النص المفهرس
صفحات 241-260
- ٢٤١ -
ومالٍ ؟ فقد روي عن أبي بكر أنه قال لقوم جاؤوه تائبين : تَدُون
قتلانا ولا ندي قتلاكم، فقال عمر: لا نأخذ لقتلانا ديةً، فرأى أبو
بكر عليهم الضمان، وهو أصحُ قولي الشافعي. وأما قول عمر: ((فلا
نأخذ لقتلانا دية)) فيحتمل أنه ذهب إلى أنه لا ضمانَ عليهم على خلاف
رأي أبي بكر ، كما لا يجب على أهل الحرب ضمانُ ما أتلفوا على المسلمين
ويحتمل أنه كان يرى رأي أبي بكر في وجوب الضمان غير أنه رأى
الإعراض عنه ترغيباً لهم في الثبات على الإسلام . قال شعبة: سألت
الحكم عن العبد يأبيق ، فيلحق بأرض الشرك ؟ قال : لا تزوج امرأته ،
وسألت حماداً ، فقال : تزوج امرأته .
باب
تحريم فقد اذا أسلم على أي دين 08
٢٥٦٢ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحيء ، أنا أبو سعيد محمد بن
موسى الصّيرفي، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار ، نا أحمد بن
محمد بن عيسى البرتي ، نا أبو حذيفة ، نا سفيان الثوري ، عن الأعمش ،
عن أبي ظبيان
عَنْ أَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ عَهُ إِلَى
أُنَاسٍ مِنْ جُهَيْنَةَ يُقَالُ لَهُمْ: الْحُرُقَاتُ، قَالَ: فَأَتَيْتُ عَلى رَجُلٍ
مِنْهُمْ، فَذَهَبْتُ أَطْعَنُهُ ، فَقَالَ: لَا إِلهَ إِلَّ اللهُ، فَطَعَنْتُهُ ،
فَقَتَلْتُهُ، فَجِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ عَمِ، فَأَخَرْتُهُ بِذَلِكَ ،
شرح السنة ج ١٠ - م- ١٦
- ٢٤٢ -
فَقَالَ: ((قَتَلْتَهُ وَقَدْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّ اللهُ؟!)) قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا فَعَلَ ذَلِكَ تَعُوُّذاً، قَالَ: (( فَلَّ شَقَقْتَ
عَنْ قَلْبِهِ » .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي
شيبة ، عن أبي خالد الأحمر ، عن الأعمش ، وأخرجاه من طرق عن
أبي ظبيان، أخرجه محمد عن عمرو بن زرارة، وأخرجه مسلم عن إسحاق
ابن إبراهيم ، كلاهما عن حُصين عن أبي ظيان، وأبو ظبيان اسمه
حصين بن جندب .
ويروى عن جندب بن عبد الله البَجلي أن رسول اله ◌ِ لَّم قال:
((كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يومَ القيامة؟)) قال مراراً (٢).
وفيه دليل على أن الكافر إذا تكلم بالتوحيد ، وجب الكف
عن قتله .
قال الإمام : وهذا في الشّنويِّ الذي لا يعتقد التوحيد إذا أتى بكلمة
التوحيد، يحكم بإسلامه، ثم يُجبر على سائر شرائط الإسلام، فأما من يعتقد
التوحيد ، لكنه يُنكر الرسالة ، فلا يحكم بإسلامه بمجرد كلمة التوحيد
حتى يقول: محمد رسول الله، فإذا قاله، كان مسلماً إلا أن يكون من
الذين يقولون: محمد مبعوث إلى العرب خاصة ، فحينئذ لا يحكم بإسلامه
(١) البخاري ١٧١/١٢ في الديات: باب (ومن أحياها) و٣٩٨/٧
في المغازي : باب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى
الحرقات من جهينة، ومسلم (٩٦) في الإيمان: باب تحريم قتل الكافر
بعد أن قال لا إله إلا الله .
(٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (٩٧).
- ٢٤٣ -
ججود الإقرار بالرسالة حتى يُقِرّ أنه مبعوث إلى كافة الخلق ، ثم يستحب"
أن يمتحن بالإقرار بالبعث ، والتبرؤ من كل دين خالف الإسلام .
وكذلك حكمُ الموقد يعود إلى الإسلام عن الدّين الذي انتقل إليه .
وذهب أكثر أهل العلم إلى قبول توبة الكافر الأصلي والمرتد ، وذهب
جماعة إلى أن إسلام الزنديق والباطنية لا يُقبل ويُقتلون بكل حال ، وهو
قول مالك وأحمد ، وقالت طائفة : إذا ارتد المسلم الأصلي ، ثم أسلم
لا يُقبل إسلامه، فأما الكافر الأصلي إذا أسلم ، ثم ارتد ، ثم عاد إلى
الإسلام، يُقبل إسلامه، وظاهر الحديث دليل العامة على قبول
إسلام الكل .
وفي قوله: ((هلا مثققت عن قلبه)) دليلٌ على أن الحكم إنما يجري
على الظاهر ، وأن السرائر موكولة إلى الله عز وجل ، وليس في الحديث
أنه ألزم أسامة الدية .
