إن كانت من كامل الرجز، أو إلى ألفين إن كانت من مشطوره،
ولا يرد عليه ما فيه من اللبس، لأنهم لا يبالون به في النسب كما قال ابن مالك :
ومثل ذا في جمع تصحيح وجب
وعلم التثنية احذف للنسب
(تحكي) أي تشابه (الدرر) جمع درة، وهي اللؤلؤة العظيمة الكبيرة، أي تشابهها في
النفاسة، وعزة الوجود، ورفعة القيمة، والجملة صفة لـ ((ألفية)).
(منظومة) صفة كاشفة بعد صفة، أو حال (ضمنتها) أى جعلت فيها، يقال: ضمنت
الشيء کذا: أي جعلته محتویا علیه فتضمنه، أي فاشتمل عليه، واحتوى قاله في
المصباح، وهو من باب جعل المدلول في الدال، أو جعل الجزء في الكل، قاله الشارح.
وقوله (عالم الأثر) أي مسائله، مفعول ثان لـ((ضمنت))، وهو من إضافة العام إلى
الخاص، كشجر أراك.
والأثر بفتح الهمزة والثاء لغة: بقية الشيء، واصطلاحًا: الحديث مرفوعًا كان أو
موقوفًا على المعتمد، ومنه شرح معاني الآثار للإمام الطحاوي، لاشتماله عليهما، وإن
قصره بعض الفقهاء على الموقوف كما سيأتي. أفاده السخاوي(١).
وعلم الأثر: أي الحديث يطلق على معنيين: علم الحديث دراية، وعلم الحديث
(١) فتح ج ١ ص ٣ .
٢٢
شَرْع ◌ِفِيَةُ السَّيُوطِيّ -
رواية، والأول هو المقصود هنا، ويسمى علم مصطلح الحديث، وعلم مصطلح الأثر،
وهو: علم يبحث فيه عن كيفية اتصال الأحاديث برسول الله وَلخلقه، من حيث أحوال نقلتها
ضبطًا وعدالة، ومن حيث كيفية السند اتصالاً وانقطاعًا، وغير ذلك. والجملة صفة بعد
صفة لـ ((ألفية)) أو حال منها.
(تنبيه): اشتهرت هذه الألفية باسم ((ألفية السيوطي في علم الحديث)) وسماها الشارح
الترمسي - بـ ((منظومة علم الأثر)) والذي ثبت في شرح الناظم أنه سماها ((نظم الدرر في
علم الأثر)) وهذا هو الذي ينبغي اعتماده ولا يجوز العدول عنه إلى غيره؛ لكونه من وضع
المؤلف، فليتنبه. والله الهادي إلى سواء السبيل.
(فائقة) بالرفع، أو بالنصب كـ((منظومة))، من فاق الرجل أصحابه يفوقهم: فضلهم،
ورجحهم، أو غلبهم. قاله في المصباح (ألفية العراقي) بالنصب مفعول به لـ ((فائقة)).
والعراقي: هو الإمام الحافظ الأثري زين الدين عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن
ابن العراقي، نسبه إلى عراق العرب، وهو القطر الأعم، المتوفي سنة ست وثمانمائة، عن
أزيد من إحدى وثمانين سنة (في الجمع) للأنواع متعلق بـ ((فائقة)) (والإيجاز) للألفاظ مع
كثرة المعاني (واتساق) أي انتظام بعضها مع بعض على وجه المناسبة وإنما لم يفعل العراقي
ذلك مسايرة لأصله مقدمة ابن الصلاح، فإنه أملاها شيئًا فشيئًا، ورأى إلقاءها كذلك خيراً
من طلب حسن الترتيب، لأنه يحتاج إلى فراغ كثير، لجمعه ذلك من متفرقات كتب من
تقدمه، کتصانيف الخطيب.
(والله) عز وجل، مبتدأ، خبره قوله (يجري) من الإجراء بالراء، وجوز الشارح كونه
من الجزاء، لكن يحتاج إلى إثبات نقله من الناظم (سابغ الإحسان) بالنصب مفعول به
لـ((يجري))، وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي الإِحسان السابغ، أي التام المتسع،
يقال: سبغت النعمة سبوغًا: اتسعت، وأسبغها الله: أفاضها، وأتمها. قاله في المصباح.
والمراد به الجنة (لي) متعلق بـ ((يجري))، بدأ بنفسه لأنه السنة (وله) أي للعراقي، ودعا له
لأنه مرشده إلى هذا التأليف حيث اقتدى به (ولذوي) أي أصحاب (الإيمان) أي التصديق
الجازم بكل ما علم مجيئه وَلا به بالضرورة إجمالاً في الإجمالي، وتفصيلاً في التفصيلي،
وعمم بالدعاء لهم اقتداء بالنبي ◌َّ، حيث كان يدعو للمؤمنين والمؤمنات؛ امتثالا لقوله
تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية [ محمد: ١٩].
٢٣
- الجُزْءُ الأولْ
حد الحديث ، وأقسامه
٦- (علمُ الحديث : ذُو قوانينَ تُحَدْ
يُدْرَى بها أَحْوَاَلُ مَتْنِ وَسَنَّدْ
اصـ
٧- فَذَاَنكَ الموضوعُ، والمقصودُ
أَنْ يُعرَفَ المقبُولُ والَردُودُ
حد الحديث وأقسامه
أي هذا مبحث حد الحديث، ومبحث أقسامه، والحد لغة: المنع، واصطلاحاً: ما يميز
الشيء عما عداه، وقدم البحث عنه ليكون الشارع في الفن على بصيرة، لئلا يضل سعيه،
إذ لو اندفع إليه قبل ذلك، لم يأمن فوات المطلوب، وضياع الوقت في غير مرغوب.
ثم إنه ترجم لشيئين، وذكر معهما غيرهما زيادة في الإفادة، لأنه ذكر الموضوع،
والفائدة، وتعريف السند والمتن، وغير ذلك، وذلك واقع في كلام البلغاء نظير حديث:
((هو الطهور ماؤه الحل ميتته )).
قال رحمه الله:
يُدْرَى بها أَحْوَالُ مَسْنِ وَسَنَدْ
عِلمُ الحديث : ذُو قوانينَ تُحَدْ
أَنْ يُعرَفَ المقبُولُ والمَّردُودُ
فَذَانِكَ الموضوعُ ، والمقصودُ
(علم) مصطلح أهل الحديث مبتدأ خبره قوله (ذو) أي صاحب (قوانين) مع
قانون، وهو القاعدة (تحد) أي تضبط تلك القوانين والجملة صفة لقوانين في محل جر
(يدرى) بالبناء للمفعول، ونائب فاعله أحوال أي يعرف (بها) أي بتلك القوانين
(أحوال متن) للحديث من صحة، وحسن، وضعف، ورفع، ووقف، وغير ذلك، مما
يأتي (و) أحوال (سند) له من صفات رجاله، وكيفية التحمل، والأداء، وغير ذلك مما
سيأتي أيضًا .
والجملة صفة قوانين، بعد صفة، أو في محل نصب حال (فذانك) أي المتن والسند،
تثنية (ذا) وعود الإشارة إلى المضاف إليه قليل، كما عاد الضمير إليه في قوله تعالى:
﴿ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الزمر: ٧٢]، أفاده بعض (١) المحققين الأعلام. وهو
مبتدأ، خبره قوله (الموضوع) أي موضوع علم الحديث دراية، وهو مصطلح الحديث،
وموضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتيه، فموضوع علم مصطلح أهل الحديث
(١) هو العلامة المحقق الشيخ محمد نور إدريس اليجِّي حفظه الله تعالى.
