النص المفهرس
صفحات 201-220
- ٢٠١ - عبد الوهّاب الثقفيّ، عن خالد ، عن محمد بن سيرين، وقال هشام عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة: ((الفأرة مسخٌ وآية ذلك)) بمعناه. به شعف الجبال، ومسلم (٢٩٩٧) في الزهد : باب في الفأر وأنه مسخ . قلت : وهذا مما أبدى فيه صلى الله عليه وسلم رأيه أولا عن اجتهاد منه، ثم كان وحي الله له بعد ذلك فجزم بأن الممسوخ لانسل له ، كما ثبت في حديث ابن مسعود عند مسلم (٢٦٦٣) مرفوعا: (( إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولاعقبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك» . كتاب الرؤيا باب تحقيق الرؤيا قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إخباراً عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيهِ: (إِنَّ أَرَى فِي الَّنَامِ أَنِّي أَذْبَجُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرْ) [الصافات: ١٠٢]. ٣٢٧٢ - أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النشعيميُ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، فا أبو البان ، أنا شعيب ، عن الزهري ، حدثني سعيد بن المسيب أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ : (( لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا اْلَبَتْرَاتُ)) قَالُوا: وَمَا الْبَشْرَاتُ؟ قَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (١) )). هذا حديث صحيح . وروي عن عبادة بن الصامت قال: سألتُ رسولَ الله عز لهلل عن قوله سبحانه وتعالى: (لهم البُشرى في الحياة الدنيا) (١) البخاري ٣٣١/٢ في التعبير: باب المبشرات. - ٢٠٣ - [ يونس: ٦٤] قال: ((هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن، أو ترى له (١). ويُروى مثله عن أبي الدرداء مرفوعاً . ٣٢٧٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا أبو علي زاهر بن أحمد السرخسي، أنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسولَ اللهِ عَ ◌ّهِ قَالَ: «الرُّؤْيَا الحَسَنَةُ مِنَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النَّبُوَّةِ ». هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه محمد عن عبد اله بن مسلمة ، عن مالك، وأخرجه مسلم عن عبيد اله بن معاذ، عن أبيه ، عن شعبة، عن ثابت ، عن أنس . قوله: ((جزء من النبوة)) أراد تحقيق أمر الرؤيا وتأكيده، وإنما كانت جزءاً من النبوة في حق الأنبياء دون غيرهم . قال عبيد بن عمير: رؤيا الأنبياء وحيّ ، وقرأ : ( إني أرى في المنام أني أذنحك فانظر ماذا ترى ، قال يا أبتِ افعل ما تؤمر) [الصافات: ١٠٢] وقيل: معناه (١) أخرجه أحمد ٣١٥/٥ و٣٢١، والطيالسي ١٩/٢، ورجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعاً، وحديث أبي الدرداء أخرجه الطبري ( ١٧٧١٧) وفي سنده مجهول ، وباقي رجاله ثقات ، وفي الباب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((الرؤيا الحسنة هي البشرى يراها المسلم أو ترى له)) أخرجه الطبري (١٧٧٢٦) و (١٧٧٢٧) ، و (١٧٧٢٨) وإسناده قوي . (٢) (الموطأ)) ٩٥٦/٢ في الرؤيا: باب ما جاء في الرؤيا، والبخاري ٣١٩/١٢ في التعبير: باب رؤيا الصالحين، ومسلم (٢٢٦٤) في الرؤيا. - ٢٠٤ - أنها جزء من أجزاء علم النبوة ، وعلم النبوة باقٍ ، والنبوة غير باقية ، أو أراد به أنه كالنبوة في الحكم بالصحة، كما قال عليه الصلاة والسلام: ((الهديُ الصالح، والسَّمتُ الصالح، والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزءاً من النبوة))(١) أي: هذه الخصال في الحسن والاستحباب كجزء من أجزاء فضائلهم ، فاقتدوا فيها بهم، لا أنها حقيقةُ نبوةٍ، لأن النبوة لا تتجزأ ولا نبوة بعد الرسول مَلٍ، وهو معنى قوله ◌َِّمَ: ((ذهبت النبوة، وبقيت المبشرات، الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له)) (٢). وقال بعض أهل العلم في قوله: ((جزء من ستة وأربعين)) إن