النص المفهرس
صفحات 81-100
- ٨١ -
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ قَالَ: قِيلَ لِعُمرَ: أَلَا تَسْتَخْلِفُ؟
قَالَ : إِنْ أَسْتَخْلِفْ، فَقَدِ اسْتَخْلَفَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِ، أَبُو
بَكْرٍ، وَإِنْ أَثْرُكْ، فَقَدْ تَرَكَ مِنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي، رَ سُولُ اللهِ
وَخِ، فَأَثْنَوْا عَليْهِ، فَقالَ: رَاغِبٌ وَراهِبٌ، وَدِدْتُ أَنّي
تَجَوْتُ مِنْها كَفَافَاً لَاِلِيَ وَلَا عَلَيَّ، لاأَ تَحَمَّلُهَا حَيّاً وَمَّيِّناً.
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن محمد بن العلاء ،
عن أبي أسامة ، عن هشام .
قال الإمام : إذامات الإمام فاستخلف بعده رجلً صالحاً للإمامة ، فله الولاية،
ولا تحل منازعته فيها، كما فعل الصِّدِّيق رضي الله عنه، استخلف بعده عمر
رضي الله عنه. ولو مات الإمام ولم يستخلف أحداً ، فيجب على أهل.
الحل والعقد أن يجتمعوا على بيعة رجل يقوم بأمور المسلمين ، كما اجتمعت
الصحابة رضي الله عنهم على بيعة أبي بكر رضي الله عنه، ولم يقضوا
شيئاً من أمر تجهيز رسول الله مؤلف ودفنه حتى أحكموا أمر البيعة.
رُوي عن عبد الله بن عمر قال: سمعتُ رسول الله مَ لَّم يقول:
(( من نزع بداً من طاعة، لقي الله يوم القيامة لاحجة له، ومن مات
وليس في عنقه بيعة ◌ٌ مات ميتة جاهلية (٢))).
(١) البخاري ١٧٧/١٣ ١٧٨٠. ومسلم ( ١٨٢٣) في الإمارة: باب
الاستخلاف وتركه .
(٢) أخرجه مسلم ( ١٨٥١ : في الإمارة : باب وجوب ملازمة جماعة
شرح السنة ج ١٠ - م-٦
المسلمين .
- ٨٢ -
ولو أن الإمام جعل الأمر شورى بين جماعة ، ثم هم اتفقوا على
تعيين واحد منهم ، كان والياً ◌ُطاعاً ، كما فعل عمر رضي الله عنه .
٢٤٩٠ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا موسى بن إسماعيل ،
نا أبو عوانة ، عن حصين
عَنْ ◌َْرِ بْنِ مَيْعُونِ قَالَ: رَأَيْتُ عُمَرَ بْنَ اْخَطَّابِ
رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يُصَابَ بِأَيَّامٍ بِالَدِيْنَةٍ قَالَ: لَئِنْ
سَلَّمَنِي اللهُ، لَأَدَ عَنَّ أَرَامِلَ العِرَاقِ لا يَحْتَجْنَ إلى رُجُلٍ بَعْدِي
أَبَداً، قَالَ : فَمَا أَتَتْ عَليْهِ إِلَّ رَابِعَةُ حَتَّى أُصِيبَ ، فَقَالُوا:
أَوْصِ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، اسْتَخْلِفْ، قَالَ: مَا أَحَدٌ أَحَقَّ ◌ِبَهَذا
الأمرِ مِنْ هُؤْلَاءِ النَّفَرِ، أَوِ الرَّهطِ الذِينَ تُوُّيَ رَسُولُ اللهِ
عَلِ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَسَمَّى عَلِيّاً، وَعُثْنَ، وَالزُّبَيْرَ ،
وَطَلْحَةَ، وَسَعْدَاً، وَعَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ ◌َوْفٍ، وَقَالَ:
يَشْهَدُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُمَرَ ، وَلَيْسَ لَهُ مِنَ الْأمرِ شَيءٌ،
كَيْئَةِ التَّعْزِ يَةٍ لَهُ، فَإِنْ أَصَابَتِ الإِمرَةُ سَعْداً، وَإلَّا فَلْيَسْتَعِنْ
بِهِ أَيُّكُمْ مَا أَمِّرَ، فَإِّي لَمْ أَعْزِلْهُ مِنْ عَجْزٍ وَلَا خِيَانَةٍ.
وَقَالَ: أُوْصِي الْخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي بِالْهَا جِرَبِنَ الْأَوَّلِينَ أَنْ يَعْرِفَ
لَهُمْ حَقَّهُمْ، وَأَنْ يَحْفَظَ لَهُمْ ◌ُحُرْمَتَهُمْ، وَأُوصِيهِ بِالأَنصَار
- ٨٣ -
خَيْراً ، الَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أَنْ يُقْبَلَ
مِنْ مُحْسِهِمْ، وَأَنْ يُعْفَى عَنْ مُسِيئِهِمْ، وَأُوِصِيهِ بِأَهْلِ
الأمْصَارِ خَيْراً، فَلَهُمْ رِدِهِ الإسْلامِ، وَجَبَاةُ المالِ، وَغْظُ
العَدُوٌ، وَأَنْ لَا يُؤَخَذَ مِنْهُمْ إِلََّ فَضْلُهُمْ عَنْ رِضَاهُمْ ، وَأُوصِيهِ
بِالأعْرَابِ خَيْراً، فَإِنْهُمْ أَصْلُ العَرَبِ، وَمَادَّةُ الإِسْلامِ: أَنْ
يُؤَخَذَ مِنْ حَوَاشِي أَمْوالِهِمْ، وَيُرَدَّ عَى فَقَرَائِهِمْ ، وَأُوصِيهِ
بِذَِّّةِ اللهِ وَذَِّّةِ رَسُولِهِ أَنْ يُوْقَىَ لَهُمْ ◌ِبِعَهْدِهِمْ، وَأنْ يُقَاتَلَ
مِنْ وَرَائِهِمْ، وَلَا يُكَلِّفُوا إِلَّ طَاقَتَهُمْ (١).
