النص المفهرس

صفحات 321-340

- ٣٢١ -
نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: ((أَشْتَرَى رَجُلٌ
مِنْ رُجُلٍ عَقَاراً، فَوَجَدَ الرَّجلُ الَّذِي أَشْتَرَى العَقَارَ فِي عَقَارِهِ
جَرَّةَ فِيهَا ذَهَبْ، فَقَالَ لَهُ الَّذِي أَشْتَرَى العَقَارَ: خُذْ ذَهَبَكَ
مِنْيٍ ، إِنَما اشْتَرَيْتُ مِنكَ الأَرْضَ، وَلَمْ أَبْتَعْ مِنْكَ الْذَّهَبَ،
وَقَالَ الَّذِي بَاعَ الأرْضَ : إِنَّا بِعْتُكَ الأرْضَ وَمَا فِيهَا ،
فَتَحَاكَ إِلَى رَّجُلٍ، فَقَالَ الَّذِي تَحَاكَ إِلَيْهِ: أَلَكُمَا وَلَدْ؟
فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لِي غُلاَمٌ، وَقَالَ الآخَرُ: لِيَ جَارِيَةٌ ، فَقَالَ:
أَنْكِحُوا الغُلاَمَ الْجَارِيَةَ، وَأَنْفِقُوا عَلى أَنْفُسِكُمَا مِنْهُ،
وَتَصَدَّقَا)).
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته، (١) أخرجه محمد، عن إسحاق بن نصر
وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع ، كلاهما عن عبد الرزاق .
وروي عن أبان، عن عامر الشعبي منقطعاً عن النبي عَ لَّم قال: «مَن
وَجَدَ دابَةٌ قد عَجزَ مَنا أهلُها أنْ يَعلِفوها، فيْبوها فأخذها فأحياها
فهي لهُ))(٢).
وذهبَ إلى هذا بعضُ أهل العلم أنَّ صاحبها إذا تركها بمهلكة ،
فأخذها رجلٌ ، ملكها ، وهو قول أحمد وإسحاق .
(١) البخاري ٣٧٥/٦، ٣٧٦ في الأنبياء : باب ما يذكر عن بني
إسرائيل ، ومسلم (١٧٢١ ) في الأقضية : باب استحباب إصلاح الحاكم
بين الخصمين . .
(٢) أخرجه أبو داوود (٣٥٢٤ )في البيوع: باب فيمن أحياء حسيراً،
وفي سنده عبيد الله بن حميد عبد الرحمن الحميري البصري ، ولم يوثقه
شرح السنة ج ٨ ٢ - ٢١
غير ابن حبان : .

- ٣٢٢ -
وذهب الأكثرون إلى أنه لايملكها ، بل هي النقطة ، ولا يزول ملك
صاحبها بالعجز عنها ، وقال عبيد الله بن الحسن قاضي البصرة : فيها وفي
النواة، يلقيها من يأكل التمر، إن قال صاحبها: لم أبجم، للناس ،
فالقولُ قولهُ مع يمينه.
باب
اللقيط
٢٢١٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب
عَنْ سُنَيْنِ أَبِي ◌َجِلَةَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ أَنْهُ وَجَدَ مَنْبُوذاً
فِي زَمَانِ مُمَرَ بْنِ الْخَطَّابٍ، قَالَ: فَبِثْتُ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ
الْخَطَّبِ، فَقَالَ: مَا ◌َلَكَ عَلى أَخذِ هَذِهِ النَّسَمة ؟ قَالَ :
وَجَدْتُهَا ضَائِعَةً، فَأَخَذْتُهَا، فَقَالَ عَرِيفُهُ: يَا أَمِيْرَ اْمُؤْمِنِينَ
إِنَّهُ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقَالَ: كَذَلِكَ؟ فَقَالَ : نَعَمْ ، قَالَ :
اذْهَبْ، فَهُوَ حُرّ ، وَلَكَ وَلَآؤُهُ، وَعَلَيْنَا نَفَقْتُهُ(١).
(١) ((الموطأ)) ٧٣٨/٢ في الأقضية: باب القضاء في المنبوذ، وإسناده
صحيح "

- ٣٢٣ -
قال مالك: الأمرُ المجتمعُ عليه عندنا في المنبوذ أنه حرّ، وولاؤه
للمسلمين يرثونه ، ويعقلون عنه .
قال الإمام : فيه بيان أن اللقيط إذا وجد ، لا يجوز تضيعُهُ ، زهو
محكوم بحريته وإسلامه ، فيكون ميراثه للمسلمين إذا مات ، ونفقته في
بيت مال المسلمين ، وإذا التقطهُ غيرُ أمين، لا يترك في يده ، بل بأخذه
الإمامُ ، فيضمه إلى أمين ، وينفق عليه من بيت المال .

