النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١ -
ورُوي عن ابن عباس أن النبي ◌ِّم قال: «لو يُعطى الناسُ
جدعواهم، لادعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم، ولكنّ اليمين على
المدعى عليه (١))).
٢٥٠١ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد
الله الصالحية، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الخيري ،
نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا مسلم بن خالد
عن ابن جريج ، عن ابن أبي مليكة
◌َنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَلِّ قَالَ: ((البَيِّنَةُ
عَلى المُدَّعِي، وَأَحْسِبُهُ قَالَ: ((وَالَيَمِينُ عَلى المَدَّعى عَلَيْهِ ».
هذا حديث صحيح (٢) أخرجه مسلم عن أبي الطاهر ، عن ابن وهب ،
عن ابن جريج قال: ((ولكن اليمين على المدعى عليه)).
قال رحمه الله: وروى حديث الأشعث أبو معاوية، عن الأعمش ،
عن شقيق ، عن الأشعث قال : كان بيني وبين رجلٍ من اليهود أرض
فجحدني، فقال لي النبي عِ الِّ: ((ألك بيِّنَةٌ ))؟ قلت: لا . قال
اليهودي: ((احلف)) فقلتُ: إِذاً يحلفُ ، فأنزل الله سبحانه وتعالى :
(١) أخرجه مسلم (١٧١١) في الأقضية : باب اليمين على المدعى عليه،
وهو عند الشيخين بلفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين
على المدعى عليه .
(٢) الشافعي ٢٣٣/٢ في الدعاوى والبينات : باب البينة على المدعي
واليمين على المدعى عليه، ومسلم (١٧١١).
ے

- ١٠٢ -
(إنّ الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثماً قليلاً) (١) [آل عمران: ٧٧ ]
الآية .
وفيه دليل على أن الكافر يُحلّف في الخصومات، كما يُحلّف المسلم،
ولو شهد بمشاهدان أن لفلان على فلان ألفاً، وشهد آخران بألف وخمسمئة
يُفضى بالزيادة لقيام البيّنة عليها، ولا يقدَح فيها جهلُ الأولين ، كما
أخبر بلال أن النبي ◌ِّمُ دخل الكعبة، فصلى (٢)، وقال الفضل بن
عباس: لم يُصلّ(٣)، فأخذ الناس بقول بلال، ولو أقام المدعي البينة
بعد ما حلف المدَّعى عليه ، يقضى ببينته . وقال طاووس ، وإبراهيم ،
وشريح : البينة العادلة أحق من اليمين ، والله أعلم .
باب
القضاء بالشاهد واليمين
٢٥٠٢ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله
(١) أخرجه البخاري ٥٣/٥ في الخصومات: باب كلام الخصوم بعضهم
في بعض، وأبو داود (٣٦٢١) في الأقضية : باب إذا كان المدعى عليه ذمياً
أيحلف ، والترمذي (١٢٦٩) في البيوع: باب ما جاء في اليمين الفاجرة
يقتطع بها مال المسلم ، وابن ماجة (٢٣٢٢) في الأحكام : باب البينة على المدعي
واليمين على المدعى عليه ، وأحمد ٣٧٩/١ و٤٢٦.
(٢) أخرجه البخاري ٤٧٧/١ في المساجد . باب الصلاة بين السواري
في غير جماعة ، ومسلم (١٣٢٩) في الحج : باب استحباب دخول الكعبة
الحاج وغيره والصلاة فيها ...
(٣) أخرجه أحمد (١٨١٩) و (١٨٣٠) ، وسنده صحيح، وقد عد
الحافظ في ((الفتح)) ٣٧٥/٣ هذه الزواية شاذة فراجعه.

- ١٠٣ -
الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الخيري ، نا أبو
العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد الله بن الحارث بن
عبد الملك المخزومي ، عن سيف بن سلمان المكي ، عن قيس بن سعد ،
عن عمرو بن دينار
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَ ◌ّهِ(( قَضَىْ بِالْيَمِيْنِ
مَعَ الشَّاهِدِ ، قَالَ عُمْرُوُ: وِفِي الأَمْوَالِ.
هذا حديث صحيح (١) أخرجه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ،
عن زيد بن ◌ُحُباب ، عن سيف بن سليمان .
٢٥٠٣ - وأخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ،
ومحمد بن أحمد العارف، قالا : نا أبو بكر الخيري ، نا أبو شى
الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد العزيز بن محمد ،
عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه
عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ، أَنَّ النَِّيَّ عَلِ قَضَىْ بِالْيَمِيْنِ مَعْ
الشَّاهِدِ (٢))).
رواه جعفر بن محمد عن أبيه ، عن جابر (٣)، ويروى عن جعفر بن
محمد، عن أبيه، عن علي، عن النبي ◌َّ. والعمل على هذا عند
(١) الشافعي ٢٣٤/٢ . ومسلم (١٧١٢) في الأقضية : باب القضاء
باليمين والشاهد . وانظر ((نصب الراية)) ٩٧/٤، ١٠٠
(٢) الشافعي ٢٣٥/٢ وأخرجه الترمذي (١٣٤٣) وأبو داود ( ٣٦١٠)
(وابن ماجة (٢٣٦٨) وإسناده حسن . ويشهد له ما قبله .
(٣) أخرجه الترمذي (١٣٤٤) وابن ماجة (٢٣٦٩)، وحديث علي
أخرجه الدار قطني ص ٥١٦ .