ثم إن الصحابة اتفقوا على عثمان ، وعقدوا له البيعة، وقال عبد
الرحمن حين بايع عثمان: أبايعكَ على سنة الله ورسوله، والخليفتين من
بعده. فبايعه عبد الرحمن، وبايعه الناس : المهاجرون، والأنصار،
وأمراءُ الأجناد، والمسلمون (٢).
(١) البخاري ٤٩/٧، ٥٦ في الفضائل: باب قصة البيعة والاتفاق على
عثمان بن عفان .
(٢) أخرجه البخاري ١٧١/١٣ في الأحكام: باب كيف يبايع الامام
الناس. قال الحافظ: (واخرج الذهلي في ((الزهريات)) وابن عساكر في ترجمة
عثمان من طريقه ، ثم من رواية عمران بن عبد العزيز، عن محمد بن
عبد العزيز بن عمر الزهري، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن المسور بن
مخرمة ، عن أبيه قال : كنت أعلم الناس بأمر الشورى لأني كنت رسول
عبد الرحمن بن عوف . فذكر القصة وفي آخره : فقال : هل أنت ياعلي
مبايعي إن وليتك هذا الأمر على سنة الله وسنة رسوله ، وسنة الماضيين
- ٨٤ -
قال الإمام : واتفقت الأمةُ من أهل السنة والجماعة على أن
الاستخلاف ◌ُسنة، وطاعة الخليفة واجبة، إلا الخوارج ، والمارقة الذين
تشقُوا العصا، وخلعوا ربقة الطاعة .
وقال عبد الله بن دينار: لمّا بايع الناسُ عبد الملك، كتب إليه
عبدُ الله بن عمر : إلى عبد اله عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين: إني
أُ قِرُّ بالسمع والطاعة لعبد الله، عبد الملك أمير المؤمنين على سنة الله
وسنة رسوله فيما استطعت، وإن بنِيَّ قد أقروا بذلك .
باب
رزق الولاة والقضاة
٢٤٩١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد
الله النُّعيميُ، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا إسماعيل بن
عبد الله ، حدثني ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، حدثني
عروة بن الزبير
قبل ؟ قال : لا ، ولكن على طاقتي ، فأعادها ثلاثا ، فقال عثمان : أنا يا أبا
محمد أبايعك على ذلك قالها ثلاثاً ، فقام عبد الرحمن ، واعتم ولبس
السيف ، فدخل المسجد، ثم رقي المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه، ثم أشار
إلى عثمان فبايعه ... واستدل بهذه القصة الأخيرة على جواز تقليد
المجتهد ، وأن عثمان وعبد الرحمن كانا يريان ذلك بخلاف علي ، فأجاب
من منعه ـ وهم الجمهور - بان المراد بالسيرة ما يتعلق بالعدل ونحوه،
لا التقليد في الأحكام الشرعية .
- ٨٥ -
أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَّا اسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ
اللهُ عَنْهُ، قَالَ : لَقَدْ عَلِمَ قَوْمِي أَنَّ حِرْفَتِي لَمْ تَكُنْ تَعْجِزُ
عَنْ مَؤُنَةٍ أَهْلِي، وَشُغِلْتُ بِأَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، فَسَيَأْكُلُ آلُ أَبِي
بَكْرِ مِنْ هَذَا المالِ، وَيَحْتَرِفِهُ لِلُسْلِينِ فِيهِ (١).
صحيحٌ .
معنى الحرفة : الكسب ، وقوله : يحترف، أي: يكتسب للمسلمين
بإزاء ما يأكل من أموالهم ، ومعنى الآل هاهنا : الأهل .
٢٤٩٢ - أخبرنا أبو سعيد الطاهري ، أنا جدي عبد الصمد البزاز ،
أنا محمد بن زكريا العُذافري، أنا إسحاق الدبري، أنا عبد الرزاق ،
أنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين
عَزِ الأحتَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: كُنَّا ◌ُجُلُوسَاً عِنْدَ بَابٍ عُمَرَ
فَخَرَجَتْ عَلَيْنَا جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: هَذِهِ سُرِّيَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ،
فَقَالَتْ: وَاللّهِ مَا أَنَا بِسُرِّيَّةٍ، وَمَا أَحِلُّ لَهُ، وَإِنِّي ◌َمِنْ
مَالِ اللهِ، ثُمَّ دَخَلَتْ، فَخَرَجَ عَلَيْنَا ◌ُمَرُ، فَقَالَ: مَا تَرَوْنَهُ
يَحِلُّ لِ مِنْ مَالِ اللهِ، أَوْ قَالَ: مِنْ هَذَا المَالِ ؟ قَالَ: قُلْنَا:
أَمِيرُ أُلؤْمِنِينَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنَّا، فَقَالَ: إِنْ شِئْتُمْ
أَخْبَرْ تُكُمْ مَا أَسْتَحِلُّ مِنْهُ، مَا أَحْجُّ وَأَعْتَمِرُ عَلَيْهِ مِنَ الظَّهْرِ
١١) البخاري ٢٥٨/٤ في البيوع: باب كسب الرجل وعمله بيده.
