النص المفهرس

صفحات 281-300

- ٢٨١ -
لم يكن له منعُ الغير عنه، وقد يكون نوعٌ من الإقطاع إرفاقً من غير
تمليك كالمقاعد في الأسواق يرتفق به الرجل ، فيكون أولى به ، وبما
حواليه قدر ما يضعُ متاعهُ للبيع، ويقفُ فيه المشتري، ويجوز للسلطان
إقطاعُه من غير أن يكون فيه ملك .
وروي عن عبد الله بن مُعْفّل عن رسول الله مَ لَّم قال: ((مَن اخْتَفر"
بئراً، فليسَ لأحدٍ أن يَحفِرَ حَوْلهُ أربعين ذراعاً عَطناً لماشيته)) (١).
قال الإمام : وكذلك المنازلُ في الأسفار والرباط الموقوف على المارة
إذا نزل رُجُلٌ في موضع ، أو وضع فيه متاعَهُ ، كان أولى به من غيره
فإن فارقهُ فِراقَ ترك ، لم يمنع غيره من نزوله .
رُوَي عن عائشة أنْ النبيِِّ قال: ((منى مُناعُ مَنْ سَسبق"،(٢).
وعن أسمر بن مُضرِّس قال: أتيتُ النبي مَّ فبايعتهُ ، فقال :
((من ◌َبِقَ إلى ما لم يَسبقهُ إليهِ مسلم، فهو لهُ (٣).
(١) أخرجه الدارمي ٢٧٣/٢، وابن ماجة (٢٤٨٦) في الرهون : باب
حريم البئر من حديث اسماعيل بن مسلم عن الحسن ، عن عبد الله بن
مغفل وإسماعيل ضعيف لكن قال الحافظ في ((التلخيص)) ٦٣/٣: وقد
أخرجه الطبراني من طريق أشعث عن الحسن ، وفي الباب عن أبي هريرة
عند أحمد ٢٩٤/٢ وفي سنده مجهول .
(٢) أخرجه أحمد ١٨٧/٦ و٢٠٦ و٢٠٧، وأبو داوود (٢٠١٩)
والدرامي ٧٣/١، والترمذي (٨٨١) وابن ماجة (٣٠٠٧) وحسنه الترمذي
وصححه الحاكم ٤٦٧/١ ووافقه الذهبي مع أن في سنده مسيكة الراوية،
عن عائشة لا يعرف حالها ولا يعرف روى عنها غير ابنها يوسف بن ماهك.
(٣) أخرجه أبو داوود (٣٠٧١) وفيه ثلاث مجهولات .

- ٢٨٢ -
وزوي عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن أسماء بنت أبي بكر
أن رسول الله مَا أقطع الزبير نخلاً (١)
قال الخطابي : النخل مال ظاهر العين ، حاضرٌ النفع، كالمعادن الظاهرة
فيشبه أن يكون إنما أعطاهُ ذلك من الخمس الذي هو تهمه، والله أعلم.
ورُوي أن النبي ◌َولم أقطع المهاجرين الدور بالمدينة .
ورُوي أن رسول الله مَ اتَّ أمر أن يورث دور المهاجرين النساء ،
فمات عبد الله بن مسعود ، فورثته امرأته داراً بالمدينة .
وتأوَّلوا هذا الإقطاعَ على وجهين ، أحدهما : أنه أقطعهم العرصة ليبنوا
فيها ، فعلى هذا الوجه صارت الدُّورُ ملكاً لهم بالبناء ، وتوريثه الدور
نساء المهاجرين خصوصاً يشبه أن يكون إنما خصّهُن بالدور من بين سائر
الورثة ، لأنهن غرائب بالمدينة لا عشيرة لهنّ ، فجعل نصيهن من الميراث
في الدُّور لما رأى في ذلك من المصلحة .
والتأويل الثاني : أن إقطاع المهاجرين الدور كان على سبيل العارية
وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي ، فعلى هذا الوجه لا يجري فيها الإرثُ
لأن الإرثَ إبما يجري فيما يكون مملوكاً للموروث منهُ، غير أنها تُركت
(١) أخرجه أبو داوود (٣٠٦٩) وعلقه البخاري في ((صحيحه)) ١٨١/٦
مرسلا من حديث هشام ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أقطع
الزبير أرضاً من أموال بني النضير.)).
قال الحافظ : ففي هذه الرواية تعيين الأرض المذكورة وأنها كانت مما
أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير فأقطع الزبير منها ، وبذلك
يرتفع استشكال الخطابي حيث قال : لا أدري كيف أقطع النبي صلى الله
عليه وسلم أرض المدينة وأهلها قد أسلموا راغبين في الدين إلا أن يكون
المراد ما وقع من الأنصار أنهم جعلوا النبي صلى الله عليه وسلم مالا يبلغه
المأمن من أرضهم ، فأقطع النبي من شاء منه .
١