قال أبو سليمان الخطابي: نشبه أن يكون المعنى فيه أن أصل دماء
الكفار الإباحة، وكان عند أسامة أنه إنما تكلم بكلمة التوحيد مستعيذاً
من القتل ، لا ◌ُصدقاً به، فقتله على أنه مباحُ الدم ، وأنه مأمور
بقتله، والخطأ عن المجتهد موضوع، أو تأوّل في قتله أنه لا توبة له في
هذه الحالة ، لقوله سبحانه وتعالى: (فلم يَكُ يَنفَعُهم إيمانهم لما رأوا
بأسنا ) [ غافر: ٨٥] وكما أخبر عن فرعون أنه لما أدركه الغرق*
قال: ( لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل) فقيل له: (آلآنّ
وقد عَصَيَتَ قبَلُ) [ يونس: ٩٠ - ٩١] ولم يُقبل إيمانه.
- ٢٤٤ -
قال رحمه الله: ولو رمى مسلم سهماً في دار الحرب إلى صف
العدو ، ولم يعلم أن في الصف مسلماً ، فأصاب مسلماً ، سواء عيّنه ، أو
لم ◌ُعيَّنْهُ ، فلا قودَ على الرامي، ولا دية، وعليه الكفارة، وكذلك
لو رأى رجلاً في دار الحرب بزيّ أهل الكفر، فقتله، فبان مسلماً،
قال الله سبحانه وتعالى: ( فإن كان من قوم عدوٍ لكم وهو مؤمنٌ
فتحرير رقبة ) {[ النساء: ٩٢] ولم يذكر الدية، أما إذا علم أن في
الصف مسلماً ، ولم يعرف مكانته، فعين شخصاً ، فرمى إليه ، فبان مسلماً ،
أو علم مكانَ المسلم، فرمى إلى غيره غيرَ مضطر إليه، فأصاب المسلم،
ففيه الدية على العاقلة، والكفارة في ماله ولا قود .
ورُوي عن جرير بن عبد الله قال: بعث رسول الله مح الغ سرية
إلى خنعَم ، فاعتصم ناسٌ منهم بالسجود ، فأسرع فيهم القتل ، فبلغ
ذلك النبي يَافي، فأمر لهم بنصف العقل، وقال: ((أنا بريءٌ من
كلِّ مُسلم مقيم بين أظهر المشركين)) قالوا: يا رسول الله لمّ ؟ قال :
((لا تتراءى ناراهما(١) )).
(١) حديث صحيح أخرجه أبو داود (٢٦٤٥) في الجهاد: باب النهي عن
قتل من اعتصم بالسجود ، ورجاله ثقات، لكن قال أبو داودعقب إخراجه:
رواه هشيم ومعمر وخالد الواسطي وجماعة لم يذكروا جريرا ، وأخرجه
الترمذي (١٦٠٤) و(١٦٠٥)في السير: باب ماجاء في كراهية المقام بين أظهر
المشركين موصولا ومرسلا ، وقال عن المرسل: إنه أصح، وإن أكثر
أصحاب اسماعيل بن أبي خالد لم يذكروا جريراً، وذكر عن البخاري أنه
قال : الصحيح مرسل ، ولم يخرجه النسائي في سننه ٣٦/٨ في القسامة
باب القود بغير حديدة إلا مرسلا ، وفي الباب عن سمرة مر فوعاً ((من جامع
المشرك وسكن معه فانه مثله)) أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) في الجهاد :
باب الاقامة بأرض الشرك، وأخرجه الحاكم ٢ /١٤١ من طريق آخر بلفظ
- ٢٤٥ -
قال أبو سليمان الخطابي : إنما أمر لهم بنصف العقل ، ولم يُكمل
لهم الدية بعد علمه بإسلامهم، لأنهم قد أعانوا على أنفسهم بمُقامهم بين
أظهر الكفار ، فكانوا كمن هلك بجناية نفسه ، وجناية غيره ، فتسقط
حصةُ جنايته من الدية .
قال الإمام : المسلم مضمون الدم إن لم يسقط ضمان دمه بالمقام فيما
بين الكفار أصلًا، فلا يجوز أن ينتقص به الضمان أصلاً، ألا ترى أن
القاتل إذا عرفه مسلماً مقيماً فيما بينهم ، فقتله من غير ضرورة يجب عليه
القصاص ، أو كمالُ الدية، ولا تُجعل إقامته فيما بينهم مشاركة لقائله في
قتله ، فيحتمل - والله أعلم - أن تكون الدية غيرَ واجبة بقتلهم، لأن مجرد
الاعتصام بالسجود لا يكون إسلاماً ، فإنهم يستعملونه على سبيل التواضع
والانقياد، فلا يحرم به قتلُ الكافر، فهؤلاء لم يجرُمُ قتلُهم بمجرد
سجودهم ، إنما سبيل المسلمين في حقهم التثبُتُ والتوقف ، فإن ظهر أنهم
كانوا قد أسلموا ، ثم اعتصموا بالسجود ، فقد قتلوا مسلماً مقيماً بين
أظهر الكفار لم يعرفوا إسلامه ، فلا دية عليهم غير أنه عليه السلام أمر
( لاتساكنوا المشركين ولاتجامعوهم . فمن ساكنهم أو جامعهم ، فليس
منا )) وصححه، ووافقه الذهبي وهو شاهد لحديث جرير، ولأحمد ٣٦٥/٤
والنسائي ١٤٨/٧ من حديث جرير قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم وهو يبايع ، فقلت : يارسول الله أبسط يدك حتى أبايعك، اشترط
علي، فأنت أعلم، قال: أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة
وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين)) وإسناده صحيح، ولأحمد ٥،٤/٥
والنسائي ٨٢/٥، ٨٣، وابن ماجة (٢٥٣٦) من حديث بهز بن حكيم عن
أبيه عن جده مرفوعاً ((لا يقبل الله عز وجل من مشرك بعدما أسلم عملا
أو يفارق المشركين إلى المسلمين)) وسنده حسن.