- ٨٦ -
وَحُلَّي فِي الشَِّاءِ ، وَحُلَّتِي فِي الصَّيْفِ ، وُقُوتَ عِيَالِي وَشِبَعِي،
وَسَهْيِي فِي الْمُسْلِمِينَ، فَإِنّا أنا رَجُلٌ مِنَ المَسْلِمِينَ.
قَالَ مَعْمَرُ: وَإِنَّا كَانَ الَّذِي يَحُّ عَلَيْهِ وَيَعْتَمِرُ بَعِيرَاً
وَاحِدَاً (١).
قال الإمام : يجوز للوالي أن يأخذ من بيت المال قدرَ كفايته من
النفقة ، والكسوة لنفسه، ولمن يلزمه نفقتهُ، ويتخذ لنفسه منه مسكناً ،
وخادماً، رُوي عن المُستورد بن شداد، عن رسول الله ◌ِوَقَّ قال:
(((من كان لنا عاملًا، فليكتسب زوجة، فإن لم يكن له خادمٌ ،
فايكتسب خادماً، فإن لم يكن له مسكنّ، فليكتسب مسكناً )) .
وفي بعض الروايات: ((من اتخذ غير ذلك، فهو غالٌ أو سارق (٢).
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: هذا يُتأوّل على وجهين : أحدهما :
إنما أباح له اكتساب الخادم ، والمسكن من عُمالته التي هي أجر مثله،
وليس له أن يرتفِقِ بشيء سواها، والوجه الآخر : أن العامل السُّكنى
والخدمة ، فإن لم يكن له مسكن، وخادم ، استؤجر له من يخدمه ،
فيكفيه مهنة مثله ، ويُكترى له مكنّ يسكنه مدة مقامه في عمله .
وكان شريحٌ يأخذ على القضاء أجراً (٣).
(١) المصنف (٢٠٠٤٦) وإسناده صحيح، وأخرجه أبو عبيد في
(الأموال)) رقم (٦٦١).
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٤٥) في الخراج والإمارة والقيء : باب في
أرزاق العمال ، وإسناده صحيح .
(٣) هو شريح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة . ولاه
عمر ، ثم قضى لمن بعده بالكوفة دهراً طويلا ، وله مع أمير المؤمنين علي
- ٨٧ -
قال الشافعي : وينبغي أن يجعل مع رزق القاضي شيئاً لقراطيه ،
قال مسروق عن عبد الله بن مسعود: إنه كان يُكره لقاضي المسلمين
أن يأخذ على ذلك رزقاً وعمالة . والله أعلم .
باب
الرشوة والهدية للقضاة والعمال
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ
بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلى الْحُكَّامِ) [ البقرة: ١٨٨] أي:
لَا تُعْطُوَهَا الْحُكَّامَ عَلى سَبِيلِ الرَّشْوَةِ لِيُغَيِّرُوا الْحُكْمَ لَكُمْ،
مَأْخُوذَةٌ مِنْ أَدْلَيْتُ الدَّلْوَ، وَمِنْهُ يُقَالُ: أَدْلَى بِحُجَّتِهِ ، أي:
أَرْسَلَهَا، وَقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا
الأَدْنَى) [الأعراف: ١٦٩] أَيْ: يَرْتَشُونَ فِي الْأحكَامِ.
٢٤٩٣ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد
الرحمن بن أبي شريح ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
البغوي ، نا علي بن الجعد ، نا ابن أبي ذئب ، عن الحارث بن عبد
الرحمن ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
رضي الله عنه أخبار في ذلك. وهو مخضرم أدرك الجاهلية والإسلام . ويقال:
إن له صحبة : مات قبل الثمانين وقد جاوز المائة. وهذا الأثر علقه البخاري
١٣٣/١٣، وقال الحافظ: وصله عبد الرزاق (١٥٢٨٣) وسعيد بن منصور
من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ : كان مشر وق لا يأخذ على القضاء أجراً.
وكان شريح يأخذ .
- ٨٨ -
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْروٍ أَنَّ رسولَ اللهِ عَظَلِ قَالَ: ((لَعْنَةُ
اللهِ عَلى الرَّاشِ وَالْمُرْ تَشِيْ(١) )).
هذا حديث حسن مراجعة سنن الترمذي وابن أبي ذئب : هو محمد بن عبد
الرحمن بن المغيرة بن الحارث ، والحارث بن عبد الرحمن خاله .
