النص المفهرس
صفحات 121-140
- ١٢١ - فيجب أن يعلم من علم الكتاب الناسخ ، والمنسوخ ، والمجمل ، والمفسّر، والخاص، والعام ، والمحكّمَ، والمتشابه ، والكراهية ، والتحريم ، والإباحة ، والندب . ويعرفَ من السُّنة هذه الأشياء، ويعرف منها الصحيح، والضعيف، والمسند، والمرسل، ويعرف ترتيب السُّنة على الكتاب ، وترتيب الكتاب على السُّنة حتى إذا وجد حديثاً لا يُوافق ظاهره الكتاب يهدي إلى وجه محمّله، فإن السُّنة بيان الكتاب، ولا تخالفهُ ، وإنما يجب معرفة ما ورد منها في أحكام الشرع دون ما عداها من القصص والأخبار ، والمواعظ . وكذلك يجب أن يعرف من علم اللغة ما أتى في كتاب أو 'سنّةٍ. في أمور الأحكام دون الإحاطة بجميع لغات العرب ، وينبغي أن يتخرّج فيها بحيث يقف على مرامز كلام العرب فيما يدل على المراد من اختلاف المحال، والأحوال، لأن الخطاب ورد بلسان العرب ، فمن لم يعرفه لا يقف على مواد الشرع . ويعرفَ أقاويلَ الصحابة والتابعين في الأحكام ، ومعظم فتاوى فقهاء الأمة حتى لا يقع حكمه مخالفاً لأقوالهم، فيكون فيه خرق الإجماع (١)، وإذا عرف من كل نوع من هذه الأنواع معظمه ، فهو مجتهد، ولا يشترط معرفة جميعها بحيث لا يشذءُ عنه شيء منها ، وإذا لم يعرف نوعاً من هذه (١) أنظر ((الرسالة)) ص ٥٠٨، ٥١١، وكتاب ((إبطال الاستحسان)) في الجزء السابع من ((الأم)) ص ٢٧٤ . - ١٢٢ - الأنواع ، فسبيله التقليد ، وإن كان متبحراً في مذهب واحد من آحاد أئمة السلف ، ولا يجوز له تقدُّد القضاء ، ولا الترصدُ للفتيا ، وإذا جمع هذه العلوم ، وكان مجانباً للأهواء والبدع، مدرّعاً بالورع ، محترزاً عن الكبائر ، غير مصرٍّ على الصغائر، جاز له أن يتقلد القضاء ، ويتصرف في الشرع بالاجتهاد ، والفتوى ، ويجب على من لم يجمع هذه الشرائط تقليدهُ فيما يَعِينُّ له من الحوادث. وجوز أصحاب الرأي للعامِّي (١) أن يتقدّد القضاء ، ثم يقضي بما يفي به أهل العلم، وقال معمر، عن قتادة: كان "قضاة أصحاب محمدعسل ستة: عمرُ، وعلي ، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن مسعود ، وأبو موسى الأشعري ، وزيد بن ثابت . فكان قضاء عمر ، وابن مسعود ، والأشعري يوافق بعضه بعضاً ، وكان يأخذ بعضهم من بعض ، وكان قضاء علي وأبيّ بن كعب، وزيد يشبه بعضه بعضاً، وكان يأخذ بعضهم من بعض ، وکان زيد يأخذ من علي وأبيّ ما بدا له . باب شرائط قبول الشهادة قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( فَرَجُلٌ وَامْرَ أَتَانِ مِنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشَهْدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢]، وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (١) وذلك فيما إذا لم يوجد المجتهد ، أما إن وجد ، فهو الأولى، وتجويزهم كون القاضي مقلدا لتعذر وجود المجتهد في كل زمن ، وفي كل بلد. انظر ((الهداية)) ٧٤/٣ و((رد المحتار)) ٣١٨/٤. - ١٢٣ - ( وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢٠] وَقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنْبَأٍ فَتَبَيّنُوا) [الحجرات: ٦]. ٢٥١٠ - أخبرنا محمد بن الحسن، أنا أبو العباس الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش ، أنا علي بن عبد العزيز ، أنا أبو عبيد ، نا مروان الفزاري ، عن شيخ من أهل الجزيرة يُقال له يزيد بن زياد، عن الزهري ، عن عروة عَنْ عَائِشَةَ تَرْفَعُهُ: ((لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ ، وَلَا خَائِنَةٍ ، وَلَا ذِي عِمْرِ عَلى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِيْنٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ ، وَلَا القَانِعِ مَعَ أَهْلِ البَيْتِ (١))). هذا حديث غريب ، ويزيد بن زياد الدمشقي مُنكر الحديث (٢)، وزاد بعضهم في هذه الرواية، ((ولا مجلودٍ حداً)). ٢٥١١ - أخبرنا محمد بن الحسن الميربند كشائي، أنا أبو سهل محمد ابن عمر بن محمد بن طرفة السّجزي، أنا أبو إسحاق سليمان حمد بن محمد ابن إبراهيم الخطابي ، أنا محمد بن بكر بن داسة التمار ، حدثنا أبو داود (١) فسر في الحديث بأنه التابع والخادم، وهو في غالب الظن من بعض الرواة ، وقال ابن الأثير: القانع : الخادم والتابع ترد شهادته للتهمة بجلب النفع لنفسه ، والقانع في الأصل : السائل . (٢) وأخرجه الترمذي (٢٢٩٩) في الشهادات: باب ماجاء فيمن لا تجوز شهادته ، وقد ضعفه عبد الحق الاشبيلي ، وابن حزم ، ، وابن الجوزي. ٠ - ١٢٤ - السجستاني ، نا حفص بن عمر ، نا محمد بن راشد ، نا سليمان بن موسى ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَلِ: ((رَدَّ شَهَادَةَ الْخَائِ وَالْخَائِنَةِ ، وَذِي الغِمْرِ عَلى أَخِيهِ ، وَرَدَّ شَهَادَةَ القَانِعِ لِأَهْلِ البَيْتِ، وَأَجَازَهَا لِغَيْرِهِمْ)) (١). قال الإمام : شرائطُ قبول الشهادة سبعة : الإسلام ، والحرية ، والعقل ، والبلوغ، والعدالة ، والمروءة، وانتفاء التهمة ، فلو شهد ذعي على شيء لا تقبل شهادته عند كثير من أهل العلم على الإطلاق ، وهو قولُ مالك ، والشافعي ، وقال الشافعي : المعروفون بالكذب من المسلمين لا تجوز شهادتهم ، فكيف تجوزُ شهادة الكفار مع كذبهم على الله عز وجل . وذهب أصحابُ الرأي إلى أن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض جائزة، وإن اختلفت مللُهُم (٢)، وذهب قوم إلى أن شهادة بعضهم على بعض تجوز عند اتفاق المِلّةِ، أما إذا اختلفت الملة بأن مشهد يهودي على (١) أبو داود (٣٦٠٠) في الاقضية: باب من ترد شهادته. وأخرجه عبد الرزاق (١٥٣٦٤) وأحمد ١٨١/٢ و٢٠٤ و٢٠٨ و٢٢٥، وابن ماجه ( ٢٣٦٦ ) في الأحكام : باب من لا تجوز شهادته ، والدار قطني ص ٥٢٨، ٥٢٩، وإسناده حسن، وقواه الحافظ في ((التلخيص)) ١٩٨/٤ ٠ (٢) وهو قول شريح والشعبي وعمر بن عبد العزيز والزهري وقتادة، وحماد بن أبي سليمان والثوري انظر ((المصنف)) ٣٥٧/٨ و٣٥٨، و ((الجوهر النقي)) ١٦٢/١٠ - ١٢٥ - نصراني أو مجوسي ، فلا تُقبل ، وهو قول الشعبي ، والزهري ، وابن أبي ليلى، وإسحاق، لقوله سبحانه وتعالى: ( فأغرينا بينهم العداوة والبغضاءَ ) [ المائدة: ١٤ ]. وذهب أكثر أهل العلم إلى أن شهادة أهل الذمة في حق المسلمين باطلة ، وذهب قوم إلى جواز شهادتهم على وصية المسلم في السفر خاصة يُروى ذلك عن أبي موسى الأشعري ، وهو قول شريح ، وإنماهيم النخعي ، وبه قال الأوزاعي ، وأحمد، واحتجوا بقول الله سبحانه وتعالى : ( يا أيها الذين آمنوا شهادةُ بينِكُم إذا حضر أحدَ كُم الموتُ حين الوصية اثنان ذوا عدلٍ منكُم أو آخرانٍ من غيرٍ كُم ) [المائدة: ١٠٦] أي : من غير أهل دينكم . وتأول من لم يجوّز أهل الذمة قوله : ( أوآخران من غيركم ) أي: من غير قبيلتِكُم (١) ، وذلك أن الغالب في الوصية أن الموصي يُشهد أقاربه وعشيرته عليها دون الأجانب ، واحتجوا بهذا التأويل بقوله سبحانه وتعالى: ( إن ارتَبتُم لا نشتري به ثمناً ولو كان ذا قربى) [ المائدة: ١٠٦] فقوله عز وجل: ( ولو كان ذا قربى ) يدل على أن المواد من قوله تبارك وتعالى : ( منكم ) ، أي : من ذوي قرابتكم . وزعم قوم أن الآية منسوخة والأكثرون على أن الآية غير منسوخة ، وهو قول عائشة ، والحسن ، وعمرو بن شرحبيل، وقالوا : سورة المائدة آخر ما نزل من القرآن لم ينسخ منها شيء . وسبب نزول الآية ما رُوي عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الدّاري ، وعدي بن بدَّاء ، فمات (١) قال في ((شرح المفردات)) ص: ٣٣٣: وهذا التأويل لايصح، لأن الآية نزلت في قصة عدي وتميم بلا خلاف بين المفسرين ، ودلت عليه الأحاديث ، ولو صح ما ذكروه ، لم تجب الأيمان ، لأن الشاهدين من المسلمين لاقسامة عليهما . - ١٢٦ - السهمي بأرض ليس فيها مسلم ، فلما قدما بتركته ، فقدوا جامّ فضة مخوّصاً بالذهب، فأحلفهُما رسولُ اللهِ عَلَعٍ، ثم وجدوا الجام بمكة ، فقالوا : اسْتريناه من تميم وعدي، فقام رجلان من أولياء السهمي ، فعلفا : لشهادتنا أحقّ من شهادقها، وان الجام لصاحبهم . قال : فنزلت فيهم : ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت (١)) الآية: [ المائدة : ١٠٦ ] . وتأول بعضهم الآية على الوصية دون الشهادة ، لأن تميماً الداري ، وعدي بن بداء كانا وصيين لا شاهدين بدليل أن النبي محلِّ حلّفها ، والشهود لا يحلفون ، فعبّر بالشهادة عن الأمانة التي تحملاها . ومعنى قوله: ( ولا نكتم شهادة الله) [ المائدة: ١٠٦] أي: أمانة الله. قال الإمام : والحرية شرط قبول الشهادة ، لأنها من باب الولايات ، والعبد ناقص الحال ، وذهب قوم إلى قبول شهادة العبيد ، يُروى ذلك عن أنس، وإليه ذهب شريح، وزرارة بن أوفى ، وهو قول عثمان البتي. وقال ابن سيرين: شهادته جائزة إلا لسيِّده، وقال الحسن، وإبراهيم النخعي : تجوز شهادة العبيد في الشيء التافه (٢). (١) أخرجه البخاري ٣٠٨/٥ في الوصايا: باب قول الله عز وجل ( يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت ) والترمذي (٣٠٦٢) وأبو داود (٣٦٠٦). (٢) من قوله: يروى عن أنس إلى هنا علقه البخاري ١٩٦/٥، ١٩٧، أما قول أنس ، فقد وصله ابن أبي شيبة من رواية المختار بن فلفل عنه، وقول شريح وصله ابن أبي شيبة من رواية عامر الشعبي أن شريحاً أجاز شهادة العبيد ... وقول ابن سيرين وصله عبدالله بن أحمد في المسائل من طريق يحيى بن عتيق عنه ، وقول الحسن وصله ابن أبي شيبة من طريق أشعث الحمراني عنه ، وقول إبراهيم النخعي وصله ابن أبي شيبة أيضا من رواية منصور عنه قال : كانوا يجيزونها في الشيء الخفيف. - ١٢٧ - ولا تقبل شهادة المجنون ، لأنه لا حكم لقوله في شيء ما ، وكذلك شهادة من لم يبلغ ، لقوله سبحانه وتعالى: ( واستشهدوا شهيدين من رجالِكُمْ) [ البقرة: ٢٨٢]، وقال مالك: "تُقبل شهادة الصبيان على الجراح التي تقع في محل اجتماعهم ما لم يتفرقوا ، ولا تُقبل في غيرها ، ويُروى ذلك عن ابن الزبير . وكان شريح يجيز شهادة الصبيان بعضهم على بعض . ورُوي عن ابن عباس في شهادة الصبيان قال : لا تجوز ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ( ممّن ترضون من الشهداء ) [ البقرة: ٢٨٢١] والعدالة شرط قبول الشهادة، وحدُّما: أن يكون محترزاً عن الكبائر ، غير مصرّ على الصغائر، والخائن مردود الشهادة، كما جاء في الحديث ، لفقه وخروجه عن العدالة بالخيانة . قال أبو عبيد : لا نراه خص به الخيانة في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وأتمهُم عليه ، فمن ضيّع شيئاً مما أمر الله به ، أو ركب شيئاً مما نهاه الله ، فليس ينبغي أن يكون عدلاً ، لأنه لزمه اسم الخيانة . قال الشافعي رضي الله عنه : ليس من الناس أحد نعلمه إلا أن يكون قليلاً بمحضُ الطاعة ، والمروءة حتى لا يخلطها بمعصية، ولا يمحضُ المعصية، وترك المروءة حتى لا يخلطها بشيء من الطاعة والمروءة ، فإذا كان الأغلبُ الأظهرُ من أمره الطاعة"، والمروءة، قبلت شهادته، وإذا كان الأغلب الأظهر من أمره المعصية، وخلاف المروءة، رُدّت شهادته. وقال عمر بن الخطاب : إن أناساً كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله مؤلم، وإن الوحيَ قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً، أمنًا، وقربناه (١) وليس إلينا (١) قال المهلب : يؤخذ منه أن العدل من لم توجد منه الربية وهو قول أحمد وإسحاق، وقيده الحافظ في ((الفتح)) في حق المعروفين ، لا من لا يعرف حاله أصلا . - ١٢٨ - من سريرته شيء ، الله ◌ُحاسبه في سريرته ، ومن أظهر لنا سوءاً، لم نأمنه ،، ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة (١). فال الإمام رحمه الله: والمروءة شرط قبول الشهادة ، وهي ما يتصل بآداب النفس مما يُعلم أن تاركه قليل الحياء ، وهي ◌ُحسن الهيئة ، والسيرة ، والعشرة ، والصناعة ، فإذا كان الرجل يُظهر من نفسه في شيء منها ما يستحي أمثاله من إظهاره في الأغلب يعلم به قلة مروءته ، وُتُرد شهادته وإن كان ذلك مباحاً . قال الإمام رحمه الله : وانتفاء التهمة شرط في جواز الشهادة حتى لا تُقبلَ شهادة العدو على العدو، وإن كان مقبولَ الشهادة على غيره، لأنه متهم في حق عدوّه ولا يؤمن أن تحمله عداوته على إلحاق ضرر به بشهادته ، فإن شهد لعدوه ، تقبل إذا لم يظهر في عداوته ما يُفسِّق به أظهر ما يفسّقّ به ، كان مردودَ الشهادة على العموم . وأجاز أبو حنيفة شهادة العدو على العدو إذا كان عدلاً ، والحديث حجة لمن رده، لأن النبي ◌ِّلت ردّ شهادة ذي الغيمر على أخيه ، وذو الغمر : الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة ، والغمر : الضّغْن . وقد روي عن عمر : أيما قوم شهدوا على رجل بجدّ ولم يكن ذلك بحضرة الحدّ، فإما شهدوا على ضغن. فيه بيان أن شهادة العدو غير مقبولة ، وبعض الناس لا يقبل الشهادة على حدود الله عز وجل بعد تقادم العهد ، ويحكم بسقوطها دون الحقوق التي هي للعباد . (١) أخرجه البخاري في صحيحه ١٨٥/٥: باب الشهداء العدول، وقول الله تعالى ( وأشهدوا ذوي عدل منكم) و ( ممن ترضون من الشهداء). - ١٢٩ - وقوله: ((ولا ظنين في ولاء ولا قرابة)) هو المتهم بالانتساب إلى غير أبيه ، والانتماء إلى غير مواليه ، ومنه قوله سبحانه وتعالى : ( وما ◌ُهُو على الغيب بِظنين) [ التكوير: ٢٤] أي: بمتهم، وقال ابن سيرين : لم