- ٢٤٦ -
بنصف الدية استطابة لأنفس أهليهم ، أو زجراً للمسلمين عن ترك التثبت
عند وقوع الشبهة، والله أعلم .
وفي الحديث دليل على أن الأسير المسلم في أيدي الكفار إذا وجد
إمكان الخلاص والانفلات ، لم يحل له المقامُ فيما بينهم ، فإن حلفوه أنهم
إن خلّوه لا يخرج، فعلف، فخلّوه ، يجب عليه الخروج، ويمينه بمين مكره ،
لا كفارة عليه فيها ، وإن حلف استطابة لنفوسهم من غير أن حلفوه ،
فعليه الخروجُ إلى دار الإسلام ، ويلزمه كفارة اليمين، وإن حلفوه أنه
إن خرج إلى دار الإسلام يعود إليهم لا يجوز أن يعود ، ولا يدعه
الإمام أن يعود ، ولو امتنعوا من تخليته إلا على مال يعطيهم ، فضمين
لا يجب أن يُعطي، ولو فعل، فحسنٌ .
وفيه دليل على كراهية المسلم دخولَ دار الحرب للتجارة والمقام فيها
أكثر من مُقام الفر. وقوله: ((لا تتراءى ناراهما)) يعني: لا يُساكن
المسلم الكفار في بلادهم بحيث لو أوقدوا ناراً ترى كل طائفة نار الأخرى ،
فجعل الرؤية النار ، ولا رؤية لها ، ومعناه : أن تدنوا هذه من هذه،
كما يقال : داري تنظر إلى دار فلان ، وقيل: معناه : لا يستوي
حكماهما، يقول: كيف يُساكنهم في بلادهم وحكمُ دينها مختلف؟ وقيل:
أراد : نارَ الحرب، قال الله سبحانه وتعالى: (كلما أوقدوا ناراً للحرب
أطفأها الله ) [ المائدة: ٦٤] يقول: كيف يجتمعان وفارُ حربها
مختلف ، هذا يدعو إلى الرحمن ، ويحارب عليه ، وهذا يدعو إلى
الشيطان، ويحاربُ عليه. وفي بعض الأحاديث: ((لا تستضيئوا بنار
.
- ٢٤٧ -
المشركين (١))) قال ابن الأعرابي: النار هاهنا: الرأي ، يقول:
لا تشاوروم، ويُقال: معنى النار السّمة، يقال : ما نار بعيرك ؟
أي: ما سمته ، ومنه قولهم : نارُها نجارُها، يريد أن: ميسمها يدل
على جوهرها ، وكرمها . فمعنى قوله : لا تتراءى ناراهما)، يقول :
لا يَقِْمُ المسلم يسِيّةِ المشرك ، ولا يتشبه به في هديه ، وشكله ،
وخُلقِهِ، وقد رُوي عن أبي الدرداء. عن رسول الله ◌ِوَع قال:
((( من نزع صغار كافر من عنقه، فجعله في عنقه، فقد ولى الإسلام
ظهره (٢)، وقيل: معناه: لا يجتمعان في الآخرة.
من قصد مال رجل أو مريم فرفع
٢٥٦٣ - أخبرنا الإمام أبو منصور محمد بن أسعد بن محمد حقدة
العطاري قدس الله روحه ، حدثنا الإمام أبو محمد الحسين بن مسعود
البغوي ، أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحيّ، أَنا أحمد بن عبد الله
(١) أخرجه أحمد ٩٩/٣. والنسائي ١٧٦/٨ ٠ ١٧٧ في الزينة . وفي
سنده أزهر بن راشد البصري وهو مجهول ، وباقي رجاله ثقات .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٠٨٢) في الإمارة: باب ما جاء في الدخول في.
أرض الخراج ، من حديث عمارة بن أبي الشعثاء ، عن سنان بن قيس ،
عن شبيب بن نعيم وأسناده ضعيف لجهالة عمارة بن أبي الشعثاء . وسنان
بن قيس .
- ٢٤٨ -
النعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا عبد الله بن
يزيد المقرىء ، نا سعيد هو ابن أبي أيوب ، حدثني أبو الأسود ،
عن عكرمة
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ قَالَ: سَمِعْتُ النَِّيَّ عَمِ يَقُولُ :
((مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ )).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن
عمرو .
