النص المفهرس
صفحات 261-280
- ٢٦١ -
وقال : فينتقم بها .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد بن عبد اله بن مسلمة ،
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وقتيبة ، كُلُّ عن مالك .
بـ
جامع صفاة صلى الله عليه وسلم
٣٧٠٤ - أخبرنا أبو القاسم علي بن محمد بن علي الكوفي'، أنا
أبو القاسم الحسن بن محمد بن أحمد بن إبراهيم بن أحمد الأنباري قراءة
عليه في داره ، أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن زكريا الباذنجانيّ،
حدثني أبو جعفر أحمد بن الحسن بن نصر ، وأبو العباس مُبيد اله بن
جعفر بن أعيَنَ، قالا: نا ◌ُكرّم بن محرز بن المهدي بن عبد الرحمن
ابن عمرو بن مُخويلدِ الخزاعيّ ثم الكعبي"، حدَّثني أبي محرز بن مهدي،
عن حزام بن هشام بن حبيش صاحب رسول الله والغ قتيل البطحاء يوم
الفتح عن أبيه
عَنْ جَدِّهِ حُبَيْشِ بْنِ خَالِدٍ، وَهُوَ أُخْو ◌َاتِكَةَ بِنْتِ خَالِدٍ ،
وَكُنْيَتُهَا أُمُّ مَعْبَدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَلَّهِ حِينَ أُخْرِجَ مِنْ مَكَّةَ
(١) ((الموطأ)) ٩٠٢/٢، ٩٠٣ في حسن الخلق، والبخاري ٤١٩/٦ في
المناقب: باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم (٢٣٣٧) في
الفضائل : باب مباعدته صلى الله عليه وسلم للآثام، واختياره من المباح
أسهله .
- ٢٦٢ -
خَرَجَ مُهَاجِرَاً إِلَى الْمَدِينَةِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَوْلَى أَبِي بَكْرِ
عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ، وَدَلِيلُهمَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْأُرَيْقِطِ اللَّيْتِيُّ، مَرُّوا
عَلى ◌َخَيْمَيْ أُمِّ مَعْبَدِ الْزَاعِيَّةِ، وَكَانَتْ بَرْزَةٌ تَخْتَسِي بِفِنَاءِ
الْخَيْمَةِ، ثُمْ تَسْقِي وَتُطْعِمُ، فَسَأَلُوهَا لَمَاً وَتَخْرَاً لِيَشْتَرُوا مِنْهَا ،
فَلَمْ يُصِيبُوا عِنْدَهَا شَيْئًاً مِنْ ذلِكَ، وَكَانَ الْقَوْمُ مُرْمِلِيزَ
مُسْقِينَ، فَنَظَرَ رُّسُولُ اللهِ عَجِ إِلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ،
فَقَالَ: مَا هُذِهِ الشَّاءُ يَاأُمَّ مَعْبَدٍ؟ قَالَتْ: شَاةٌ خَلََّهَا الْجَهْدُ
عَنِ الْغَِ، قَالَ : هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ ؟ قَالَتْ : هِيَ أَجْهَدُ
مِنْ ذُلِكَ، قَالَ : أَتَأْذَنِينَ لِ أَنْ أَحْلُبَهَا، قَالَتْ: بِأَ بِ أَنْتَ
وَأُمِّيٍ إِنْ رَأَيْتَ ◌ِهَا حَلَبَاً، فَاحُلُبْهَا، فَدَعَا ◌ِبِهَا رَسُولُ اللَِّه،
فَمَسَحَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا، وَسَمّى اللّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَدَا لَمَا فِي
شَاتِهَا، فَتَفَأَجَتْ عَلَيْهِ، وَدَرَّتْ، وَاجْتَرَّتْ، فَدَعَا بِإِنَاءِ يُرْيِضُ
الرَّهْطَ، فَحَلَبَ فِيهِ تَجْأَ حَتَّى عَلَهُ آلْبَهَاءِ. ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى
رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، ثمَّ شَرِبَ آخِرَهُمْ، ثم
أَرَاُضُوا، ثُمْ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيَا بَعْدَ بَدْءٍ حَتَّى مَلَأَّ الْإِنَاءِ، ثُمَّ
غَادَرَهُ عِنْدَهَا وَبَيَعَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا، فَقَلَّمَا لَبِئْتْ حَتّى
جَاءَ زَوْجَهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزَا عِجَافَاً، يَتَسَاوَكْنَ هَزْلَى
- ٢٦٣ -
ضُحَىّ، ◌ُهُنَّ قَلِيلٌ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدِ الَّبَنَ، عَجِبَ، وَقَالَ:
مِنْ أَيْنَ لَكِ هُذَا الََّنُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، وَالشَّاءِ عَازِبُ حِيَالُ لَآَحُلُوبَ
فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَتْ: لَا وَاللهِ إنّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكُ مِنْ
حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: صِفِيهِ لِ يَاأُمِّ مَعْبَدٍ قَالَتْ:
رَأَيْتُ رَجُلٌ ظَاهِرَ الْوَضَاءَةِ، أَبْلَجَ الْوَجْهِ، لَمْ تَعِبْهُ
مُخْلَةُ، وَلَمْ تُزْرِ بِهِ مُقْلَةُ، وَسِمُ قَسِمْ، فِي عَيْنِهِ دَعَجْ،
وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفُ، وَفِي صَوْتِهِ صَهَلُ، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعُ
وَفِي ◌ْخِيَتِهِ كَثَاثَةٌ، أَزَجُّ أَقْرَنُ، إِنْ صَمْتَ ، فَعَلَيْهِ الْوَقَارُ
وَإِنْ تَكَلَّمَ، سَ وَعَلَاءُ الْبَهَاءُ، أَجْمَلُ النَّاسِ وَأَبْهَهُ مِنْ بَعِيدٍ
وَأَجْلَهُ وَأَحْسَنُهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ اْمَنْطِقِ، فَصْلُ لَا نَزْرُ
وَلَا هَذَرُ ، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدِّرْنَ ، رَبْعَةٌ
لَا يَأْسَ مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ
◌ُتْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ الثَّلَاثَةِ مَنْظَرَاً، وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرَاَ، لَهُ
رُفَقَاءِ يَحْفُونَ بِهِ، إِنْ قَالَ، أَنْصَتُوا لِقَوْلِهِ، وَإِنْ أَمَرَ ، تَبَادَرُوا
◌ِمْرِهِ، تَخْشُودُ مَحْفُودٌ، لَا عَابسٌ وَلَا مُغَنَّدٌ. قَالَ أَبُو مَعْبَدٍ :
هُوَ وَاللهِ صَاحِبُ قُرَيْشِ الَّذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ
بَكَّةَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلََّفْعَلَنَّ إِنْ وَجِدْتُ إِلَى
- ٢٦٤ -
ذْلِكَ سَبِيلاً، وَأَصْبَحَ صَوْتُ بِمِكَّةَ عَالِيَاً يَسْمَعُونَ الصَّوْتَ،
وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ وَهُوَ يَقُولُ
جَزَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ
رَفِيقِيْنِ قَالَا خَيْمَتَيْ أُمِّ مَعْبَد
هُمَا نَزَلَاَهَا بِالْهْدَى وَاهْتَدَتْ بِهِ
فَقَدْ فَازَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدٍ
فَيَال ◌ُصَيِّ مَا زَوَى اللهُ عَنْكُمُ
بِهِ مِنْ فَعَالٍ لَا يُجَازَى وَسُودَدِ
لِيَهْنِ بَتِي كَعْبِ مَقَامُ فَتَاتِهِمْ
يمَرْ هَدٍ
وَمَقْعَدُهَا لِلُؤْمِنِينَ
سَلُوا أَخْتَكُمْ عَنْ شَائِهَا وَإِنَائِهَا
فَإِنَّكُمُ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فَتَحَلَّبَتْ
عَلَيْهِ صَرِيحَاً ضَرَّةُ الشَّةِ مُزْبِدٍ
فَغَادَرَهَا رَهْنَا لَدَنْهَا ◌ِحَالِبٍ
يُرَدِّدُهَا فِي مَصْدَرٍ ثُمَّ مَوْرِدٍ (١)
(١) حديث حسن قوي أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٩/٣، ١٠
- ٢٦٥ -
قوله: بَرزةٌ: أيْ: هي كهلةٌ لا تحتجب احتجاب الشواب".
وقوله : ◌ُرملين: أيْ: نقِدَ زادُهم، يُقال: أوملَ الرجل: إذا
ذهب طعامُه .
وقوله : ◌ُسنتين، أي: أصابهم القحط، يُقال: أسنَتَ القومُ ،
فهم مُسنِتون. ويُروى: مُشْتِين، أي: أصابتهم المجاعة، وتجعل
العرب الشتاء مجاعة". ويُقال: ◌ُشتِين: داخلين في الشتاء، يُقال :
أشتى القوم: إذا دخلوا في الشتاء، وأصافوا: إذا دخلوا في الصيف.
وكيسرُ الخيمة: جانبٌ منها، وفيه لغتان كِسرٌّ وكُسرّ مثل نقطٍ
وَ تغطٍ وَبِزْرٍ وَبَزْرٍ .
وقولها : خلّفها الجهدْ، أيْ: الحُزال، يقال: ◌ُجَهِدَ الرجْل ،
فهو مجهودٌ: إذا ◌ُزِلِ. وقوله: فتفاجْتْ، أي: فتحت ما بين رجليها
الحلب .
قوله : دعا بإناءٍ يُرِبِضُ الرهط ، أي: يُروهم حتى يثقلوا فيربضوا
ويناموا ، يقال أربضت الشمس: إذا اشتد حرُما حتى تزْبِضَ الوحش
في كناسها. والرهط: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وكذلك النّفر ،
وصححه ووافقه الذهبي مع أن فيه هشام بن حبيش لم يذكر بجرح
ولاتعديل، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٥٥/٦، ٥٨، وقال: رواه
الطبراني، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم، وأورده السيوطي في ((الخصائص
الكبرى)) ٤٦٧/١، وزاد نسبته إلى البغوي، وابن شاهين ، وابن
السكن، وابن مندة، والبيهقي، وأبي نعيم كلهم من طريق حزام بن هشام
أبن حبيش، عن أبيه، عن جده، .. وذكر له الحافظ ابن كثير طريقين
آخرين في («بدايته)» ١٩٢/٣، ١٩٤، وقال: وقصة أم معبد مشهورة مروية
من طرق يشد بعضها بعضا .
- ٢٦٦ -
والعُصبة: ما بين ذلك إلى الأربعين. وقوله: فعلب فيه تجأً. فاتجُ:
السّيلان، قال الله سبحانه وتعالى ( وأنزلنا من المعصرات ماء ثجلجاً )
[ النبأ: ١٤] أي: سيّالاً. وقوله: حتى علاه البهاء، يريد علا
الإناءَ بهاء اللبن، وهو وبيصُ رغوته، تريد أنه ملأه .
وقوله: ثم أراضوا، أي: شربوا عَلَّلا بعد تَلٍ، مأخوذ من
الروضة ، وهو الموضع الذي يستنقع فيه الماء ، يريد شربوا حن رووا
فتقعوا بالرحميّ، يقال: أراضَ الوادي، واستراض: إذا استنقع فيه
الماء ، ويقال : حتى أراضوا، أي : ناموا على الإراض ، وهو البساط .
وقوله: يتساو كن ◌َزلى، أي : تتمايل من الضعف والهزال ، وفي
روايةٍ: تشارَ كْنَ هَزلى، أيْ: ممّهن الهزال، فاشتركنّ فيه،
وفي رواية : لانِقْيَ بهنّ، والنّفْيُ: المحُ. قوله: والشاء عازبٌ ،
أي: بعيدٌ في المرعى، يقال: عَزَبَ فلانٌ، أي: بَعُدَ»
والخيال : التي لم تحمل، يقال، حالت الشاة تحول حيالاً: إذا لم
تحمل بعد الضَّراب .
وقولها : أبلجَ الوجه. تريد ◌ُشرِقَ الوجه، ◌ُضيئه، يقال: تبلج
الصُّبح وانبلج: إذا أسفر، ولم تُرِدْ بَلجَ الحاجبِ ألا ترى أنها تصفه
بالقرن .
وقولها : لم تعبه نحلة، أي : دِقةٌ من نحول الجسم ، ويُروى :
نجمةٌ بالتاء المثلثة والجيم، وهو عِظمُ البطن، يقال: رجلٌّ أنجل، أي :
: عظيم البطن ، وكذلك العنجلُ .
وقولها: ولم تُزْر به نقلةٌ، أي: دقة"، وقيل: أرادت به
- ٢٦٧ -
أنه لم يكن منتفخَ الخاصرة جداً، ولا ناحلاً جداً، ولكن كان رجلاً
ضرباً، والصُقْلةُ: الخاصرة، يقال: فَرَسٌّ حَقِلّ: إذا كان طويلها
وهو عيبٌ تريد أنه رجلٌ ضَربٌ ليس بناحلٍ ولا مُنتفخٍ . ويروى:
لم تزر به صَعْلةٌ بالعين وهي صغر الرأس، يقال الظليم: صَعْلٌ
لصغر رأسه .
قولها: وسيمٌ قسيمٌ، فالوسيم: الحسنُ الوضِيُ، يُقال: وسيمٌ
بَيِّنُ الوَسَامة، والقسيم: الحسنُ أيضاً، والقسامة: الحنُ.
والدّّج: السواد في العين وغيرها. وقولها: وفي أشفاره وتلفٌ
أي: طولٌّ: يقال: وَطَفَ، فهو أو طفُ، ويُروى عَطَفٌ
وَغَطّفٌ بالعين والغين جميعاً، والمراد منه الطول أيضاً .
وقولها : وفي صوته صَهّلٌّ، أَيْ: حِدَّةٌ وصلابةٌ، ومنه صهيل
الخيل، وفي روايةٍ صَعلٌ، أي: ◌ُحَةٌ وهو ألا يكون خاد
الصّوْتِ، وذلك حسنٌ إذا لم يكن شديداً .
وقولها : وفي مُنْقِهِ مَطعٌ. أي: طولٌ، يقال: رجلٌّ أسطعُ،
وعشُقُ سطعاء: إذا كانت منتصبة"، ومنه قيل للصبح أول ما ينشق"
مستطيلاً: سطعَ يسطعُ. وقولها: أَزَجُّ أقرنُ، فالزَّجِعُ في الحاجب:
تقومسىٌ فيها مع طولٍ في أطرافها، وسبوغٍ فيها، والقرَنُ: النقاءُ
الحاجبين . ويُروى في صفته عليه السلام خلافه عند هند بن أبي هالة:
أوجُ الحواجب، سوابغُ من غير قرَنٍ .
وقولها : إنْ تكلم، مما . تريد علا برأسه ، وارتفع من جلسائه .
وقولها في صيفةِ مَنطقِهِ: فعلٌّ، أي: بَيْنٌّ. لا نزرٌ ولا هَذَرٌ
- ٢٦٨ -
توريد: وَسَطٌ ليس بقليلٍ ولا كثير، فالنزرُ: القليل، والمذّرُ :
الكثير ، وهو معنى صفته في حديث هندٍ: يتكلم مجوامع الكلمِ فصلٌ
لا فُضولٌ ولا تقصيرٌ. وقولها: لا يأسَ من طولٍ، معناه: أنَّ قامته
لا يؤيس من طولها ، لأنه كان إلى الطول أقرب ، أي : ليس بالطويل
الذي يؤيَس من مطاولته لإفراط طوله، كما في حديث أنسٍ: ليس
بالطويل البائ ولا بالقصير .
وقولها: ولا تقتحمُهُ عينٌ من قِصرٍ، أي: لا تحتقره ولا تزدريه
فيتجاوزَ منه إلى غيره، يُقال: اقتحمت" فلاناً عيني: إذا احتقرَتْهُ
واستصغرَتْهُ .
وقولها : محشودٌ محفودٌ. معناه: أنّ أصحابه يجتمعون عليه،
ويخدمونه، ويُسرعون في طاعته، يقال: رجلٌ محشودٌ عِنده حشدٌ
من الناس ، أي: جماعةٌ ، والمحفودُ: المخدوم، والخفدَةُ: الخدم.
قال اله سبحانه وتعالى: (وجعل لكم من أزواجكم بنينَ وحقدة")
[ النحل: ٧٣] أي: همْ بنون، وهم خدمٌ، ويقال: الحقدة الأعوان،
فأصله من ◌َفْدَ يحفِد : إذا أسرع في سيره .