٢٤
183
٨- والسندُ: الإِخْبارُ عنْ طَرِيق
مَتْنِ كَاْلإِسْنادِ لَدَی فَرِيقِ
٩ - وَالْمَتْنُ: ما انْتَهَى إِلَيْهِ السَّنَدُ
مِنَ الْكَلامِ، والحديثَ قَيَّدُوا(*)
المتن والسند، وأما موضوع علم الحديث رواية فهو ذات رسول الله وَلا من حيث إنه رسول
الله ◌َيسير على ما قاله بعضهم (والمقصود) أي الفائدة، والغاية من علم الحديث هذا، وهو
مبتدأ، خبره قوله (أن يعرف المقبول) من الحديث، ليعمل به (والمردود) منه، ليجتنب، لأنه
إن وجدت فيه صفة القبول یؤخذ به، وإلا فلا .
وقد ذكر رحمه الله من المبادئ العشرة هنا ثلاثة (١): الحد، والموضوع؛ والفائدة، لأنها
المهم جدًّا. وقد ذكرت تمام المبادئ مع فوائد أخرى في الكبير، فراجعه تستفد.
قال رحمه الله:
مَثْن كَالإِسْنَادِ لَدَی فَرِيقِ
والسندُ: الإِخْبارُ عنْ طَرِيق
(والسند) المتقدم ذكره، مبتدأ خبره قوله (الإخبار) بكسر الهمزة مصدرًا (عن طريق
متن) متعلق بـ ((الإخبار))، أو بمحذوف حال من الإخبار، أي حال كونه ناشئًا عن طريق
متن.
والمعنى: أن السند هو إخبار المحدث بالحديث، ذاكراً طريقه أخذًا مما ارتفع من سفح
الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم: فلان سند؛ أي معتمد، سمي به
لاعتماد الحفاظ عليه في صحة الحديث وضعفه، وأما الإسناد فهو رفع الحدیث إلى قائله،
وهو متقارب مع السند في الاعتماد. وقال بعضهم: هما شيء واحد، وإليه أشار بقوله
(كالإسناد) خبر لمحذوف أي هو - أي السند - كائن كالإسناد من حيث المعنى (لدى فريق)
بالتنكير، وفي نسخة بالتعريف، أي عند طائفة من علماء الحديث.
مِنَ الْكَلامِ، والحديثَ قَبَّدُوا
وَالْمَثْنُ : ما انْتَهَى إِلَيْهِ السَّنَدُ
(١) والمبادئ العشرة هي المجموعة في قول بعضهم:
إن مبادي كل فن عشرة
ونسبة وفضله والواضع
مسائل والبعض بالبعض اكتفى
الحد والموضوع ثم الثمرة
والاسم الاستمداد حكم الشارع
ومن درى الجميع حاز الشرفا
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: حَدَّدُوا.
٢٥
- الجُزْءُ الأولْ
١٠- بِما أضيفَ لِلنَّبِيِّ قَوْلاً أوْ
فعْلاً وَتَقْرِيراً وَنَحْوَهَا حَكَوْا (*)
١١- وَقِيلَ : لا يَخْتَصُّ بِالمَرْفُوعِ
بَلْ جَاءَ للمَوْقُوفِ وَاَلَقْطُوعِ
فعْلاً وَتَقْرِيرًا وَنَحْوَهَا حَكَوْا
بما أُضيفَ لِلنَّبِيِّ قَوْلاً اوْ (١)
(والمتن) بفتح فسكون مبتدأ خبره قوله (ما انتهى إليه السند) أي ما بلغ إليه السند من
النهاية، يقال: انتهى الأمر إذا بلغ النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه، قاله في المصباح (من
الكلام) بيان لـ (ما)، وهو مشتق من الُمَاتَنَةِ، وهي المباعدة في الغاية، لأنه غاية السند، أو من
مَتَّنْتُ الكَبشَ: إذا شَقَقْتَ جِلدةَ بيضته، واستخرجتها، فكأَنَّ الُسنِدَ استخرج المتن بسنده، أو
من المتن بالضم، وهو ما صلب وارتفع من الأرض لأن المسند يقويه بالسند، ويرفعه إلى
قائله، أو من تَمْتِينِ القوس أي شدِّها بالعَصَبِ، لأن المسند يُقَوي الحديثَ بسنده (والحديث)
مفعول مقدم لقوله (قيدوا)، وفي نسخة ((حَدَّدُوا)) أي العلماء (ب) قولهم: (ما أضيف للنبي)
أي أسند، ورفع إلى النبي ◌َِّ، وهو لغة: ضِدُّالقديم، استعمل في قليل الخبر، وكثيره، لأنه
يَحْدُثُ شيئًا فشيئًا، واصطلاحاً: ما ذكره في النظم بقوله: ما أُضيف إلى النبي ◌ِّ . .
(قولاً) كقوله بَّر: ((إنما الأعمال بالنيات)) ونُصبَ على الحالية، أو خبرًا لكان
المحذوفة، أي سواء كان قولاً له، أو مفعولاً لفعل محذوف، أي أعني قولاً.
وقوله: (او فعلاً) عطف عليه، كصلاته مي ليه على الراحلة حيثما توجهت به، وقوله:
(وتقريرًا) عطف على ((قولاً))، والواو بمعنى ((أو))، كتقريره بّل خالد بن الوليد في أكله
الضبَّ عنده. وقوله (ونحوها) عطف على ((قولاً))، أو مفعول مقدم لقوله (حكَوا) وفي
نسخة ((رَوَوْا)) أي حَكَى ذلك العلماءُ الْحُفَّظُ، والجملة على الأول مستأنفة، أَتَّى بها تتميمًا
للقافية. ومثالُ النحوِ أو صافُهُ بِّلَه الخَلْقية بالفتح، ككونه أبيض ليس بالطويل البائن، ولا
بالقصير الُشّذَّب، أي المقطوع، والخُلُقِيَّة بضمتين، ككونه لا يواجه أحدًا بما يَكْرَهُ، ومنه
هَمُّهُ وََّ، كهمه بتنكيسِ ردائه في الاستسقاء، ودخولِ مكة من الحديبية، ومعاقبةٍ
المتخلفين عن الجماعة بالإحراق.
بَلْ جَاءَ للمَوْقُوفِ وَالَقْطُوعِ
وَقِيلَ : لا يَخْتَصُّ بِالمَرْفُوعِ
(##) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: خ: رَوَوا.
(١) بوصل الهمزة للوزن.
٢٦
شَرجع الفِرَةِ الشَّيُوطِىّ
١٢- فَهْوَ عَلَى هَذَا مُرادفُ الْخَبَرْ )
وَشَهَّرُوا شُمُولَ هَذَيْنِ الأَثَّرْ("
١٣- (وَالأَكْثَرُونَ) قَسَّمُوا هَذَيْ السَّنَنْ
إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ
وَشَهَّرُوا رِدْفَ الْحَديثِ وَالأَثَرْ
فَهْوَ عَلَى هَذَا مُرادفُ الْخَبَرْ
(وقيل) أي قال بعض علماء هذا الفن (لايختص) الحديث (بالمرفوع) إلى النبي ◌َّل
(بل) يعمه وغيره، فإنه (جاء) إطلاقه (للموقوف) أي على الموقوف، وهو ما أُضيف إلى
الصحابي، قولاً له، أو نحوه کما یأتي في محله.
(والمقطوع) هو ما أُضيف إلى التابعي كذلك (فهو) الفاء فصيحية، و((هو)) مبتدأ، أي:
الحديث (على هذا) جار ومجرور حال من ((هو)، أي حال كونه جاريًا على هذا القول الثاني، أو
متعلق بما بعده، وقوله: (مرادف الخبر) خبر المبتدإ، أي مُترادف معه. وفي القاموس مع شرحه:
الْتَرادِفُ: أن تكون أسماء لشيء واحد، وهي مُوَلَّدة، ومشتقة من تراكب الأشياء. اهـ.