- ٢٨٣ -
في أيدي أزواجهم بعدهم على سبيل الإرفاق بالسكنى"، كما كانت دور النبي
عَلِّ وحجرُهُ في أيدي نسائه بعدهُ لا على سبيل الميراث، فإنه عَ لَّ قال
((نحنُ لا نُورث ما تركنا صدقةٌ)).
ويُحكى عن سفيان بن عيينة أنه قال: كان نساءُ النبي ◌َّ في معنى
المعتدات ، لأنهُن لا يُنكحن ، وللمعتدَّة السكنى ، فجعل لهن سكنى
البيوت ماعِشن، ولا يملكن رقابها . قد ذكر هذه الجملة أبو سُليمان
الخطابي في كتابه .
وُرُوي عن نافع، عن ابن عمر أن النبي موقع أقطع الزبير ◌ُحضر(١)
فرسه ، فأجرى فرسه حتى قام، ثم رمى بسوطه ، فقال: ((أعطوهُ
مِنْ حيثُ بلغَ السوط ٢١٠) )).
باب
ترتيب سفي الأراضي بين الشركاء
١
٢١٩٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، أنا أبو اليمان ، أنا
شعيب ، عن الزهري ، أخبرني عروة بن الزبير
أَنَّ الزُّبَيْرَ كَانَ يُحِدْث أَنْهُ خَاصَمَ رُجُلاً مِنَ الأَنْصَار قَدْ
شَهِدَ بَدْراً إِلَى رَسُولِ اللهِّهِ فِي شِرَاجٍ مِنَ الْحَرَّةِ كَانًا
(١) الحضر بضم الحاء: العدو والجري، وقوله ((حتى قام)) أي
وقف وانقطع عن الجري .
(٢) أخرجه أحمد ١٥٦/٢، وأبو داوود (٣٠٧٢) وإسناده ضعيف .
١