قال الإمام: الرَّشوة: ما يُعطى لإبطال حق، أو لإحقاق باطل ،
فيعطي الراشي لينال باطلًا ، أو ليمنع حقاً يلزمه، ويأخذ الآخذ على
أداء حق يلزمه ، فلا يؤديه إلا برشوة يأخذ ، أو على باطل يجب عليه
تركُه ، ولا يتركه إلا بها ، فأما إذا أعطى المعطي ليتوصل به إلى
حق ، أو يدفع عن نفسه ظلماً ، فلا بأس .
يُروى عن ابن مسعود: أنه أُخِذَ، فأعطى دينارين حتى ◌ُخلِّي سبيله.
ورُوي عن الحسن ، والشعبي ، وجابر بن زيد، وعطاء ، أنهم قالوا :
لا بأس أن يُصانع الرجلُ عن نفسه، ومالِه، إذا خاف الظلم .
قال الإمام: وكذلك الآخذ إذا أخذليسعى في إعانة صاحب الحق، فلا
بأس ، وقال ابن سيرين : كان يقال: السُّحت : الرشوة في الحكم ،
وكانوا يُعطون على الخرص .
ورُوي عن قيس بن أبي حازم ، عن معاذ بن جبل قال : بعثني
رسول الله ◌َلل إلى اليمن، فلما سرتُ أرسل في أثري، فرُددتُ،
(١) حديث صحيح،وأخرجه أحمد ١٦٤/٢ و١٩٠ و١٩٤ و٢١٢،
,وأبو داود (٣٥٨٠) في الأقضية : باب في كراهية الرشوة ، والترمذي
(١٣٣٧) وابن ماجة (٢٣١٣) في الأحكام: باب التغليظ في الحيف والرشوة،
وإسناده حسن ، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم
٠١٠٢/٤ ١٠٣، ووافقه الذهبي، وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد
٣٨٧/٣ و٣٨٨، والترمذي (١٣٣٦). وعن ثوبان عند أحمد ٢٧٩/٥.
- ٨٩ -
فقال: ((أتدري لِمَ بعثتُ إليك: لا تصينّ شيئاً بغير إذني، فإنه
غلولٌ ، ومن يَغْلُل بأتٍ بما غَلَّ يوم القيامة لهذا دعوتك ، فامض
-
لعملك (١))).
وعن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه، عن النبي ◌ِلَ قال: ((من
استعملناه على عمل ، فرزقناه رزقاً، فما أخذ بعد ذلك، فهو غلول (٢).
وفي الحديث: ((هدايا الأمراء غُلول (٣)))، ورُوي عن النبي ◌َِلى أنه
كان يقبل الهدية (٤)، فقد قيل: ليس هذا لأحد بعده من الخلفاء ،
لقوله ◌ِلَّمَ: ((هدايا الأمراء غُلولٌ)).
وُرُوي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: كانت لرسول اله ◌ِ الم هدية
والأمراء بعده رشوة. ورُوي عن علي رضي الله عنه أنه كان يردُّ. إلى
بيت مال المسلمين، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال أبو يوسف : ما
أهدى إليه أهل الحرب ، فهو له دون بيت المال .
(١) أخرجه الترمذي (١٣٣٦) في الأحكام: باب ماجاءفي هدايا الأمراء،
وفي سنده داود بن يزيد الأودي ، وهو ضعيف ومع ذلك فقد قال الترمذي:
حديث معاذ حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث أبي
أسامة عن داود الأودي ، وفي الباب عن عدي .
(٢) أخرجه أبو داود (٢٩٤٣) في الخراج والإمارة والفيء : باب في
أرزاق العمال ، وإسناده صحيح .
(٣) أخرجه أحمد ٤٢٤/٥، وفي سنده إسماعيل بن عياش، وروايته
عن غير الشاميين ضعيفة وهذا منها ، وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس
وجابر ثلاثتهم في ((الأوسط)) للطبراني قال الحافظ : بأساتيد ضعيفة،
وعن أبي حذيفة عند أبي يعلى، وعن جابر عند عبد الرزاق (١٤٦٦٥) وعن
أبي حميد الساعدي عند البيهقي ١٣٨/١٠.
(٤) أخرجه البخاري ١٥٤/٥ في الهبة : باب المكافأة في الهبة ، وأبو
داود (٣٥٣٦) في البيوع: باب في قبول الهدايا، والترمذي (١٩٥٤) في
البر و الصلة: باب ما جاء في قبول الهدية .
- ٩٠ -
٢٤٩٤ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرفي، أنا أبو الحسن.
الطيفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكُشميهني ،
نا علي بن ◌ُحُجر ، نا إسماعيل بن جعفر ، نا شريك هو ابن عبد الله
ابن أبي نمر
عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ النَّبِيَّ عَرِ قَالَ: ((إيّاكُمْ
وَالْقُسَامَةَ )) قَالُوا: وَمَا القُسَامَةُ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ :
((الرَّجُلُ يَكُونُ عَلى الفِشَامِ مِنَ النَّاسِ، فَيَأْخُذُ مِن حَظِّ هَذَا
وَمِنْ حَظِّ هَذَا (١) )).
هذا حديث مرسل ، ويُروى هذا عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان ،
عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبي ◌ِّ .