بسم اللهالرحمن الرحيم
كتَابُ الْفَرَائضْ
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (للْرِّجَالِ نَصِيْبٌ ◌ِمَّا تَرَّكَ
الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلْنِسَاءِ نَصِيْبُ بِّ تَرَكَ الوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ
بِمَا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثْرَ نَصِيْباً مَفْرُوَضَاً ) [النساء: ٧]
أي: مؤقتاً مقدراً، والفرض: التوقيت، وأصلهُ: القطع ، يقال :
فرضت لفلان، إذا قطعتّ لهُ من المال شيئاً.
٢٢١٤ - أخبرنا أبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن
عبد الله النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا عبد الله
ابن محمد ، فا أبو عامر ، نا فليح ، عن هلال بن علي، عن عبد الرحمن
ابن أبي عمرة
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِِّ قَالَ: « مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلاَّ
أَنَّ أَوْلَى ◌ِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إِقْرُّؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ( النَّبِيِّ
أُوْلَى بِلمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) [الأحزاب: ٦] فَائما مُؤْمِنِ مَاتَ
وَتَرَكَ مَالاَ، فَلْيَرِثُهُ عَصَبْتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكِ دَيْناً، أَوْ
ضَّاعَاً، فَلْيَأْتِنِي، فَأَنَا مَوْلاَهُ)).

- ٣٢٥ -
هذا حديثٌ متفقٌّ على صحته (١) أخرجاءُ من أوجه عن أبي هريرة.
قوله: ((أو ضياع)) فالضياع: اسم" لكلّ ما هو بعرض أن يضيع
إن لم يُتعهّد، كالذرية الصَّغار، والزمنى الذين لا يقومون بسكلْ أنفسهم،
ومن يدخل في معناه ، جاء منصوباً بالمصدر نائباً من الاسم ، كما يقال:
مات، وترك فقراً، أي فقراء ، فإذا كسرت الضاء ، فهو جمع ضائع ،
مثل جائع وجياع. قوله: ((فأنا مولاه، أي: وليه والكافل له.
٢٢١٥ - أخبرنا حسان بن سعيد، أنا أبو طاهر الزيادي، أنا محمد
ابن الحسين القطان، أنا أحمد بن يوسف الحي، أنا عبد الرزاق ، نا
معمر ، عن حمّام بن منبَّه قال :
مَ أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رُسُولُ اللهِ عَمِ : • أن أَوْلَى
النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَأْيَكُمْ تَرَكَ دْناً، أَوْ ضَيْعَةً
فَادْعُوِي، فَإِي وَلِيْهُ، وَأَيْكُمْ تَرَكَ مَالاً، فَلْيُؤْيْ بِمَالِ عَصَبَتَه
مَنْ كَانَ » .
هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجه مسلم (٢) عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق .
٢٢١٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
(١) البخاري ٤٦/٥ في الاستقراض : باب الصلاة على من ترك ديناً،
وفي الكفالة : باب الدين ؛ وفي تفسير سورة الأحزاب في فالحتها، وفي
النفقات : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك كلا أو ضياعا
فإلي ، وفي الفرائض : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك مالا
فلأهله، وباي ابني هم أحدهما أخ لأم والآخر زوج، وباب ميراث الأسير،
وأخرجه مسلم ( ١٦١٩) في الفرائض: باب من ترك مالا فلورثته .
(٢) رقم (١٦١٩) (١٦).
1

٠
- ٣٢٦ -
النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل، نا مُسلم بن إبراهيم
نا وهيب ، نا ابن طاووس ، عن أبيه
عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ عَّ:« أَحْقُوا
الفَرَائِضَ بِأهْلِهَا، فَا بَقِيَ، فَهُوَ لِأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ » .
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه مسلم عن عبد الأعلى بن حماد
عن وهيب .
قوله: ((ألحقوا الفرائض)) أي : أعطوا ذوي السَّهام سهامهم .
قولهُ: ((لأولى رجل))، أي: لأقرب رجل، والوّليُ: القُربُ،
وأراد قربَ النسب، وقوله ◌ُسبحانهُ وتعالى: ( أولى لك فأولى ) أي :
قاربك ماتكره، فاحذر. وذكر: ((الذكر)) للتأكيد، كما قال في
الزكاة ((فابن لبون ذكر)).
قال الإمام : أسباب الميراث ثلاثةٌ: نسبٌ، ونكاح ، وولاء ،
فالمراد بالنسب أن القرابة ، يرث بعضُهم من بعض ، وبالنكاح أن أحد
الزوجين يرثُ الآخر، وبالولاء أن المعتِقِ وعصباته ، يرثون من المعتّق .
وجملة الورثة : سبعة عشر ، عشرة من الرجال ، وسبعة من النساء ، فمن
الرجال : الابنُ وابن الابن، وإن ◌ّفل، والأب والجد أب الأب ، وإن علا
والأخُ سواء كان لأب وأم ، أو لأب ، أو لأم ، وابن الأخ لأب وأم
أو لأب وإن سفل ، والعم للأب والأم ، أو للأب ، وابناهما وإن سفلوا
والزوج ، والمعتيقِ .
(١) البخاري ٨/١٢، في الفرائض، باب ميراث الولد من أبيه
وأمه ، وباب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن ، وباب ميراث الجد مع الأب
والإِخوة ، وباب ابني عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج ، وأخرجه مسلم
(١٦١٥) في الفرائض : باب الحقوا الفرائض بأهلها.