مدة وحي الرسول وَلت من حين بُدىء إلى أن فارق الدنيا، كان ثلاثاً وعشرين سنة ، وكانت ستة أشهر منها في أول الأمر ، يوحى إليه في النوم، وهو نصف سنة، فكانت مدة وحيه في النوم جزءاً من ستة وأربعين جزءاً من جملة أيام الوحي . باب من رأى شيئاً بكره ٣٢٧٤ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشميء، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سمعتُ (١) أخرجه أبو داود (٤٧٧٦) في الأدب: باب في الوقار من حديث ابن عباس ، وفي سنده قابوس بن أبي ظبيان فيه لين، وباقي رجاله ثقات وله شاهد بنحوه عند الترمذي (٢٠١١) بسند قوي من حديث عبد الله بن سرجس المزني ، وحسنه الترمذي . (٢) أخرجه البخاري ٣٣١/٢ من حديث أبي هريرة، ومسلم (٤٧٩) من حديث ابن عباس ، والطبراني من حديث حذيفة بن أسيد ، وأحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم كرز الكعبية . - ٢٠٥ - أَبَا قَتَادَةَ بْنَ رِبْعِيُّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﴾ يَقُولُ: ((الرُّؤْيَا مِنَ اللهِ، وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الشَّيِءَ يَكْرَهُهُ، فَلْيَتْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِذَا اسْتَيْقَظَ، وَلْيَتَعَوِّذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا، فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ إِنْ شَاءَ اللهُ)). قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: إِنْ كُنْتُ لَأَرَى الرُّؤْيَا هِيَ أَنْقَلُ عَلِّ مِنَ الَجَبَلِ، فَلَمَا سَمِعْتُ هَذَا الَحَدِيْثَ فَمَا كُنْتُ أَبَالِيَهَا . هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن يحيى بن بكير ، عن الليث ، عن عقيل، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة، وأخرجه مسلم عن القعنيّ، عن سليان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد . ٣٢٧٥ - أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي'، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي* ، نا علي بن الجعد ، أنا شعبة عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيْدٍ سَمِعْتُ أَبَا مَلَمَةَ قَالَ: كُنْتُ أَرَى الرُّؤْيَا تَهُمُّنِي حَتَّى سَمِعْتُ أَبَا قَتَادَةً يَقُولُ: كُنْتُ أَرَى (١) ((الموطأ)) ٩٥٧/٢ في الرؤيا: باب ما جاء في الرؤيا، والبخاري ٣٤٤/١٢ في التعبير : باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ، وباب الحلم من الشيطان ، وباب إذا رأى ما يكره، فلايخبر بها ولا يذكر ها، وباب الرؤيا من الله، وباب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة، وفي بدء الخلق : باب صفة إبليس وجنوده ، وفي الطب : باب النفث والرقية ، وأخرجه مسلم ( ٢٢٦١) (٢) في أول كتاب الرؤيا. - ٢٠٦ - الرُّؤْ يَا فَتُمْرِضِفٍِ حَتَّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَلِ يَقُولُ: الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يُحِبُ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ إِلَّ مَنْ يُحِبُّ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهِ، وَلَيَتْفُلْ عَلَى يَسَارِهِ، وَلَيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، وَمِنْ شَرِّ مَارَأَى، فَإِنّهَا لَنْ تَضُرَّهُ)). هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن سعيد بن الربيع، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن خلاد الباهليّ، عن محمد بن جعفر ، كلاهما عن شعبة . ٣٢٧٦ - أخبرنا أبو عبد الله الخرقيء، أنا أبو الحسن الطيفوني"، أنا عبد الله بن عمر الجوهري"، نا أحمد بن علي الكْشميهفي"، ناعلي بن حجر، نا إسماعيل بن جعفر، نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رُّسُولَ اللهِ عَِّ قَالَ: «رُؤْيَا الصَّالِحِ جُزْءُ مِنْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ) وَقَالَ: ((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالْحَلّمُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا حَمَ أَحَدُكُمْ حُلْمَا يَخَافُهُ، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَلَيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهِ، فَإِنْهُ لَا يَضُرُّهُ)). صحيح . (١) البخاري ٣٧٧/١٢ في التعبير : باب إذار اي مايكره فلا يخبرها ولا يذكرها، ومسلم ( ٢.