وقد صح عن أبي هريرة قال رجل : يا رسولَ الله أرأيتَ إن جاء
وجلّ يريد أخذ مالي؟ قال: ((فلا تُعطِه مالكَ)) قال: أرأيتَ إن
قاتلني؟ قال: ((قاتِلْه))، قال أرأيت إن قتلني ؟ قال: ((فأنت
مشهيد) قال: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال: ((هو في النار (٢))).
٢٥٦٤ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحيّ، أنا أبو بكر أحمد
ابن الحسن الحيريء، أنا حاجب بنُ أحمد الطوسي ، حدثنا عبد الرحيم
ابن مُنيب ، نا سفيان ، عن الزهري ، عن طلحة هو ابن عبد الله
ابن عوف
(١) البخاري ٨٨/٥ في المظالم: باب من قاتل دون ماله، ومسلم
(١٤١) في الإيمان : باب الدليل على أن من قصد أخذ ماله بغير حق كان
القاصد مهدر الدم ، وأن قتل كان في النار ، وأن من قتل دونماله، فهو
شهيد .
(٢) أخرجه مسلم (١٤٠)
- ٢٤٩ -
عَنْ سَعِيدٍ بْنِ زَيْدٍ يَبْلُغُ بِهِ الَّبِيَّ ◌َحِ قَال: (( مَنْ ظَلَّمَ
مِنَ الْأَرْضِ شَيْئاً، طُوِّقَهُ، مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ، وَمَنْ فُتِلَ دُونَ
مَالِهِ، فَهُوَ شَهِيدٌ (١))).
وروي عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، عن النبي حولثم قال :
((من قُتِل دون ماله، فهو شهيدٌ، ومن قتل دون أهله، أو دون دمه،
أو دون دينه ، فهو شهيد )).
قلت : ذهب عامة أهل العلم إلى أن الرجل إذا أُريد ماله ، أو دمه، أو
أهله، فله دفع القاصد ومقاتلته، وينبغي أن يدفع بالأحسن فالأحسن ، فإن
لم يمتنع إلا بالمقاتلة، فقاتَله، فأتى القتل على نفسه، فدمه هدرٌ ، ولا
شيء على الدافع، وهل له أن يستسلم ؟ نظر إن أريد ماله، فله ذلك ،
وإن أريد دمُه، ولا يمكنه دفعُه إلا بالقتل، فقد ذهب قوم إلى أنّ له
الاستسلامَ ، إلا أن يكون القاصيد كافراً ، أو بهيمة، وذهب قوم إلى
أنه إن استسلم يكون في دمه ، وذهب قوم إلى أن الواجب عليه
الاستسلامُ ، وكرهوا له أن يقاتل عن نفسه متمسكين بأحاديث وردت
(١) إسناده صحيح، وأخرجه بلفظ الرواية الثانية احمد (١٦٥٢)
وأبو داود (٤٧٧٢) في السنة: باب في قتال اللصوص، والترمذي (١٤٢٠١)
في الديات : باب ما جاء في من قتل دون ماله فهو شهيد من حديث ابراهيم
ابن سعد عن أبيه ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ، عن طلحة بن
عبدالله بن عوف عن سعيد بن زيد وإسناده صحيح ، وقال الترمذي:
هذا حديث حسن صحيح،وأخرجه أحمد (١٦٢٨) و (١٦٤٢) من حديث
سفيان بن عيينة عن الزهري ، عن طلحة بن عبدالله ، عن سعيد بن زيد
بلفظ (( من قتل دون ماله فهو شهيد ، ومن ظلم من الأرض شبراً طوقه
من سبع أرضين)) وإسناده صحيح أيضاً وانظر ((الفتح)) ٧٤/٥.
- ٢٥٠ -
في ترك القتال في الفتن ، وليس هذا من ذلك في شيء ، إنما هذا في
قتال اللصوص ، وقطاع الطرق ، والساعين في الأرض بالفساد ، ففي
الانقياد لهم ظهور الفساد في الأرض ، واجتراء أهل الطغيان على العدوان ،
وتلك الأحاديث في قتال القوم على طلب الملك ، فعلى المرء المسلم أن
يكون في ذلك الزمان حلسَ بيته، ويعتزِلَ تلك الفرقَ كلها ليسلم
له دينه . والله أعلم .
٢٥٦٥ - أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن ، نا القاضي
أبو عمر البسطامي ، أنا أبو عبد الله أحمد بن جعفر بن المغيرة بتُتَر ،
نا سيّار بن الحسن التستري ، نا أبو الوليد الطيالسي ، نا عكرمة بن
عمار ، حدثني إياس بن سلمة بن الأكوع
عَنْ أَبِيْهِ، عَنِ النَّبيِّ عَّمِ قَالَ: (( مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ
فَلَيْسَ مِنَّا » .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي
شيبة، عن مُصعب بن المقدام ، عن عكرمة بن عمار ، وأخرجاه من
رواية ابن عمر .
٢٥٦٦ - أنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن أحمد
الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحيّ
(١) الطيالسي ٢٨٩/١، ٢٩٠ ومسلم (٩٩) في الإيمان: باب قول النبي
صلى الله عليه وسلم ((من حمل علينا السلاح فليس منا)) ورواية ابن عمر
أخرجها البخاري ١٧٣/١٢ في الديات : باب قول الله تعالى (،ومن أحياها)
وفي الفتن: باب قول النبي: ((من حمل علينا السلاح، فليس منا))
ومسلم (٩٨).