- ٣٢٧ -
ومن النساء البنتُ ، وبنتُ الابن، وإن سفلت، والأم والجدة أم الأم ،
« أو أم الأب، والأخت ، سواء كانت لأب وأم ، أو لأب أو لأم ،
والزوجة والمعتقة .
وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجبُ الحرمان بالغير : الأب والابن ،
والزوجُ والأم ، والبنت ، والزوجة .
وهؤلاء الورثة ينقسمون إلى أصحاب فرائض وعصبات ، فأصحاب
الفرائض : من لهم فروض ◌ُمُقدَّرة ، والعصبةُ : من يجوز جميع التركة
إذا انفرد، وإن كان معهُ صاحب فرض أخذ ما فضل عن صاحب الفرض
فتوريث الولاء توريثُ تعصيب وتوريثُ الزوجية توريث فرض
أما أهلُ النسب ، فمنهم من يرث بالفرضية، وهم الأم والجدة وأولاد
الأم ، ومنهم من يرث بالتعصيب ، وهم الابن ، وابن الابن ، والأخ ،
وان الأخ ، والعم ، وابن العم ، ومنهم من يرث تارة بالفرضية ، وقارة
بالتعصيب ، وهم الأب يرث بالتعصيب ، فإن كان للميت ولد يرث الأب
بالفرضية السدس ، وكذلك البنت ترث بالفرضية ، فإن كان معها ابن
عصبهًا، وكان المالُ بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين، وكذلك الأخت
للأب والأم، أو للأب ترث بالفرضية، فإن كان معها أخٌ عصبها، وكان
المالُ بينها للذكر مثل حظ الأنثيين، والأخت للأب والأم ، أو للأب
تصير عصبة أيضاً مع البنت ، فلها الباقي بعد فرض البنت
والفروض ستة: النصفُ، والربُع، والثُّمن، والثُّتان ، والثلث
والسُّدس .
فالنصف : فرض ثلاثة : فرض الزوج عند عدم الولد ، لقوله سبحانه وتعالى:
(وَلَكُمْ نِصِفُ مَاترَكَ أَزْواجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلدٌ)
[ النساء : ١٢ ] .

- ٣٢٨ -
وفرضً البنت الواحدة للصُّلب، أو للابن إذا لم يكن ولدُ الصلب
لقوله عز وجل: (وَإنْ كانتْ" واحدة" فلها النَّصْفُ) [النساء: ١١].
وفرض الأخت الواحدة للأب والأم، أو للأب إذا لم يكن ولدٌ
لأب وأم، لقوله سبحانه وتعالى: (وَلهُ أختٌ فلها نِصِفُ ما ترَكَ)
[ النساء : ١٧١ ].
والرُّجُعُ: فرض الزوج إذا كان الميتة ولد ، وفرض الزوجة إذا لم يكن
للبيت ولك لقوله سبحانه وتعالى: (فإنْ كانَ لُمُنَّ ولدٌ فلكُمُ الرُّبُعُ
مِما تركنْ مِنْ بهِ وَصِيَّةٍ يومينَ بها أو دْنٍ وَهُنَّ الرَبْعُ مِما
ترَكْتُمْ إِن لمْ يَكْنْ لَكُمْ وَلاَ) [النساء: ١٢].
والحن: فرض الزوجة إذا كان للميت ولدٌ، لقوله سبحانه وتعالى:
(فإنْ كانَ لَكُمْ وَلِكَ فَلَهْنَّ الثُّمُنُ مِمَا تَوَكَتُمْ) [النساء: ١٣]
والزوجتانِ والثلاثٌ والأربعُ يشتركن في الربع والثمن .
والثلثان: فرضُ البنتين الصلب فصاعداً، أو للابن عند عدم ولد الصلب
لقوله سبحانه وتعالى: (فإن" كُنَّ نِساءَ فوقَ اثنتينِ فلهُنَّ ثُلما
مَائرَك) [النساء: ١١ ].
وفرض الأختين الأب والأم ، أو للأب فصاعداً ، لقوله سبحانه وتعالى:
(فإنْ كانتا اثنتينٍ فلهُ السُّلْنَانِ بِمَا تَرَكَ) [النساء: ١٧٦].
والثالث": فرض ثلاثة: فرض الأم إذا لم يكن للميت ولدٌ ، ولا
اثنان من الإخوة، لقوله عز وجل: (فإنْ لمْ يَكُنْ لهُ ولدٌ وَرِثِهُ
أَبَراهُ فِلامَّةِ الثاسْتُ) [ النساء: ١١].
وفرض الاثنين من أولاد الأم فصاعداً ، ذكرُهم وأنتاهم فيه سواء ،

- ٣٢٩ -
لقوله ◌ُسبحانه وتعالى: (فإنْ كانْوا أكثرَ مِنْ ذلكَ فَهُمْ شُركاءُ في
الثَّلُتِ ) [ النساء: ١٢].
وفرضُ الجد مع الإخوة للأب والأم ، أو الأب في بعض الأحوال
على مذهب زيد بن ثابت .
وأما السُّدس ، ففرض سبعة : فرض الأب إذا كان للميت ولد ،
وفرض الأم إذا كان للميت ولد ، أو اثنان من الإخوة ، لقوله سبحانه وتعالى:
(وَلْأَبْوَيَهِ لِكُلْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ بِمَا تَرَكَ إِنْ كانَ لهُ وَلدٌ)
[ النساء: ١١ ].
وفرض الجد مع الإخوة في بعض الأحوال على مذهب زيد ، وفرض
الجدة ، وفرض الواحد من أولاد الأم ، ذكراً كان، أو أنثى ، لقوله
سبحانه وتعالى: (وَلَهُ أَخٌ أَوْ أَختٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنهما السُّدُسُ)
[ النساء: ١٢ ].
والمرادُ منه الأخ والأخت للأم ، وفرض بنات الابن إذا كان للميت
ابنة واحدة الصلب ، فلبقت الصلب النصفُ ، ولبنات الابن السدسُ تكملة
الثلثين، وفرض الأخوات للأب إذا كان للميت أخت واحدة لأب وام
فلها النصف وللأخوات للأب السدسُ تكملة الثلثين.
وقوله: ((فما بقي فهو الأولى رجُل ذكر)). قال الإمام : ونا
يدل على أن بعض الورثة يحجُب البعض، والحجبُ نوعان: حجب نقصان ؛
وحجب حرمان .
ضحجبُ النقصان: هو أن الولد وولد الابن يحجب الزوج من النصف.