٢٦١) (٤ )× في الرؤيا. - ٢٠٧ - قوله: ((الرؤيا الصالحة من الله)) يريد: بشارة من الله ليحسن به ظنه، ويشكره عليها . وأراد بالحلم : الرؤيا الكاذبة ، يُربها الشيطان ليُحزنهُ بسوء ظنه بربهٍ، ولذلك أُمير بأن يبصقُ عن يساره، ويتعوذ باله منه ، كأنه يقصد به طرده وإخزاءه . قوله: ((فإذا حَلَمَ أحدكم حلماً)) يقال: عَلَمَ، يَحِلُمْ ، معلماً: إذا رأى في منامه شيئاً، وَحَلُمَ بضم اللام، يحلُمُ حُلماً: إذا توقّرَ فلم يخف بسماع ما يكره ، وحلمَ الأديمُ بكسر اللام، يحلَمُ : إذا فد قبل الدُّباغ . ٣٢٧٧ - أخبرنا ابن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، نا محمد بن عيسى الجُلوديُّ، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، نا مُسلِمٍ بن الحجّاجِ، نا قتيبةُ ، نا الليث ، عن أبي الزبير. عَنْ جَابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ عَلَّ قَالَ: ((إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهَهَا، فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثَاً، وَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاَثً، وَلِيَتَحَوَّلَ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ » . هذا حديث صحيح (١). وكتب همر إلى أبي موسى الأشعريّ: أما بعدُ فإني آمُر كُم بما أمر كُم به القرآنُ، وأنهاكُم مما نها كم عنه محمد ◌ِيخُ، وأَمُر كُم (١) هو في صحيح مسلم (٢٢٦٢) - ٢٠٨ - باتباع الفقهِ والسُنّةِ، والتفهم في العربية، وإذا رأى أحدكم رؤيا فقصّها على أخيه ، فليقل : خيراً لنا ، وشراً لأعدائنا . وروي عن إبراهيم أنه قال: إذا رأى الرجل رؤيا يكرهها ، فليقل : أعوذ بما عادت به ملائكة الله ورسله من شر رؤباي الليلة أن تضرني في ديني ، أو دنيايَ با رحمان . قال ابن سيرين : اتق اله في اليقظة، ولا قبالٍ ما رأيت في النوم . باب أقسام الرؤيا ٣٢٧٨ - أخبرنا أبو الحسن عليّ بن يوسف بن عبد الله الجويني، أنا أبو محمد محمد بن علي بن شريك الشافعي"، أنا عبد الله بن محمد بن مسلم أبو بكر الجوربذي*، نا يونس بن عبد الأعلى ، أنا ابن وهب ، أخبرني جريرُ بن حازم، عن أيوب السختيانيّ، وهشام بن حسان ، عن محمد بن سیرین عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَ: ((إِذَا كَانَ آخِرُ الزمَانِ، لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا المُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤُيَا أَصْدَّقُهُمْ حَدِيْثَاً، وَالرُّؤْيَا ثَلَاثَةُ: رُؤْيَا بُشْرَى مِنّ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرُؤْيَا يَّا يُحَدِّثُ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ، وَرُؤْيَا مِنْ تَخْزِيْنِ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ، فَلَا ◌َحَدِّثْ بِهِ، وَلَيَقُمْ وَلْيُصَلِّ، وَالقَيْدُ فِي الََّامِ ثَبَّاتٌ في - ٢٠٩ - الدِّينِ، وَالغُلُّ أَكْرُّهُهُ)). هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجاه من طرقٍ عن ابن سيرين، ورواه قتادة أيضاً ، وأدرج الكلّ في الحديث ، ورواه عوف عن ابن سيرين، وجعل قوله: (الرؤيا ثلاثةٌ)) من قول ابن سيرين إلى آخره ، وأدرج عبد الوهاب التقفي عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين الكُلّ في الحديث. قال: وأحبُ القيدَ، وأكره الغُلِّ، والقيدُ ثباتٌ في الدين، فلا أدري هو في الحديث، أم قاله ابن سيرين. وجعلهُ مُعمرٌ عن أيوب من قول أبي هريرة (٢). ٣٢٧٩ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحيّ، أنا أبو الحسين بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفّار، نا أحمد بن منصور الرمادي، نا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ عَِّ قَالَ: ((في آَخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤيَا المؤمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَّقُمْ رُؤْيَا أَصْدَّقُمْ حَدِيْثَاً، وَالرؤيَا ثَلَاثَةُ: الرُّؤْيَا الَحَسَنَةُ بُشْرَى مِنَ الهِ (١) البخاري ٣٥٦/١٢، ٣٥٦ في التعبير: باب القيد في المنام ، ومسلم ( ٢٢٦٣ ). (٢) رواية قتادة عند مسلم ، ورواية عوف عند البخاري ، ورواية عبد الوهاب الثقفي عند مسلم ، وكذا رواية معمر، كما ذكره المصنف، وانظر ((الفتح)) ٣٦٠/١٢، ٣٦١، وفيه قال الخطيب: والمتن كله مرفوع إلا ذكر القيد والغل، فإنه قول أبي هريرة، وادرج في الخبر، وبينه معمر عن أيوب ، قلت : وهي الرواية التي سيذكرها المصنف من عبد الرزاق ، وأخرجها مسلم عنه . شرح السنة ج ١٢ م - ١٤ ٠ - ٢١٠ - عَزَّ وَجَلَّ، وَالرُّؤْيَا يُحَدِّثُ الرَّجُلُ بِهَا نَفْسَهُ، وَالرُّؤْيَا تَخْزِيْنٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ رُؤْيَا يَكْرُهُهَا ، فَلَا يُحَدِّثْ بِهَا أَحَدَاً، وَلْيَقُمْ، فَلْيُصَلُ)). قَالَ أَبُو هِرَيْرَةَ: يُعْجِبُنِ القَيْدُ، وَأَكْرَهُ الغُلَّ، القَيْدُ ثَبَاتُ فِي الدِّيْنِ، قال: وقَالَ رَّسُولُ اللهِ عَ﴾: " رُؤيَا اُلْمِنِ ◌ُجُزْءُ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النَّبُوَّةِ)). هذا حديث متفق على صحته أخرجه مسلم (١) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق . وروى أكثر الرواة: ((إذا اقترب الزمان، أو إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب)، واختلفوا في معناه ، قيل : أراد به قرب زمان الساعة ودنو وقتها ، كما صرح به في هذا الحديث ، ويقال الشيء إذا ولى وأخبر: تقارب، "يُقال: تقاربت إيلُ فلان: إذا قُلْت وأدبرت ، ويقال للقصير : متقارب : وقيل : معنى اقتراب الزمان : اعتدائه حين يستوي الليل والنهار (٣). والمعبّرون يقولون: أصدق الرؤيا في وقت الربيع ، أو الخريف عند خروج الثمار وعند إدراكها ، وهما وقتان يتقارب فيها الزمان، ويعتدل الليل والنهار . قالوا: ورؤيا الليل أقوى من رؤبا النهار، وأصدق ساعات الرؤيا وقت السحر . روي عن (١) (٢٢٦٣) ،وهو في ((المصنف)) (٢٠٣٥٢). (٢) وقد جزم ابن بطال بأن الأول هو الصواب، واستند الى ما - ٢١١ - أبي الميم، عن أبي سعيد يرفعه. قال: ((أصدق الرؤيا بالأسحار (١)). وقوله: ((الرؤيا ثلاثة)) فيه بيان أن ليس كل ما يراه الإنسان في منامه يكون صحيحاً ، ويجوز تعبيره ، إنما الصحيح منها ما كان من الله عز وجل بأتيك به ملك الرؤيا من نسخة أم الكتاب ، وما سوى ذلك أضغاث أحلام لا تأويل لها . وهي على أنواع قد يكون من فعل الشيطان يلعب بالانسان ، أو يُرِيه ما يحزنه، وله مكايد يحزنْ بها بني آدم، كما أخبر اله سبحانه وتعالى عنه: ( إنما النّجوى من الشيطانِ ليحزنَ الذين آمنوا) [ المجادلة: ١٠] ومن لعب الشيطان به الاحتلامُ الذي يوجب الغسل ، فلا يكون له تأويل ، وقد يكون ذلك من حديث النفس ، كمن يكون في أمر ، أو حرفة يرى نفسه في ذلك الأمر ، والعاشق يرى معشوقه ونحو ذلك ، وقد يكون ذلك من مزاج الطبيعة ، كمن غلب عليه الدمُ يرى الفصد ، والحجامة، والرعاف، والحمرة، والرياحين ، والمزامير والنشاط ونحوها ، ومن غلب عليه طبيعة الصفراء يرى النار، والشمع، والسراج ، والأشياء أخرجه الترمذي (٢٢٩٢) من طريق معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((في آخر الزمان لاتكاد رؤيا المؤمن تكذب، وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا)) وراجع ((الفتح)) ٣٥٦/١٢. (١) أخرجه أحمد ٢٩/٣ و٦٨ والدارمي ١٢/١٢ في الرؤيا : باب أصدق الرؤيا بالأسحار ، والترمذي (٢٢٧٥) في الرؤيا : باب قوله ( لهم البشرى في الحياة الدنيا) من حديث دراج أبي السمح ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري » ودراج ضعيف في حديثه عن أبي الهيثم ، ومع ذلك، فقد صححه الحاكم ٣٠٢٩/٤، ووافقه الذهبي . - ٢١٢ - الصفر، والطيران في الهواء ونحوها ، ومن غلب عليه السوداء ، يرى الظلمة والسواد، والأشياء السود ، وصيد الوحوش، والأهوال ، والأموات ، والقبور ، والمواضع الخربة، وكونه في مضيق لا منفذ له ، أو تحت ثقلٍ ونحو ذلك ، ومن غلب عليه البلغم ، يرى البياض ، والمياه ، والأنداء، والثلج ، والجمد ، والوحل ونحوها ، فلا تأويل لشيء منها . ٣٢٨٠ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحيّ، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيريء، أنا حاجب بن أحمد الطومي، أخبرنا محمد بن حماد، نا أبو معاوية، عن الأعمش ، عن أبي سفيان عَنْ جَابرٍ قَالَ: أَتَى النَّيِّ ◌َ﴿ِ رَجُلُ وَهُوَ يَخْطُبُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ رَأيْتُ فِيْا يَرَى النَّائِمُ الْبَارِحَةَ كَأَنَّ مُنُقِي ◌ُرِبَتْ، فَسَقَطَ رَأْسٍِ، فَاتَّبَعْتُهُ، فَأَخَذْتُهُ، ثم أَعَدْتُهُ مَكَانَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: ((إِذَا لَعِبَ الشَّيْطَانُ بِأَحَدِكُمْ فِي مَنَامِهِ ، فَلَا يُحَدِّثَنَّ بِهِ النَّاسَ)). هذا حديثٌ صحيح. أخرجه مسلم (١) عن أبي سعيد الأشْج، عن وكيع، عن الأعمش. قال الإمام: قوله: ((إذا رأى أحدكم ما بكره، فلا يحدث به)) وفي حديث أبي قتادة: ((فإذا رأى أحدكم ما يجب ، فلا يحدث به إلا من يحبه)) فيه إرشاد المستعبر لموضع رؤياه ، فإن رأى ما يكره، فلا يحدث به حتى لا يستقبله في تفسيرها ما يزداد به عماً ، وإن (١) (٢٢٦٨) (١٦) في الرؤيا: باب لا يخبر بتلعب الشيطان بهفي المنام . - ٢١٣ - رأى ما يحبه ، فلا يحدث به إلا من يحبه ، لأنه لا يأمن ممن لا يحبه أن يعبّره حداً على غير وجهه ، فيغمه، أو يكيده بأمر كما أخبر اله سبحانه وتعالى عن يعقوب عليه السلام حين قصّ عليه يوسف عليه السلام رؤياه : ( قال يا بني لا تقصُص" رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً) [يوسف: ٥]. ٣٢٨١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي*، نا علي بن الجعد ، أنا شعبة، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع ابن عدس عَنْ أَبِي رَزِينِ العُقَيْلِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَّمِ: «الرُّؤْيَا جُزْءٍ مِنْ أَرْبَعِينِ، أَوْ سِنَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ عَى رِجْلِ طَائِرٍ، فَإذَا حُدَّثَ رِهَا، وَقَعَتْ، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: ((لَا يُحِدِّثُ إِلَّ حَبِيْباً، أَوْ لَبِيْباً (١))). هذا حديث حسن . (١) حديث حسن أخرجه أحمد ١٠/٤، والترمذي (٢٢٧٩) في الرؤيا : باب ما جاء في تعبير الرؤيا، وأبو داود ( ٥٠٢٠ ) في الأدب ،باب ماجاء في الرؤيا، وابن ماجة (٣٩١٤)، وفي سنده وكيع بن عدس لم يوثقه غير ابن حبان، وباقي رجاله ثقات، وقد قال الترمذي : حديث حسن صحيح، وحسنه الحافظ في ((الفتح)) ١٢ / ٣٧٧، ٣٧٨، وصححه الحاكم ٤ / ٣٩٠، وأقره الذهبي ويشهد له مرسل أبي قلابة الذي سيذكره المصنف ، وأخرج الدرامي ١٣١/٢ بسند حسن عن سليمان بن يسار، عن عائشة قالت: كانت امرأة من أهل المدينة لهازوج تاجر يختلف - يعني في التجارة - فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن - ٢١٤ - ٣٢٨٢ - وأخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن علي الطومي"، نا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفراييني ، أنا محمد بن محمد بن ورُموية ، نا أبو زكريا يحيى بن محمد بن غالب، نايحيى بن يحيى ، أخبرنا ◌ُشيم ، عن يعلى بن عطاء بهذا الإسناد ، وقال : ((الرؤيا على