وقولها : لا عابسٌ، معناه: غير عابسٍ الوجه. وقولها: ولا ◌ُعنْدٍ
وهو الذي لا فائدة في كلامه لخُرفٍ أصابه ، قال الله سبحانه وتعالى
إخباراً عن يعقوب عليه السلام : ( لولا أن تُقَنْدُون ) [ يوسف: ٩٤]
أي : تخرّفوني، تقولون: قد خرفت، وفي الحديث: ((ما ينتظر
أحدكم إلا هرماً مفنداً)) (١) وفي رواية ((ولا معتدٍ من الاعتداء))
(١) قطعة من حديث ضعيف أخرجه الترمذي (٢٣٠٧) من حديث
أبي هريرة مرفوعا، ونصه: ((بادروا بالأعمال سبعا ماتنتظرون إلا فقرأ
- ٢٦٩ -
وهو الظلم . وقول الهاتفِ في الشِّعر : فيالَ قصيّ ما زوى الله
أي: باعدّ ونخشى عنكم من الخير والفضل .
وقوله : فتحلّبت عليه صريحاً، ويُروى: فتحلّت له بصريحٍ ،
والصريحُ: اللبنُ الخالص الذي لم يُمذَقْ، ومنه قولهم: صَرْحَ فلانٌ
الأمر: إذا كشفه وأوضحه. والضرّةُ: لحم الضّرع، أي: تحلّبتْ
ضُرّة الشاة بلبنٍ مزيدٍ .
وقوله : فغادرها رهناً لديها لحالبٍ. يريد أنه ترك الشاة عندها مرتهنة"
بأن تُدِر". والصوتُ الذي سمعوا بمكة بالشعر : صوت بعض مسلمي
الجنّ، أقبل من أسفل مكة، والناس يتّبعونه يسمعون الصوت ، وما
يرونه حتى خرج بأعلى مكة . قالت أسماء : فلما سمعناه ، عرفنا حيث
وجّه رسول الله ◌ِوَيُ، وإنّ وجهه إلى المدينة .
٣٧٠٥ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أنا أبو
القاسم علي' بن أحمد الخزاعي'، أنا أبو سعيد الهيثم بن كليبٍ ، نا أبو
منسيا، أو غنى مطفياً، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا
أو الدجال، فانه شر منتظر، أو الساعة، والساعة أدهى وأمر)) ،وفي سنده
محرر بن هارون قال الحافظ في ((التقريب)): متروك، ومع ذلك فقد
حسنه الترمذي ، وقال: روى معمر هذا الحديث عمن سمع سعيد
المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه ، قلت :
أخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٢٠/٤، ٣٢١ من طريق معمر، عن
سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال :
إن كان معمر سمع من المقبري، فهو صحيح على شرط الشيخين ، وأقره
الذهبي .
- ٢٧٠ -
عيسى الترمذي، نا سفيان بن وكيع، حدثنا مُجُمْعُ بن عمر (١) .ن
عبد الرحمن العجلي، قال: حدثني رجلٌ من بني تميم من ولدٍ أبي هالة
زوج خديجة يُكنى أبا عبد الله ، عن ابنٍ لأبي حالة
عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ خَالِيِ عِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةً
وَكَانَ وَمَّافَا عَنْ حِلْيَةِ النَّيِّ ◌ِ﴾ وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ يَصِفَ لِي
مِنْهَا شَيْئاً، فَقَالَ :
كَانَ رَسُولُ اللهِ عَ فَخْماً مُفَخَّاً، يَتَلَأَلَا تَلَأُلُؤَ الْقَمَرِ
لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ،
عَظِيمَ آلْقَامَةِ، رَجِلَ الشَّعْرِ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ، فَرَقَ، وَإلَّا
فَلَ يُحَاوِزُ شَعَرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، إِذَا ◌ُوَ وَفْرَةٌ، أَزْهَرُ الَّوْنِ،
وَسِعُ الْجَبِينِ، أَزَجُّ الْوَاجِبِ، سَوَاِبِغُ مِنْ غَيْرِ قَرَنٍ،
بَيْنَهُاَ عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ، أَقْنَى الْعِرْنِيْنِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ
يَحْسِبُهُ مَنْ لَمْ يَتَمَّلْهُ أَثْمِ، كَتُّ اللّحْيَةِ، سَهْلُ الْخِدِّينِ،
صَلِيعُ الْفَمِ، مُفَلَّجُ الْأَسْنَانِ ، دَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ، كَأَنَّ مُنْقَهُ
جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ، مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ، بَادِنٌ مُتَاسِكٌ ،
سَوَاءُ الْبَطْنُ وَالصَّدْرُ، عَرِيضُ الصَّدْرِ، بَعِيدُ مَا بَيْنَ
(١) كذا وقع هنا، وفي نسخ ((الشمائل)) مكبرا، وكذا أورده المزي
في ((التهذيب)) وتبعه الذهبي في («الميزان)» لكن الحافظ ابن حجر، قال
في ((التقريب)): جميع بن عمير بالتصغير فيهما .