- ٣٣٠ -
إلى الربع ، والزوجة من الربع إلى الثمن، والأم من الثلث إلى السدس
وكذلك الاثنان من الإخوة فصاعداً يحجبون الأم إلى السدس .
وحجب الحرمان : هو أن الأم تُسقط الجدة، سواءٌ كانت أم الأم ،
أو أم الأب، والأبُ يُسقط أمّ نفسه عند أكثر أهل العلم ، وهو قول
عثمان وعلي ، وزيد بن ثابت . ورُوي عن عمر ، وابن مسعود ، وعمران بن
حصين : أن الأب لا يُسقط أمّ نفسه، واختلفوا في أن الأب هل يُسقط
أمّ الأم ؟ فذهب بعضهم إلى أنه يُسقطها ، كما أن الأم تسقط أم الأب
وذهب الأكثرون إلى أن الأب لا يُسقط أم الأم ، وكذلك الجدة القربى
من جهة الأم تُسقط البُعدى من جهة الأب ، والقربى من جهة الأب
لا تسقط البُعدى من جهة الأم ، وإذا استونا في الدّرجة ، اشتر كتا في السدس .
وأولادُ الأم يسقطون بأربعة: بالأب ، والجد وإن علا ، وبالولد وولد
الابن وإن سفل ، وأولاد الأب والأم يسقطون بثلاثة : بالأب والابن ،
وابن الابن ، ولا يسقطون بالجد على مذهب زيد ، وأولاد الأب يسقطون
بأربعة بهؤلاء الثلاث ، وبالأخ للأب والأم .
وأقرب العصبات يُسقط الأبعد ، فأقربهم الابن ، ثم ابنُ الابن ، ثم
الأب ، ثم الجد أب الأب وإن علا ، فإن كان مع الجد أخ لأب وأم ، أو
لأب يشتركان على مذهب زيد في الميراث ، فإن لم يكن جدة ، فالأخ
للأب والأم ثم الأخ الأب ، ثم بنو الإخوة يقدم أقربهم ، سواء كان
لأب وأم ، أو لأب ، فإن استووا في الدّرجة ، فأولاهم الذي هو لأب
وأم ، ثم العم للأب والأم ، ثم العم للأب ، ثم بنوهم على ترتيب ميراث

- ٣٣١ -
بني الإخوة ، ثم عم الأب ، ثم عم الجد على هذا الترتيب ، فإن لم يكن
أحد من عصبات النسب ، وعلى الميت ولاء ، فالميراث للمعتِق ، فإن لم
يكن حياً ، فلعصبات المعتق .
رُوي عن ابن سيرين قال: توفيت فُكّيهة بنت سمعان ، فتركت
ابن أخيها لأبيها وبني بني أخيها لأبيها وأمها ، فورِّث ممر بني أخيها لأبيها .
باب
ميرات الأولاد
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلاَ دِكُمْ
إِذْكَرِ مِثْلُ حَظُ الأُنثَيْنِ فَإِنْ كُنْ نِسَاءَ فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنْ
كُلَّا مَا تَرَكَ ) [ النساء: ١١].
٢٢١٧ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد بن يوسف
عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن عطاء
عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الَمالُ لِلْوَلَدِ، وَكَاَنَتِ
اْوَصِيَّةُ لِلْوَالِيْنِ، فَتَسَخَ اللهُ مَنَ ذَلِكَ مَا أَحَبْ، فَعَلَ
الْذَكَرِ مِثْلَ حَظُ الأَنْثَيْنِ، وَجَعَلَ لِلأَبْوَينِ لِكُلُ وَاحِدٍ