يكن علي يُظنّ في قتل عثمان، أي: يُتْهم. وترد أيضاً شهادةُ المتهم في دينه، وكذلك المتهمُ في شهادته بأن يشهد لوالده أو لولده لا تقبل شهادته . قوله: ((ورد شهادة القانع لأهل البيت)) فالمراد منه التابع لهم ، وأصل القنوع : السؤال ، والقانع : السائل ، يقال : قنَعَ ، يَقْنَعُ ، "ُقنوعاً: إذا سأل، ويقال من القناعة: قنِعَ، يقنَعُ ، والمراد من القانع في الحديث : هو المنقطع إلى القوم يخدمهم ، ویکون في حوائجهم ، فهو ينتفع بما يصير إليهم من النفع ، فيصير بشهادته لهم جاراً إلى نفسه نفعاً ، فلا يُقبل ، كمن شهد لرجل بشراء دار وهو شفيعها ، أو شهد للمفلس واحدٌ من غرمائه بدين على رجل ، أو شهد على رجل أنه قتل مُوَّرّته ، لا تُقبل ، لأن نفع شهادته يعود إليه . وعلى هذا القياس لا تجوز شهادةُ أحد الزوجين لصاحبه، وهو قول أبي حنيفة رحمه اله، وأجازه. الآخرون ، وهو قول الشافعي رحمه الله . ولا تجوز شهادة الوالد لولده، ولا الولدُ لوالده عند أكثر أهل العلم ، وتجوز عليه، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز شهادة أحدهما للآخر ، وهو قول شريح ، وإليه ذهب داء ، وأبو ثور . واتفقوا على قبول شهادة الأخ للأخ ، وسائر الأقارب . وذهب عامة أهل العلم إلى قبول شهادة البدوي إذا كان عدلاً ، وقال شرح السنة ج.١م-٩ 1 : - ١٣٠ - مالك : لا تُقبل شهادة البدوي على القروي، وروى فيه حديثاً (١)، وتأويله عند الآخرين - إِن ثبت - أنهم قلما يضبطون الشهادة على وجهها لجهلهم بأحكام الشريعة، وقصور علمهم عما يحيل الشهادة عن جهتها ، فإن كان ضابطاً فطيناً بصيراً بما يؤديه منها ، فلا فرق بينه وبين القروي . وشهادة الأعمى مقبولة فيما يثبت بالسماع ، أو حيث انتفت الريبة عن مشهادته بأن أقر رجل لآخر في أذنه ، فتمسك به ، فشهد عليه ، ومن أجاز شهادته القاسم، والحسن ، والحكم، وعطاء، وابن سيرين ، والشعبي ، والزهري، قال الزهري: أرأيتَ ابن عباس لو شهدّ أكنتَ تردّه (٢) م وبعضهم أجازوا إذا عرف بالصوت . وقال بعض الناس : لا تجوز شهادة الأعمى بحال ، ثم أجاز شهادة البصير على الميت والغائب، وهو قول أصحاب الرأي . وأجاز سمُرة بن جندب شهادة امرأة مُتنقِّبَةٍ (٣). والقاذف فاسق مردود الشهادة، وإذا تاب وحسُنَت حالته ، قُبِلت مشهادته ، سواء أتاب بعد ما أقيم عليه الحدُ أو قبله ، لقوله سبحانه وتعالى: (١) أخرجه أبو داود (٣٦٠٢) في الأقضية: باب شهادة البدوي على أهل الأمصار ، وابنماجه (٢٣٦٧) في الأحكام: باب من لا تجوز شهادتهمن حديث أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)) وإسناده صحيح. (٣) علقه البخاري في ((صحيحه)) ١٩٤/٢، وقال الحافظ: وصله الكرابيسي في ((أدب القضاء)) من طريق ابن أبي ذئب عنه. (٣) ذكره البخاري في ((صحيحه)) ١٩٤/٥ تعليقاً. - ١٣١ - ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبداً وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا (١)) [ النور: ٤ - ٥] وهذا قول أكثر أهل العلم. رُوي عن سعيد بن المسيِّب أن عمر بن الخطاب لما جلد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة استتابهم ، فرجع اثنان ، فقبل شهادتهما ، وأبى أبو بكرة أن يرجع ، فرد شهادته ، ويقال : إن عمر قال لأبي بكرة: تُب، تُقبل شهادتك (٢)، أو إن "تبتَ، قبلتُ شهادتك، وهو (١) هذا الاستثناء عمدة من أجاز شهادته إذا تاب، وقد أخرج البيهقي من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى ( ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) ثم قال : ( إلا الذين تابوا ) فمن تاب فشهادته في كتاب الله تقبل ، وبهذا قال الجمهور : إن شهادة القاذف بعد التوبة تقبل، ويزول عنه اسم الفسق ، سواء كان بعد إقامة الحد أو قبله ، وتأولوا قوله تعالى ( أبدا ) على أن المراد مادام مصراً على قذفه ، لأن أبد كل شيء على ما يليق به كما لو قيل : لا تقبل شهادة الكافر أبداً ، فان المراد ما دام كافرا . (٢) ذكر البخاري في صحيحه ١٨٧/٥ تعليقاً ما نصه : وجلد عمر أبا بكرة ، وشبل بن معبد، ونافعاً بقذف المغيرة، ثم استتبابهم ، وقال: من تاب، قبلت شهادته وقد وصله الشافعي في مسنده الذي بهامش ((الأم )) ١٥٧/٦، قال : سمعت الزهري يقول : زعم أهل العراق أن شهادة المحدود لا تجوز ، فأشهد لأخبرني فلان أن عمر بن الخطاب قال لأبي بكرة : تب .