- ٢٨٤ -
يَسْقِيَانِ بِهِ كِلاَّهُمَا، فَقَالَ رُّسُولُ اللهِِّ لْزَّبَيْرِ: ((إسْق
يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَى جَارِكَ، فَغَضبَ الأنْصَارِيُ، فَقَالَ :
يارَ سُولَ اللهِ: أَنْ كَانَ أَبْنَ عَمَّتِكَ! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ
مَّةٍ ثُمْ فَالَ: « إِسْقِ ثُمْ احْبِسْ حَى يَبْلُغَ اَجَدْرَ، فَاسْتَوْعى
رَسُولُ اللهَِّ حِيْنَئِذٍ حقَّهُ لِلْوُّبَيْرِ وَكَانَ رَسُولُ الهِ
عَلَّهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَشَارَ عَلَى الْرُبَيْرِ بِرَأيٍ سَعَةً لَهُ وَلِلأَنْصَارِيُّ،
فَلَمَّا أَخْفَظَ الْأَنْصَارِيُّ رَسُولَ اللهِّهِ، أَسْتَوْعَى لِلْزُّبِيْرِ
حَقَّهُ فِي صَرِيحِ الْحُكْمِ . قَالَ مُرْوَةُ: قَالَ الْؤُّبَيْرُ: وَاللهِ
مَا أَحْسِبُ هَذِهِ الْآيَةَ تَزَلَتْ إلاَّ فِي ذَلِكَ (فَلاَ وَرَّبِّكَ لاَ يُؤمِنُونَ
حَتَّى يُحْكِّمُوكَ فَِا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) الآية [النساء: ٦٥].
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه مسلم عن قتيبة بن سعيد ومحمد
ابن رمح ، عن الليث ، عن ابن شهاب .
وقال ابن جريج: قال لي ابن شهاب : فقدَّرتِ الأنصارُ والناسُ
قول النبي ◌َِّ: ((اسْقٍ ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر)، وكان ذلك
إلى الكعبين .
(١) البخاري ٢٢٧/٥ في الصلح : باب إذا أشار الإمام بالصلح فأبى
حكم عليه بالحكم البين ، وفي الشرب : باب سكر الأنهار وباب شرب الأعلى
قبل الأسفل ، وباب شرب الأعلى الى الكعبين ، وفي تفسير سورة النساء :
باب ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) ومسلم (٢٣٥٧)
في الفضائل : باب وجوب اتباعه صلى الله عليه وسلم .

- ٢٨٥ -
الشِّراج: مسايل الماء من الحرار إلى السَّل ، واحدها شريج ،
وشرْج ، والحرة: حجارة سود بين جبلين، وجمعها حرُّون وحرّات
وحوار. وقوله: ((أن كان ابن عمتك)) معناهُ: لأن كان، أو لأجل
أن كان ابن عمتك، كقوله سبحانه وتعالى: (أَنْ كان ذا مالٍ وبنين)
أي : لأن كان ذا مال .
وقولُهُ: ((حتى يبلغ الجدر)) والجدرُ : الجدار ، يريد جذم الجدار
الذي هو الحائل بين المشارب ، وبعضهم يرويه بالذال المعجمة يريد مبلغ
تمام الشرب من جذر الحساب ، والأوّل أصح .
وقوله: ((فاستوعى للزبير حقّه)) أي: استوفاه ، مأخوذ من
الوعاء الذي يجمع فيه الأشياء، كأنهُ جمعه في وعائه .
قولهُ: ((أحفظ))، أي أغضب ، وفي بعض الحديث : بدرت مني كلمة
أحفظتهُ، أي: أغضبته، وقوُ عليه السلام أولاً ((إسقٍ يا زبيرُ ثمْ
أرسيل إلى جارك، ثم لما أحفظه، قال: ((احبس حتى يبلع الجدر)) كان
الأول منه أمراً منه للزبير بالمعروف ، وأخذاً بالمسامحة ، وحسن الجوار
بترك بعض حقه ، دون أن يكون حكماً منهُ عليه ، فلمّا رأى الأنصاري
يجهل موضع حقّه، أمر الزّبير باستيفاء تمام حقه.
وفيه دليلٌ على أنه يجوز للإمام أن يعفو" عن التعزير حيث لم
يعزر الأنصاري الذي تكلم بما أغضب النبي ، وقيل : كان قولُهُ الآخر
عقوبة" الأنصاري في ماله، وكانت العقوبات إذ ذاك يقعُ بعضُها في
الأموال، كما قال عليه السلام في مانع الزكاة: ((إنا آخذوها وشطرَ ماله