رجل طائر مالم ◌ُتعبر، فإذا ◌ُعُبَّرت، وقعت)) قال: وأحسبه قال: «ولا يقصّها إلا على وادٍ، أو ذي رأيٍ ، والرؤيا جزءٌ من سنةٍ وأربعين جزءاً من النبوة)). قال أبو إسحاق الزجاج في قوله: ((لا يقصها إلا على وادٍ ، أو ذي رأي)) الوادُ لا يحبُ أن يستقبلك في تغيرها إلا بما تحب ، وإن لم يكن عالماً بالعبارة ، لم يعجل لك بما يغمك، وأما ذو الرأي ، فمعناه ذو العلم بعبارتها ، فهو بخبرك بحقيقة تغيرها ، أو بأقرب ما يعلم منها ، ولعله أن يكونَ في تفسيرها موعظةٌ تردعْكَ عن قبيح أنت عليه ، أو يكون فيها بشرى ، فتشكر الله عليها . قوله: ((والقيد ثبات في الدين)) وذلك لأن القيد يمنع صاحبه عن النهوض والنقلب ، كذلك الورعُ يمنع صاحبه من النهوض والتقلب فيا لا يُوافق الدين ، وهذا إذا كان مقيداً في مسجد ، أو في سبيل من سبيل زوجي غائب ، وتركني حاملا ، فرأيت في المنام أن سارية بيتي انكسرت ، وأني ولدت غلاما أتور، فقال: ((خير يرجع زوجك إن شاء الله صالحاً، وتلدين غلاماً براً ، فذكرت ذلك ثلاثاً فجاءت ورسول الله غائب فسألتها ، فأخبرتنى بالمنام، فقلت : لئن صدقت رؤياك ليموتن زوجك ، وقلدين غلاما فاجراً ، فقعدت تبكي ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((مه ياعائشة اذا عبرتم المسلم الرؤيا، فاعبروها على خير ، فان الرؤيا تكون على ما يعبرها صاحبها)) وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن عطاء: كان يقال : الرؤيا على ما أولت. - ٢١٥ - الخير، أو عمل من أعمال البرّ، فإن رآه مسافر، فهو إقامة عن السفر» وكذلك إذا رأى دابته مقيدة، فإن رآه مريضٌ، أو محبوسٌ، طال مرضه وحبه ، أو مكروب طال کربه . وروى أبوب عن أبي قلابه مرسلًاً أن النبي مَلّم قال: «إن الرؤيا تقع على ما عبّر، ومثل ذلك كمثل رجل رفع رجله ، فهو ينتظر متى يضعها ، فإذا رأى أحدكم رؤيا ، فلا يُحدث بها إلا ناصحاً، أو عالماً (١))) وروي عن قتادة قال: جاء رجل إلى محمر بن الخطاب ، فقال : إني رأيت كأني أعشبتُ، ثم أجدبت، ثم أعشبت، ثم أجدبت فقال له عمر : أنت رجل تؤمن ، ثم تكفر ، ثم تؤمن ، ثم تكفر ، ثم تموت كافراً ، فقال الرجل : لم أو شيئاً ، فقال عمر: قد قضي. لك ما قضي لصاحب يوسف . والغلُ: كفرٌ، لقوله سبحانه وتعالى: ( غْلّت أبديم ولُعينوا بما قالوا ) [ المائدة: ٦٤] وقوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً ) [ يس: ٨] وقد يكون بخلًا لقوله عز وجل: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك) [ الإسراء: ٢٩] وقد يكون كفاً عن المعامي إذا كان في الرؤيا ما يدل على الصلاح ، بأن يرى ذلك لرجل صالح ، روي أن النبي ◌َّ آخى بين سلمان، وأبي بكر ، فرأى سلمان لأبي بكر رؤيا ، فأعرض عنه ، فقال له أبو بكر: يا أخي مالكَ قد أعرضت عني؟ فقال : إني رأيت يديك قد جمعتا إلى عنقك ، فقال: الله أكبر، جمعت يداي عن الشر إلى يوم القيامة (٢). (١) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٣٥٤) ورجاله ثقات، وأخرجه الحاكم في ((المستدرك)) ٣٩١/٤ موصولا بذكر أنس، وصححه ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه بنحوه أبو بكر بن أبي شيبة فيما ذكره الحافظ في («الفتح» ٣٥٩/١٢ بسند صحيح عن مسروق قال: مر صهيب بأبي بكر ، فأعرض. عنه، فسأله، فقال: رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من باب أقسام تأويل الرؤيا ٣٢٨٣ - حدثنا أبو المظفر محمد بن أحمد التميمي'، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم المعروف بابن أبي نصر ، أنا أبو الحسن خيثمة بن سلمان بن حيدرة الأطرابلسي ، فا إسحاق بن إبراهيم بن عبّاد، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن ◌ُبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة أن رجلاً أتى رسول الله عزلتي ( ح ) وأخبرنا أحمد بن بعبد الله الصالحي*، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، نا أحمد بن منصور