- ٣٣٢ -
مِنْهُمَا السَُّسَ وَالثُّلُثَ (١)، وَجَعَلَ لِلْمَرَةِ الثُّمُنَ وَالْرّبَعَ،
وَلِلْزَّوْجِ الشَّطْرَ وَالْرّبَعَ)).
هذا حديثٌ صحيحٌ"(٢).
قال الإمام : كانت الوصية" للأقارب واجبة" في ابتداء الإسلام إلى أن
نُسخت بآية الميراث (٣)، فقال النبيُ عَلَّ في خطبته عام حجة الوداع:
(((إِنْ الله قدْ أعطى كلِّ ذي حَقٍ حَقْهُ، فلا وَصَيّة لِوارثٍ)) (٤).
(١) هذه اللفظة لم تذكر إلا في مكان واحد عند البخاري في تفسير
قوله تعالى ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) قال الدمياطي فيما نقله عنه
الحافظ: قوله: ((والثلث)) زيادةهنا، وقد أخرج المصنف (أي البخاري)
هذا الحديث بهذا الاسناد في كتاب الفرائض، فلم يذكرها . قال الحافظ:
اختصرها هناك ، ولكنها ثابتة في تفسير محمد بن يوسف الفريابي شيخه
فيه . والمعنى : أن لكل واحد منهما السدس في حال ، وللأم الثلث في
حال ، ووزان ذلك ما ذكره في بقية الحديث : وللزوج النصف والربع ،
أي : كل منهما في حال .
(٢) هو في صحيح البخاري ١٩/١٢ في الفرائض: باب ميراث الزوج
مع الولد وغيره ، وفي الوصايا : باب لا وصية لوارث ، وفي تفسير سورة
النساء : باب قوله ( ولكم نصف ما ترك أزواجكم ) .
(٣) وقال بعض العلماء : إن الآية مخصوصة ، وليست بمنسوخة
لأن الأقربين أعم من أن يكونوا وراثاً ، وكانت الوصية واجبة لجميعهم ،
فخص منها من ليس يوارث بآية الفرائض ، وبقوله صلى الله عليه وسلم
((لاوصية لوارث)) وبقي حق من لايرث من الأقربين من الوصية على
حاله ، قاله طاووس وغيره .
(٤) حديث صحيح أخرجه أبو داوود ( ٢٨٧٠ ) في الوصايا،
والترمذي (٢١٢١) في الوصايا الباب الخلمس ، وغيرهما من حديث أبي
أمامة مرفوعاً ، وفي إسناده إسماعيل بن عياش ، وقد قوى حديثه عن
الشاميين جماعة من الأئمة ، منهم أحمد والبخاري ، وهذا منها ، فقد

- ٣٣٣ -
٢٢١٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النّحيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا آدم ، نا شعبة
ا أبر قيس قال :
شَمِعْتُ هُزَيْلَ بْنَ ثُرَّحْبِيلٍ يَقُولُ: سُئِلَ أَبُو مُوسَى عَنْ
أْنَةٍ وَابْنَةِ أَبْنٍ، وَأْختٍ، فَقَالَ: لِلِفْتِ النَّصَُّ، وَلِلأُخْتِ
النَّصْفُ، وَأْتِ أَبْنٍ مَنْعُودٍ فَسَيْتَابِعْنِى، فَسْلَ أَبْنُ مَنْعُودٍ،
وَأَخْرَّ بِقَوْلِ أبِي مُوسَى، فَقَالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذاً وَمَا أَنَا مِنَّ
الْتَدِيْنَ، أَقْضِ فِيهَا بِمَا قَضَى آلْبِيُّ ◌ِِّ: لِلِنْتِ النَّصْفُ،
وَلاَبَةِ الابْنِ النُّدُسُ تَكْمِلَةَ آلْثُّلْتَيْنِ ، وَمَا بَقِيَ فَلِأُخْتِ ،
فَأَتَيْتَ أُبَّا مُوسَى، فَأَخْبَنَهُ بِقَوْلِ أَبْنٍ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ:
لاَ تَسْأَلُونِ مَا دَامَ هَذَا الْرُ فِيْكُمْ .
هذا حديثٌ صحيحٌ (١).
رواه عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وقد صرح في روايته
بالتحديث عند الترمذي ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن ، وفي الباب
عن عمرو بن خارجة عند الترمذي (٢١٢٢) والنسائي ٢٤٧/٦، وأبن
ماجة (٢٧١٢) وعن أنس وأبي أمامة عند ابن ماجة (٢٧١٤) و (٣٧١٣)
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند الدار قطني ٤٤٦/٢، وعن
جابر عند الدار قطني أيضاً ٤٦٦/٢، وعن علي عند ابن أبي شيبة .
(١) هو في صحيح البخاري ١٣/١٢، ١٤ قال ابن بطال: فيه أن
العالم يجتهد إذا ظن أن لا نص في المسألة ، ولا يتولى الجواب إلى أن يبحث
عن ذلك ، وفيه أن الحجة عند التنازع سنة النبي صلى الله عليه وسلم،