والمعنى أن الحديث والخبر على هذا القول بمعنى واحد (وشهَّروا) أي عَدَّ العلماءُ
مشهورًاً (ردف) بالفتح، أي ترادف (الحديث والأثر) أي إتيان كل منهما بمعنى الآخر، وكذا
الخبر، وفي نسخة ((وشهَّروا شمول هذين الأثر))؛ والمعنى واحد، وهذا القول هو المختار،
وقيل: الخبر ما يُروَى عن النبي ◌َّرَ، والأثر عن الصحابة، قيل: والتابعين، ومن بعدهم،
وقيل: غيرُ ذلك.
وَالأَكْثَرُونَ قَسَّمُوا هَذِيْ السُّنَنْ
إِلَى صَحِيحِ وَضَعِيف وَحَسَنْ
(والأكثرون) مبتدأ خبره قوله: (قسموا) أي نوعوا (هذي) اسم إشارة للمؤنث أشار به
إلى ما هو معلوم حاضر في ذهن كل أحد (السنن) جمع سنة بالضم فيهما، وهي لغة:
الطريقة، واصطلاحًا: بمعنى الحديث المتقدم تعريفه (إلى صحيح، وضعيف، وحسن)
متعلق بـ ((قسموا))، والمعنى: أن أكثر أهل الحديث قسموا الحديث إلى ثلاثة أقسام:
صحيح، وضعيف ، وحسن. وإنما قيد بالأكثر الذي زاده على العراقي تنكيتًا على من
أطلقه، لأن فيه خلافًا، فإن بعضهم قال: الحديث صحيح، وضعيف فقط، والحسن
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: في المتن الذي شرحه الشيخ محمد محفوظ الترمسي المطبوع بالمطبعة الجمالية
سنة ١٣٣٢ هـ: ((وَشَهَّرُوا رِدْفَ الْحَدِيث وَالأَثَرْ)) أي: اشتهر عند العلماء ترادف الحديث والخبر والأثر.
والمراد بالنسختين واحد.
٢٧
- الجُزْءُ الأولُ
الصحيح
١٤ - حَدُّ الصَّحِيحِ: مُسنَدٌ بِوَصْلِه
بَنَقْلَ عَدْل ضَابِطِ عَنْ مِثْلِه
٠٠
١٥ - ولَمْ يَكُنْ شَذَّ(*) وَلَا مَُعَلَّلا
والحُكْمُ بِالصَّحَة وَالضَّعْف عَلَى
مندرج في أنواع الصحيح.
وأدرج الضعيف في السنن تغليبًا، وإلا فهو لا يسمى سُنَّةً، وقدمه على الحسن
للضرورة أو لمراعاة المقابلة بينه وبين الصحيح، أو لملاحظة صنع الأكثرين.
[تَتَمَّةٌ ] الزيادات على العراقي في هذا الباب:
من قوله: ((علم الحديث)) إلى قوله: ((فهو على هذا مرادف الخبر))، وقوله: ((والأكثرون)).
ثم ذكر القسم الأول بقوله:
الصحيح
أي: هذا مبحثه، وهو الأول من أنواع علوم الحديث، وهو لغة: ضِدُّ السقيم، وقَدَّمه
لشرفه .
حَدُّالصَّحِيحِ: مُسنَدٌ بِوَصْلِهِ بِنَقْلِ عَدْلِ ضَابِطْ عَنْ مثْله
(حد الصحيح) اصطلاحًا (مسند) أي حديث مرفوع إلىّ قائله (بوصله) أي مع وصل
سنده، أو بسبب وصله، فخرج به المُنْقَطع، والمُعضل، والمُرسل، والمُعلَّق، على تفصيل يأتي
(بنقل عدل) أي مع نقل عدل، أو بسبب نقله، وهو من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى،
والمروءة، وخرج به ما في سنده ضعيف، أو مجهول (ضابط) أي حازم ضبط صدر، وهو
إثبات ما سمعه حتى يتمكن من استحضاره متى شاء، حتى يؤديه، وضبط كتاب، وهو صونه
عن تطرق الخلل إليه من حين سماعه إلى وقت أدائه. والمراد تمام الضبط، لئلا يدخل في
التعريف الحسن لذاته. وخرج به ما في سنده راوٍ مغفل كثير الخطأ في روايته، وإن عرف
بالصدق، والعدالة. وقوله (عن مثله) أي عن العدل الضابط تصريح بما فهم مما قبله توضیحًا .
وحاصل معنى البيت أن حد الصحيح هو الحديث الذي اتصل إسناده مع عدالة ناقله
وضبطه.
ولَمْ يَكُنْ شَذَّا وَلَا مُعَلَّلا والحُكْمُ بِالصَّحَةِ وَالضَّعْفِ عَلَى
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: الأصل: ((شاذًّا)) وحذفت الألف الأولى لضرورة البحر.
٢٨
شَرْعُ لُِّ الشَّيُوخِى .
١٦ - ظاهره، لاالقَطْعِ، إِلَّ مَاحَوَى
كتابُ مُسلِمٍ أَوِ الْجُمْفِي (سِوَى
١٧ - ما انْتَقَدُوا) فَابْنُ الصَّلاحِ رَجَّحَا
قَطْعًا بِهِ، (وَكَمْ إِمَامٍ جَنَحَا)
١٨ - والنَّوَوِيْ رَجَّحَ فِي التَّقْرِيبِ
ظَنَّاً به، (وَالقَطْعُ ذُو تَصْوِيبٍ(*)
كتابُ مُسلِمٍ أَوِ الجُعْفِي سِوَى
ظاهره، لا القَطْعِ ، إِلَّ مَا حَوَى
قَطْعًا بِهِ ، وَكَمْ إِمَامٍ جَنَحَا
ما انْتَقَدُوا فَابْنُ الصَّلَاحِ رَجَّحًا
ظَنَّا بِهِ ، وَالقَطْعُ ذُو تَصْوِيب
والنَّوَوِيْ رَجَّحَ فِي النَّقْرِيبِ
(ولم يكن) الحديث المذكور (شذ) فعل ماض خبر ((يكن))، وقوله (ولا معللا) عطف
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: بعد أن عَرَّفَ المؤلّف الحديثَ الصحيحَ أراد أن يُبَيِّنَ أثرَهَ وحكمَه وهل هو
يوجب العلم القطعي اليقيني أو الظن؟ وهذه مسألة فيها خلاف معروف. أما الحديث المتواتر لفظًا أو معنى:
فإنه قطعي الثبوت، لا خلاف في هذا بين أهل العلم.
وأما غيره من الصحيح: فذهب بعضهم إلى أنه لا يفيد القطع، بل هو ظني الثبوت. وهو الذي رجَّحه
النووي في ((التقريب)).
وذهب غيرهم إلى أنه يفيد العلم اليقيني. وهو مذهب داود الظاهري والحسين بن علي الكرابيسي والحارث
ابن أسد المحاسبي، وحكاه ابن خويذ منداد عن مالك. وهو الذي اختاره وذهب إليه ابن حزم.
قال فى الأحكام: ((إن خبر الواحد العدل عن مثله إلى رسول الله ◌ِّلم يوجب العلم والعمل معًا)) ثم أطال
في الاحتجاج له والرد على مخالفيه في بحث نفيس (ج١ ص ١١٩ - ١٣٧) واختار ابن الصلاح أن ما أخرجه
الشيخان - البخاري ومسلم - في صحيحيهما أو رواه أحدهما: مقطوع بصحته، والعلم اليقيني النظري واقع
به. واستثنى من ذلك أحاديث قليلة تكلم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي
معروفة عند أهل هذا الشأن. هكذا قال في كتابه ((علوم الحديث)). ونقل مثله العراقي في ((شرحه على ابن
الصلاح)» عن الحافظ أبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف.