- ٢٧١ -
الْمَنْكِيْنِ، صَخْمُ الْكَرَادِيْسِ، أَنْوَرُ الْمُتَجَرَّدِ، مُؤَّلُ
مَا بَيْنَ اللَّةِ وَالشُّرَّةِ بِشَعَرِ يَجْرِي ◌َخْطِّ، عَارِي الثَّدْيِيْنِ
وَالْبَطْنِ مِمّا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرُ الذِّرَاعِيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي
الصَّدْرِ، طَوِيلُ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبُ الرَّاحَةِ، شَعْنُ الْكَفَّيْنِ
وَاَلْقَدَمَيْنِ، سَائِلُ الْأَطْرَافِ، أَوْ قَالَ: شَائِلُ الْأَطْرَافِ،
مُخْصَانُ الْأَخَصَيْنِ، مَسِيحُ القَدَمَيْنِ، يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءِ، إِذَا
زَالَ زَالَ قَلِعَاً، يَخْطُو تَكَفِّيَا، وَيَمْشِي هَوْنَاً، ذَرِيعُ الْمِنْيَةِ إِذَا
مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، فَإِذَا الْتَّفَتَ، الْتَفَتَ جْعَاً
خَافِضُ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الْأَرْضِ أَطُوُلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى
السَّمَاءِ، ◌ُجُلُّ نَظَرِهِ الْمُلَاحِظَةُ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ ، يَبْدُرُ مَنْ
لَقِيَ بِالسَّلَامِ
قَالَ الْحَسَنُ: سَأَلْتُ خالِ، قُلْتُ: صِفْ لِ مَنْطِقَ رَسُولِ
اللهِ عَلِ قَالَ: مُتَوَاصِلُ الْأَحْزَانِ، دَائِمُ الْفِكْرَةِ، لَيْسَتْ لَهُ
رَاحَةٌ ، طَوِيلُ السَّكْتِ ، لَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، يَفْتَتِحُ
آَلْكَلَامَ وَيَخْتَتِّمُهُ بِأَشْدَاقِهِ، وَيَنْكَلَّمُ بَجَوَامِعِ الْكَلِ، فَصْلُ
◌َّ فُضُولٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، لَيْسَ بِالْجَافِي وَلَا الْمَهِينِ، يُعَظِّمُ
النِّعْمَةَ، وَإِنْ دَّقْتْ، لَا يَذُمُّ مِنْهَا شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدُمُّ
- ٢٧٢ -
ذَوَاقَاً وَلَا يَمْدُحُهُ، وَلَا تُغْضِبُهُ الدُّنْيَا وَمَا كَانَ لَمَا، فَإِذَا
تُعُدِّيَ الْخَقُّ، لَمْ يَقُمْ بِغَضَبِهِ شَيْءٍ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ، لَا يَغْضَبُ
لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَنْتَصِرُ لَا، إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفْهِ كُلُّهَا، وَإِذَ
تَعَجِّبَ قَلْبَهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ أَنَّصَلَ بِهَا، وَضَرَبَ بِرَاحَتِهِ
الْيُمْنَى بَطْنَ إِبْهَامِهِ الْيُسْرَى، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ،
◌ُجُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَهُمُ .
قَالَ الْسَنُ: فَكَتَمْتُهُ الْسَيْنَ زَمَانَاً، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ فَوَجَدُُّهُ
قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ، فَسَأَلَنِي ◌َمَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، وَوَجَدُّتُهُ قَدْ سأَلَ
أَبَاهُ عَنْ مَدْخِلِهِ، وَعَنْ ◌َخْرَجِهِ وَشَكْلِهِ، فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئً .
قَالَ الْحْسَيْنُ: فَسَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ النَِّيِّ يَّهِ، فَقَالَ:
كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ جَزَّأَ دُخولَهُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءِ: جُزْءاً للهِ،
وُجُزْءًاً لِهِلِهِ، وُجُزْءَاً لِنَفْسِهِ، ثُمَّ ◌ُجُزْءاً جَزَّاهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
النَّاسِ، فَيَرْدُّ ذْلِكَ بِالْخَّصَّةِ عَلى الْعَمَةِ، وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ
شَيْئًاً . وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الْأُمَّةِ إِيْثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ
يَأَدَبِهِ وَقَسْمِهِ عَلى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّيْنِ، فِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ ،
وَمِنْهُمْ ذُو الْاَجَتَيْنِ، وَمِنْهُمْ ذُو الْوَائِجِ، فَيَتَشَاغَلُ ◌ِهِمْ
وَيَشْغَلْهُمْ فِيَا أَصْلَحَهُمْ وَالْأَمَّةُ مِنْ مَسْأَلَتِهِمْ عَنْهُمْ وَإِخْبَارِهِمْ
- ٢٧٣ -
بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ، وَيَقُولُ: ((لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ،
وَأَبْلِفُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ
مُلْطَانَاً حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغَهَا، ثَبَّتَ اللهُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ ، لَا يُذْكَرُ عِنْدَهُ إِلَّ ذَلِكَ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ ،
يَدْخُلُونَ رُوَّادَاً، وَلَا يَفْتَرِقُونَ إِلَّ عَنْ ذَوَاقٍ، وَيَخْرُجُونَ
أَدِلَّةٌ ، يَعْنِي عَلى الْخَيْرِ.
قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَخْرَجِهِ: كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ ؟ قَالَ :
كَانَ رَّسُولُ اللهِ عَمِ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلَّ فِيا يَعْنِيهِ، وَيُؤَّلِّفُهُمْ
وَلَا يُفَرِّفُهُمْ، وَيُكْرِمُ كَرِيَمَ كُلِّ قَوْمٍ، وَيُؤَلِّيهِ عَلَيْهِمْ ،
وَيُحَذِّرُ النَّاسَ، وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِيَ عَنْ أَحَدٍ
مِنْهُمْ بِشْرَهُ وَلَا ◌ُخُلُقَهُ، وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ، وَيَسْأَلُ النَّاسَ عَمَّا
فِ النَّاسِ، وَيُحَسِّنُ الْسَنَ وَيُقَوِّمُهُ، وَيُقَبِّحُ الْغَبِيحَ وَبُوَّهُنُهُ،
مُعْتَدِلُ الْأمرِ غَيْرٌ مُخْتَلِفٍ، يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفُلُوا أَوْ يَمِيلُوا ،
لِكُلِّ حَالٍ عِنْدَهُ عَتَادُ، لَا يَقْصُرُ عَنِ الْحَقِّ، وَلَا يُحَاوِزُهُ ،
الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَاسِ خِيَارُهُمْ، أَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعُهُمْ نَصِيحَةً،
وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَةً وَمُؤَازَرَةً .