- ٣٣٤ -
قال الإمام : الابنُ إذا انفرد أخذَ كل الميراث ، والبنون يشتر كون
فيه ، والبنت الواحدة النصف ، وللبنتين فصاعداً الثلثان .
وإذا خلف بنين وبنات ، فالمالُ بينهم للذكر مثل حظ الأنثِين ،
وأولاد الابن بمنزلة أولاد الصُّلب ، عند عدم أولاد الصلب ، وإذا اجتمع
ولدُ الصُّب مع ولد الابن، فإن كان ولد الصُّب ذكراً ، فلا شيء
لولد الابن ، وإن كان ولد الصُّلب أنثى ، فإن كانت واحدة ، فلها
النصف ، ثم إن كان ولدُ الابن ذكراً ، فالباقي له، وإن كان أنثى
واحدة ، أو أكثر، فلهنّ السُّدس تكملة الثلثين، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً
فالباقي بينهم ، للذكر مثلُ حظ الأنثيين، وإن كان ولد الصُّلب أكثر من
واحدة كلُهُنّ إناث، فلهن الثلثان، ثم لاشيءَ لبنات الابن إلا أن يكون
معهن، أو أسفلَ منهن ذكرٌ ، فيُعصبهن، فكان الباقي بينهم ، للذكر مثلُ
حظ الأنثيين. وكذلك حكم ميراث الإخوة للأب والأم مع الإخوة
للأب ، فإن كان ولدُ الأب والأم ذكراً ، فلا شيء لولد الأب، وإن
كانت أنثى، نظر إن كانت واحدة ، فلها النصف ، ثم إن كان ولد
الأب ذكراً ، فالباقي له ، وإن كان أنثى واحدة فأكثر ، فلهن السُّدس
تكملة الثلثين ، وإن كانوا ذكوراً وإناثاً ، فالباقي بينهم للذكر مثل حظ
الأننيين، وإن كان ولد الأب والأم أكثر من واحدة كلهن إناث ،
فلهن الثلثان ، ثم لاشيء لولد الأب إلا أن يكون فيم ذكر ، فيكون
فيجب الرجوع اليها ؛ وفيه ما كانوا عليه من الانصاف والاعتراف بالحق
والرجوع إليه ، وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل وكثرة اطلاع ابن
مسعود على السنة ، وتثبت أبي موسى في الفتيا حيث دل على من ظن أنه
أعلم منه .

- ٣٣٥ -
الباقي لهم للذكر مثلُ حظ الأنثيين هذا قولُ عامة الصحابة والعلماء إلا
ابنَ مسعود، فإنهُ يقول: إذا مات عن بنت وبنات ابن ، وبني ان،
فللبنت النصف ، ولبنات الابن أضرّ الأمرين من المقاسمة ، أو السدس .
ولو مات عن بفتين ، وأولاد ابن بنين وبنات ، فالبنتين الثلثان ،
والباقي لبني الابن ، ولا شيء لبناته ، ولا يزيد حظ البنات على الثلثين.
وكذلك يقول: إذا مات عن أخت لأب وأم ، وإخوة وأخوات لأب
فللأخت للأب والأم النصف ، والأخوات للأب أضر الأمرين من السدس أو
المقاسمة مع الإخوة .
ولو مات عن أختين لأب وأم ، وإخوة وأخوات لأب ، فلأختين لأب
وأم الثلثانٍ ، والباقي للإخوة للأب ، ولا شيء للأخوات .
وتفرد ابنُ مَسعود بخمس مسائل في الفرائض هذه أربعة، والخامسة
قال : من لا يرث كالابن الكافر والرفيق والقاتل ، يحجب أصحاب الفرائض
حجب النقصان ، فيردُ الزوج إلى الربع ، والزوجة إلى الثمن ، والأم
إلى السُّدس، وعامة الصحابة على أنه لا يحجب ، كما لا يحبب حجب الحرمان .
قال الإمامُ: وفي حديث هزيلٌ دليل على أن الأخت للأب والأم
أو الأب مع البنت عصبة، وهو قول عامة العلماء من الصحابة والتابعين
ومن بعدهم إلا ابن عباس، فإنه قال: تسقط الأخت بالبنت، لأنّ
الله سُبحانهُ وتعالى قال: (إن امرؤٌ هَلكَ ليسَ لهُ ولدٌ وَلهُ أخت"
فَلها نِصفُ مَا ترك) [النساء: ١٧٦] فإنما تجعل للأخت النصف إذا لم
يكن للميت ولد .
قال الإمام : وقول العامة موافق لظاهر الآية من حيث إن اله سبحانه
وتعالى بيَّن فرض الأخوات في هذه الآية، ولا فرض للأخوات مع
الولد مجال .

باب
ميراث الإخوة
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى: ﴿قُلِ اللهُ يُقْتِيكُمْ في الكَلَآلَةِ
إِنْ أَمْرُؤْ مَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتُ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)
الآية [النِّساء: ١٧٦].
ن ٢٢١ -. أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، ، أبو الوليد ، فا
شعبة ، عن محمد بن المنكدر
سَمِعْتُ جَابِراً يَقُولُ: جَاءَ رَسُولُ اللهِ عَ﴾ٍ بَعُودُنِي وَأَنَا
مَرِضْ لاَ أَعْقِلُ، فَتَوْضَّأْ، وَصَبْ عَلْ مِنْ وَضُوِهِ، فَعَقَلْتُ،
فَقْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ: لِمَنِ الْخِيرَانُ إِلَّمَا يَرِ ثُنِيٍ كَلاَلَةٌ،
"قَرّكْ ابُّ الفَرَضِ.
هذا حديث" متفقٌ على صحته(١) أخرجه مسلم عن محمد بن المتى، عن
وهب بن جرير، عن شعبة
(١) البخاري ٣٦١/١ في الوضوء: باب صب النبي صلى الله عليه
وسلم وضوءه على المغمى عليه ، وفي تفسير سورة النساء : باب يوصيكم
الله في أولادكم، وفي المرضى: باب عيادة المغمى عليه، وباب عيادة المريض
واكباً وماشياً وردفاً على الحمار، وباب وضوء العائد للمريض، وفي