- ٢٨٦ -
عزْمة" من ◌َزمات ربنا)) (١) وكما كان من شق الزَّقاق، وكسر الدَّنان
عند ابتدء تحريم الخمر ، والأول أصح .
وفي الحديث أنه عليه السلام حكمً على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه
الحاكم أن يحكمّ وهو غضبان ، وذلك لأنه كان معصوماً من أن يقولَ في
السخط والرّضى إلا حقاً .
وفقة هذا الحديث أن مياه الأودية والسيول التى لا تملك منابعها ومجاريها
على الإباحة، والنّاسُ في الارتفاق بها "شْرَعٌّ سواء، وأنّ من سبق إلى
شيء منها كان أحتى به من غيره ، وأن أهلّ الشرب الأعلى مقدمون على
من هو أسفل منهم لسبقهم إليه ، وأن حق الأعلى أن يسقيَ زرعه حتى
يبلغ الماء الكعبين ، ثم ليس لهُ حبسه عمن هو أسفلُ منه بعد ما أخذ
منهُ حاجتهُ، فأمّا إذا كان منبعُ الماء ملكاً لواحد بأن حفر بئراً في
ملكه ، أو في مواتٍ للملك ، فهو أولى بذلك الماء من غيره .
واختلفوا في أنه هل يملك الماء في منبعه في أن يجرزه في بركة أو
إناء، فأصحُّ أقوال أصحاب الشافعي أنهُ غيرُ مملوك لهُ ما لم ◌ُجرزه،
واتفقوا على أن لهُ منعَ ما فضل عن حاجته عن زرع الغير ، ولا يجوز
أن يمنع الفضل عن ماسّة الغير، لقول النبي ◌ُ ◌ّ: ((لا تمنعُوا فضل
الماء لتمنعُوا بهِ الكلأ)) (٢) ولو كان منبعُ الماء ملكاً لجماعة وهم شركاء
فيه ، فإن الأعلى والأسفل فيه سواء ، فإن اصطلحوا على أن يكون الماء
مُناوبة بينهم ، فهم على ما اتفقوا عليه ، وإن اختلفوا يُقرع بينهم ، فمن
خرجت له القرعةُ كان مبدوءاً به .
(١) أخرجه أحمده/٢و٤، وأبو داوود (١٥٧٥) في الزكاة : باب زكاة
السائمة ، والنسائي ١٥/٥، ١٧ في الزكاة : باب عقوبة مانع الزكاة ، والدارمي
٣٩٦/١ من حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه، عن جده وإسناده حسن.
ودعوى كون العقوبة كانت بالأموال في أول الاسلام ؛ ردها النووي، وقال :
ليس ذلك بثابت ولا معروف .
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة .

كتاب
العَطَايَا وَالْهَدَايا
: باب
الوقف
٢٥١٩٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، ناقتيبة بن سعيد
نا محمد بن عبد الله الأنصاري ، نا ابن عون ، أنبأني نافع
عَنِ أَبْنِ مُمر أَنَّ مُمَرَ بِنَ الْخَطَّابِ أَصَابَ أَرْضَاً مِخَيْرَ، فَأْتِى
النّبِيِّ نَ ◌ّهِ يَسْتَأْمِرُهُ فِيْهَا، فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ: إِنِّي أُصَبْتُ
أَرْضَأَ بِخَيْرَ لَمْ أُصِبْ مَالاَ قَطْ أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَا تَأْمُرُني
بِهِ؟ قَالَ: ((إنْ ثِقْتَ حَبَسْتَ أَصْلها، وَتَصَدَّقْتَ بها،
قَالَ: فَتَصَدِّقَ بِهَا عَمَرُ أَنْهُ لا يُّبَاعُ، وَلَا يُوَهَبُ، وَلاَ يُورَثُ
وَتَصَدَّقَ بِهَا في الفُقَرَاءِ ، وَفِي القُرْبِى، وَفِي الرَّقَابِ ، وَفي
سَبِيلِ اللهِ، وَابْنِ السَِّيلِ، وَالضَّيْف، لأَ جْنَاحَ عَلَى مَنْ
وَلِيُّهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالَعْرُوفِ، وَيُطْعِمَ غْرَ مُتَمَوْلٍ . قَالَ
فَحَدِّثْتُ بِهِ أَبْنَّ سِيْرِيْنَ، فَقَالَ: غَيْرَ مُتَأَثْلٍ مَالاً