- ١٠٤ -
بعض أهل العلم جوّزوا القضاء للمدعي بالشاهد الواحد مع اليمين في
الأموال ، وهو قول أجلة الصحابة ، وأكثر التابعين ، منهم أبو سلمة بن
عبد الرحمن ، وسليمان بن يسار . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عامل
الكوفة : أن اقضٍ باليمين مع الشاهد ، وبه قال فقهاء الأمصار ، وإليه
ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق .
وذهب بعض أهل العلم إلى أن القضاء بالشاهد واليمين لا يجوز ،
حكي ذلك عن الشعبي والنخعي، وبه قال ابن شبرُمّة، وابنُ أبي ليلى
وأصحاب الرأي .
فأما إِذا أقام المدّعي بينة " عادلة ، فلا يمين على المدعي معها ، وذهب قوم إلى
أنه يحذف معها، كان شريح ، والشعبي ، والنخعي، يرون" ذلك، وهو قول
سوّر بن عبد اله القاضي ، وقال إسحاق: إذا استراب الحاكم أوجب ذلك.
قال الإمام رحمه الله : والشهادات مختلفة المراتب ، فالزنى لا يثبت
بأقل من أربعة من الرجال العدول ، لقول الله سبحانه وتعالى : ( والذين
يَرِمونَ المُحصناتِ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة )
[ النور: ٤]، والعقوبات بأجمعها لا تثبُت بأقل من رجلين عدلين،
أما غيرُ العقوبات ، فإن لم يكن المقصود المال ، وهو ما يطبّلِعُ عليه
الرجالُ غالباً، فلا يثبت أيضاً إلا برجلين عدلين، وذلك مثل النكاح ،
والرجعة ، والطلاق ، والعتاق ، والكتابة ، والوصاية، والوكالة ،
ونحوها ، وإن كان مما يطّلِعُ عليه النساء غالباً، فيثبُت بشهادة رجلين،
ورجل وامرأتين، وأربع نسوة ، وذلك مثل الولادة ، والرضاع ،
والنيابة، والبكارة ، والحيض ، ونحوها ، وإن كان المقصود منه المال
كالبيع ، والهبة ، والرهن ، والإجارة ، والوصية ، والقرض ،
والجنابات الموجبة للمال ، ونحوها فيثبُت برجلين، ورجل وامرأتين ،
بوبشاهد ويمين، ولا يثبت بشهادة النساء على الانفراد وقال الله سبحانه

- ١٠٥ -
وتعالى في رجل وامرأتين : ( فإن لم يكونا رجلين فرجلٌ وامرأتان)
[ البقرة: ٢٨٢] وقوله سبحانه وتعالى: (أن تضِلَّ إحداهما )
[ البقرة: ٢٨٢] أي: تنسى الشهادة .
واختلف أهل العلم في القاضي هل يجوز له أن يقضي بعلم نفسه أم لا ؟
فأجاز بعضهم، واحتجوا بقول النبي مَ التّ لهند حين قالت : إن أبا سفيان
رجل شحيح ، وليس يعطيني ما يكفيني ، وولدي ، قال : (( خذي
ما يكفيك وولدك بالمعروف(١))، فالني مَّ لم يُكلفها البينة فيما ادعته
إذا كان عالماً بكونها في نكاح أبي سفيان ، ولأن الحكم لما جاز بالشهادة
مع أنه لا يحصل منها إلا المعرفة الظاهرة ، فعلمُه أقوى من الشهادة ،
وقال قوم: لا يقضي بعلم نفسه، سواء علمه في ولايته ، أو قبلها ، وهو
قول أهل الحجاز .
ولو أقر خصمٌ عنده لآخر بحق في مجلس القضاء ، فإنه لا يقضي عليه
في قول بعضهم حتى يكون إقراره بمحضر شاهدين ، وقال بعض أهل
العراق: ما سمع أو رآه في مجلس القضاء، قضى به ، وما كان في غيره ، لم
يقضٍ إلا بشاهدين ، وقال بعضهم : يقضي بعلمه في الأموال ، ولا يقضي
في غيرها ، وقال القاسم: لا ينبغي للحاكم أن يُمضي قضاءً بعلمه دون
علم غيره مع أن علمه أكثر من شهادة غيره ، لأنه يُعرض نفسه للتهمة
عند المسلمين، وقد كره النبي يروافى الظن، فقال: (( إنما هذه صفية (٢)))
(١) متفق عليه من حديث عائشة".
(٢) أخرجه البخاري ٢٤٠/٤، ٢٤٢ في الاعتكاف : باب هل يخرج
المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد ، ومسلم (٢١٧٥) في السلام : باب بيان
أنه يستحب لمن رؤي خالياً بأمرأة وكانت زوجته أو محرما له أن يقول:
هذه فلانة ليدفع ظن السوء به .