- ٣٣٧ -
وقال محمد بن إسماعيل: فا عبد الله بن عثمان، أنا عبد الله ، أنا شعبة
بإسناده مثل معناهُ، وقال: إنما لي أخواتٌ فنزلت آيةُ الفرائض.
قال الإمام : الحديثُ يدلّ على طهارة الماء المستعمل، وأن الكلالة
اسمٌ للورثة .
قال الإمام: الإخوةُ للأم ، للواحد منهم السُّدسُ، وللاثنين فصاعداً
الثلثُ، ذكرُم وأنتامٍ فيه سواء، لقوله ◌ُسبحانه وتعالى: { وإنْ كانَ
رجلٌّ يُورثُ كلالة" أو امرأةٌ وله أخ أو أختٌّ فلِكُلُ واحدٍ مِنهما
السدُسُ) [النساء: ١٣] الآية.
وكان سعد يقرأ هذه الآية: (وإن كانَ رجلٌ يُورثُ كلالة أو امرأة"
ولهُ أَخ، أو أختٌ لأم)(١)
وميراثُ الإخوة للأب والأم أو للأب بمنزلة ميراث الأولاد عند عدم
ولد الأب، والأمّ إلا في مسألة المشرّكة ، وهي زوج وأم وإخوة لأم
وإخوة لأب وأم ، فللزوج النصف ، وللأم السُّدس ، والإخوة للأم الثلث
ويُشاركهم الإخوة للأب والأمّ بالإخوة للأم، فيُقُسم الثلثُ بينهم على
عدد وؤوسيهم ، ذكرُهم وأنتاهم فيه سواء ، وإن كانَ مكان الإخوة للأب
والأم إخوةٌ للأب، فلا شيء لهم، وهو قول عمر وعثمان، وابن مسعود
الفرائض في فاتحته ، وباب ميراث الأخوات والإخوة ، وفي الاعتصام :
باب ماكان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي ...
وأخرجه مسلم ( ١٦١٦) في الفرائض : باب ميراث الكلالة ، وقد علق عليه
الحافظ ((في الفتح)) ١٨٣/٨ تعليقاً جيداً يجدر الاطلاع عليه.
(١) أخرجه الطبري ( ٨٧٧٢) و (٨٧٧٣) و (٨٧٧٤)، والبيهقي
٢٢٣/٦ و٢٣١، وفي سنده القاسم بن عبد الله بن ربيعة لم يوثقه غير
ابن حبان، ومع ذلك فقد صحح إسناده الحافظ في ((الفتح)) ٣/١٢
وذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ١٢٦/٢، وزاد نسبته إلى سعيد بن
منصور ، وعبد بن حميد ، والدارمي ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم .
شرح السنة ج ٨ ٢- ٢٢

- ٣٣٨ -
وزيد ، وبه قال شريح، وسعيد بن المسيب ، والزهري ، والنخعي ،
وإليه ذهب مالك والشافعي ، قال عمر: لم يزدهم الأبُ إلا قرباً وذهب
جماعة إلى أنه لا شيء للإخوة للأب والأم، لأنهم عصبة لم يبق لهم شيء
كالإخوة للأب ، وهو قولُ علي وابن عباس وأبي موسى ، وأبيّ بن كعب
وبه قال الشعبي والثوري ، وأصحاب الرأي ، ويُروى عن ابن مسعود وزيدٍ
هذا، والأشهر منها التشريكُ ، واتفقوا على أن ولد الأب والأم، أو ولد
الأب إذا كانوا إناثاً يُعطى إليهن فرضهن وتُعالُ المسألة.
قال الإمام رحمه الله: وقد روينا عن جابر أنه قال: ((إنما يَرِثُني
كلالة")) (١) واختلفوا في ((الكلالة)) فذهب أكثر الصحابة إلى أن الكلالة
من لا ولد له ولا والد ، رُوي عن الشعبي أنهُ قال: سُئل أبو بكر عن
الكلالة ، فقال : إني سأقولُ فيها برأيي ، فإن كان صواباً، فمن الله ،
وإن كان خطأ ، فمني ، ومن الشيطان : أراهُ ما خلا الوالد والولد ، فلما
استخلف عمرٌ، قال : إني لأستحيي اللهَ أن أردّ شيئاً قالهُ أبو بكر (٢).
(١) هو في الصحيح وقد تقدم قريباً .
(٢) أخرجه عبد الرزاق ( ١٩١٩١) والدارمي ٣٦٥/٢ و٣٦٦
والبيهقي في ((السنن)) ٢٢٣/٦ والطبري (٨٧٤٥) ورجاله ثقات ، لكن
الشعبي لم يسمع من أبي بكر ، فالحديث منقطع وأخرج عبد الرزاق
- فيما نقله الحافظ في ((الفتح)) ٢٠١/٨ - عن معمر، عن أبي إسحاق،
عن عمرو بن شرحبيل ، قال : ما رأيتهم إلا تواطؤُوا على ذلك . قال
الحافظ : وهذا إسناد صحيح ، وعمرو بن شرحبيل هو أبو ميسرة ، وهو
من كبار التابعين مشهور بكنيته أكثر من اسمه . قلت : الذي في
((المصنف)) المطبوع (١٩١٩٢): أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة وأبي
إسحاق ، عن عمرو بن شرحبيل ، قال : الكلالة : من ليس له ولد ولا
والد . وروى ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق سفيان ، عن سليمان
الأحول ، عن طاووس قال: سمعت ابن عباس يقول : كنت آخر الناس
عهداً بعمر ، فسمعته يقول : القول ما قلت ، قلت : وما قلت ؟ قال :