ونقله البلقيني عن أبي إسحاق وأبي حامد الإسفرائينيين والقاضي أبي الطيب والشيخ أبي إسحاق الشيرازي
من الشافعية، وعن السرخسي من الحنفية، وعن القاضي عبد الوهاب من المالكية، وعن أبي يعلى وأبي
الخطاب وابن الزاغوني من الحنابلة وعن أكثر أهل الكلام من الأشعرية وعن أهل الحديث قاطبة، وهو الذي
اختاره الحافظ ابن حجر والمؤلف. والحق الذي ترجحه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه ابن حزم ومن قال
بقوله: من أن الحديث الصحيح يفيد العلم القطعي، سواء أكان في أحد الصحيحين أم في غيرهما.
وهذا العلم اليقيني علم نظري برهاني لا يحصل إلا للعالم المتبحر في الحديث العارف بأحوال الرواة والعلل.
وأكاد أوقن أنه هو مذهب من نقل عنهم البلقيني ممن سبق ذكرهم، وأنهم لم يريدوا بقولهم ما أراد ابن
الصلاح من تخصيص أحاديث الصحيحين بذلك.
=
٢٩
الجُزْءُ الأولُ
-
على الخبر، والجملة عطف على خبر المبتدأ، والمعنى: أنه غير شاذ، وهو ما يخالف فيه
الثقة من هو أرجح منه، ولا معلل، وهو ما ظاهره الصحة، وبعد التفتيش اطلع على علة
قادحة فيه، فخرج الشاذ، والمعلل.
والحاصل أن شروط الحديث الصحيح على ما ذكره خمسة: اتصال السند، وعدالة الناقل،
وضبطه، وعدم الشذوذ، وعدم العلة. فإذا حصلت هذه الشروط حكمنا له بالصحة.
قلت: هكذا عرَّف الناظم رحمه الله تبعًا لغيره الحديث الصحيح، فاشترط فيه عدم
الشذوذ على المعنى الذي ذكر، ولي في اشتراطه نظر، قد حققته مع فوائد أخرى في
الكبير، فراجعه تستفد(١).
ثم إن هذا الحكم على الظاهر، لا على نفس الأمر، كما ذكره بقوله (والحكم) مبتدأ
(بالصحة) متعلق به، أي وكذا بالحسن (والضعف) بالفتح والضم (على ظاهره) جار
ومجرور خبر المبتدأ، أي حكم المحدثين على الحديث بالصحة والضعف وكذا الحسن فيما
يظهر لهم، عملاً بظاهر الإسناد، حيث اجتمعت فيه الشروط (لا القطع) مجرور عطفًا
على ظاهره، أي ليس الحكم على القطع في نفس الأمر، لجواز الخطأ والنسيان على الثقة،
والصدق والإصابة على الكاذب، ومن هو كثير الخطأ .
وحاصل المعنى: أنه إذا قيل: هذا الحديث الصحيح، فمعناه أنه اتصل سنده مع باقي
الشروط المذكورة، فيجب العمل به، عملاً بظاهر الإسناد، وكذا الحسن، وإذا قيل: هذا
حدیث ضعيف، فمعناه أنه لم يصح سنده على الشروط المذكورة فلا یعمل به، وليس المراد
أنه كذلك في نفس الأمر .
وهذا هو الصحيح عند أكثر أهل العلم. وقيل: إن خبر الواحد يوجب العلم.
قلت: هذا هو الراجح، كما قال الإمام أبو محمد بن حزم، وتبعه العلامة ابن القيم،
كما بينته في الكبير أتم بيان.
وهذا العلم اليقيني النظري يبدو ظاهرًا لكل من تبحر في علم من العلوم وتيقنت نفسه بنظرياته واطمأن قلبه
=
إليها، ودع عنك تفريق المتكلمين في اصطلاحاتهم بين العلم والظن، فإنما يريدون بهما معنى آخر غير ما نريد
ومنه زعم الزاعمين أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إنكارًا لما يشعر به كل واحد من الناس من اليقين بالشيء
ثم ازدياد هذا اليقين: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىْ وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِ﴾ [البقرة: ٢٦٠] وإنما الهدى هدى الله.
(١) خلاصة هذه المسألة أن اتصال السند، وعدالة الرواة، وضبطهم تمام الضبط، إذا توفرت للحديث، ثم لم توجد
بعد التفتيش علة تقدح فيه، فقد تكاملت شروط صحته، فلا يضره بعد ذلك مخالفة راوٍ من رواته لمن هو أكثر
عددًا مثلاً، لكونه ثقة حافظًا ضابطًا تمام الضبط؛ فيكون من باب زيادة الثقة، فتبصر. والله ولي التوفيق .
٣٠
شَخ الفُ الشّيُوخطي.
-
ثم ذكر استثناء أحاديث الشيخين، أو أحدهما بقوله:
(إلا ما) أي الحديث الذي (حوا) .: أي جمعه، يقال: حويت الشيء أحويه حواية،
بالفتح واحتويت عليه: إذا ضممته، واستوليت عليه. اهـ. المصباح (كتاب مسلم) بالرفع
فاعل ((حوى)) أي كتاب الإمام الحافظ الحجة أبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم
القشيري النيسابوري، ولد سنة أربع ومائتين، وتوفي في الخامس والعشرين من رجب سنة
إحدی وستین ومائتین، رحمه الله.
وقدم مسلمًا مع أن عادتهم تقديم البخاري لجلالته، للنظم (أو الجعفي) ((أو)) بمعنى
الواو، أي وكتاب الإمام الحافظ الحجة أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة
ابن بردزية الجعفي، بضم الجيم وسكون العين، وخفف الياء هنا للوزن، نسبة إلى يمان
الجعفي والي بخارى، ونسب إليه البخاري لأن المغيرة جده الأعلى أسلم على يديه، فنسب
إليه نسبة ولاء، ولد رحمه الله يوم الجمعة ثالث عشر شوال سنة أربع وتسعين ومائة.
وتوفي يوم السبت غرة شوال سنة ست وخمسين ومائتين، عن اثنتين وستين سنة، إلا
ثلاثة عشر يومًا. وقد جمع بعضهم ميلاده، وعمره، وموته رامزًا، في بيتين، فقال: (من
الكامل) :
جمع الصحيح مكمل التحرير
كان البخاري حافظًا ومحدثًا
فيها (حميد)(٢) وانقضى في (نور)(٣)
ميلاده (صدق)(١) ومدة عمره
ثم إن هذا الاستثناء ليس على إطلاقه، بل هو لما لم ينتقد عليهما، وأما ما انتقد
عليهما، فأشار إليه بقوله:
(سوى ما) أي غير الحديث الذي (انتقدوا) .: أي اعترض العلماء النقاد على هذين
الكتابين، كالدار قطني، وأبي مسعود الدمشقي، وأبي علي الغساني الجياني، وهي قليلة
سیأتي عددها.
(ف) الإِمام الحافظ تقي الدين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، ثم
الدمشقي المعروف بـ (ابن الصلاح) لقب أبيه صلاح الدين. توفي ابن الصلاح رحمه الله سنة
ثلاث وأربعين وستمائة (رجحا) بألف الإطلاق من الترجيح، يقال: رجحت الشيء
(١) هذه إشارة إلى الرموز الأبجدية لمدة ميلاده، فالصاد بتسعين، والدال بأربعة، والقاف بمائة، فتصير (١٩٤).
(٢) إشارة لمدة عمره، فالحاء: بثمانية، والميم بأربعين، والياء بعشرة والدال بأربعة، فالمجموع (٦٢).
(٣) إشارة لموته، النون بخمسين، والواو بستة، والراء بمائتين، فالمجموع (٢٥٦).