- ١٠٦ -
قال شريح القاضي، وسأله إنسان الشهادة ، فقال : انتِ الأمير حتى
أشهد لك ، وقال عكرمة : قال عمر لعبد الرحمن بن عوف : لو رأيت
رجلًا على حدٍّ زنى، أو سرقة، وأنت أمير" ، فقال : شهادتك شهادة
رجل من المسلمين ، قال : صدقت .
باب
المراعبين اذا أقام كل واحد بيته
٢٥٠٤ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الخيريء ، حدثنا
أبو العباس الأمم ، أنا الربيع، أنا الشافعي ، أنا ابن أبي يحيى ، عن
إسحاق بن أبي فروة ، عن عمر بن الحكم
عَنْ جَايرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رُجْلَيْنِ تَدَاعَيَا دَاًّبَةً، وَأَقَامَ
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَ البَيِّنَةَ أَّهَا دَابْتُهُ نَجْهَا، فَقَضَى بِهَا رَسُولُ
اللهِ عَلِ لِلَّذِي فِي يَدَّيْهِ (١) )).
إسحاق بن أبي فروة: هو إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة . كنيته
أبو سليمان، واسم أبي فروة كيسان ، مولى عثمان بن عفان ، مدنيٌ
ضعيف .
(١) الشافعي ٢٣٨/٢ وإسناده ضعيف جدا، فقد قال الحافظ في
((التقريب)) في ترجمة إسحاق بن أبي فروة: متروك، وعزاهفي ((التلخيص)).
٢١٠/٤ إلى الدار قطني والبيهقي وضعف إسناده.

- ١٠٧ -
والعمل على هذا عند أهل العلم ، قالوا : إذا تداعا رجلان دابة ،
أو شيئاً وهو في يد أحدهما، فهو لصاحب اليد ، ويحلف عليه إلا أن
يُقيم الآخر بيّنة، فيحكم له به ، فلو أقام كل واحد منهما بينة، ترجح
بينة ذي اليد ، وذهب أصحاب الرأي إلى أن بينة ذي اليد غيرُ مسموعة ،
وهو للخارجي، إلا في دعوى النتاج إذا ادعى كل واحد أن هذه الدابة
ملكه نتجها ، وأقام بينة على دعواه يقضى بها لصاحب اليد ، وكذلك
قالوا في ثوب لا يُنسج إلا مرة واحدة: إذا أقام كل واحد بينة أنه
ملكي ، أنا نسجته ، يقضى لصاحب اليد ، وإن كان الشيء في أيديها ،
فتداعيا ، حلفا ، وكان بينهما بحكم اليد ، وكذلك لو أقام كل واحد
بيِّنة ، روى ابن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن أبي بردة ، عن
أبيه ، عن جده أبي موسى الأشعري، أن رجلين ادعيا بعيراً أو دابة
إلى النبي ◌َِّ ليست لواحد منهما بيّنة، فجعله النبي ◌ِ المِ بينهما (١).
وروى همام ، عن قتادة بهذا الإسناد أن رجلين ادَّعيا بعيراً على عهد
النبي عِ لمِ، فبعث كل واحد منهما شاهدين، فقسمهُ النبي ◌ِِّ بينهما
نصفين .
فهذا يحتمل أن تكون القصةُ واحدة، والشيء في أيديهما إلا أن
(١) أخرجه أبو داود (٣٦١٣) في الأقضية: باب الرجلين يدعيان شيئا
وليست لهما بينة ، والنسائي٢٤٨/٨ في آداب القضاة : باب القضاء فيمن
لم تكن له بينة، وابن ماجة (٢٣٣٠) في الأحكام : باب الرجلان يدعيان
السلعة وليس بينهما بينة ، وصححه الحاكم ٩٥/٤، ووافقه الذهبي،
ورواية همام عن قتادة ... أخرجه أبو داود (٣٦١٥) والحاكم ٩٥/٤،
.وصححه على شرط الشيخين ، ووافقه الذهبي، وقال المنذري : اسناده
كلهم ثقات، لكن الحديث معلول انظر ((تلخيص الحبير)) ٢٠٩/٤، ٢١٠،
وسنن البيهقي ٢٥٧/١٠، ٢٥٨.

- ١٠٨ -
[الشهادات لما تعارضت تهاترت، فصار كمن لا بيّنة له، فحكم لهما بالشيء
نصفين بحكم اليد ، ويحتمل أن تكون القصة مختلفة ، وكان البعير في
يدي غير المتداعيين في إقامة البيِّنتين ، فلما أقام كل واحد منها شاهدين
على دعواه ، نزع الشيء من يدي صاحب اليد ، وجعل بين المدعين .
واختلف أهل العلم في حكم هذه الحادثة إذا ادعى رجلان داراً ، أو
شيئاً في يد ثالث، وأقام كل واحد بيِّنة على دعواه ، فذهب قوم إنى
أنها تسقطان لتناقضها ، ويترك الشيء في يدي صاحبه، وهو أظهر أقوال
الشافعي ، وذهب قوم إلى أنه يجعل بين المدعيين نصفين، وهو قول
النوري ، وأصحاب الرأي ، وأحد أقوال الشافعي ، وذهب جماعة إلى
أنه يُقرع بين المدعيين ، فمن خرجت له القرعة ، قضى له به ، وهو قول
أحمد ، وإسحاق ، وقاله الشافعي في القديم ، وله قول : أن من خرجت
قرعته ، يحلف مع القرعة: لقد شهد شهودُه بحق ، ثم يُقضى له ،
ولا فرق عند أكثرهم بين أن تكون البيِّنتان سواءً في العدالة ، وبين
أن تكون بيّنة أحدهما أشهرَ بالصلاح والعدالة بعد أن يكونا عدلين ،
ولا بين أن يُقيم أحدهما شاهدين، والآخر ثلاثاً أو أكثر. وُكي عن
مالك أنه قال : هو لأعدلِهما مشهوداً، وأشهرهما بالصلاح . وقال الأوزاعي :
يُقضى بأكثر البيّنتين عدداً، وُحُكي عن الشعبي أنه قال : هو بينهما على
حصص الشهود. ورُوي عن عليّ فيما إذا ادعى رجلان شيئاً في يد ثالث،
ولا بينة لواحد منها أنه يُقرع بينهما ، فمن خرجت له القرعةُ يحلف،
ويأخذ ، ويُروى فيه عن أبي رافع ، عن أبي هريرة أن رجلين اختصا
في دابة، وليس لها بيّنة، فأمرهما رسول الله مؤلم أن يستهما على
اليمين (١). والمراد من الاستهام : الاقتراع.
(١) أخرجه أبو داود (٣٦١٦) ورجاله ثقات، وإسناده صحيح.