وأقبل شهادتك ، قال سفيان : سمى الزهري الذي أخبره ، فحفظته، ثم نسيته ، فقال لي عمرو بن قيس: هو ابن المسيب، وأخرجه ابن جرير في التفسير ٧٦/١٨ من وجه آخر عن سفيان، فسماه ابن المسيب ، وأخرجه أيضاً من طريق بن إسحاق عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب تم من هذا ، ولفظة أن عمر بن الخطاب ضرب أبا بكرة ، وشبل بن معبد ، ونافع اين الحارث بن كلدة الحد ، وقال لهم : من أكذب نفسه ، أجزت شهادته فيما استقبل ، ومن لم يفعل ، لم أجز شهادته ، فأكذب شبل نفسه ، ونافع ، وأبى أبو بكرة أن يفعل ، قال الزهري : هو والله سنة فاحفظوه . وانظر ((المصنف ٣٦١/٨، ٣٦٢)). - ١٣٢ - قول ابن عباس ، وبه قال عطاء ، وطاووس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وسليمان بن يسار ، وعكرمة ، وعبد الله بن عتبة ، وعمر بن عبد العزيز ، والزهري ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي . وقال الشعبي : يقبل الله توبته، ولا تقبلون شهادته ؟!، وقال النخعي : لا تقبل شهادته . وذهب أصحاب الرأي إلى أن بشهادته لا تُردُ بالقذف، فإذا ◌ُحُدَّ فيه ، رُدَّت شهادته على التأبيد ، ولا تُقبل وإن تاب ، ثم قالوا : ينعقد النكاح بشهادته ، وينفذ قضاؤه إذا وُلي القضاء ، قال الشافعي : فهو قبل أن يحدّ شرٌ منه حين يجدُ، لأن الحدود كفارات ، فكيف تودونها في أحسن حاليه، وتقبلونها في شرّ حاليه ؟! وإذا قبلتم توبة الكافر ، والقاتل عمداً كيف لا تقبلون توبة القاذف وهو أيسر ذنباً ! ٢٥١٢ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن ابن أبي شُريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا علي بن الجعد ، أنا شريك ، عن عاصم بن عبيد الله ◌َنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: أَتِيَ عُمَرُ بِشَاهِدِ زُورٍ، فَوَقَفَهُ لِلنَّاسِ يَوْمَاً إلى اللَّيْلِ يَقُولُ: هَذَا فُلَانٌ شَهِدَ يُزُورٍ، فَاعْرِ فُوهُ، ثُمَّ حَسَهُ (١). ولا يجوز للشاهد أن يشهد إلا عن علم ، قال الله سبحانه وتعالى . ( إلا مَن شهد بالحق وهم يعلمون) [الزخرف: ٨٦] وقال جلَّ ذكره: ( ولا تقف ما ليس لك به علمٌ) [الإسراء: ٣٦] أي: لا تتبعه. (١) وأخرجه البيهقي ١٤١/١٠، وإسناده ضعيف لضعف شريك وعاصم، وهو في ((المصنف)) (١٥٣٨٨) من طريق عاصم. - ١٣٣ - ثم من الشهادات ما يُشترط فيها الرؤية وهي الشهادة على القتل ، والإتلاف ، ومنها ما يُكتفى فيه بالسماع ، مثل النسب، والأملاك المطلقة ، ومنها ما يُشترط فيه السماع ، والمعاينة ، مثل : العقود ، والأقارير ، فيُشترط فيها مشاهدة العاقد ، والمقر ، وسماع قولهما . واختلفوا في العتق ، والولاء ، والنكاح ، والوقف أنها هل تثبت بالتسامع ؟ فأثبتها بعضُهم كالنسب، ولم يثبتها بعضهم إلا بأن يسمع عن المباشر مشاهدة . وقال الزهريّ في الشهادة على المرأة من وراء الستر : إن عرفتها، فاشهد، وإلا فلا، وجوزوا شهادة المختبىء . قال عمرو بن حريث (١): كذلك يُفعل بالكاذب الفاجر (٢). قال الحسن: يقول : لم يُشهدوني على شيء، ولكني سمعتُ كذا وكذا (٣). ومن أقام مُحُجة على غائب مجق بين يدي القاضي ، فسمعها ، وحكم به ، وكتب إلى قاضي بلد الخصم ، وأشهد على حكمه ، فأجازه بعض أهل العلم ، وهو قولُ مالك ، والشافعي . : (١) هو ابن عمرو بن عثمان بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي من صغار الصحابة ، ولأبيه صحبة ، وقوله هذا علقه البخاري ١٨٣/٥ : (٢) قال العلامة العيني في (عمدته)) ٣٢٦/٦: أي: بالاختباء عند تحمل الشهادة يفعل بسبب الكاذب الفاجر ، وأراد به المديون الذي لا يعترف بالدين ظاهرا ، ثم يختلي به الدائن في موضع وقد كان أخفى فيه من يسمع إقراره بالدين ، فاذا شهد بذلك بعد ذلك يسمع عند عمرو ، وبه قال الشافعي في الجدبد ، وابن أبي ليلى ومالك وأحمد واسحاق ، وروي عن شريح والشعبي والنخعي أنهم بنوا لا يجيزون شهادة المختبىء، وقالوا: إنه ليس بعدل حين اختفى ممن يشهد عليه ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي في القديم . (٣) علقه البخاري ١٨٤/٥، قال الحافظ: وصله ابن أبي شيبة من من طريق يونس بن عبيد عنه قال : لو أن رجلا سمع من قوم شيئاً ، فانه يأتي القاضي ، فيقول : لم يشهدوني، ولكن سمعت كذا وكذا . - ١٣٤ - وجوّز بعضهم سماع الشهادة على الغائب ، ولم يجوّزها الحكم ، بل یکتب إلی قاضي بلد الخصم لیعگثم على وجه الخصم ، وهو قول أصحاب الرأي، وجوزوا