٣١
-
الجُزُءُ الأولُ
بالتثقيل: فضلته، وقويته. اهـ. المصباح (قطعا) مفعول ((رجح)) أي إفادة قطع (به) أي بما
حواه الكتابان، والمعنى: أن الإِمام ابن الصلاح - رحمه الله - رجح إفادة ما في هذين الكتابين
مما لم ينتقد عليهما العلم اليقيني النظري المقطوع بصدقه. وهذا دون التعليقات، والموقوفات،
والمقاطيع، فسيأتي حكمها (وكم) خبرية بمعنى عدد كثير، مبتدأ (إمام) مضاف إليه (جنحا)
أي مال إليه، والألف إطلاقية. والجملة خبر كم، أي: كثير من الأئمة مال إلى رأي ابن
الصلاح، فمنهم من سبقه، كالإمام محمد بن طاهر المقدسي، وأبي نصر عبد الرحيم بن عبد
الخالق بن يوسف، ومنهم من أتى بعده، كالإمام ابن كثير، والناظم، كما يأتي، وحكى ابن
كثير أن الإمام ابن تيمية رحمه الله حكى ذلك عن أهل الحديث، وعن السلف، وجماعة من
الشافعية، والحنابلة، والأشاعرة، والحنفية، وغيرهم (والنووي) بتخفيف الياء للوزن مبتدأ،
وهو الإِمام محيي الدين، أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري الحزامي الشافعي المولود سنة
إحدى وثلاثين وستمائة، والمتوفى ليلة الأربعاء رابع عشر رجب سنة ست وسبعين وستمائة
على المشهور، عن خمس وأربعين سنة، رحمه الله تعالى.
(رجح في التقريب) خبر المبتدأ، أي قوى في كتابه المسمى بالتقريب، المختصر من
الإِرشاد له المختصر من علوم الحديث لابن الصلاح (ظنًّا) مفعول رجح أي إفادة ظن (به)
متعلق بـ ((ظنًّا)) أي بما حواه الكتابان، قال رحمه الله: خالف ابن الصلاح المحققون
والأكثرون، فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر، قال: لأن ذلك شأن الآحاد، ولا فرق في
ذلك بين الشيخين وغيرهما، لكن الصواب ما تقدم لابن الصلاح كما أشار إليه الناظم
بقوله (والقطع ذو تصويب) مبتدأ وخبر، أي القول بإفادة ما في هذين الكتابين القطع
بصدقه صاحب صواب، يقال: صوبت قوله: قلت: إنه صواب، والصواب ضد الخطأ
أفاده في المصباح، فتصويب بمعنى صواب إطلاقًا للمسبب على السبب.
وحاصل المعنى: أن القول بالقطع، وهو قول ابن الصلاح هو الصواب.
قال ابن كثير: وأنا مع ابن الصلاح فيما عول عليه، وأرشد إليه، وقال الناظم (١): وهو
الذي اختاره، ولا اعتقد سواه. اهـ. تدريب.
قلت: وأنا مع الذين قالوا: إن خبر الواحد إذا صح؛ مفيد للعلم سواء كان في
الصحيحين أو في غيرهما، وإنما الذي في الصحيحين ميزته أن يكون أقوى عند الترجيح،
(١) تدريب ج١ ص ١٣١ - ١٣٤.
٣٢
شَرْجُ الفَُّ السَّيُوطِى
١٩- وَلَيْسَ شَرْطًا عَدَدٌ، وَمَنْ شَرَطْ
رِوَآَيَّةَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا غَلَطَ)
٢٠- والوَقْفُ عَنْ حُكْمِ (لِمَتْنِ أَوْ) سَنَدْ
بِأَنَّهُ أَصَحُ مُطلَقَا أَسَدْ
وأدلة ذلك بالتفصيل مذكورة في الكبير.
ثم إن ما ذكر من الشروط الخمسة للصحيح هو المعول عليه عند الأكثرين، وزاد عليه
بعض من لا يعتد بقوله اشتراط تعدد الرواة، وإلى رد ذلك أشار بقوله:
وَلَيْسَ شَرْطًا عَدَدٌ، وَمَنْ شَرَطْ
رِوَايَةَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًّا غَلَطَ
(وليس شرطًا) خبر ليس مقدم على اسمها، وهو (عدد) أي رواية متعدد، أي ليس
تعدد الرواة شرطًا في صحة الحديث، بل المعتبر فيه هي الشروط الخمسة المتقدمة على ما
قدمته من المناقشة في الشاذ، سواء رواه متعددون، أم لا؟ (ومن) شرطية، أو موصولة مبتدأ
(شرط) من بابي ((ضرب))، و((قتل))، في صحة الحديث (رواية اثنين) من الرواة (فصاعداً)
أي حال كونه زائداً على ذلك (غلط) بكسر اللام جواب الشرط، أو خبر المبتدأ، يقال:
غلط في منطقه، كفرح: أخطأ وجه الصواب، لكن يلزم على هذا عيب السناد، وهو وإن
كان جائزًا للمولدين فالأولى جعل غلط بفتح اللام، مصدراً على حذف مضاف، خبر مبتدأ
محذوف مع الرابط، أي فهو ذو غلط، هذا في الشرطية، وأما في الموصولة فهو خبر من
على حذف مضاف أيضًا، أي الذي شرط في صحة الحديث رواية راويين فصاعدًا ذو غلط.
وهذا القول محكي عن ابن علية(١)، وبعض المعتزلة.
بأَنَّهُ أَصَحُ مُطلَقًا أَسَدْ
والوَقْفُ عَنْ حُكْمِ لِمَتْنِ أَوْ سَنَدْ
(والوقف) مبتدأ، أيّ التوقف(عن حكم) متعلَّق به (لمتن أو سند) متعلق بـ ((حكم)) (بأنه
أصح) من غيره متعلق بـ ((حكم)) أيضًا (مطلقًا) حال من حكم، أي حال كون الحكم على
سبيل الإطلاق، أي من غير تقييد بصحابي، أو بلد مثلا (أسد) خبر المبتدأ، أي أكثر
سدادًا، بالفتح، وهو الصواب.
ومعنى البيت: أن التوقف عن الحكم لأي متن كان، أو أي سند بكونه أصح على
الإطلاق هو الصواب، والمختار من أقوال المحدثين، وذلك لأن تفاوت مراتب الصحة
(١) هو إبراهيم بن إسماعيل بن علية، وهو جهمي هالك، كان يناظر، ويقول بخلق القرآن، ت سنة ٢١٨ هـ.
انظر ميزان الاعتدال ج١ ص ٢٠ .
٣٣
الجُزْءُ الأُولُ
-
٢١ - وآخَرُونَ حَكَمُوا فاضْطَرَبُوا
(لفَوق عَشْرِ ضُمَّتْهَا الْكُتْبُ):
٢٢ - فَمَالكُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ سَيِّدْ (*)
( ※※ )。
وَزِيَدَ مَا لِلشَّافِعِيْ فَأَحْمَدِهْ
مرتب على تمكن الإِسناد من شروط الصحة. ويعز وجود أعلى درجات القبول في كل
واحد من رجال الإسناد الكائنين في ترجمة واحدة، ولهذا اضطرب من خاض في ذلك،
إذ لم يكن عندهم استقراء تام، وإنما رجح كل منهم بحسب ما قوي عنده، خصوصًا إسناد
بلده، لكثرة اعتنائه به، وخلاف الصواب ما ذكره بقوله:
وَآخَرُونَ حَكَمُوا فَاضْطَرَبُوا
(لِفَوقِ عَشْرِ ضُمَّتْهَا الْكُتُبُ)
(وآخرون) مبتدأ خبره قوله: ((حكموا)) أي: جماعة من المحدثين غير من توقف عن
الحكم (حكموا) بالأصحية على الإطلاق على بعض الأسانيد (فاضطربوا) أي اختلفوا في
التعيين، لاختلاف أنظارهم؛ لأنه لم يكن عندهم الاستقراء التام، وإنما رجح كل منهم
بحسب ما قوي عنده، وقوله (لفوق عشر) جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لمصدر
محذوف، أي اضطرابًا منتهيًا لفوق عشر، أو حال منه أي حال كون الاضطراب منتهيًا إلى
فوق عشر، أو متعلق بفعل محذوف معطوف على الفعل أي وانتهت أقوالهم لفوق عشر
من الأقوال، وقوله (ضمنتها الكتب) فعل ونائب فاعله صفة لـ ((فوق عشر))، أي جعلت
الكتب محتوية عليها، يقال: ضمنت الشيء كذا: جعلته محتویا علیه، فتضمنه، أي:
فاشتمل علیه، واحتوى.