باب
اذا نوج اليمين على جماعة بفرع بعنهم
٢٥٠٥ - أخبرنا أبو سعيد حسان بن سعيد المنيعي ، أنا أبو طاهر
الزيادي، أنا محمد بن الحسين القطان ، نا أحمد بن يوسف السُلمي ، نا
عبد الرزاق ، أنا مَعمَر، عن حمّام بن منبه ، قال : هذا ما
حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَّهِ: ((إِذَا
أُكْرِهَ الاثْنَانِ عَلى الْيَمِيْنِ، فَاسْتَحَبَّاهَا (١) فَأَسْهِمْ بَيْنَهُمَا)).
هذا حديث صحيح أخرجه محمد (٢) عن إسحاق بن نصر ، عن عبد
الرزاق بهذا الإسناد أن النبي محمد لل عرض على قومٍ اليمين ، فأسرعوا فأمر
أن يُسهم بينهم في اليمين أيُّهم يحلِفُ .
(١) لفظ أحمد ٣١٧/٢: إذا أكره الاثنان على اليمين واستحباها،
فليستهما عليها ، ولفظ أبي داود ( ٣٦١٧) أو ((استحباها)) قال
الاسماعيلي : هذا هو الصحيح أنه بلفظ ((أو)) لا بالفاء ولا بالواو ،
قال الحافظ في ((الفتح)): ورواية الواو يمكن حملها على رواية ((أو))
وأما رواية الفاء ، فيمكن توجيهها بأنهما أكرها على اليمين في ابتداء
الدعوى ، فلما عرفا أنهما لا بد لهما منها ، أجابا إليها وهو المعبر عنه
بالاستحباب ، ثم تنازعا أيهما يبدأ، فأرشد إلى القرعة . وقال الخطابي
وغيره : الإكراه هنا لا يراد به حقيقته، لأن الاكسان لا يكره على اليمين.
وإنما المعنى : إذا توجهت اليمين على اثنين ، وأرادا الحلف ، سواء كانا
كارهين لذلك بقلبهما وهو معنى الاكراه ، أو مختارين لذلك بقلبهما وهو
معنى الاستحباب ، وتنازعا أيهما يبدأ ، فلا يقدم أحدهما على الآخر
بالتشهي ، بل بالقرعة .
(٢) هو في صحيحه ٢١٠/٥ في الشهادات: باب إذا تسارع قوم
في اليمين .

- ١١٠ -
قوله : فأسهم بينهما ، أي : أقرع، ومنه قوله سبحانه وتعالى :
( فساهم فكان من المُدْحَضين) [ الصافات: ١٤١ ].
باب
قضاء القاضي لا ينفذ إلا ظاهراً
٢٥٠٦ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله
الصالحيّ، ومحمد بن أحمد العارف قالا : أنا أبو بكر الخيريء ، نا أبو
العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا مالك بن أنس ، عن
هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ عَّهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّه قالَ:
((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنْكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ
يَكُونَ أَْنَ بُجُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ ، فَأَقْضِيَ لَّهُ عَلى نَحْوِ مَا أَسَعُ
مِنْهُ ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيْهِ ، فَلَ يَأْخْذَّنَهُ ،
فَإِنَّا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ »
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن مسلمة
(١) الشافعي (٦٢٦) بترتيب السندي و((الموطأ)) ٧١٩/٢ في
الأقضية : باب الترغيب في القضاء بالحق، والبخاري ٢١٢/٥ في الشهادات:
باب من أقام البينة بعد اليمين ، وفي المظالم : باب (إثم من خاصم في باطل
وهو يعلمه ، وفي الحيل : باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت ، فقضى