قَالَ: فَسَأَلْتُهُ عَنْ تَجْلِهِ، فَقَالَ: كَانَ رَّسُولُ اللهِ
شرح السنة ج ١٣ م - ١٨
- ٢٧٤ -
لَا يَقُومُ وَلَا يَجْلِسُ إِلَّ عَنْ ذِكْرٍ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ
جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ آلْمَجْلِسُ، وَيَأْمُرُ بِذْلِكَ، يُعْطِي كُلِّ
جُلَسَائِهِ بِنَصِيبِهِ لَا يَحْسِبُ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحدَا أَكْرَمُ عَلَيْهِ عِمِنْ
جَسَهُ، وَمَنْ سَأَلَهُ حَاجَةٌ لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّ ◌ِيَهَا، أَوْ يِيْسُورٍ
مِنَ الْقَوْلِ، قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ، فَصَارَ لَهُمْ أَبّاً ،
وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْقِ سَوَاءٌ، ◌َجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءِ
وَصَبٍْ وَأَمَانَةٍ، لَا تُرْفَعُ فِيهِ اْلْأَصوَاتُ، وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْرَمُ
يَتَعَطَوْنَ فِيهِ بِالتَّقْوَى مُتَوَاضِعِينَ، يُوَفِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ ،
وَيَرْجُونَ فِيهِ الصَّغِيرَ، وَيُؤْثِرُونَ ذَا الْاَجَةِ، وَيَحْفَظُونَ
الْغَرِيبَ ("
قَالَ الْسَيْنُ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ سِيرَةِ النَّبِيِّ عَلُهُ فِي
جُلَسَائِهِ، فَقَالَ: كَانَ الْنِّيُّ عَلِ دَائِمَ الْبِشْرِ، سَهْلَ الْخُلُقِ
لَيِّنَ الْجَانِبِ، لَيْسَ بِفَظُ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا صَخَّابٍ ، وَلَا فَحَّاشٍ،
وَلَا عَيَّابٍ ، وَلَا مَدَّحٍ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي، وَلَا يُؤْيَسُ
مِنْهُ، وَلَا يُجِيبُ فِيهِ ، قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ : الرِّيَاءِ
(١) ((الشمائل)) (٣٢٩) و (٣٤٤) وسفيان بن وكيع ضعيف، وكذا
جميع بن عمير، والرجل من بني تميم مجهول ، وكذا الراوي عنه وهو ابن
لأبي هالة .
- ٣٧٥ -
وَالْإِكْثَارَ، وَمَا لَا يَعْنِيهِ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ: لَا يَذُمُ
أَحَدَاً وَلَا يَعِيبُهُ، وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ، لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّ فِيَا رَجَا
تَوَابَهُ ، وَإِذَا تَكَلِّمَ ، أَظْرَقَ جُلَسَاؤُهُ، كَأَنَّمَا عَلى رُؤُ وسِهِمُ الطَّيْرُ ،
فَإِذَا سَكَتَ، تَكَلُِّوا، لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ، مَنْ تَكَلَّمَ
عِنْدَهُ، أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ، حَدِيثُهُمْ عِنْدَهُ حَدِيثُ أَوَّلِّتِهِمْ،
يَضْحَكُ بِمَا يَضْحَكُونَ مِنْهُ، وَيَتَعَجِّبُ مِّ يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ ،
وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَى الْفْوَةِ فِي مَنْطِقِهِ وَمَسْأَلَتِهِ حَتَّى إِنْ كَانَ
أَصْحَابُهُ لِيَسْتَجْلِبُونَهُمْ، وَيَقُولُ: إِذَا رَأَيُمْ طَالِبَ حَاجَةٍ
يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ، وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءُ إِلَّ مِنْ مُكَافِىءٍ، وَلَا
يَقْطَعُ عَلى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَجُوزَ ، فَيَقْطَمَهُ بِنَهيِ أَوْ قِيَامِ.
وَقَالَ غَيْرُ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعِ عَنْ مُمَيْعِ: وَإِذَا غَضِبَ، أَعْرَضَ
وَأَشَاحَ، وَإِذَا فَرِحَ ، غَضَّ طَرْفَهُ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبِتُّمُ ،
وَيَفْتَرُّ عَنْ مِثْلِ حَبَّةِ الْغَامِ.
٣٧٠٦ - وحدثنا المطهّر بن علي، أنا أبو ذرٍّ، أنا أبو الشيخ،
نا إسحاق بن جميلٍ ، نا سفيان بن وكيع بإسناد أبي عيسى
عَنِ الْحْسَنِ بْنِ عَلِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخولِ النَّيِّ
﴿ فَقَالَ: كَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلِهِ ، فَسَاقَ الْحَدِيثَ.
- ٢٧٦ -
وَقَالَ : كَانَ لَا يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ إِلَّ ذَكَرَ الهَ، لَا يُوطِنُ
اْأَمَاكِنَ، وَيَنْهَى عَنْ إِيْطَانِهَا، وَقَالَ: لَا يَحْسِبُ أَحَدٌ مِنْ
جُلَسَائِهِ أَنَّ أَحدَا أَكْرَمُ مِنْهُ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ لِاَجَةٍ
صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفَ، وَقَالَ: وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ
أُْرَمُ ، وَلَا تُنْثَى فَلَتَأْتُهُ، مُعْتَدِلِينَ يَتَوَاصَوْنَ فِيهِ بِالتّقْوَى.