- ٢٥١ -
ومحمد ابن أحمد العارف، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، نا
أبو العباس الأصم ، أنا الربيع، أنا الشافعي ، أنا مسلم ، عن ابن جريج ،
عن عطاء ، عن صفوان بن يعلى بن أمية
عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ عَ لَهُ غَزْوَةٌ
قَالَ: وَكَانَ يَعْلَى يَقُولُ: وَكَانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ أَوْثَقَ عَمَلِي
فِي نَفْسٍ. قَالَ عَطَاءُ: قَالَ صَفْوَانُ : قَالَ يَعْلَى : كانَّ لي
أَجِيْرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَاناً، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا يَدَ الآخرِ، وَانْتَزَعَ
المَعْضُوضُ يَدَهُ مِنْ فِي العَاضُّ، فَذَهَبَتْ إِحْدَى ثَنِيَّتَيْهِ ، فَأَتَّى
النَّبِيَّ ◌َيْهِ، فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، قَالَ عَطَاءُ: وَأَحْسِبُهُ أَنْهُ قَالَ : قَالَ
النَّبِيُّ عَيْهِ: ((أَيَدَعُ يَدَهُ فِي فِيكَ تَقْضِمُهَا، كَأَنَّهَا فِي
فِي فَحْلٍ؟ )) .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن يعقوب بن إبراهيم
عن إسماعيل بن عليّة، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن
أبي أسامة ، كلاهما عن ابن ◌ُجُريج .
(١) الشافعي ٢٥٤/٢، والبخاري ٣٦٥/٤ في الاجارة : باب الاجير
في الغزو ، وفي الجهاد: باب الاجير، وفي المغازي: باب غزوة تبوك، وفي
الديات : باب إذا عض رجلا فوقعت ثناياه، ومسلم (١٦٧٤) (٢٣) في
القسامة : باب الصائل على نفس الانسان أو عضوه إذا دفعه المصول عليه،
فأتلف نفسه أو عضوه لا ضمان عليه .
- ٢٥٢ -
والعمل على هذا عند أهل العلم أنّ من عضّ رُجُلًا، فلم يكن له
سبيل إلى الخلاص منه إلا بقلع سنّه، أو قصدَ نفسه ، فلم يمكنه دفعه
إلا بالقتل ، فقتّله يكون دمه هدراً، لأنه هو الذي اضطره إلى ذلك ،
ومن جنى على نفسه ، لا يؤاخذ به غيره ، وكذلك لو قصد رجل الفجور
بامرأة ، فدفعته عن نفسها ، فقتلتهُ لاشيء عليها، رُفع إلى عمر رضي الله
عنه جاربة كانت تحتطيب، فاتبعها رجل ، فراودها عن نفسها ، فرمتهُ
بفهرٍ ، أو حجر، فقتلته، فقال عمر : هذا قتيل الله، والله لا يُودَى
أبداً (١).
وعلى هذا القياس لو قصدت بهيمةٌ رجلًا، فقتلها في الدفع ، لا ضمان
على الدافع عند الأكثرين، وهو قول الشافعي ، وذهب قومٌ إلى وجوب
ضمان البهائم ، وهو قول أصحاب الرأي ، واتفقوا ، على إباحة الدفع ،
والقتل ، وإذا صار قتلها مباحاً لتعديها بالصيال ، فوجب أن يسقط
ضمانها كما في الآدمي.
باب
من نظر في بيت انسان فرماه فأصاب عينه
٢٥٦٧ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي وأبو حامد
أحمد بن عبد الله الصالحيّ، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيريء ،
أنا محمد بن أحمد بن معقل الميداني ، ثنا محمد بن يحيى ، ثنا عبد الرزاق
( ح) وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي"، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن
(١) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٧٩١٩) عن معمر، عن
الزهري ، عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير ، وهو في سنن البيهقي
٣٣٧/٨، ورجاله ثقات .
- ٢٥٣ -
عبد الله بن بشران واللفظ له ، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصفَّار ،
ثنا أحمد بن منصور الرمادي ، ثنا عبد الرزاق ، نا معمر ، عن الزهري
عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدِ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَجُلاَ الطَلَعَ عَلى النَِّيِّ
سَمِ مِنْ سِتْرِ اْحُجْرَةِ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ ◌َِِّ مِدْرَى(١)، فَقَالَ:
((لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا يَنْظُرُ فِي حَتَّى آتِيَهُ، لَطَعَنْتُ بِالِدْرَى في
عَيْنِهِ ، وَهَلْ جُعِلَ الإِسْتِئْذَانُ إِلَّ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ)).
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجاه جميعاً عن قتيبة ، عن ليث ،
عن ابن شهاب، وقال: وكان مع رسول الله وَ ل مدرى يحكُ به رأسه ،
وأخرجه مسلم عن أبي كامل الجحدّري ، عن عبد الواحد بن زياد ،
عن معمر .
٢٥٦٨ - أخبرنا عبد الواحد بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد
الله الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن
الحسن الحيوية، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ،
أنا سفيان ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج
(١) بكسر الميم وسكون الدال : أداة تعمل من حديد أو خشب على
شكل سن من أسنان المشط يسرح بها الشعر .