القُسامة مضمومة القاف : اسم لما يأخذه القسّام لنفسه في القسمة ،
كالنُّشارة: اسم لما يُنشر، والعُجالة: اسم لما يُعجل للضيف من
الطعام . والفِئام: الجماعات.
وليس في هذا تحريم أجرة القسّام إذا أخذها بإذن أرباب الأموال ،
وإنما هذا فيمن ولي أمر قوم ، فكان عريفاً عليهم ، فإذا قسم بينهم ◌ُها هم،
أمسك منها شيئاً لنفسه ، وذلك حرام ، وكذلك ما يأخذه السماسرة
رسماً مرسوماً لا أجراً معلوماً، فأما إذا سمى له أرباب الأموال شيئاً
معلوماً على أن يقسم بينهم مالاً، فحلال أخذه ، وكذلك الإمام إذا
(١) وأخرجه أبو داود (٢٧٨٤)، والرواية المسندة التي ذكرها
المصنف أخرجها أبو داود ( ٢٧٨٣) أيضا، وفي سندها موسى بن يعقوب.
الزمعي وهو سيىء الحفظ، والراوي عنه وهو الزبير بن عثمان بن عبدلله.
ابن سراقة لم يوثقه غير ابن حبان .
- ٩١ -
جعل القسّام رزقاً من بيت المال ، أو بعث رجلًا لعمل ، فسمى له
رزقاً ، فهو حلال ، والدليل عليه ما
٢٤٩٥ - أخبرنا محمد بن الحن الميربند كشائيٌ ، أخبرنا أبو العباس
أحمد بن محمد بن سراج الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان ،
أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي ، أنا أبو ◌ُبيد القاسم بن سلام ، نا
سعيد بن عبد الرحمن الجمعية، عن موسى بن علي بن رباح ، عن أبيه
عَنْ عَمْرِ بْنِ العَاصِ قَالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ رُسُولُ اللهِ عَ له
((أَنِ اَجْمَعْ مَلَيْكَ سِلاَحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ أُتِنِ)) قَالَ: فَأَتَيْتُهُ
وَهُوَ يَتَوَّضَأُ فَقَالَ: ((يَا ◌َمْرُ وإِّي أَرْسَلْتُ إِلَيْكَ لِِّبْعَتَكَ فِي
وَجْهٍ يُسَلِّمُكَ اللهُ، وَ يُغْنِمُكَ، وَأَزْعَبُ (١) لَكَ زَعْبَةً مِنَ المَالِ»
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا كَانَتْ هِجْرَتِي لِلْمَالِ، وَمَا كَانَتْ إِلَّا
لّهِ وَلِرَ سُولِهِ، قَالَ: فَقَالَ: ((نِعِمًا بِالمالِ (٢) الصَّالِحِ
لِلْرَّجُلِ الصَّالِحِ(٣))).
قال الأصمعي: قوله: ((أزعب لك زعبة من المال)) أي : أعطيك
دفعة من المال ، والزعبُ: هو الدفع، يقال: جاءنا سبل يزعَبُ
زعباً ، أي : يتدافع .
(١) في المسند ((أرغب)) وهو تصحيف .
(٢) الباء زائدة كما قال ابن جني .
(٣) إسناده حسن ، وأخرجه أحمد ١٩٧/٤ و٢٠٢.
٠٠
- ٩٢ -
باب
الخوف من القضاء
٢٤٩٦ - أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي يُعرف
بالصيرفي ، أنا أبو محمد الحسن بن أحمد بن محمد المخلدي ، أنا المؤمل
ابن الحسن بن عيسى الماسرجسي ، نا الحسن بن محمد الزعفراني ، نا
بكر بن بكار ، عن سفيان الثوري ، عن زيد بن أسلم ، عن سعيد أو
أبي سعيد
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَِّ: ((مَنْ جُعِلَ
قَاضِيّاً، فَقَدْ ذُبحَ بِغَيْرِ سِكِينٍ(١))) .
هذا حديث حسن . وقد رُوي من غير وجه عن أبي هريرة، رواه
عمرو بن أبي عمرو ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة .
قال أبو سليمان الخطابي : معنى هذا الكلام التحذير عن طلب القضاء
وقوله ((بغير سكين)) يحتمل وجهين من التأويل ، أحدهما : أن الذبح
إنما يكون في ظاهر العُرف ، وغالب العادة بالسكين ، فعدل به رسولُ
الله يََّ عن سنن العادة إلى غيرها، ليُعلم أن الذي أراده بهذا القول إنما
(١) حديث صحيح، وأخرجه أحمد (٧١٤٥) والترمذي (١٣٢٥) في
الأحكام: باب ما جاء عن رسول الله في القاضي و (٣٥٧٢) وأبو داود
(٣٥٧١) في الأقضية: باب ( طلب القضاء، وابن ماجة (٢٣٠٨) في الأحكام:
باب ذكر القضاة وسنده قوي ، وحسنه الترمذي ، وصححه الحاكم
٠٩١/٤ ووافقه الذهبي .
ـام
- ٩٣ -
هو ما يخاف عليه من هلاك دينه دون هلاك بدنه ، والوجه الآخر : أن
الذبح الوحي" (١) الذي يقع به إراحة الذبيحة وخلاصُها من طول الألم
إنما يكون بالسكين ، وإذا ذبح بغير السكين كان خنقاً وتعذيباً ،
فضرب المثل بذلك ليكون أبلغ في الحذر من الوقوع فيه . ورُوي عن
أنس بن مالك عن النبي معروف: ((من ابتغى القضاء وُ كِلّ إلى نفسه،
ومن أُكرة عليه، أنزل الله عليه ملكاً يُدِّدُه))(٢).