- ٢٨٨ -
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته(١) أخرجه مسلم عن محمد بن مثنى، عن
ابن أبي عدي ، عن ابن عون .
قوله: ((غير متأثل مالا)) أي: جامع، وكل شيء لهُ أصل قديم ،
أو جمع حتى يصير له أصل، فهو موثْل، ومجد موثّل، وأثلة الشيء :
أصله .
والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي مع لحم ومن بعدهم
من المتقدمين لم يختلفوا في إجازة وقف الأرضين وغيرها من المنقولات.،
وللمهاجرين والأنصار أوقاف بالمدينة وغيرها لم يُنقل عن أحد منهم أنه حة
أنكره ، ولا عن واقف أنه رجع عما فعله لحاجة وغيرها .
وقال مغيرة عن إبراهيم: لاحييسَ إلا حبيسٌ في سبيل الله من سلاح
أو كُراع .
وفيه دليلٌّ على أنّ من وقف شيئاً، ولم ينصِبْ له قيماً معيناً يجوز
لأنه قال: لا جُنَاحَ على من وليها أن يأكل منها، ولم يعين له قيماً.
وفيه دليلٌ على أنهُ يجوزُ للواقف أن ينتفع بوقفه، لأنه أباح الأكل
لمن وليه، وقد يليه الواقف. وقال النّبِي مَ ◌ّ الذي ساق البدنة
((اركبها)) (٢) وقال رسول اللهمُ اللَ: ((مَنْ يَشتري بئر رُومة فيكونُ
(١) البخاري ٢٦٣/٥ في الشروط: باب الشروط في الوقف ، وفي
الوصايا : باب قول الله تعالى ( وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ) وباب
الوقف للغني والفقير والضعيف ، وباب نفقة القيم للوقف ، وأخرجه مسلم
(١٦٣٢) في الوصية : باب الوقف .
(٢) هو في الصحيح ٢٨٧/٥ .

i
- ٢٨٩ -
دلوهُ فيها كدلاء المُسلمين!))(١) فاسْتراها عثمانُ رضي الله عنه. ووقف
أنس داراً فكان إذا قدمها نزلها (٢).
ولو وقف شيئاً ، وشرط أن يأكل منه الواقفُ ، أو ينتفعَ به اختلفوا
فيه ، فقال بعضُهم: يجوز، لأن عثمان تصدق ببئر رومة على أن يكون
دلوُهُ فيه كدلاء المسلمين ، وقال بعضهم: إن كان وقفاً خاصاً على أقوام
بأعيانهم ، لا يجوز أن يشترِّطَ الواقفُ نفسه معهم، وإن كان وقفاً عاماً،
جاز، كما لو بنى مسجداً، أو قنطرة لا يختص بالانتفاع به قومٌ دون قوم
فيجوز أن يكون هو كواحد منهم ، لأنه لما جاز بلا شرط ، فإذا شرط
ذك ، فلا يرد .
ويجوزُ وقفُ المشاع، جعل ابن عمر نصيبه من دار عمر سكنى لذوي
الحاجة من آل عبد الله (٣).
وشرطُ الواقف مراعى في الوقف من إدخال قومٍ بصفة ، وإخراجهم
عند زوال ذلك الوصف ، رُوي أن الزبير جعل دوره صدقة ، وقال :
للمردودة من بناته أن تسكن غير مضرّة ولا مُضرّ بها، فإن استغنت
يزوج ، فلا شيء لها . (٤) أراد بالمردودة: المطلقة.
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٠٤، في المناقب: باب أثبت حراء فليس
عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد، والنسائي ٢٣٥/٦ في الأحباس : باب
وقف المساجد ، وفي سنده يحيى بن أبي الحجاج وهو لين وسعيد بن إياس
الجريري وقد اختلط ، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي .
(٢) علقه البخاري ٣٠٥/٥ قال الحافظ : ووصله البيهقي ١٦١/٦
من طريق الانصاري حدثني أبي ، عن ثمامة ، عن أنس أنه وقف دارا له
بالمدينة ، فكان إذا حج مر بالمدينة فنزل داره .
(٣) علقه البخاري ٣٠٥/٥ قال الحافظ : وصله ابن سعد بمعناه ،
وفيه انه تصدق بداره محبوسة لا تباع ولا توهب .
(٤) علقه البخاري ٣٠٥/٥، ووصله الدارمي في ((سننه)) ٤٢٧/٣
شرح السنة ج ٨ - م - ١٩