ثم شرع الناظم يعدد بعض تلك الأقوال بقوله:
فَمَالِكٌ عَنْ نَافِعِ عَنْ سَيِّدِهِ
وَزِيدَ مَا لِلشَّافِعِيْ فَأَحْمَدِهْ
والفاء فصيحية، أي إذا أردت أن تعرف بعض تلك الأقوال، (فـ) أقول لك: أصح الأسانيد
مطلقًا (مالك) بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، أبوعبد الله
المدني، إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الأربعة، له نحو ألف حديث، ولد سنة ثلاث وتسعين،
وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة، عن ست وثمانين سنة، ودفن بالبقيع، فـ((مالك)): مبتدأ
حذف خبره أي أصح الأسانيد، أو خبر لمحذوف أي أصح الأسانيد مالك إلخ.
(*) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يعني: ابن عمر رضي الله عنهما.
( ** ) قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله: يعني: أحمد بن حنبل عن الشافعي.
٣٤
شَرْجُ الفِيَّةُ الشَّيُوطِيّ -
(عن نافع) متعلق بحال محذوف أي حال كونه راويًا عن نافع العدوي، قيل اسم أبيه
هرمز، أبو عبد الله المدني، أحد الأعلام، وهو غير نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم
المقرئ، يروي عن نافع هذا، مات نافع- رحمه الله-سنة عشرین ومائة، حال كونه نافع
آخذاً (عن سيده) أي مولاه عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبي عبد الرحمن ولد بعد
المبعث بيسير، وهاجر مع أبيه واستصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وشهد
الخندق، وبيعة الرضوان، له ألفان وستمائة وثلاثون حديثًا أخرج الشيخان منها ٢٨٠
حديثًا، المتفق عليه منها ١٦٨ حديثًا، وانفرد البخاري ٨١، ومسلم ٣١ حديثًا. انظر المجتبى
لابن الجوزي ص ٧٢ ، مات رضي الله عنه سنة أربع وسبعين عن أربع وثمانين سنة .
وهذا القول للبخاري رحمه الله، أخرجه الحاكم بسنده عنه، قال في التدريب: وهذا
أمر تميل إليه النفوس، وتنجذب إليه القلوب.
روى الخطيب بسنده عن يحيى بن بكير أنه قال لأبي زرعة الرازي: يا أبا زرعة ليس ذا
زعزعة عن زوبعة (١)، إنما ترفع الستر، فتنظر إلى النبي ◌َّ والصحابة، ((حدثنا مالك، عن
نافع، عن ابن عمر)). اهـ. تدريب ج١ ص. ٧٨ .
(وزيد) على مالك في هذا السند (ما) أي الحديث الذي (لـ) لإمام الأعظم أحد أئمة
الأعلام محمد ابن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبید بن عبد یزید
ابن هاشم بن المطلب بن عبد مناف القرشي أبي عبد الله (الشافعي) رحمه الله، ولد سنة
خمسين ومائة، وتوفي في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، عن أربع وخمسين سنة .
والمعنى أنه زيد في هذا السند المذكور الحديث الذي رواه الشافعي عن مالك إلخ. لأنه
أجل من أخذ عنه. هكذا زاده الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي، فذكر أن
أجل الأسانيد الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، واحتج بإجماع أهل الحديث
على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل منه (فأحمده) بالجر عطفًا على الشافعي، والهاء
ضمير راجع إلى الشافعي على حد قوله: (من الطويل):
علا زيدنا يوم النقي رأس زيدكم
أضافه إليه لا ختصاصه بكونه أجل من أخذ عنه، أي زاد الصلاح العلائي شيخ
العراقي ما لأحمد، عن الشافعي إلخ. لأنه أجل من أخذ عن الشافعي.
(١) قوله زعزعة: هي تحريك الريح الشجرة ونحوها وكل تحريك شديد .
قوله زوبعة: هي الإعصار التي رفع التراب في الجو وتستدير كأنها عمود. اهـ . من هامش الشرح.
٣٥
الجُزُءُ الأولُ
-
٢٣ - وَأَبْنُ شهابٍ عَنْ عَلِيٌّ عَنْ أَبِهْ
عَنْ جَدِّهِ، أَوْ سَالِمٍ عَمَّنْ نَبِهْ
وأحمد: هو الإِمام الأوحد الفقيه الحافظ الحجة أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني،
أبو عبد الله المروزي، ثم البغدادي، ولد سنة أربع وستين ومائة، وتوفي في ربيع الأول،
وقيل: في رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين، عن سبع وسبعين سنة رحمه الله.
(تنبيه) قول الناظم فيما مر: لمتن، وتعبيره هنا بما مرادًا بها الحديث فيه إشارة إلى أن
الأصحية كما تطلق على الأسانيد تطلق على المتون أيضًا وهذا قاله تبعًا لابن الصلاح زيادة
على العراقي، قال الحافظ رحمه الله: إن من لازم قول بعضهم: إن أصح الأسانيد ما رواه
أحمد، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر أن يكون أصح الأحاديث
الحديث الذي رواه أحمد بهذا الإسناد، فإنه لم يرو في مسنده به غيره (١) فيكون أصح
الأحاديث على رأي من ذهب إلى ذلك(٢).
عَنْ جَدِّ، أَوْ سَالِم عَمَّنْ نَبِهْ
وَأَبْنُ شِهابٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبَهُ
(و) قيل: أصح الأسانيد الإمام الحجة محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله (ابن
شهاب) ابن عبد الله بن الحارث بن زهرة القرشي الزهري، أبو بكر المدني، له نحو ألفي
حدیث .
قال رحمه الله: ما استودعت قلبي شيئًا فنسيته، مات سنة أربع وعشرين ومائة. فابنُ
شهاب خبر لمحذوف أي أصح الأسانيد ابن شهاب (عن علي) حال من ابن شهاب، أي
حال كونه راويًا عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبي الحسين، زين
العابدين المدني، مات سنة اثنتين وتسعين، وقيل: غير ذلك (عن أبه) على لغة النقص،
كما في قوله: (من الرجز)
بأبه اقتدى عدي في الكرم ومن يشابه أبه فما ظلم
وإعرابه كسابقه، وأبوه هو الحسين بن علي المذكور، سبط رسول الله مَ ل﴾، وريحانته،
استشهد بكربلاء، من أرض العراق، يوم عاشوراء، سنة إحدى وستين، عن أربع
وخمسين سنة (عن جده) أي جد علي، وهو علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، أبو الحسن،
روى عن النبي ◌ُّ خمسمائة وستة وثمانين حديثًا، اتفق الشيخان منها على عشرين،
(١) وهو حديث: ((لا يبع بعضكم على بيع بعض))، ونهى عن النجش، ونهى عن بيع حبل الحبلة، ونهى عن
المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر کیلاً، وبین الکرم بالزبيب کیلاً)).
(٢) تدريب جـ ١ ص ٧٧ .