٢٤٩٧ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا عبد الرحمن بن
أبي شريح ، أنا أبو القاسم البغوي ، نا علي بن الجعد ، أنا شعبة ،
عن قتادة سمعت أبا العالية قال
قَالَ عَلِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: الْقُضَاةُ ثَلاثَةُ: قَاضِيَانِ فِي
النَّارِ، وَقَاضٍ فِي الْجَنَّةِ، فَأَمَّا الَّذَانِ فِي النَّارِ، فَرُّجُلٌ جَارَ
مُتَعَمِّداً، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأْ ، فَهُوَ فِي النَّارِ،
وَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَجُلٌ اجْتَهَدَ ، فَأَصَابَ الْحَقَّ، فَهُوَ فِي
اْجَنّةِ. قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لَبِي العَالِيَةِ: مَا ذْنِبُ هذَا الَّذِي
اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ؟ قَالَ: ذَنْبُهُ أَنْ لَا يَكُونَ قَاضِيَا إِذْ لَمْ يَعْلَمْ (٣).
(١) الذبح الوحي: السريع، وفي ((معالم السنن)) ٢٠٤/٥ الوج،
وهو تصحيف .
(٢) أخرجه الترمذي (١٣٢٤) في الأحكام، وأبو داود (٣٥٧٨) في
الأقضية: باب في طلب القضاء والتسرع إليه، وابن ماجة (٢٣٠٩) وفي
سنده بلال بن مرداس، ويقال : ابن أبي موسى لم يوثقه غير ابن حبان ،
ومع ذلك ، فقد حسنه الترمذي .
(٣) إسناده صحيح .
- ٩٤ -
- وقال الإمام: قوله: ((اجتهد فأخطأ، فهو في النار)) أراد به إذا
كان اجتهاده على غير علم ، فأما من كان من أهل الاجتهاد ، ففرضه
الاجتهاد فيما يعن له من الحوادث ، والخطأ فيه عنه موضوع ، والدليل
على أن المراد منه من تقلّد القضاء على غير علم ما رُوي مرفوعاً عن ابن
بُريدة، عن أبيه، عن النبي ◌ِّم قال: ((القضاةُ ثلاثة: واحدٌ" في
الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة، فرجلّ عرف الحقّ
فقضى به ، ورجلٌ عرفَ الحقّ ، فجار في الحكم ، فهو في النار ،
ورجلٌ قضى الناس على جهل، فهو في النار (١) )).
وكتب عمر إلى أبي موسى الأشعري : أن لا يقضي إلا أمير ، فإنه
أهيب للظالم ، ولشاهد الزور .
وقال محمر لابن مسعود : أما بلغني أنك تقضي ولست بأمير ؟ قال :
بلى، قال : فولِّ حارَّها من تولى قارّها (٢).
ـاب
القاضي لا يقضي وهو غضبان
٢٤٩٨ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
(١) أخرجه أبو داود (٣٥٧٣) في الأقضية، والترمذي (١٣٢٢) في
الأحكام : باب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في القاضي، وابن
ماجة (٢٣١٥) في الأحكام : باب الحاكم يجتهد ، فيصيب الحق من طرق
عن ابن بريدة ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وإسناده صحيح،
وصححه الحاكم ٩٠/٤، ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث ابن
عمر عند الطبراني وأبي يعلى ، قال الهيثمي: رجاله ثقات .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (١٥٢٩٣)
- ٩٥ -
أحمد الخلال، أنا أبو العباس الأصم ( ح ) وأنا أحمد بن عبد الله
الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف قالا : أنا أبو بكر الحبريء ، نا
أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن عيينة ، عن
عبد الملك بن عمير ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة
عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِ قَالَ: ((لَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ، أَوْ
لَا يَقْضِي القَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ».
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن آدم ، وأخرجه
مسلم عن محمد بن مثنى ، عن محمد بن جعفر ، كلاهما عن شعبة ، عن
عبد الملك بن عمير .
قال الشافعي: ومعقول في قول رسول الله تع الى: ((لا يحكم الحاكم
بين اثنين وهو غضبان)) أنه أراد أن يكون القاضي حين يحكم في حال
لا يتغير فيها عقلُهُ، ولا خْلْقُه، والحاكم أعلمُ بنفسه، فأيّ حال أتت
عليه تغير فيها عقله ، أو ◌ُخُلقُه، ينبغي أن لا يقضيَ حتى تذهب ، وأي؟
حال صار إليه فيها سكون الطبيعة، واجتماعُ العقلُ، حكم ، وإن غيّره
عرض ، أو حزن ، أو فرح ، أو جوع ، أو نعاس ، أو ملالة، ترك .
وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري: إياك والضجرَ ،
والقلق، والتأذيَّ بالناس عند الخصومة، وإذا جلس عندك الخصمان
(١) الشافعي ٢٣٢/٢ والبخاري ١٢٠/١٣، ١٢١ في الأحكام : باب
هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان. ومسلم (١٧١٧) في الاقضية :
باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان .
- ٩٦ -
فرأيت أحدهما يتعمّد الظلم ، فأوجع رأسه (١).
وُرُوي في أدب القضاء عن علي أن رسول الله مؤلف قال له: « إذا
جلس بين يديك الخصمان، فلا تقضين" حتى تسمع من الآخر كما سمعت
من الأول ، فإنهُ أحرى أن يتبيَّنَ لك القضاء (٢)))، ويحتج بهذا من
لا يرى القضاء على غائب، وهو قول شريح، ومعمر بن عبد العزيز ،
وإليه ذهب أصحابُ الرأي، لأن النبي ◌ِّم منعه من القضاء لأحد
الخصمين حتى يسمع كلام الآخر ، ومن جوّز، قال: هذا في الخصمين
الحاضرين اللّذين يُمكن مماعُ كلامها، لا يقضي لأحدهما حتى يسمع كلام
الآخر ، لجواز أن يكون مع خصمه ◌ُحُجة يدفع بها حجة المحكوم له ،
فإذا كان الخصم غائباً ، فلا يترك استماع كلام الحاضر حتى لا يصير ذريعة.
إلى إبطال الحقوق ، غير أنه يكتب في القضية أن الغائب على حجته إذا
حضر حتى يكون مستعملاً معنى الخبر، يدل عليه جواز الحسكم على
الميت ، والطفل لتعذر استماع كلامها، كذلك الغائب .
(١) قطعة من كتاب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب إلى أبي موسى
الأشعري أخرجه بطوله الدار قطني في ((سننه)) ص: ٥١٢ . وفي إسناده
عبيد الله بن أبي حميد ,وهو ضعيف ، وأخرجه أيضاً من طريق الإمام
أحمد : ثنا سفيان بن عيينة ، ثنا إدريس الأودي ، عن سعيد بن أبي
بردة وأخرج الكتاب ، فقال : هذا كتاب عمر ، وأخرجه البيهقي في
((المعرفة)) من حديث جعفر بن برقان، عن معمر البصري ، عن أبي العوام
البصري قال: كتب عمر فذكره ... ، وقال ابن القيم في ((إعلام الموقعين))
٨٦/١ بعد أن أورده : وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول . وبنوا عليه
أصول الحكم والشهادة والحاكم والمفتي احوج شيء إليه ، وإلى تأمله
والتفقه فيه .
(٢) أخرجه أبو داود (٣٥٨٢) في الأقضية: باب كتاب الأقضية وأحمد
(٦٩٠) و (٨٨٢) والترمذي (١٣٣١) وقال: هذا حديث حسن. وقد
صححه العلامة أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند مع أن في سنده
حنش بن المعتمر وهو صدوق له أوهام .
باب
كراهية اللود في الخصومة
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَهُوَ أَلَهُّ الْخِصَامِ) [ البقرة:
٢٠٤] وَقَالَ النَّبِيُّ عَّهِ: «أَرْبَعُ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقَاً:
إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ (١))).
٢٤٩٩ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي ،
أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل، نا أبو عاصم ، عن ابن
جريج ، عن ابن أبي مليكة
عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَِّيِّ مَهْلِ قَالَ: ((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ
إِلى اللهِ الأَلَكُّ الْخَصِمُ ».
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي
شيبة ، عن وكيع ، عن ان جريج .
الألد : الشديد الخصومة ، واللده : الجدال ، والخصومة ، يقال :
رجلٌ ألدُ، وامرأة لدَّاءُ، وقوم لُده، قال الله سبحانه وتعالى:
(١) أخرجه من حديث عبد الله بن عمرو . البخاري ٧٧/٥ في المظالم:
باب اذا خاصم فجر . وفي الإيمان : باب علامات المنافق . وفي الجهاد :
باب أثم من عاهد ثم غدر، ومسلم (٥٨) في الإيمان: باب بيان خصال المنافق.
(٢) البخاري ٧٧/٥ في المظالم باب قول الله تعالى (وهو الد الخصام؛
وفي تفسير سورة البقرة - باب ( وهو الد الخصام الوفي الاحكام باب الألد
الخصم ، ومسلم ( ٢٦٦٨) في العلم : باب الألد الخصم .
شرح السنة ج ٠١٠ - ٧
- ٩٨ -
( وتُنذِرَ به قوماً لّداً) [ مريم: ٩٧] وقال: (بل هم قوم*
خْصِمون) [الزخرف: ٥٨] يقال: لددتُه الدُّده: إذا جادلته فغلبته،
واللديدانِ: جانبا الوادي، وجانبا الفم، ◌ُسمي الحُصمُ أَلدَّ، لأنك
كلما أخذت في جانب من الحجة ، أخذ هو في جانب آخر منها ، وقيل :
سمي به لإعماله لديديه في الخصومة .