(٢) ((المصنف)) (١٩٤٣) والبخاري ٢١٥/١٢ في الديات: باب من
اطلع في بيت قوم ففقؤوا عينه ، وفي اللباس : باب الامتشاط ، وفي
الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر، ومسلم (٢١٥١) في الآداب:
باب تحريم النظر في بيت غيره .
- ٢٥٤ -
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَه قَالَ: ((لَوْ أَنَّ
أمْرَءَاَ أَطَلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَخَذَ فْتَهُ بِحَصَاةٍ، فَفَقَأْتَ
عَيْنَهُ مَا كَانَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ )) .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن علي بن عبد اله ،
وأخرجه مسلم عن ابن أبي عمر ، كلاهما عن سفيان .
ويُروى في بعض الأحاديث: ((من اطلّعَ في بيتٍ قومٍ بغير
إذنهم فقد دَمرَ)) . قال الكسائي : يعني دخل ، قال أبو عبيد: ولا
يكون الدمور إلا أن يدخل عليهم بغير إذن .
قال الإمام : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، قالوا : إذا
نظر رجلٌ في صير باب إنسان ، أو في كُوة لا محرم المناظر فيها فرماهُ
صاحب الدار بشيء خفيف من حصاة أو مدرى، فأصاب عين الناظر ،
ففقأها لا شيء عليه ، رُوي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وأبي هريرة،
وإليه ذهب الشافعي ، وذهب بعضهم إلى وجوب الضمان ، وهو قول
أصحاب الرأي ، وذهب بعضهم إلى أنه إنما لايضمن إذا زجره ، فلم ينصرف ،
فأما إذا كان الباب مفتوحاً ، فنظر فيه ، أو نظر إليه ماراً من الطريق ،
فلا يباح طعنه ، ولو فعل ، ضمِنَ .
(١) الشافعي ٢٥٥/٢، والبخاري ٢١٦/١٢ ومسلم (٢١٥٨) (٤٤)
والمراد بالجناح هنا: الحرج، فعند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ
(( من أطلع في بيت قوم بغير إذنهم، فقد حل لهم أن يفقؤوا عينه))، وأخرج
أحمد ٣٨٥/٢ والنسائي ٦١/٨، وصححه ابن حبان كلهم من رواية بشير
ابن نهيك عن أبي هريرة بلفظ ((من أطلع في بيت قوم بغير إذنهم ففقؤُوا
عينه، فلا دية ولا قصاص)).
- ٢٥٥ -
وقد روى قتيبة عن ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر ، عن
أبي عبد الرحمن الحَبّلي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله ربى:
(( من كشف ستراً، فأدخل بصره في البيت قبل أن يُؤذن له ، فرأى
عورة أهله ، فقد أتى حداً لا يحل له أن يأتيه ، لو أنه حين أدخل
بصره ، فاستقبله رجل، ففقاً عينه، ما غيّرت عليه ، وإن مر الرجل
على باب لاستر له غير مغلق فنظر ، فلا خطيئة عليه ، إنما الخطيئة على
أهل البيت (١)))، وهذا حديث غريب لا يعرف إلا من حديث ابن
طبيعة .
باب
عقوبة المحاربين وقطاع الطريق
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (إِنَّا جَزَاءُ الَّذِيْنَ يُحَارِبُونَ
اللهَ وَرَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
"يُصَلَّبُوا) [المائدة: ٣٣] الآية. قَوْلُهُ: (أَوْ يُنْفَوْا مِنَّ
الأَرْضِ) يُقَالُ: نَفَيْتُ فُلَاَنَاً: إذَا طَرَدْتَهُ نَفْيَا، وَنَفَيْتُ
الدَّرَاهِمَ نَفَايَةً: إذَا رَدَدْتَهَا ، وَالنُّغَايَةُ، بِضَمِ النَّونِ:
المَنْفِيُّ القَلِيْلُ .
(١) أخرجه أحمد ١٨١/٥، والترمذي (٢٧٠٨) في الاستئذان: باب
ما جاء في الاستئذان قبالة البيت ، وفيه ابن لهيعة وهو سيء الحفظ،
وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٤٣/٨ عن أحمد ، واعله بابن الهيعة.
1
- ٢٥٦ -
٢٥٦٩ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن
الحسن الحيريء، أنا حاجب بن أحمد الطوميء ، نا عبد الرحيم بن
منيب ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنا ◌ُحميد
عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عُرَّيْنَةَ عَلى النَِّيِّ ◌َِهْلِ،
فَاجْتَوَوُا الَدِيْنَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَّهِ: (( لَوْ خَرَّجْتُمْ
إِلَى إِبلِ الصَّدَقَةِ، فَشَرِ بْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا، فَلَمَّا صَحُّوْا
ارْ تَدُّوا عَنِ الإِسْلَامِ، وَقَتَلُوا رَاعِيَّ رَسُولِ اللهِ عَيْه ،
وَاسْتَأَقُوا الإِبلَ، وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، فَبَعَثَ النَّبيُّ
عَظِ، فَأُخِذُوا، فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ، وَأَرْجُلَهُمْ، وَسَمَلَ
أَعْيُنَهُمْ)).