- ١١١ -
عن مالك ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن أبي معاوية ، عن
هشام بن عروة
قوله: ((ألحن بحجته)) أي: أفطن لها ، واللحن مفتوحة الحاء :
الفطنة، يقال: لجنت للشيء بكسر الحاء ألحَنُ له لمنا، ورجلٌّ
لحِنٌ، أي: فطِنٌ. واللحن بسكون الحاء : الخطأ، يقال: لحن
الرجل في كلامه بفتح الحاء يلحَنُ لحناً ، واللحن: النحو واللغة، ومنه
قولُ عمر رضي الله عنه: تعلموا اللحن كما تعلمون القرآن. وقال
أبو عبيد في قول عمر : تعلموا اللحن ، أي: الخطأ في الكلام . وقوله
سبحانه وتعالى: (ولتتوفنّهُم في لحنِ القول) [ محمد: ٣٠] أي:
في قصده ونحوه، يُقال: لحنَ فلانٌ: إذا أخذ إني ناحية عن الصواب.
وفيه دليل على أن حكم الحاكم لا ينفذُ إلا ظاهراً ، وأنه لا يحل
حراماً ، ولا يحرم حلالاً ، وإذا أخطأ في حكمه ، والمحكومُ له عالم
بحقيقة الحال ، فلا يحلُّ له في الباطن أخذُ ما حكم لـه به القاضي في
الظاهر ، وهو قولُ أكثر أهل العلم ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ينفذ
قضاؤه ظاهراً وباطناً في العقود والفسوخ حتى لو شهد شاهدانٍ زوراً أن
بقيمة الجارية الميتة ، ثم وجدها صاحبها فهي له ، وفي الأحكام : باب
موعظة الإمام للخصوم ، وباب من قضي له بحق اخيه فلا يأخذه ، وباب
القضاء في كثير المال وقليله ، وأخرجه مسلم (١٧١٣) في الاقضية : باب
الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ، وأبو داود ( ٣٥٨٣) والترمذي (١٣٣٩)
والنسائي ٢٣٣/٨، وأحمد ٢٩٠/٦ و٣٠٧ و ٣٠٨ و٣٢٠ وأخرجه
أحمد أيضاً ٣٣٢/٢ من حديث أبي هريرة .

- ١١٢ -
فلاناً طلق امرأته ، فقضى به القاضي ، وقعت الفُرقة بينهما بقضاء القاضي ،
ويجوز لكل واحد من الشاهدين أن ينكحها (١).
واتفق أهلُ العلم على أن قضاءه في الدماء والأملاك المطلقة لا ينفذ
ظاهراً، أما في المجتهدّات مثل "أن قضى حنيفيّ بشُفعة الجار لرجل
لا يعتقد ثبوتها ، أو قضى لرجل يعتقد وقوع الطلاق بتعليق سبق النكاح
أنه حلال له ، أو مات رجل عن جد وأخ ، فقضى القاضي بالميراث
للجدّ على مذهب الصدِّيق والمحكوم له يرى رأي زيد في أنه لا يستبد
بالمال دون الأخ ، أو مات رجل عن خال لا يرى توريث ذوي الأرحام ،
فقضى له القاضي بالمال على مذهب من بورّته، فاختلف فيه أصحاب
الشافعي ، فذهب أكثرهم إلى أنه ينفذ ظاهراً وباطناً ، لأنه أمرٌ مُجْتَهَدٌ
فيه لا يتصور ظهورُ الخطأ فيه يقيناً في الدنيا، وحكم الحاكم بالاجتهاد
نافذٌ .
وفي الحديث دليل على أن كل مجتهد ليس بمصيب ، إنما الإصابة
مع واحد، وإثم الخطأ عن الآخر موضوع، لكونه معذوراً فيه ، وفيه
دليل على أن بيّنة المدعي مسموعة بعد يمين المدعى عليه .
٢٥٠٧ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا
أبو إسحاق الهاشمي،، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك، عن العلاء بن عبد
الرحمن ، عن معبد بن كعب ، عن أخيه عبد الله بن كعب بن مالك
(١) أنظر ((الهداية)) ١٤٢/١ و ٧٨/٣ و(رد المحتار)) ٣٤٧/٤، وقد
خالفه أبو يوسف ومحمد وزفر ، فقالوا كالجمهور : لا ينفذ إلا ظاهرا .
وعليه الفتوى .

- ١١٣ -..
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَ ◌ّ قَالَ: ((مَنِ اقْتَطَعَ
حَقَّ أمْرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ
لَهُ النَّارَ)) قَالُوا: وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسيراً يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَإِنْ
كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ ، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (١).
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم ، عن علي بن حجر، عن إسماعيل.
ابن جعفر ، عن العلاء بن عبد الرحمن .
٢٥٠٨ - أخبرنا محمد بن الحسن الميربند كُشائي، أخبرنا أبو العباس
الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش ، أنا علي بن عبد العزيز المكي ،
أنا أبو عبيد القاسم بن سلام ، نا صفوان بن عيسى ، عن أسامة بن زيد ،
عن عبد الله بن رافع
عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ، عَنِ النَِّيِّ عَّهُ فِي رَّجَلَيْنِ اخْتَصَا إِلَيْهِ
فَقَالَ: ((مَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيْهِ، فَإِّا أَقْطَعُ
لَهُ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَقَالَ الرَّجُلَانِ كُلٌّ وَاحِدٍ مِنْهُا: يَا رَسُولَ
اللهِ حَقِّي هَذَا لِصَاحِي، فَقَالَ: وَلَكِنِ اذْهَبَا، فَتَوَّخَيَا، ثُمَّ
اسْتَهِمَا، ثُمَّ لِيُحَلِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُما صَاحِبَهُ (٢))).
-
(١) ((الموطأ)) ٧٢٧/٢ في الأقضية: باب ما جاء في الحنث على منبر
النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم (١٣٧) في الإيمان: باب وعيد من
اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٨٤) في الأقضية: باب في قضاء القاضي إذا
شرح السنة =١٠ م-٨
أخطأ، وأحمد ٣٢٠/٦ ، وإسناده حسن .