الرمادي ، نا عبد الرزاق عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ أَنَّ رجلٌ أَتَّى رسولَ الله عَّهِ، فَقَالَ: إِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ظُلَّةٌ يَنْطِفُ مِنْهَا السَّمْنُ وَالعَسَلُ، وَأَرَى سَبَبَاً وَاصِلاً مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَأَرَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَخذْتَ بِهِ، فَعَلَوْتَ، ثُمْ أَخَذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرَ، فَعَلَا، ثُمَّ أَخذَ بِهِ رَجُلٌ آخَرَ، فَعَلَا، ثُمَّ أَخَذَرِبِهِ رَجُلٌ آخَرَ، فَانْقَطَع ◌ِبِهِ، ثُمَّ وُصِلَ لَهُ، فَعَلَا، فَقَالَ أَبُو بَكرٍ: أَيْ رَسُولَ اللهِ يأَ بِي أَنْتَ، وَاللهِ لَتَدَعِّنِي فَلَأْعْبُرْهَا، فَقَالَ: ((اعْبُرْهَا)) فَقَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ، فَظُلَّةُ الإِسْلَامِ، وَأمّا مَا يَنْطِفُ مِنَ السَّمْنِ وَالعَسَلِ، فَهُوَ القُرْآنُ لِيْنُهُ وَحَلَاوَتُهُ، الأنصار ، فقال أبو بكر : جمع لي ديني الى يوم الحشر. - ٢١٧ - وَأَمَّا الْمُسْتَكْثِرُ وَاُلمُسْتَقِلُّ، فَهُوَ الْمُسْتَكْثِرُ مِنَ الْقُرْآنِ وَالمسْتَقِلُّ مِنْهُ، وَأَمَّا السَّبَبُ الوَاصِلُ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، فَهُوَ الحَىُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْه تَأْخُذُ بِهِ، فَيُعْلِيْكَ الهُ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ بَعْدَكَ رَجُلٌ آخَرُ، فَيَعْلُوبِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ آخَرُ بَعْدَهُ، فَيَعْلُو بِهِ، ثُمَّ يَأْخْذُ بِهِ رَجُلُ آخَرُ بَعْدَهُ، فَيُقْطَعُ بِهِ، ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ، فَيَعْلُو. أَيْ رَسُولَ اللهِ لَتُحَدِّثَّ أَصْبْتُ أَمْ أَخْطَأْتُ ؟ قَالَ: ((أَصَبْتَ بَعْضَاً وَأَخْطَأْتَ بَعْضَاً) قَالَ: أَقْسَمْتُ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ لَتُحَدِّثَنِي مَا الَّذِي أخطَأْتُ، فَقَالَ النَّيُّ 4: ((لَأَتُقْسِمْ)). هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن يحيى بن بُكير ، عن اليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس أن رجلًا أتى رسول الله عَلَم فقال: إني رأيتُ اللية في المنام ظلّة تنطف السمن والعسل، و كذلك أخرجه مسلم عن ابن أبي عمر ، عن سفيان عن الزهري ، وأخرجه مسلم عن محمد بن نافع ، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله ، عن ابن عباس ، أو أبي هريرة ، وقال : قال عبد الرزاق ، وكان معمر يقول أحياناً : عن ابن عباس ، (١) البخاري ٣٧٩/١٢، ٣٨١ في التعبير : بابمن لم ير الرؤيالا ول عابر إذا لم يصب ، وباب رؤيا الليل، ومسلم ( ٢٢٦٩ ) في الرؤيا : باب في تأويل الرؤيا، وأبو داود (٤٦٣٢) في السنة: باب في الخلفاء . - ٢١٨ - وأحياناً : عن أبي هريرة، ورواه أبو داود عن محمد بن يحيى بن فارس، عن عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: قال أبو هريرة: إن رجلا أتى النبي ◌َلى فقال : إني أرى الليلة . قوله: إني رأيت الليلة . يقال ما بين الصبح إلى الظهر: رأيتُ الليلة، وبعد الظهر إلى الليل: رأيت البارحة. والظْلِمَّةُ: كلّ ما أظلك من فوقك، وأراد بالظُلّةِ هاهنا والله أعلم: سحابة يَنطِفُ منها، أي: يقطر منها السمن والعسل، والنطف : القطرُ، ويقال للماء الكثير: نطفةٌ، والقليل: نطفة". وقوله: يتكففون، أي : يتلقونه بأكفهم ويأخذوته ، يقال : تكفف الرجل الشيء ، واستكفه : إذا مد كفه فتناول بها، والسببُ : الحبلُ، والواصل بمعنى الوصول ، سمي الحبل سبباً، لأنه يوصله إلى الماء . وقوله سبحانه وتعالى: (وآتيناه من كلِّ شيءٍ سبباً ) [الكهف: ٨٤] أي: علماً يوصلهُ إلى حيث يريد. وقوله: ((تقطعت بهم الأسباب)) أي: الوُصلات والمودات ، ومنه الحديث : ((كل سبب