باب
البينة (١) على المدعي واليمين على من أنكر
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا
بُرْهَاَنَكُمْ) [البقرة: ١١١] وَالُدَّعِي مُتَمَنٌّ، فَيَحْتَاجُ إِلى
الحُجَّةِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ) [يُس: ٥٧ ]
أَيْ: يَتَمَنَّوْنَ: تَقُولُ العَرَبُ: اذَّعِ عَلَيَّ مَا شِئْتَ ، أَيْ :
تَمَنَّ، وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قِصَّةِ دَاودَ عَلَيْهِ
السَّلَامُ: (وَآتَيْنَاهُ الحِكْمَةَ وَفَصْلَ الخِطَابِ) [ص: ٢٠]
قَالَ: فَصْلُ الخِطَابِ: هُوَ البَّيْنَةُ عَلى المُدَّعِي، وَالَيَمِينُ عَلى
(١) قال الإمام ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) ٩٠/١: البيئة في كلام
الله ورسوله ، وكلام الصحابة : اسم لكل ما يبين الحق ، فهي أعم من
البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمين،
ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه ، فيقع
بذلك الغلط في فهم النصوص . وحملها على غير مراد المتكلم منها وراجع
تفصيل هذا المبحث الذي استوعب صفحات كثيرة من كتابه هذا، فإنه بلغ
فيه الغاية رحمه الله .
- ٩٩ -
اُلْدَّعَى عَلَيْهِ، وَقِيْلَ: هُوَ أَنْ يَفْصِلَ بَيْنَ الْحَقِّ، وَالْبَاطِلِ،
٢٥٠٠ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا موسى بن
إسماعيل ، نا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل
عَنْ عَبْدِ اللهِ ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَلِ: ((مَنْ حَلَفَ
عَلَى يَمِينٍ صَبْرٍ يَقْتَطِيعُ بِهَا مَالَ أمْرِىءٍ مُسْلٍ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ
عَلَيْهِ غَضْبَانُ ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ( إِنَّ الَّذِيْنَ يَشْتَرُونَ
يَعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنَا قَلِيْلًا) [ آل عمران: ٧٧ ] إلى
آَخِرِ الْآيَةِ. فَدَخْلَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ ، فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ
أَبُو عَبْدِ الرَّحْمنِ ؟ فَقَالُوا: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: فِيَّ أَنْزِلَتْ
كانَتْ لِيَ بِثْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمِّ لِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِعَلَه
فَقَالَ: ((بَيِّنَتُكَ أَوْ يَمِينُهُ)) قُلْتُ: إِذَا يَحْلِفُ عَلَيْهَا يَا رَسُولَ
اللهِ، قَالَ رُّسُولُ اللهِ عَّهِ: ((مَنْ حَلَفَ عَلَى ◌َمِينٍ(١) صَبْر.
وُهُوَ فِيهَا فَإِجِرٌ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ أمْرِىءٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ
يَوْمَ القِيَامَةِ، وُهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ)).
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم، عن إسحاق الحنظلي،
عن وكيع ، عن الأعمش .
(١) أي : على محلوف يمين ، قال القاضي: إنما قال: على يمين
تنزيلاً للحلف منزلة المحلوف عليه اتساعا .
(٢) البخاري ٤٨٥/١١ في الأيمان والنذور : باب قول الله تعالى
{ إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلا أولئك لاخلاق لهم في
- ١٠٠ -
وقوله : على يمين صبر : هي اليمين اللازمة لصاحبها من جهة الحكم ،
فيُصبر من أجلها ، أي : يجبس ، وأصل الصبر: الحبس ، ومنه قولهم :
قُتل فلان صبراً، أي: حبساً، وقد نهى رسول الله مؤلم أن يُقتلَ
شيءٌ من الدواب صبراً، وهو أن يُجبس حياً، فيُرمى إليه حتى يموت،
فكل من حُبِسَ لقتل ، أو يمين ، فهو قتل صبر ، وبين صبر .
ورُوي عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله عَ ل: ((من
حلف على يمينٍ مصورةٍ كاذباً، فليتبوأ بوجه مقعده من النار (١) )) فجعل اليمين
مصبورة وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور ، لأنه إنما صبر ،
وحبس من أجلها ، فأضيف الصبر إلى اليمين مجازاً واتساعاً .
وفي الحديث دليل على أن من ادعى عيناً في يد آخر ، أو ديناً في ذمته ،
فأنكر أن القول قولُ المدَّعى عليه مع يمينه ، وعلى المدّعي البينة،
وهو قول عامة أهل العلم .
الآخرة ) وفي الأحكام : باب الحكم في البئر ونحوها، وفي التوحيد : باب قول
الله تعالى ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) وفي الشرب: باب
الخصومة في البئر والقضاءفيها ، وفي الخصومات : باب كلام الخصوم
بعضهم في بعض ، وفي الرهن : باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه
فالبينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ، وفي الشهادات : باب سؤال
الحاكم المدعي : هل لك بينة قبل اليمين ، وباب اليمين على المدعى عليه.
في الأموال والحدود، وباب تحليف المدعى عليه حيثما وجبت عليه
اليمين ، وباب قوله تعالى (إن الذين يشترون بعهد الله، وأيمانهم ثمنا قليلا)
وفي تفسير سورة آل عمران . وأخرجه مسلم (١٣٨) في الايمان: باب وعيد
من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة .
(١) أخرجه أبو داود (٣٢٤٢) في الأيمان والنذور: باب التغليظ في
الأيمان الفاجرة، وأحمد ٤٣٦/٤ و ٤٤١، وإسناده صحيح .