- ١١٤ -
قوله: ((فتوخيا))، أي: اقصدا الحق فيا تصنعانه من القسمة،
ثم استهما ، أي : افترعا ، وقيل : أمرهما بالتوخي في معرفة مقدار
الحق ، وذلك يدلُّ على أن الصلح لا يصح إلا في الشيء المعلوم ، ثم ضم
إليه القرعة ، لأن التوخي غالب الظن ، والقرعة نوع من البيّنة، فهي
أقوى ، ثم أمر بالتحليل ليكون افتراقها عن يقين براءة ، وطيبة نفس .
قال الخطابي : قد جمع هذا الحديث ذكر القسمة، والتحليل ،
والقسمة لا تكون إلا في الأعيان ، والتحليل لا يصح إلا فيما يقع في الذمم
دون الأعيان ، فوجب أن يُصرف معنى التحليل إلى ما كان من خراج
وغلة حصل لأحدهما من العين التي وقعت فيها القسمة ، والله أعلم .
وإذا قضى القاضي باجتهاده ، ثم ظهر أن الحق بخلافه بأن وقف على
أن النبي مَِّ حكم بخلافه، أو قامت بيِّنّة على خلاف ما توعْمه ،
فقضاؤه مردود، لقوله وَالتَّ: ((مَنْ عمِل عملا ليس عليه أمرنا، فهو
رد (١) )).
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري : لا يمنعنْكَ قضاء قضيته ، ثم
واجعتَ فيه نفسك، فَهُديتَ لوسْده أن تنقْضَه، فإن الحق قديم لا ينقضُهُ
شيء، والرجوعُ إلى الحقِّ خيرٌ من التمادي في الباطلٍ (٢).
(١) أخرجه البخاري ٢٢١/٥ في الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح
جور . فالصلح مردود ، ومسلم (١٧١٨) في الاقضية : باب نقض الأحكام
الباطلة . ورد محدثات الأمور ، وأبو داود ( ٤٦٠٦) في السنة : باب في
لزوم السنة، وابن ماجة (١٤) في المقدمة : باب تعظيم حديث رسول
الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه، وأحمد ١٤٦/٦.
(٢) أخرجه البيهقي ١١٩/١٠.

- ١١٥ -
قال الإمام : هذا إذا تبيّنَ له الخطأ بنص كتاب أو سنة، أو
إجماع ، فأما إذا قضى باجتهاده، ثم تغير اجتهادُ، إلى غيره ، فلا ينقضه ،
ويقضي بعده فيها بما تغير إليه اجتهاده ، واله أعلم .
باب
اجتهاد الحا
٢٥٠٩ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
أحمد الجلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي*،
ومحمد بن أحمد العارف، قالا: أنا أبو بكر الخيريء، نا أبو العباس
الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا عبد العزيز ، عن يزيد بن عبد
لله بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن بُسر بن سعيد، عن أبي
قيس مولى عمرو بن العاص
عَنْ عَمْرِ بْنِ العَاصِ أَنّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ عَّهُ يَقُولُ:
((إذا حَكَمَ الحَاكِمُ، فَاجْتَهَدَ، فَأَصَابَ، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا
حَكَمَ ، فَاجْتَهْدَ ، فَأَخْطَأَ، فَلَهُ أَجْرٌ )).
قال يزيد بن الهاد : فحدثتْ بهذا الحديثِ أبا بكر بن محمد بن عمرو
ابن حزم ، فقال : هكذا حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يزيد ، عن
(١) الشافعي ٢٣١/٢ في القضاء والشهادات: باب آداب القضاء
والقاضي، والبخاري ٢٦٨/١٣ في الاعتصام: باب أجر الحاكم إذا اجتهد
فأصاب أو أخطأ، ومسلم (١٧١٦) في الاقضية : باب بيان أجر الحاكم
اذا اجتهد فأصاب أو أخطأ .

- ١١٦ -
حيوة ، عن يزيد بن عبد الله بن الهاد ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن
يحيى ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد .
ورُوي عن الحسن أنه قرأ : (وداود وسليمان إذ يحكمان في
الحرثِ ) [ الأنبياء: ٢٨] إلى قوله عز وجل: (فقهمناها سليمان
وكُلّ آتينا ◌ُكماً وعلماً) [الأنبياء: ٧٩] قال: فحَمِدَ سليمان،
ولم يَلُمْ داود "، ولولا ما ذكر الله من أمر هذين، لرأيتُ أن القُضاء
هلكوا ، فإنه أثنى على هذا بعلمه ، وعذر هذا باجتهاده .
قال الإمام : الاجتهاد هو رد القضية إلى معنى الكتاب والسنة من
طريق القياس ، فعلى الحاكم أن يحكم بما في كتاب الله سبحانه وتعالى ،
فإن لم تكن الحادثة التي يحتاج إلى الحكم فيها في كتاب الله ، فيحكم
بالسنة عن رسول الله وَلتج، فإن لم يجدها في السُّنة ، فحينئذ يجتهد ،
والدليل عليه ما رُوي عن معاذ أن النبي يُوِّ قال له لما أراد أن يبعثه
إلى اليمن: ((كيف تقضي إذا عرضَ لك قضاءٌ؟، قال: أقضي
بكتاب الله، قال: ((فإن لم تجد في كتاب الله)) ؟ قال: فبسنة رسول
الله مؤلم، قال: ((فإن لم تجد في سنة رسول الله)) ؟ قال: أجتهد رأيي
قال: فضرب رسول الله عَلَّم على صدره وقال: ((الحمدُ للهِ الذي وفّق
رسولَ رسولِ اللهِ وَ اللّه لما يُرضي رسولَ اللهِ (١)).
(١) أخرجه أحمد ٢٣٦/٥ و٢٤٢، وأبو داود (٣٥٩٢) في الاقضية:
باب اجتهاد الرأي في القضاء ، والترمذي ( ١٣٢٧ ) في الأحكام : باب ماجاء
في القاضي كيف يقضي من حديث شعبة عن أبي عون الثقفي ، عن الحارث
عن عمرو بن أخي المغيرة بن شعبة ، عن أناس من أهل حمص من أصحاب
معاذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وقد ضعف بجهالة الحارث
ابن عمر، وبجهالة شيوخه الذين روى عنهم ، لكن مال إلى القول بصحته