- ٣٣٩ -
وهي اسمٌ للميت والورثة جميعاً، ◌ُمّيَ بها الميت، لأنه مات عن
ذهاب طرفيه، فكلّ محمودُ نسبه، وسمِّي بها الورثةُ، لأنهم يتكللون
الميتَ من جوانبه، وليس في عمود نسبه أحد كالإكليل يحيط بالرأس من
جوانبه ، ووسط الرأس عنه خال ، فهي في حديث جابر اسم للورثة ،
وفي قوله : ( قل الله يفتيكم في الكلالة ) اسمٌ للميت، وأراد جابر بقوله :
((إنما يرثني كلالة))، أي: يرنني ورثة ليسوا بولد ولا والد، وكانت
لهُ أخوات .
واختلف القولُ فيها عن عمر، وابن عبّاس، فرُويَ عنهما مثل قول
سائر الصحابة، ورُوي عنها أن الكلالة من لا ولد لهُ، وهو آخرُ القولين
من عمر رضي الله عنهُ ورُوي عن عمر: أنهُ سأل رسول الله ◌َّ عن
الكلالة فقال: ((تكفيك آيةُ الصّيف))(١) وأراد بذلك: أنّ اللهَ سبحانه
وتعالى أنزل في الكلالة : آيتين إحداهما في الشتاء ، وهي التي في أوّل
سورة النّساء ، والأخرى في الصيف وهي التي في آخرها ، وفيها من البيان
ما ليس في آية الشتاء ، فلذلك أحالهُ عليها . ومن ذهب إلى أن الكلالة
اسمٌ لمن لا ولد لهُ، تمسّك بظاهر قوله: ) إن امْرُؤٌ مَلكَ ليسَ لهُ
وَلَدٌ ) وبيانهُ عند العامة مأخوذ من حديث جابر بن عبد الله ، وذلك
((الكلالة من لا والد له ولا ولد)) قال ابن كثير: وهكذا قال علي وابن
مسعود ، وصح من غير وجه عن ابن عباس ، وزيد بن ثابت ، وبه يقول
الشعبي والنخعي وغيرهم ، وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة ،
وهو قول الفقهاء السبعة ، والأئمة الأربعة ، وجمهور السلف والخلف ،
وقد حكى الإجماع عليه غير واحد .
(١) أخرجه أبو داوود (٢٨٨٩) وأخرجه مسلم ( ١٦١٧) في
الفرائض: باب ميراث الكلالة من حديث عمر بلفظ (( ياعمر ألا تكفيك
آية الصيف التي في آخر النساء)) وهو في المسند (٨٩) و ( ١٨٦ )
و ( ٣٤١)، وجامع البيان (١٠٨٨٤) و (١٠٨٨٥).

- ٣٤٠ -
أنّ الآية نزلت فيه، ولم يكن لهُ يوم نزولها أب" ، ولا ابن ، لأن أباه
عبد الله بن حرام قُتِلَ يومٍ أُحُد، وآيةُ الكلالة نزلت في آخر عهد
النبي عليه السلام، رُوي عن البراء بن عازب أنهُ قال: آخر آية نزلت:
(يَستَقْتُونكَ قُلِ الله يُفْتِيكُم في الكلالة) (١) فصار شأن جابر بياناً
المراد الآية ، لا لنزولها فيه .
قال أبو سليمان الخطابي: وفيه وجهٌ آخر وهو أشْبهُ بمعنى الحديث،
وذلك أن النبي مؤلف قال المسائل عن الكلالة: ((تجزيك آية الصيف))
فوقعت الإحالة منهُ على الآية في بيان معنى ((الكلالة))، فوجب أن
يكون ذلك مُستنبطأ من نفس الآية دون غيرها، ووجهُ ذلك وتحريرُ.
أنّ الوالد والولد اسمان مشتقّان من الولادة، فكلُّ من انتظمه اسم
الولادة من أعلى وأسفل يحتمل أن يُدعى ولداً، فالوالد يسمى ولداً ،
لأنه قد ولد، والمولود يسمى ولداً، لأنه قد وُلِد، كالذَّرِّيّة اسمٌ مشتق من
ذرأ الله الخلق ، والولدُ ذرية، لأنهم ◌ُذُرِئوا، أي: خلقوا والأب ذرية،
لأن الولد ذرىء منهُ يدلُّ على صحة ذلك قوله سبحانهُ وتعالى: ( وَآيَةٌ
لَهُمْ أنا ◌َملنا ذُرِّيْتُهُمْ فِي الفُلك المشْحُونِ ) [يس: ٤١] يريدُ -
والله أعلم - نوحاً ومن معهُ، فجعل الآباء ذريّة كالأولاد، لصدور الاسمين
معاً عن الذره ، فعلى هذا قد يَصِحُّ أن المرادَ بقوله عزْ وجل: ( إنٍ
امرؤٌ هلك ليس لهُ ولد ) أي: ولادة في الطرفين من أعلى وأسفل .
واله أعلم(٢).
(١) أخرجه البخاري ٢٢/١٢، ومسلم (١٦١٨)
(٢) انظر ((معالم السنن)» ١٦١/٤، ١٦٢.