٣٦
شَرْع الْفُِّ الشَّيُطِىّ -
٢٤- ( أَوْ عَنْ عُبَيْدِ الله عَنْ حَبْرِ البَشَرْ
هُوَ ابْنُ عَباسٍ وَهَذَا عَنْ عُمَرْ
وانفرد البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، مات شهيدًا من ضربة عبد الرحمن بن
ملجم المرادي بسيف مسموم في جبهته ليلة سبع عشرة من رمضان ليلة الجمعة، فتوفي في
الكوفة ليلة الأحد التاسع عشر من رمضان سنة أربعين، عن ثلاث وستين سنة.
وهذا القول لعبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف، وأبي بكر بن أبي شيبة صاحب
المسند والمصنف، كما أخرجه الحاكم بسنده عنهما (أو) لتنويع الخلاف، أي أصح
الأسانيد على رأي بعضهم ابن شهاب الزهري، عن (سالم) بن عبد الله بن عمر بن
الخطاب العدوي المدني، أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، كما قال الحافظ العراقي
في ألفيته :
خارجة القاسم ثم عروة
وفي الكبار الفقهاء السبعة
سعيد والسابع ذو اشتباه
ثم سليمان عبيد الله
أو فأبو بكر خلاف قائم
إما أبو سلمة أو سالم
مات رحمه الله سنة ستِّ ومائة على الأصح. حال كونه آخذًا (عمن نبه) أي عن
شخص شريف، وفطن، يقال: نبه، كـ((كرم وفرح)): فطن، والأولى هنا ضبطه كفرح
لئلا یلزم عیب السناد، وإن كان جائزًا للمولدین.
ويحتمل أن يكون صفة مشبهة، كفطن، فتكون من نكرة موصوفة بمفرد، كما يقال:
مررت بمن معجب لك. والمراد بمن نبه هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وهذا القول مروي عن أحمد وإسحاق بن راهويه رحمهما الله.
(أَوْ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ عَنْ حَبْرِ البَشَرْ
هُوَ ابْنُ عَبَاسِ وَهَذَا عَنْ عُمَرْ
(أو) لتنويع الخلاف أيضًا، أي قال بعضهم: أصح الأسانيد ابن شهاب الزهري (عن
عبيد الله) بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أبي عبد الله الأعمى، أحد الفقهاء السبعة
المتقدم ذکرهم، مات سنة أربع وتسعین، وقيل: ثمان، وقيل: تسع. حال کونه راویًا (عن
حبر البشر) أي عالم هذه الأمة بدعاء النبي ◌ُّ له، وفي المصباح: الحِبر أي بالكسر العالم
والجمع أحبار مثل حمل وأحمال، والحبر بالفتح لغة فيه، وجمعه حبور، مثل فلس،
وفلوس، واقتصر ثعلب على الفتح، وبعضهم أنكر الكسر. اهـ.
(هو) أي حبر البشر عبد الله (ابن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي، له ألف وستمائة
٣٧
- الجُزُءُ الأولْ
٢٥- وَشُعْبَةٌ عَنْ عَمْرو ابْنِ مُرَّهْ
عَنْ مُرَّةٍ عَنِ ابْنِ قَيْسِ كَرَّهُ
ء
وستة وتسعون حديثاً، اتفقا على خمسة وسبعين، وانفرد البخاري بثمانية وعشرين،
ومسلم بتسعة وأربعين، مات سنة ثمان وستين بالطائف رحمه الله ورضي عنه(وهذا)
مبتدأ، أي ابن عباس (عن عمر) جار ومجرور خبره، والجملة حال من حبر البشر، أي:
حال كون الحبر راويًا عن عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، العدوي، أبي حفص،
أحد الخلفاء الراشدين، له خمسمائة وتسعة وثلاثون حديثًا، اتفقا على عشرة، وانفرد
البخاري بتسعة، ومسلم بخمسة عشر، استشهد في آخر سنة ثلاث وعشرين، ودفن في
أول سنة أربع وعشرين، وهو ابن ثلاث وستين سنة، ودفن في الحجرة النبوية رضي الله
عنه. وهذا القول منقول عن النسائي.
عَنْ مُرَّةٍ عَنِ ابْنٍ قَيْس ◌َرَّةً
وَشُعْبَةٌ عَنْ عَمْرِو ابْنِ مُرَّهْ
(و) قيل: أصح الأسانيد (شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي مولاهم الحافظ
الواسطي، نزيل البصرة، له نحو ألفي حديث. ولد سنة ثمانين، ومات سنة ستين ومائة،
حال كونه روايًا (عن عمرو ابن مرة)(١) ابن عبد الله بن طارق بن الحارث الهمداني المرادي
الجملي، أبي عبد الله الأعمى الكوفي، أحد الأعلام، له نحو مائتي حديث، مات سنة
ست عشرة ومائة، حال كونه راويًا (عن مرة) بن شراحبيل الهمداني، أبي إسماعيل
الكوفي العابد، مرة الطيب، ومرة الخير، مات سنة ست وسبعين، وقيل: غير ذلك. وقد
أخطأ المحقق ابن شاكر تبعًا للشارح في تعليقه هنا، وفي الباعث الحثيث، حيث يقول: عن
عمرو بن مرة، عن أبيه مرة، والصواب أن مرة هذا ليس والدًا لعمرو هذا، بل هو شيخه،
غايته أنه اتفق اسم شيخه ووالده. راجع التاريخ (٢) الكبير للبخاري، والجرح والتعديل(٣)
لابن أبي حاتم. حال کونه راویا(عن ابن قیس) هو عبد الله بن قیس بن سليمان بن حضار
الأشعري، أبو موسى، له ثلاثمائة وستون حديثًا، اتفقا على خمسين، وانفرد البخاري
بأربعة، ومسلم بخمسة وعشرين، توفي سنة اثنتين وأربعين. وقوله (كره) أي مرة، يعني:
(١) بتنوين عمرو وإثبات ألف ابن، لأنه ليس صفة، بل هو، إما بدل، أو خبر لمحذوف، أو مفعول لفعل
محذوف، أي هو ابن مرة، أو أعني ابن مرة .
(٢) جـ ٦ ص ٣٦٨.
(٣) جـ ٦ ص ٢٥٧ ثم إن مرة شيخه من رجال التهذيب وغيره مشهور، وأما مرة أبوه فليس من رجالهم، بل
مترجم في التاريخ الكبير للبخاري ج ٨ ص ٦، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ج ٨ ص ٣٦٦ فتنبه.
٣٨
شَرْجُ الفُِّ السَّيُوخِي
٢٦ - أَوْ مَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَهُ
إِلَى سَعِيدٍ عَنْ شُيُوخِ سَادَهْ)
٢٧ - ثُمَّ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الْحَبْرِ الْعَلِي
عَبِيدَةِ بِمَا رَوَهُ عَنْ عَلِي
أن شعبة له تارات، فتارة يروي عن عمرو بن مرة إلخ. وتارة عن غيره، فإذا روى عن
عمرو بن مرة، عن مرة، عن عبد الله بن قيس يكون أصح الأسانيد.
وهذا القول رواه الخطيب في الكفاية عن وكيع، قال: لا أعلم في الحديث شيئًا أحسن
إسنادًا من هذا.
أَوْمَا رَوَى شُعْبَةُ عَنْ قَتَادَهُ إِلَى سَعِيدٍ عَنْ شُبُوخِ سَادَهْ)
(أو) لتنويع الخلاف أيضًا أي قال بعضهم أصح الأحاديث (ما روى) أي نقل (شعبة)
ابن الحجاج المتقدم (عن قتادة) بن دعامة السدوسي أبي الخطاب البصري الأكمه أحد الأئمة
الأعلام الحافظ المدلس توفي سنة سبع عشرة ومائة (إلى) أي عن (سعيد) بن المسيب بن
حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن مخزوم المخزومي أبي محمد المدني الأعور، ولد
سنة خمس عشرة ومات سنة ثلاث وتسعين، وقيل أربع (عن شيوخ سادة) وهم شيوخ
سعيد لأنه من كبار التابعين، تلقى عن شيوخ كثيرين من الصحابة وكبار التابعين.