وأخبرنا أبو عبد الله الخِوفي'، أنا أبو الحسن الطيفوني ، أنا عبد
الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكْشيميهني ، نا علي بن حجرٍ ،
نا إسماعيل بن جعفر، نا حميد بهذا الإسناد مثل معناه ، وقال :
((فشربتم من ألبانها وأبوالها)). هذا حديث متفق على صحته (١)
(١) البخاري ٩٨/١٢ في المحاربين في فاتحته ، وباب: لم يحسم
النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الردة حتى هلكوا، وباب لم يسق
المرتدون المحاربون حتى ماتوا ، وباب سمر النبي صلى الله عليه وسلم أعين
المحاربين، وفي الوضوء: باب ابوال الابل والدواب والغنم ومرابضها،
وفي الزكاة : باب استعمال أبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل
وفي الجهاد: باب إذا أحرق المشرك المسلم هل يحرق ، وفي المغازي : باب
قصة عكل وعرينة ، وفي تفسير سورة المائدة : باب (إنما جزاء الذين
- ٢٥٧ -
أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن ◌ُشم، عن عبد العزيز بن حُهيب
وعميد ، واتفقا على إخراجه من طرق عن أبي قلابة ، وقتادة ، عن
أنس، وقالوا: ((فتشربوا من أبوالها وألبانها)).
ورواه حماد بن سلمة ، عن محميد، عن قتادة وثابت ، عن أنس، قالوا :
فبعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في إبل الصدقة، وقال: ((اشربوا من
ألبانها وأبوالها)) .
وقال يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أنسٍ: وعمل.
أعينَهُم ، ثم لم يجسمهم حتى ماتوا (١).
وقال سليمان التيميُ، عن أنسٍ: إنما سَمَل النبيُّ مَلُ أعْيْنَ
أولئك، لأنهم سملوا أعينَ الرّعاء (٢). وقال أيوب، عن أبي قلابة ، عن
أنس : فأمر بهم فقطع أيديهم ، وأرجلهم ، وتَمر أعينهم ، وأُلقوا
بالحرة يستسقون ، فلا يُقون حتى ماتوا . قال أبو قلابة: هؤلاء قوم.
سرقوا ، وقتلوا ، وكفروا بعد إيمانهم، وحاربوا الله ورسوله (٣).
قوله: ((اجتووا المدينة)) معناه: عافوا المُقام بها، فأصابهم
الجوى في بطونهم . يُقال: اجتويت المكان: إذا كرهتَ الإقامة به
لضرر يلحقك به ، قال أبو زيد: يُقال: اجتويت البلاد ، إذا كرهتها ،
وإن كانت موافقة لك في بدنك ، ويقال: استوبلتها: إذا لم توافقك
في بدنك ، وإن كنت مجالها.
يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا ، وفي
الطب : باب الدواء بألبان الأبل، وياب من خرج من أرض لا تلائمه.
وفي الديات: باب القسامة . وأخرجه مسلم (١٦٧١) في القسامة ،
باب حكم المحاربين .
(١) هذه الرواية للبخاري ٩٨/١٢٪
(٢) أخرجه مسلم (١٦٧١) (١٤) .
(٣) أخرجها البخاري :٩٩/١٢
شرح السنة ٤ ٠١٠_ ١٧
- ٢٥٨ -
وقوله: ((سمل اعينهم)) أي: فقأما، ومن روى: سمر عينهم ،
أي : كحلهم بمسامير محماةٍ ، وروي عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن
أنس: ((ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها (١))).
وفي الحديث دليل على إباحة ألبان نعم الصدقة لأبناء السبيل، لأنهم
من الأصناف الثمانية الذين لهم حقٌّ في الصدقة، ويحتجُ بهذا الحديث من
يقول بطهارة بول ما يؤكل لحمه، واختلف أهل العلم فيه ، فذهب قوم
إلى طهارته ، قال إبراهيم: ما أكلت لحمه، فلا بأس بيوله ، وهو قول
الحكم، وسفيان ، وبه قال أحمد ، وذهب جماعة إلى نجاسته ، وقالوا :
إنما أباح لهم شربه لضرورة العلة .
وفيه دليل على أن التداويَ بالمحرِّم عند الضرورة جائز، واختلف
أهل العلم في التداوي بالخمر ، فذهب أكثرهم إلى أنه لا يجوز ، ورخص
فيه بعضُهم كالتداوي بأبوال الإبل ، والأول أولاهما ، لأن الشرع فرّق
بينها ، فرخص في التداوي بأبوال الإبل ، ومنع من التداوي بالخمر ، فإنه
قد روي عن طارق بن سويد سأل النبي مريم عن الخمر فنهاه ، فقال :
إنما أصنعها للدواء، فقال: ((إنهاليست بدواء، ولكنها داء (٢))).