- ٢٩٠ -
قال أبو عبيد: وفي حديث الزبير من الفقه أن الوجل يجعل الدّار
والأرض وقفاً على قوم ، ويشترط أنه يزيد فيهم من مناء، وينقُصُ من
شاء ، فيجوز لهُ ذلك، وهذا في الوقف خاصة دون الصدقة النافذة الماضية
لأن حكمها يختلف، ألا ترى أن الوقف قد يجوزُ أن لااخرجه صاحبه
من يده ، وأنّ الصدقة لا تكونُ ماضية حتى تخرج من يد صاحبها .
وقال الزهري فيمن جعل ألف دينار في سبيل الله، ودفعها إلى غلام
له بأجر يتجر بها ، وجعل ربحها صدقة للمساكين أو لم يجعل : ليس له
أن يأكل منها ١).
قال أهل اللغة: إذا قال في الوصية : هذا العقب فلان، فهو لأولاده
الذكور والإناث، وللذ كور والإناث من أولاد ابنه، وليس لأولاد
يناته شيء. وثم قال: لولد فلان، فهو للذ كور والإناث من ولهاشقه
ليس لأولاد بناته شيء، لأنهم لا يُنسبون إليه. ولو قال: الذرية فلان
فهو لأولاده وأولاد بنيه وبغلته من الذكور والإناث ، لأن الله سبحانه
وتعالى قال: (وَمِنْ ذُرِّيْتِهِ هِلوود وُليمان) [الأنعام: ٨٤] وأدخل
فيه عيسى ، وكان من أولاد البنت .
ولو قال : للأرامل من ولد فلان ، فهو النساء اللاتي مات أزواجهن ،
ولاحظ" فيه للرجال ، والرجل تموت امرأتُه يقال له: أيم ، ولا يقال
لهُ: أرمل، ولو قال: العزاب من أولاد، فلا، يعطى الرجال الذين
لا نسوان لهم، والنساء اللواتي لا أزواج لمن
من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه أن الزبير جغل دوره صدقة على بنيه
لا تباع ولا توهب ولا تورث وأن للمردودة من بناته ... وإسناده جيد .
(١) ذكره البخاري ٣٠٤/٥ بنحوه معلقاً، وقال الحافظ: وصله
ابن وهب في موطئه عن يونس عن الزهري .