وهذا منقول عن حجاج بن الشاعر، وهو إنما قال: أجود الأسانيد، إلا أن من لازمه
صحة الحديث، ولذلك قال: ما روی فتفطن.
عَبِيدَةَ بِما رَوَاهُ عَنْ عَلِي
ثُمَّ ابْنُ سِيرِينَ عَنِ الْحَبْرِ الْعَلِي
(ثم) للترتيب الذكري، أي قال بعضهم: أصح الأسانيد: محمد (ابن سيرين)
الأنصاري إمام وقت، مات سنة عشر ومائة (عن الحبر) بالفتح والكسر، أي العالم
(العلي) بتخفيف الياء للوزن، صفة للحبر، أي الرفيع الشأن، والذكر (عبيدة) بفتح
العين والصرف للضرورة، وهو بدل من الحبر وهو عبيدة بن عمرو السلماني، مات
النبي وُّلّ وهو في الطريق، مات رحمه الله سنة اثنتين وسبعين، وقيل: ثلاث (بما) أي
بالحديث الذي (رواه) أي نقله عبيدة (عن علي) بن أبي طالب رضي الله عنه، والجار
والمجرور حال من عبيدة، أي حال كون عبيدة مقيداً بما رواه عن علي رضي الله عنه .
فهذا القول يقيد الأصحية بالمروي عن علي، فلو روى عن غيره من التابعين مثلاً لا
یکون مثل هذا السند، فتأمل.
٣٩
- الجُزُءُ الأولُ
٢٨- كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ ابْرَاهِيمَ عَنْ
عَلَقَمَةِ عَنِ ابْنِ مَسعُودِ الْحَسَنْ
٢٩ - (وَوَلَدُ القَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ
عائشَة، وَقَالَ قَوْمٌ ذُو فِطَنْ):
٣٠- لا يَنْبَغِي التَّعْمِيمُ في الإِسْناد
(بَلْ خَصَّ بِالصَّحْبِ أَوِ البِلادِ
وهذا القول منقول عن عمرو بن علي الفلاس، وعلي بن المديني، وسليمان بن حرب
إلا أن ابن المديني شرط أن يكون الراوي عن ابن سيرين عبد الله بن عون، وسليمان شرط
أن يكون الراوي عنه أيوب السختياني، والفلاس ما شرط ذلك، فتدبر .
كَذَا ابْنُ مِهْرَانَ عَنِ (١) ابْرَاهِیمَ عَنْ
عَلْقَمَةٍ عَنِ ابْنِ مَسعُودِ الْحَسَنْ
(كذا) أي مثل ما تقدم من الأقوال في أصح الأسانيد: قول ابن معين: أصحها سليمان
(ابن مهران) بكسر فسكون الكاهلي الكوفي، أبو محمد الأعمش، أحد الأعلام الحفاظ
والقراء، رأى أنسًا رضي الله عنه، ولم يرو عنه، له نحو ألف وثلاثمائة حديث، ويقال:
ظهر له أربعة آلاف حديث، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، عن أربع وثمانين سنة، حال
كونه راويًا (عن ابراهيم) بن یزید بن قيس بن الأسود النخعي أبي عمران الكوفي، ولد سنة
خمسين، وقيل: سنة سبع وأربعين، ومات سنة ست وتسعين، وقيل: خمس (عن
علقمة) بن قيس بن عبد الله بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النخع
النخعي الكوفي أبي شبل أحد الأعلام، مخضرم، مات سنة اثنين وستين، وقيل: إحدى
وستين، قيل: عن تسعين سنة .
(عن ابن مسعود) بن غافل بن حبيب بن شمخ (٢) بن مخزوم الهذلي أبي عبد الرحمن
الكوفي أحد السابقين الأولين، روى ثمانمائة وثمانية وأربعين حديثًا، اتفقا على أربعة
وستين، وانفرد البخاري بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين، وتلقن عن النبي وتقليل
سبعين سورة، مات بالمدينة النبوية سنة اثنتين وثلاثين، عن بضع وستين سنة. وحذف
تنوين ((مسعود)» هنا للضرورة، وقوله (الحسن) صفة لابن مسعود رضي الله عنه، أي
حسن الأوصاف لأنه كان يشبه النبي ◌ُّير في هديه ودله وسمته، كما جاء في السير.
(١) بنقل حركة همزة إبراهيم إلى (عن) ودرجها للوزن.
(٢) بفتح الشين، وسكون الميم .
٤٠
شَرْع الْفِيُ السَّيُطِىّ -
٣١ - فَأَرْفَعُ الإِسْناد للصِّدِّيقِ مَا
ابْنُ أَبِي خَالِدِ عَنْ قَيْسِ نَمَا
(وولد القاسم عن أبيه عن
عائشة.
(و) قيل: أصحها عبد الرحمن (ولد القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق أبي محمد
المدني، مات سنة ست وعشرين ومائة، وقيل سنة إحدى وثلاثين ومائة (عن أبيه) القاسم
المذكور أحد الفقهاء السبعة کما تقدم، له مائتا حدیث، مات سنة ست ومائة، وقیل سبع،
أو ثمان، أو تسع، وقيل: غير ذلك (عن) عمته (عائشة) بالصرف للضرورة بنت أبي بكر
الصديق رضي الله عنهما، أم المؤمنين، أم عبد الله الفقيهة الربانية، لها ألفان ومائتان
وعشرة أحاديث، اتفقا على مائة وأربعة وسبعين، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين،
ومسلم بثمانية وستين، توفيت سنة سبع وخمسين، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها.
وهذا القول لابن معين أيضًا فله قولان، وله ثالث يأتي.
ثم ذكر رحمه الله ما احترز عنه بقوله: مطلقًا فيما تقدم، وهو التفصيل فقال:
...... وقال قوم ذو فطن )
لا ينبغي التعميم في الإسناد
( بل خص بالصحب أو البلاد
(وقال قوم) من المحدثين، وهو الحاكم أبو عبد الله المعروف بابن البيع، صاحب
المستدرك على الصحيحين، ومن تبعه (ذو) أي صاحب (فطن) بكسر ففتح، جمع فطنة
بكسر، فسكون، وهي الحذق بالكسر، وأفرد (ذو) نظراً للفظ قوم، أي أصحاب حذق في
فن التحديث (لا ينبغي التعميمم) أي تعميم الحكم (في الإسناد) أي في أصحيته على
الإطلاق، أي لا يحكم بأنه أصح الأسانيد كلها (بل خص) أيها المحدث، أي قيد الحكم
على كل ترجمة منها (بالصحب) أي بصحابي تلك الترجمة، بأن تقول مثلا أصح أسانيد
فلان: فلان إلخ (أو) خص بـ (البلاد) بأن تقول مثلاً أصح أسانيد المدنيين: فلان إلخ،
ويحتمل كون (خص) فعلاً ماضيًا مغير الصيغة أي خص الحكم إلخ.
اِبْنُ أَبِي خَالِد عَنْ قَيْس نَمَا
فَأَرْفَعُ الإِسْنَادِ لِلصِّدِّيقِ مَا
(فأرفع) الفاء فصيحية، أي إذا عرفت أن الأحسن والأليق، هو التقييد، وأردت بيان
ذلك، فاقول لك أرفع(الإسناد) اللام للجنس أي أصح الأسانید فهو على حذف مضاف
لأن ما واقعة على الحديث كما يأتي، (لـ) أبي بكر (الصديق) واسمه عبد الله بن عثمان بن
عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم التيمي، روى مائة واثنين وأربعين حديثًا اتفق