- ١١٧ -
قوله: ((أجتهد رأيي)) لم يُرد به الرأي الذي يستح له من قبل
نفسه، أو يخطر بباله على غير أصل من كتاب ، أو سنة ، بل أراد
به ردّ القضية إلى معنى الكتاب والسُّنة من طريق القياس .
وقوله في الحديث: ((وإذا اجتهد فأخطأ، فله أجر، لم يُرِدِ به
أنه يُؤجر على الخطأ ، بل يُؤجر في اجتهاده في طلب الحق ، لأن اجتهاده
عبادة ، والإثم في الخطأ عنه موضوع إذا لم يألُ جهدَه ، وهذا فيمن
كان جامعاً لآلة الاجتهاد، فأما من لم يكن محلّ للاجتهاد، فهو متكلّفٌ
لا يُعذَرُ بالخطأ في الحكم، بل يُخاف عليه أعظم الوزر ، رُوي عن
بُريدة عن النبي ◌ِ لَّم قال: «القضاةُ ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان
غير واحد من المحققين منهم أبو بكر الرازي وأبو بكر بن العربي ، والخطيب
البغدادي وابن قيم الجوزية ، وقالوا : إن الحارث بن عمرو ليس بمجهول
العين . لأن شعبة بن الحجاج يقول عنه : إنه ابن أخي المغيرة بن شعبة،
ولا بمجهول الوصف ، لأنه من كبار التابعين في طبقة شيوخ أبي عون الثقفي
المتوفى سنة ١١٦ هـ، ولم ينقل أهل الشأن جرحا مفسراً في حقه ،
ولا حاجة في الحكم بصحة خبر التابعي الكبير إلى أن ينقل توثيقه عن أهل
طبقته . بل يكفي في عدالته وقبول روايته ألا يثبت فيه جرح مفسر :عن أهل
الشأن لما ثبت من بالغ الفحص على المجروحين من رجال تلك الطبقة .
فمن لم يثبت فيه جرح مؤثر منهم ، فهو مقبول الرواية، والشيوخ الذين
روى عنهم هم من أصحاب معاذ ، ولا أحد من أصحاب معاذ مجهولا ، ويجوز
أن يكون في الخبر إسقاط الأسماء عن جماعة، ولا يدخله ذلك في حيز
الجهالة ، وإنما يدخل في المجهولات ، اذا كان واحدا ، فيقال: حدثني رجل
أو انسان ، وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل
الذي لا يخفى ، وقد خرج البخاري الذي شرط الصحة ، حديث عروة
البارقي : سمعت الحي يتحدثون عن عروة ، ولم يكن ذلك الحديث في
جملة المجهولات ، وقال مالك في القسامة : أخبرني رجال من كبراء قومه،
وفي الصحيح عن الزهري، حدثني رجال عن أبي هريرة ((من صلى على
جنازة فله قيراط)) .

- ١١٨ -
في النار ، فأما الذي في الجنة ، فرجل ◌ّ عرف" الختيّ ، فقضى به ، ورجل
عرف الحقّ، فجار في الحكم، فهو في النار، ورجلٌ قضى الناس على
جهلٍ ، فهو في النار (١))).
وفي الحديث دليل على أن ليس كل مجتهدٍ مُصيباً، إذلو كان كلٍ
مجتهدٍ مصيباً، لم يكن هذا التقسيم معنى ، وهو معنى قول الشافعي ، ومذهبه
أنه إذا اجتهد مجتهدان في حادثة، فاختلف اجتهادهما أن الحقّ منها
واحدٌ لا بعينه ، وذهب أصحابُ الرأي إلى أن كل مجتهد .صيبٌ، لأنه
لم يُكلّ عند اسْتباه الحادثة إلا الاجتهاد(٢)، وليس كذلك، بل هو
ما ورٌ بالاجتهاد لإصابة الحق، فإن أصابه، أُجرّ، وإن لم يُصِب، عُذِرَ"
كمن اسْتبهت عليه القبلةُ، كلَّفَ أن يجتهد ليُصيبَ جهتها، فإن لم يُصِبها
يقيناً ، 'عذر.
والحديث يدل على أنه لا يجوز للحاكم المجتهد تقليد الغير ، وإن كان.
أعلم منه وأفقه حتى يجتهد ، ويُستحبُ له مشاورةُ أهل العلم في الحوادث ،
والبحث عن الدلائل، ثم يحكم بما لاح له بالدليل ، قال الله سبحانه
وتعالى لرسوله: ( وشاورهم في الأمر) [ آل عمران: ١٥٩]،
ورُوي عن أبي هريرة قال: ما رأيت أحداً أكثر مُشاورة لأصحابه من
رسول الله مولقل (٣).
(١) حديث صحيح، وقد تقدم تخريجه في الصفحة ٩٤ من هذا الجزء.
(٢) جاء في ((إرشاد الفحول)) ص ٢٦١ : وذهب أبو حنيفة ومالك
والشافعي وأكثر الفقهاء إلى أن الحق في أحد الأقوال ، ولم يتعين لنا ،
وهو عند الله متعين لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد في
الشخص الواحد حلالا وحراماً ، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يخطىء
بعضهم بعضا ، ويعترض بعضهم على بعض ، ولو كان اجتهاد كل مجتهد
حقاً لم يكن للتخطئة وجه .
(٣) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٢٠) في آخر حديث