قال ابن مسعود في السّكّرِ : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم
(١) أخرجه البخاري ٩٩/١٢
(٢) أخرجه مسلم (١٩٨٤) في الأشربة : باب تحريم التداوي بالخمر،
وأبو داود (٣٨٧٣) في الطب: باب الادوية المكروهة، والترمذي (٢٠٤٧)
في الطب : باب ماجاء في كراهية التداوي بالمسكر، وإسناده حسن، وقال
الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
- ٢٥٩ -
عليكم (١) والمعنى فيه: أن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها ، ويبتغون
لذتها، فلما حَرُمُت، شقّ عليهم تركها، فغلظ الأمر فيها بإيجاب العقوبة
على متناولها ، وتحريم التداوي بها لئلا يستبيحوها بعلة التساقم ، وهذا
المعنى مأمون في أبوال الإبل لما في الطباع من النقرة عنها ، فلم يَجْز
إلحاق أحدهما بالآخر .
وسئل ابن شهاب عن شرب ألبان الأُثُن، ومرارة السبع، وأبوال
الإبل، قال : كان المسلمون بتداوون بها (٢). قال شعبة: وسألت
(١) السكر بفتحتين: الخمر، والأثر علقه البخاري في ((صحيحه))
٦٨/١٠ في الأشربة: باب شراب الحلواء والعسل، قال الحافظ: قد رويت
الأثر المذكور في فوائد علي بن حرب الطائي، عن سفيان بن عيينة ، عن
منصور ، عن أبي وائل ، قال: اشتكى رجل منا يقال له: خيثم بن العداءداء
ببطنه ، يقال له : الصفر فنعت له السكر ، فأرسل إلى ابن مسعود
يسأله ، فذكره ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور ، وسنده
صحيح على شرط الشيخين، وأخرجه أحمد في كتاب ((الأشربة))،والطبراني
في ((الكبير)» من طريق أبي وائل نحوه ، وروينا في نسخة داود بن نصر
الطائي بسند صحيح عن مسروق قال : قال عبد الله بن مسعود : لا تسقوا
أولادكم الخمر ، فانهم ولدوا على الفطرة ، وإن الله لم يجعل شفاءكم فيما
حرم عليكم ، وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن مسعود كذلك.
ولجواب ابن مسعود شاهد أخرجه أبو يعلى ، وصححه ابن حبان
(١٣٩٧) من حديث أم سلمة قالت : اشتكت بنت لي فنبذت لها في كوز،
فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغلي، فقال : ماهذا ؟ فأخبرته،
فقال: (( إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)).
(٢) أخرجه عنه البخاري في ((صحيحه)) ٢١٢/١٠ في الطب: باب البان
الأذن، ولفظه: وزاد الليث : حدثني يونس عن ابن شهاب قال: وسألته
هل نتوضأ أو نشرب الأتن أو مرارة السبع أو أبوال الابل؟ قال :
قد كان المسلمون يتداوون بها ، فلا يرون بذلك بأسا ، فأما البان الاتن،
- ٢٦٠ -
الحكم وحماداً عن شعر الخنزير، وعن الخمر يداوى به الدّبر، فكرها .
واختلف أهل العلم في تأويل هذا الصنيع بالعُرنيين من رسول الله
عَرخ ، فروى قتادة عن ابن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدودُ ،
وقبل تحريم المثلةِ، وعن أبي الزناد أنه قال: لما فعل رسول الله عَ لَه
ذلك بهم، أنزل الله الحدود ، ونهاه عن المثلة، فلم بعُد . وعن قتادة
قال : بلغنا أن النبي ◌َّمَ بعد ذلك كان يحْتُ على الصِّدفة، وينهى عن
المثل (١) وروينا عن سلمان التَّمه"، عن أنس: إنما سَملَ النبي ◌َ ◌ّه
أعين أولئك، لأنهم عملوا أمينَ الرّماء وقطعوا أيديهم وأرجلهم يريد بذلك
أنه اقتصّ منهم على مثال أفعالهم، وإنما لم يُسقوا، لأنه إنما فعل بهم ذلك
القتل ، وفي سقيهم استبقاؤم .
واختلف أهل العلم في عقوبة قاطع الطريق ، فذهب أكثرهم إلى أنه
إن قتل في قطع الطريق، ولم يأخذ المال يُقتل، وقتلهُ حتم ، لا يقبل
العفو، وإن أخذ المال، ولم يقتْل، 'تقطع يده اليمنى، ورجله اليسرى
إذا كان أخذ قدر نصاب السرقة، وإن قتل وأخذ المال يُقتل ويُصلب،
وإن لم يَقَتْل، ولم يأخذ المال، لكنه ميْبّ، وكثر الجيش، "نقِيَ،
وعُزْر"، والأصل فيه قول الله سبحانه وتعالى: ( إنما جزاء الذين
مجاربون الله ورسوله ويسعون" في الأرض فساداً أن يُقتَّلوا أو يُصلّبوا
فقد بلغنا أن رسول الله نهى عن لحومها ولم يبلغنا عن البانها أمر ولا نهي
(روزاد أبو نعيم في ((المستخرج)) فيما نقله عنه الحافظ من رواية أبي ضمرة:
ولا أرى ألبانها إلا تخرج من لحومها ) واما مرارة السبع ، قال ابن شهاب
حدثني أبو إدريس الخولاني أن أبا ثعلبة الخشني أخبره أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع.
(١) ذكره البخاري في ((صحيحه)) ٣٥,١/٧، ووصله أبو داود (٢٦٦٧)
واحمد ٤٢٨/٤ وسنده قوي .