وَقَالَ : قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ: آلْمِرَاءِ وَالْإِكْثَارِ وَمَا
لَا يَعْنِيهِ. وَزَادَ فِي آخِرِهِ قَالَ: فَسَأَلْتُهُ: كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ؟
قَالَ: كَانَ سُكُوتُ رَّسُولِ اللهِ ﴾ٌ عَلى أَرْبَعِ: عَلى الحِلم.
وَالْخَذَرِ وَالتَّقْدِيرِ وَالتَّفْكِيرِ، فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ، فَفِي تَسْوِيَتِهِ
النَّظَرَ وَالْأَسْتمَاعَ بَيْنَ النَّاسِ، وَأَمَّا تَفْكِيرُهُ، فَفِيا يَبْقَى
وَيَفْنَى، وَجَمِعَ لَهُ الْحِلْمُّ وَالصَّبْرُ، فَكَانَ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٍ، وَلَا
يَسْتَفِزُّهُ، وُجَمِعَ لَهُ الْحَذَرُ فِي أَرْبَعَةٍ: أخذِهِ بِالْسَنِ لِيُقْتَدَى
بِهِ، وَتَرْكِهِ الْقَبِيحَ لِيُتَنَامَى عَنْهُ، وَاجْتِهَادِهِ الرَّأَيَ فِيا
أَصْلَحَ أُمَّتَهُ، وَالْقِيَامِ فِيا ◌ِخِيرَ لَهُمْ فِيا يَجْمَعُ لَهُمْ خَيْرَ الدُّنْيَا
وَالْآخِرَةِ (١).
قوله: كان فَضْماً مُفخماً. أي: كان عظيم القدر مُعظّماً في
الصدور والعيون، ولم يُرِدْ به ضخامة الجسم. قال أبو ◌ُيدٍ: الفخامة
(١) أخلاق النبي ص ٢١، ٢٥ وإسناده ضعيف مثل الأول.
- ٢٧٧ -
نُبْلُهُ وامتلاؤُه مع الجمال والمهابةِ .
قوله : أُطُوَل من المربوع. المربوع والرَّبعةُ: هو الرجُل بين
الرَّجُلين، والمشذَّبُ: الطويل البائن الطول، وأصل التشذيب : التفريق ،
يقال : سْفَبْتُ المالَ: إذا فرّقتهُ، فالمفرّط في الطول ، كأنه فُرِّق
"خلفُهُ ولم يجتمع.
قوله : إنِ انفرقتْ عقيقتُه، فَرَقَ. فالعقيقة: اسمٌ الشعر الذي
يُخْرُجُ المولودُ من بطن أمه وهو عليه، سُمْيٍ عقيقة" ، لأنه يُحلق ،
وأصل العق": الشقء والقطع، ومنه قيل للذبيحة التي تذبح عند الولادة :
عقيقةٌ، لأنه يُشْقُّ حلقومها، ثم قيل الشّعر الذي ينبت بعد ذلك
الشعر: حقيقة أيضاً على طريق الاستعارة ، وذلك معناه ها هنا ، يقول :
إِنْ انفرق تَشْعَرُ رأسه من ذات نفسه، فرقه في مَفرقِهِ، وإنْ لم
يَنفرق"، تركهُ وَقْرَةً واحدةً على حالها، يقال: فرقتُ الشيء" أفرقُهُ
فَرْقاً. وقيل: العقيقةُ اسمٌّ الشّعر قبل أن يُحلقَ، فإذا ◌ُعُلِقَ ثم
تبتَ، زال عنه اسم العقيقة، وسمّيَ تَشْعرهُ عليه السلام عقيقة"، لأنَّ
عقيقته كانت على رأسه لم يُنقلْ أنه كان قد ◌ُخُلقٍ فِي صِباء . ويُروى:
إن انفرقت" عقيصتُه، فرقَ، والعقيصة: الشّعر المعقوص، وهو نحو" من
المضفور، والوَفْرةُ: الشّعَرْ إلى "شحمة الأذن، والجُمَّةُ إلى المنكب،
والْمَّةُ: التي ألمْتْ بالمنكبين.
قوله: أَزْهَرُ اللون، أي: نيِّرْ اللون، والزهرة: البياض النير
وهو أحسن الألوان. وقوله: بينها عِرْقٌ يُدِرُهُ الغضب . يعني بين
- ٢٧٨ -
حاجبيه عِرْقٌ يمتلىء دماً إذا غضب، يقال: درَّت العروق: إذا
امتلأت دماً، كما يقال: حرّ الضْرع إذا امتلأ لبناً.
قوله: كثُ اللحية. الكُتونةُ فيها : أن تكون غير دقيقة ولا
طويلة، ولكن فيه كثافةٌ . وقوله: ضليع الفم . يقال: عظيم الفم ،
والعرب تحبُّ ذلك، وتذمُ صِغرّ الفم ، ومنه قوله في وصف كلامه :
يفتتح الكلامَ، ويختمه بأشْداقه، وقيل في ضليع الفمِ سْدَّةُ أسنانه
وتراصفُها.
وقوله: مُفلّج الأسنان . أراد أفلحَ الأسنان، والفلج: فُرجةٌ بين
الثناية والرّباعيات.
وقوله : (دقيقُ المسرّبَةِ، فالمسربَةُ: الشَّعَرْ المستدِقُ ما بين اللبه
إلى السّرّةٍ، كما ذكر بعده مُوَصْلَّ ما بين اللبّةِ بشعر يجري كالخط".
قوله : عاري التديين، ويروى: علي الشّندُوَتَيْنِ. يريد أنه لم
يكن على ذلك الموضع منه تَشْعَر"، وقيل: أراد أنه لم يكن عليها كثير
لحمٍ، والثْشْدُوَةُ الرجُل كالتدي للمرأة منْ ضَمَّ التاءَ منها ممزها،
ومَنْ فتحها، لم ◌َمِز الواو.