- ١١٩ -
قال الحسن : إن كان يرفض عن مشاورتهم لغنياً ، ولكنه أراد أن
يَستَنَّ بذلك الحكامُ بعده (١).
قال محمد بن إسماعيل (٢): والمشاورة قبل العزم، والتبيّن، لقواه
عز وجل: ( فإذا عزمت فتوكل على الله) [ آل عمران: ١٢٩]،
فإذا عزم الرسول لم يكن لبشر أن يتقدم على الله ورسوله .
وشاور النبيُ وَّلَ يوم أُحُد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج ،
فلما لبسَ لأمتهُ وعزم، قالوا: أقيم ، فلم يَمِيل إليهم بعد العزم ، وقال :
(( لا ينبغي لنبي يلبَس لأمته، فيضعها حتى يحكم الله (٣) )).
وكانت الأئمة يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة
ليأخذوا بأسهلها ، فإذا وضح الكتاب ، أو السنة، لم يتعدَّوه إِلى غيره
اقتداء بالنبي ◌َل (٤).
صلح الحديبية : قال معمر: قال الزهري : وكان أبو هريرة يقول: ما
رأيت أحدا قط كان أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه.
وسلم ، وهو مرسل ، لأن الزهري لم يسمع من أبي هريرة وذكره الحافظ
في ((الفتح)) ٢٨٣/١٣ عن ابن أبي حاتم ، وقال: رجاله ثقات إلا أنه.
منقطع، وقد أشار إليه الترمذي في ((جامعه)) في الجهاد (١٧١٤)، فقال :
ويروى عن أبي هريرة وأخرجه أبو الشيخ في ((أخلاق النبي)) ص ٢٥٩ من.
حديث عائشة وفي سنده طلحة بن زيد والظاهر أنه الرقي وهو متروك
وبعضهم أتهمه .
(١) أخرجه البيهقي في سننه ٠١٠٩/١٠ ورجاله ثقات. وذكرهالحافظ
في ((الفتح)) عن ابن أبي حاتم ، وقال بسند حسن .
(٢) في صحيحه ٢٨٣/١٣، ٢٨٥
(٣) طرف من حديث أخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٥١/٣ والدارمي
١٢٩/٢ ١٣٠٠ من حديث جابر وأسناده صحيح . أولا عنعنة أبي الزبير .
وله شاهد من حديث ابن عباس عند الحاكم ١٢٨/٢، ١٢٩، وصححه ،
ووافقه الذهبي، وحسنه الحافظ في ((الفتح)) ٢٨٤/١٣.
(٤) وقد وردت في استشارة الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم أخبار
كثيرة ذكر بعضها الحافظ في ((الفتح)) ٢٨٦٠٢٨٥/١٣. فراجعه.

- ١٢٠ -
قال الزهري : وكان مجلسُ عمر مختصاً من القراء ، شباباً كانوا أو
كهولاً (١)، فربما استشارهم، فيقول: لا يمنعن أحدكم أن يشير برأيه
فإن العلم ليس على قِدَمِ السن ، ولا على حداثته ، ولكن الله يضعُه
حيث يشاء .
وقال مُزاحم بن زفر : قال لنا عمر بن عبد العزيز: خمسٌ إذا
أخطأ القاضي منهن خصلة ، كانت فيه وصمة" : أن يكون فهماً ، حليماً،
عفيفاً، صليباً ، عالماً ، مسؤولاً عن العلم (٢).
وفي الحديث دليل على أنه لا يجوز لغير المجتهد أن يتقدّد القضاء ،
ولا يجوز للإمام توليته .
والمجتهد من جمع خمسة أنواع من العلم : علمّ كتاب الله عز وجل ،
وعلمّ سنة رسول الله عَ لله، وأقاويلَ علماء السلف من إجماعهم واختلافهم،
وعلّ اللغة، وعلمّ القياس، وهو طريق استنباط الحكم عن الكتاب ،
والسُّنة إذا لم يجده صريحاً في نص كتاب، أو سُنة ، أو إجماع .
(١) في البخاري ٢٢٩/٨ في قصة الحر بن قيس، وعمه عيينة بن
الحصن : وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته كهولاً كانوا أو
شبانا ، وفي سنن البيهقي ١١٣/١٠ عن يوسف بن الماجشون ، قال :
قال لنا ابن شهاب الزهري أنا وابن أخي وابن عم لي ونحن غلمان أحداث
نسأله عن الحديث : لاتحقروا أنفسكم لحداثة سنكم ، فان عمر بن الخطاب
رضي الله عنه إذا نزل به الأمر المعضل ، دعا الفتيان ، واستشارهم
يبتغي حدة عقولهم .
(٢) أخرج بمعناه في ((المصنف)) (١٥٢٨٦) و (١٥٢٨٧) وسنن
البيهقي ١٠ /١١٠ و ١١٧ .