ينقطع إلا سبي (١))). وفي قوله لأبي بكر: ((لا تنقسم)) ولم يخبره عن مسألته، دليل على أن قول القائل: ((أقسمتُ)) لا يكون يميناً حتى يقول: أقسمتُ بالله ، وهو قول مالك والشافعي ، لأنه بمجرده لو كان يميناً ، لأشبه أن يُبر. ((١) أخرجه الحاكم ١٤٢/٣ من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي بن الحسين عن عمر بن الخطاب ... وصححه ، وقال الذهبي : منقطع، وأخرجه أحمد ٣٢٢/٤و٣٣٢ من حديث المسور بلفظ: (( إن الأنساب يوم القيامة تنقطع ، غير نسبي وسببي وصهري)) وفي سنده أم بكر بنت المستور ،وهي مجهولة ، وباقي رجاله ثقات . - ٢١٩ - النبي ى بالإخبار عن مسألته ، لأنه عليه السلام أمر بإبرار المُقسم . وذهب قوم إلى أن مجرد قوله: ((أقسمت)) يمين وإن لم يصلهُ باسم الله عز وجل ، وإليه ذهب أصحاب الرأي ، لأنه لو لم يكن يميناً ، لكان لا يقول له النبي ◌َلَى: لا تثْقسم، والأمر بإبرار المُقسم خاصٌ فيا مجوز وبتيسر (١). واختلف الناس في معنى قوله: ((أصبت" بعضاً، وأخطأت بعضاً)) فقال بعضهم : أراد به الإصابة في عبارة بعض الرؤيا ، والخطأ في بعضها، وقال آخرون: أراد بالإصابةَ: ما تأوله في عبارة الرؤيا، فقد خرج الأمر على وفاق قوله ، وأراد بالخطأ : مسألته الإذن له في تعبير الرؤيا، ومبادرته إلى الجواب بين يدي رسول الله مدافع، ولم يتركه* إليه عليه السلام حتى يكون هو الذي يُعبِّرها. والله أعلم . قال الإمام : تأويل جملة هذه الرؤيا على ما عبّره أبو بكر الصّديق رضي الله عنه، وهذه الرؤيا تشتمل على أشياء ، إذا انفرد كل واحد منها عن صاحبه ، انصرف تأويله إلى وجه آخر ، فإن تعبير الرؤيا بتغير بالزيادة والنقصان . .(١) قال ابن المنذر: اختلف فيمن قال: ((أقسمت بالله)) أو ((أقسمت)) مجردة ، فقال قوم : هي يمين وان لم يقصد ، وممن روي ذلك عنه ابن عمر وابن عباس ، وبه قال النخعي والثوري والكوفيون، وقال الاكثرون لا تكون يمينا إلا أن ينوي، قال مالك: ((أقسمت بالله)) يمين، و((أقسمت) مجردة لا تكون يمينا إلا إن نوى، وقال الشافعي: لا تكون يميناً أصلاً وأو نوی، و((أقسمت بالله)) إن نبوى تكون يمينا، وقال إسحاق: لا تكون يمينا أصلا، وعن أحمد كالأول، وعنه كالثاني، وعنه: إن قال: قسماً بالله ، فيمين جزما ، لأن التقدير: أقسمت بالله قسما، وكذا لو قال : الية بالله. - ٢٢٠ - فالسحاب في التأويل حكمة ، فمن ركب السحاب ولم يَهُلهُ ، علا في الحكمة ، فإن أصاب منها شيئاً ، أصاب حكمة ، وإن خالط ولم يُصيب شيئاً، خالط الحكماء، فإن كان في السحاب سوادٌ ، أو ظلمة، أو رياح ، أو شيء من هيئة العذاب ، فهو حينئذ عذاب ، وإن كان فيه غيتٌ ، فهو رحمة" . والسمن والعسل قد يكون مالاً في التأويل ، ورُوي أن رجلًا سأل ابن سيرين ، فقال: رأيتُ كأني ألعق عسلًا من جامٍ من جوهر ، فقال: اتقِ اله، وعاودِ القرآن، فإنك رجلٌ قرأتَ اقرآنَ، ثم نسبتهُ . والعلو إلى السماء رفعةٌ، لقوله سبحانه وتعالى: (ورفعناءُ مكاناً علياً ) [ مريم: ٥٧] ومن رأى أنه قد صعد السماء فدخلها، نال شرفاً وذكراً ، ونال الشهادة. والطيران في الهواء عرضاً سفرٌ ونيل شرفٍ، فإن طار مُصعيداً، أصابه ◌ُضرّ عاجلٌّ، فإن بلغ السماء كذلك يبلغُ غاية الضرّ، فإن تغيّب في السماء ولم يرجع ، مات ، فإن رجع نجا بعد ما أشرف على الموت ، والحبلُ : العهد والأمان ، لقوله سبحانه وتعالى: ( واعتصموا بحبل اله) [ آل عمران: ١٠٣] وقال: ( إلا بجبل من الله وحبل من الناس ) [ آل عمران: ١١٣] أي: أمانٍ. واعلم أن تأويل الرؤيا ينقسم أقساماً، فقد يكون بدلالة من جهة الكتاب ، أو من جهة السُنة ، أو من الأمثال السائرة بين الناس ، وقد يقع التأويل على الأسماء والمعاني ، وقد يقع على الضد والقلب . فالتأويل بدلالة القرآن ، كالحبل ◌ُعبّر بالعهد ، لقوله سبحانه وتعالى : ( واعتصموا بحبل الله ) والسفينة تعبّر بالنجاة ، لقوله سبحانه وتعالى : ( فأنجيناه وأصحابَ السفينة) [العنكبوت: ١٥] والخشبُ يُعَبْر