وقوله: كأنّ ◌ُنْقَهَ جِيدُ دُميةٍ. الدُّميةُ: الصورة المصوّرةُ،
وجمعها ◌ُعىَ. وق له: بادِنٌ مُتَاسِكٌ، أي: معتدلُ الخلق يُمسِكُ
بعضُ أعضائه بعضاً، ليس المراد منه بدانة السُّمنِ، ولا ضخامة البدن
بدليل قوله : سواء البطن والصدر. ضخم الكراديس أي : الأعضاء .
وقوله : أنورُ المتجردِ، أي: ◌ُشرقُ الجسدِ، والمتجرَّد من
جسده: الذي تَجرَّد عنه الثياب، والأنور: النيّر، كما قال اله سبحانه وتعالى
- ٢٧٩ -
( وهو أُهوَنُ عليه) [الروم: ٢٧] أي: هيِّنٌ عليه. رَحبُ
الرَّاحةِ: واسع الكفّ. تمْنُ الكفّين: غليظهما .
قوله: سائلُ الأطرافِ أي : ممتد الأصابع وهي بالسين غير
المعجمة، ورواه بعضهم ((ساين) بالنون، ومعناهما واحدٌ، مثل جبريل وجبرين.
وقوله : ◌ُخمصانُ الأخمصين، الأخمص من القدم : الذي لا يلصق
بالأرض في الوطء من باطنها ، أراد أن ذلك الموضع من رجله كان شديد
التجاني عن الأرض، وأنه لم يكن ((أرَوحَ)) وهو الذي يستوي باطن رجله
وسميَ الأخصُ أخمص لضموره، ودخوله في الرّجل. قوله: "مَسيحُ
القدمين. يريد استواءهما من غير ومخٍ، ولا شفاقٍ ، ولا تكسُّرٍ فيها
فإذا أصابها الماء، نبا عنهما ، وقيل : أراد به الملاسة واللين .
قوله : إذا زال ، زال قلعاً . بفتح القاف وكسر اللام يريد : يرفع
رجليه رفعاً بائناً بخطو تكفّيّاً، ويروى تكفؤاً، فالانحدار من الصّبب ،
والتكفَّؤْ إلى قدَّامٍ، والتقدُّع من الأرض قريبٌ بعضه من بعضٍ ،
والمراد منه القوة في المشي برفع الرّجلين، وامتداد الخطى، لا كمن يمشي
مختالاً وهي الميشيةُ المحمودة للرجال .
وقوله : فريع الميشية ، أي : سريع المشي ، واسع الخطو ، ولم
يكن بحيث يتبين منه في هذه الحال استعجالٌ ومبادرةٌ شديدةٌ ألا تراه
يقول: ويمشي هَوْناً. والهون معناه: الترفق والتثبت ، ومنه قوله سبحانه
وقعالى ( يمثون على الأرض هوناً ) [ الفرقان: ٦٣] قال مجاهد: بالسكينة
والوقار يدلّ عليه حديث أبي هريرة: إنا لنجهد أنفسنا وإنه لغير مكترثٍ .
وقوله : إذا التفت ، التفت جمعاً ، ويروى : جميعاً، يريد : لا يلوي ،
- ٢٨٠ -
عنقه مُنة" ويُسرة" ناظراً إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف،
ولكن يُقبيل جميعاً، ويدبر جميعاً. قوله : ◌ُجُلُّ نظره الملاحظة وهو
أن ينظر الرجل بلحاظ عينه إلى الشيء شزراً وهو شْقُ العين الذي يلي
/الصّدّغ، فأما الذي يلي الأنف، فهو الموقُ والماقُ، يقال: حظ"
إليه وتلفظه: إذا نظر إليه بمؤخر عينه .
قوله : يتكلم بجوامع الكلم . يريد: كثير المعاني، قليل الألفاظ،
ومنه قوله عليه السلام (« أوتيت جوامع الكلم)) (١) وقيل: معنى قوله :
((أوتيتُ جوامع الكلم)) يعني القرآن جمع الله تعالى بلطفه في الألفاظ
البسيرة منه معاني كثيرة .
قوله : ليس بالجاني ، ولا المهين . أي : ليس بالغليظ الحلقة ، ولا
المحتقر، كما قال أنس: ليس بالطويل البائن، ولا القصير . وفي رواية
علي رضي الله عنه في وصفه عليه السلام : ليس بالطويل المغْط ، ولا
القصير المتردّد. ويروى : ولا المهين برفع الميم ، فيكون معناه : ليس
بالذي يجفو أصحابه ويهينهم .
وقوله : لم يكن يذمُّ ذواقاً. أي: شيئاً مما يُذاق ويقع على المأكول
والمشروب فعالٌ بمعنى مفعولٍ .
وقوله : إذا غضب، أعرض وأشاح ، أي: أقبل. وقوله : ثم جزّأ
جزأه بينه وبين الناس فيردّ ذلك بالخاصة على العامة . معناه: أن العامة
لا تصل إليه في هذا الوقت ، بل يدخل عليه الخاصة ، ثم تخبر العامة
(١) أخرجه البخاري ٩٠/٦، ومسلم (٣٧١) من حديث أبي هريرة
بلفظ ((بعثت بجوامع الكلم)) وبلفظ ((أعطيت)) فكان صلى الله عليه وسلم
بتكلم بالقول الموجز ، القليل اللفظ الكثير المعاني ، وجزم غير الزهري بأن
المراد ((بجوامع الكلم)) القرآن بقرينة ((بعثت))