إذا كان له اتصالٌ بالحاضر ، وقال بعضهم : كتاب الحاكم جائز إلا في الحدود (١)، وقال إبراهيم: كتاب القاضي إلى القاضي جائز إذا عرف الكتاب والخاتم (٢)، وكان الشعبي يجيز الكتاب. المختوم بما فيه من القاضي (٣)، ويروى عن ابن عمر نحوه (٤). وكان إياسُ بن معاوية، والحسن ، وثمامة بن عبد الله بن أنس ، وبلال بن أبي بردة ، وعبد الله بن بريدة الأسلميء ، وعبّاد بن منصور يجيزون كتب" القضاة بغير محضر من الشهود ، فإن قال الذي جيء عليه. بالكتاب : إنه زور ، قيل له : اذهب فالتمس المخرج من ذلك . وأول من سأل على كتاب القاضي البيّنّةَ، ابنُ أبي ليلى، وسوَّارُ بن عبد الله (٥) . (١) ذكر ذلك البخاري ١٢٤/٣، وأراد بالبعض الحنفية. (٢) علقه البخاري ١٢٤/١٣، ووصله ابن أبي شيبة، عن عيسى بن يونس ، عن عبدة ، عن إبراهيم . (٣) علقه البخاري أيضا، قال الحافظ: وصله ابن أبي شيبة من طريق عيسى بن أبي عزة قال : كان عامر الشعبي يجيز الكتاب المختوم يجيئه من القاضي، وأخرج عبد الرزاق (١٥٥٥٧) من وجه آخر عن الشعبي قال : لا يشهد ولو عرف الكتاب والخاتم حتى يذكر . ويجمع بينهما بأن الأول إذا كان القاضي إلى القاضي ، والثاني في حق الشاهد . (٤) ذكره البخاري ١٢٤/١٣، وقال الحافظ: لم يقع لي هذا الأثر عن ابن عمر إلى الآن . (٥) ذكر ذلك كله البخاري ١٢٥/١٣، ١٢٦ : وثمامة بن عبد الله بن أنس تابعي ثقة ناب في القضاء بالبصرة عن أبي بردة ، تم ولي قضاء البصرة. أيضاً في أوائل خلافة هشام بن عبد الملك . وبلال بن أبي بردة هو أبن - ١٣٥ - والعددُ في الشهادة شرط حتى لا يثبتَ الحكمُ بقول شاهد واحد » وكذلك المزكي يُشترط أن يكون اثنان ، وكذلك المقوِّم. وأجاز بعضُهم تزكية الواحد، قال أبو جميلة: وجدتُ منبوذاً فاتهمني عمر ، فقال عريفي : إنه رجل صالح، قال : كذاك ؟ اذهب وعلينا نفقتْه (١). أبي موسى الأشعري ، كان صديق خالد بن عبد الله القسري ، فولاه قضاء. البصرة لما ولي إمرتها من قبل هشام بن عبد الملك ، وضم إليه الشرطة ، فكان أميرا قاضياً . وعبدالله بن بريدة الأسلمي تابعي مشهور ولي قضاء. مرو بعد أخيه سليمان سنة خمس عشرة ومائة إلى أزمات وهو على قضائها سنة خمس عشرة ومائة. وعباد بن منصور هو الناجي يكنى أبا سلمة بصري قال أبو داود : ولي قضاء البصرة خمس مرات ، وذكر عمر بن شبة أنه أول ماولي سنة سبع وعشرين ولاه يزيد بن عمر بن هبيرة ، فلما عزل ، وولي مسلم بن قتيبة ، عزله ، وولى معاوية بن عمرو ، ثم استعفى فأعفاه مسلم ، وأعاد عباد بن منصور ، وكان عباد يرمي بالقدر ويدلس ، فضعفوه. بسبب ذلك ، ويقال : إنه تغير ، وحديثه في السنن الأربعة ، وعلق له البخاري شيئاً مات سنة اثنتين وخمسين ومائة . وابن أبي ليلى هو محمد ابن عبد الرحمن بن أبي ليلى قاضي الكوفة وإمامها وليها زمن يوسف بن عمر الثقفي في خلافة الوليد بن يزيد ، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة وهو صدوق اتفقوا على ضعف حديثه لسوء حفظه ، وقال الساجي : كان يمدح في قضائه ، فأما في الحديث ، فليس بحجة ، وقال أحمد : فقه ابن أبي ليلى أحب إلي من حديثه ، وحديثه في السنن الأربعة. وسوار بن عبد الله كان فقيهاً ولاه المنصور قضاء البصرة سنة ثمان وثلاثين ومائة ، فبقي على قضائها إلى أن مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين ومائة . (١) ذكره البخاري ٢٠٢،٢٠١/٥ تعليقاً، ووصله مالك في (الموطأ)) ٧٣٨/٢ عن الزهري ، عن أبي جميلة ولفظه : أنه وجد منبوذا في زمان عمر أبن الخطاب، قال : فجئت به إلى عمر بن الخطاب ، فقال : ما حملك على أخذ هذه النسمة ؟ فقال : وجدتها ضائعة فأخذتها ، فقال له عريفه : یا أمير المؤمنين إنه رجل صالح ، فقال له عمر : أكذلك ؟ قال : نعم ، فقال عمر بن الخطاب : أذهب فهوحر ، ولك ولاؤه ، وعلينا نفقته . وإسناده -١٣٦ - فأما القائفُ ، فواحد كالقاضي ، وإذا لم يعرف القاضي لسان الخصم ، فهل يكتفي بمترجم واحد ؟ اختلف أهل العلم فيه ، فذهب بعضهم إلى أنه لا بد من مترجمين كالشاهد والمزكي ، وهو قول الشافعي ، وذهب قوم إلى أنه يكتفي بمترجم واحد، أمر النبي مؤلف زيد بن ثابت ليتعلم كتاب اليهود ، فيكتب إليهم ، ويقرأ له كتبهم (١). صحيح . قال مالك : الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر ، وأن ولاءه للمسلمين هم يرثونه ، ويعقلون عنه . وأخرج البخاري ١٨/٨ في المغازي : باب مقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة زمن الفتح عن معمر، عن الزهري، عن سنين أبي جميلة قال : أخبرنا ونحن مع ابن المسيب ، قال: وزعم أبو جميلة أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج معه عام الفتح . (١) أخرجه البخاري ١٦١/١٣ تعليقاً في الأحكام: باب ترجمة الحكام وهل يجوز ترجمان واحد . قال الحافظ: وهذا التعليق من الأحاديث التي لم يخرجها البخاري إلا معلقة، وقد وصله مطولا في كتاب ((التاريخ)) عن إسماعيل بن أبي أويس ، حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن خارجة بن زيد ، عن زيد قال : أتى بي النبي صلى الله عليه وسلم مقدمه من المدينة ، وأعجب بي ، فقيل : هذا غلام من بني النجار قد قرأ فيما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فاستقرأني فقرأت (ق) فقال لي: ((تعلم كتاب يهود . فاني ما آمن يهود على كتابي)) فتعلمته في نصف شهر حتى كتبت له إلى يهود ، وأقرأ له إذا كتبوا إليه ، وأخرجه أبو داود (٣٦٤٥) في العلم: باب رواية حديث أهل الكتاب ، والترمذي (٢٧١٦) في الاستئذان: باب ماجاء في تعليم السريانية من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد ، عن زيد ابن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتعلم السريانية. قلت (القائل ابن حجر: وهذه الطريق وقعت لي بعلو في فوائد هلال الحفار قال :حدثنا الحسين بن عياش ، حدثنا يحيى بن أيوب بن السري ، حدثنا جرير عن الأعمش فذكره وزاد : فتعلمتها في سبعة عشر يوماً ، وأخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما، وأبو بكر بن أبي داود في ((المصاحف)) من - ١٣٧ - وقال عمر - وعنده عثمان، وعلي، وعبد الرحمن - : ماذا تقول هذه١١)؟ قال عبد الرحمن بن حاطب: فقلتُ : نُخبرك بصاحبها الذي صنع بها (٢)، وقال أبو جمرة: كنت أترجم بين ابن عباس وبين الناس (٣). واختلف قول الشافعي في الخارص والقاسم : هل يشترط أن يكون اثنان؟ واختلف أصحابه في المسمع إذا كان القاضي أسم". باب من شهد قبل السؤال ٢٥١٣ - أخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن محمد الداوودي ، أنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت، نا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الماشي ( ح ) وأخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، طريق الأعمش ، ،وأخرجه أبو يعلى من طريقه وعنده : إني اكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي وينقصوا ، فتعلم السريانية ، فذكره ، وله طريق أخرى ، أخرجها ابن سعد . وفي كل ذلك رد على من زعم أن عبدالرحمن بن أبي الزناد تفرد به ، نعم لم يروه عن أبيه عن خارجة إلا عبد الرحمن ، فهو فرد نسبي وقصة ثابت يمكن أن تتحد مع قصة خارجة أن من لازم تعلم كتابة اليهودية تعلم لسانهم ، ولسانهم السريانية ، لكن المعروف أن لسانهم العبرانية، فيحتمل أن زيدا تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك . (١) أي : المرأة التي وجدت حبلى. (٢) علقه البخاري ١٦٢/١٣، ووصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طرق عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه نحوه . (٣) علقه البخاري ١٦٢/١٣ في الأحكام ، وهو طرف من حديث وصله في العلم ١٦٦/١ : باب تحريض النبي صلى الله عليه وسلم وفد عبدالقيس على أن يحفظوا الإيمان والعلم ، ويخبروا به من وراءهم. - ١٣٨ - أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أو مُصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو ابن عثمان ، عن أبي عمرة الأنصاري عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رُسُولَ اللهِ عَطَّهِ قَالَ: ((أَلَا أَخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشَّهَدَاءِ الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا (١)» هذا حديث اختلف على مالك في روايته ، فروى عبد الله بن مسلمة هكذا ، وقال : عن أبي عمرة، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ، وقال عن ابن أبي عمرة الأنصاري قال أبو عيسى : وهذا أصح ، لأنه قد رُوي من غير حديث مالك عن عبد الرحمن بن أبي عمرة ، عن زيد بن خالد لجهني ، وروي عن أبي عمرة ، عن زيد بن خالد الجهني غير هذا الحديث ، وهو صحيح أيضاً ، وأبو عمرة هو مولى زيد ابن خالد قال الإمام: وقد صح عن عمران بن حصين أن رسول الله عز لته قال: ((خير الناس قرني ، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم )) قال عمران: فلا أدري أقال بعد قرنه مرتين أو ثلاثاً، ((ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يُستشهدون، ويحلفون، ولا يُستحلفون (١٢)). (١) ((الموطأ)) ٧٢٠/٢ في الأقضية: باب ما جاء في الشهادات، ومسلم ( ١٧١٩ ) في الأقضية : باب بيان خير الشهود ، والترمذي (٢٢٩٦) ،وأبو داود (٣٥٩٦). (٢) أخرجه البخاري ١٩٠/٥ في الشهادات: باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد ، وفي الفضائل : باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الرقاق : باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ، وفي الأيمان والنذور : باب إثم من لا يفي بالنذر ، وأخرجه مسلم (٢٥٣٥) في، - ١٣٩ - قال الإمام : إذا ادعى رجل حقاً على آخر ، فشهد به رجل قبل أن يستشهده الحاكم بطلب صاحب الحق، فلا حكم بشهادته، ولا يحكُمُ بها الحاكم كما لا تُحسبُ يمينه في قطع الحقوق قبل استحلاف الحاكم . واختلفوا في وجه الجمع بين الحديثين، قيل: أراد ((بخير الشهداء أن يكون عند رجل شهادة الرجل، ولا يعلم بها صاحب الحق، فيخبره بها، ولا يكتمه . وقوله: ((يشهدون ولا يستشهدون)) أراد به إذا كان صاحب الحق عالماً به ، فشهد الشاهد به قبل الاستشهاد ، وقيل : الأول في الأمانة تكون لليتيم لا يعلم بمكانها غيرُهُ ، فيخبره بما يعلم من ذلك ، وقيل : أراد بالأول سرعة إجابة الشاهد إذا استشهد لا يمنعها ولا يؤخرها ، قال الله سبحانه وتعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دُعوا ) [البقرة: ٢٨٢]، قال سعيد بن جبير : هو الذي عنده الشهادة . فكل من تحمل شهادة، فدعي لأدائها ولا عذر له في التخلف ، يجب عليه أن يجيب إليه ، قال الله سبحانه وتعالى: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتُمها فإنه آثم ◌ٌ قلبُهُ ) الفضائل : باب فضل الصحابة ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . وقال الحافظ في ((الفتح)) ١٩٠/٥: اختلف العلماء في ترجيح الحديثين ، فجنح ابن عبد البر إلى ترجيح حديث زيد بن خالد لكونه من رواية أهل المدينة ، فقدمه على رواية أهل العراق ، وبالغ ، فزعم أن حديث عمران هذا لا أصل له ، وجنح غيره إلى حديث عمران لاتفاق صاحبي الصحيح عليه ، وانفراد مسلم باخراج حديث زيد بن خالد ، وذهب آخرون إلى الجمع بينهما فأجابوا بأجوبة . أحدها : أن المراد بحديث زيد من عنده شهادة لانسان بحق لا يعلم بها صاحبها ، فيأتي إليه ، فيخبره بها ، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي الشاهد إليهم ، أو إلى من يتحدث عنهم ، فيعلمهم بذلك ، وهذا أحسن الأجوبة ، وبهذا أجاب يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما . - ١٤٠ - [ البقرة: ٢٨٣] وقيل في قوله عز وجل: (ولا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) أي : لا تتبعوا الهوى فراراً من إقامة الشهادة ، وقيل : معناه : لا تتبعوا الهوى لتعدلوا، كما يقال: لا تتْبِعَنّ الهوى لترضي ربك، أي : أنهاك عنه لترضي ربك. فأما إذا دعي للتحمل ، وثمّ من يتحملها، فيُستحب أن يُجيب إليه إن كان من أهله ولا يجب ، فإن لم يكن ثمّ من يتحملها ، فعليه الإجابة إليه ، وهو من باب فروض الكفايات كودً السلام ، والصلاة على الجنائز، والجهاد . وقيل في قوله: ((يشهدون ولا يُستشهدون)) أراد به شهادة الزور، وكذلك قوله: «يحلفون ولا يُستحلفون)) أراد أن يحلف على شيء هو فيه آثمٌ بدليل أنه قد رُوي في بعض الروايات: ((ثم يفشو الكذب)) وقيل: أراد به الشهادات التي يقطع بها على المغيِّب ، فيقال : فلان في الجنة، وفلان في النار ، وفيه معنى التألي على الله، وقد زُجِرَ عنه . قال الإمام : يحتمل أن يكون الأول فيما يُقبل فيه شهادة الحيسبة من الزكوات والكفارات ، ورؤية هلال رمضان ، والحقوق الواجبة الله سبحانه وتعالى، والطلاق، والعتاق ونحوها وقوله: ((يشهدون ولا "يستشهدون)) في حقوق العباد من البيوع، والأقارير، والقصاص، وحد القذف ونحوها ، فلا تصح شهادة الشاهد فيه إلا بعد تقدم الدعوى ، ومسألة الحاكم شهادته بعد طلب المدعي . باب اليمين على نية المستخلف ٢٥١٤ - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، أنا محمد بن عيسى الجلودي، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، عن مسلم