العَمَرَى وَالرُقَى
٢١٩٦ - أخبرنا أبو الحمن الشّيروي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبها
إسحاق الهاشمي ، نا أبو مُصعب ، عن مالك، عن ابن شهاب ، عن
أبي سلمة بن عبد الرحمن
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ وَطِّ قَالَ:
(أَّا رُجُلٍ أَعْمِرَ مُمْرَى لَهُ وَلِعَقَبِهِ، فَإِنْهَا لِلْذِي أُعْطِهَا، لاَ تَرْجِعُ
إِلَى أَقِ أَعْطَهَا، لأنّهُ أَعْطَى عَهَاءَ وَفَعَتْ فِيْهِ الْوَارِبِهُ،
هذا حديثٌ صحيح(١) أخرجه مسلم، مق يحيى يحيى، عن مالك
واتفقا على إخراجه من طرق أخر عن أبي سلمة، عن جابر قال: قضى
النّبيُّ ◌َُِّ بالحُمرى أنها لمن وُصِبَتْ لهُ(٢).
٢١٩٧ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنما - أحمد ج عبد الله
النَّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، BB خفض، فى عمر
نا همام ، نا قتادة ، حدثني النضر بن أنس، عن بشير بن كيك
(١) (الموطأ)) ٧٥٦/٢ في الأقضية: باب القضاء في العمرى، ومسلم
(١٦٢٥) في الهبات : باب العمرَى .
(٢) البخاري ١٧٥/٥، ١٧٦ في الهبة : باب ما قيل في العمرى
والرقبى، ومسلم (١٦٢٥) (٢٤).

- ٢٩٢ -
عَنْ أَبِي ◌ُرَيْرَةَ، عنِ النّبِيِّ بِ قَالَ: «الْعُمْرَى
جَائِزَةٌ )، (١) .
٢١٩٨ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، نا أبو العبّاس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد الله
الصّالحي، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن
الخيري ، نا أبو العبّاس الأصم، أنا الرّبيع، أنا الشافعي، أنا ابن
عينة ، عن ابن جريج ، عن عطاء
عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِنَ ◌ّمِ قَالَ: ((لا تُغْيِرُوا وَلاَ
تُرْقِبُوا، فَنْ أَعْمِرَ شَيْئاً، أَوْ أَرْقِبَهُ، فَهُوَ سَيِلُ الميراثِ،(٣).
هذا حديثٌ صحيحٌ.
٢١٩٩ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد
الرحمن بن أبي تريح ، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز
البغوي ، نا علي بن الجعد ، أنا زهير بن معاوية ، عن أبي الزبير
عَنْ جَابرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ" أَمْسِكُوا
عَلَيْكُمْ أَمْوَ اَلَكُمْ لاَ تُفْيِدُوهَا، فَإنَّ مَنْ أَعْرَ عْرَى، فَبِيَ
الّذِي أُغْيِرَهَا حَيَاتَه وَلِعَقِهِ».
(١) البخاري ١٧٦/٥، ومسلم (١٦٢٦)في الهبات: باب العمرى .
(٢) الشافعي ٢١٨/٢، وأخرجه أبو داوود (٣٥٥٦) في البيوع : باب
من قال فيه ولعقبه، والنسائي ٢٧٣/٦ في العمرى .

- ٢٩٣ -
هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجهُ مُسلم(١)، عن يحيى بن يحيي، عن أبي
خيثمة زهير .
قال الإمام : العُمرى جائزة بالاتفاق ، وهي أن يقول الرجل لآخر :
أهموتُك هذه الدار ، أو جعلتُها لك عمرك، فقبل ، فهي كالهبة إذا اتصل
بها القبضُ، ملكها المعمّر، ونفذ تصرُّفه فيها، وإذا مات تورث منه
سواء قال : هي لعقبك من بعدك أو لورثتِك ، أو لم يقل ، وهو قول
زيد بن ثابت ، وابن عمر ، وبه قال عروةُ بن الزُبير، وسليمان بن يسار
ومجاهد ، وإليه ذهب الثوري، والشافعي، وأحمد ، وإسحاق ، وأصحابُ
الرأي . قال حبيب بن أبي ثابت : كنا عند عبد الله بن عمر ، فجاءه
أعرابيٌ ، فقال: إني أعطيتُ بعضَ بنِيَّ ناقة" حياته وإنها تناتجت ، فقال
هي لهُ حياتّه وموته ، قال : فإني تصدقتُ بها عليه ، قال: فذلك أبعدُ
لك منها .
وذهب جماعة إلى أنه إذا لم يقلْ: هي لعقبك من بعدك ، فإذا مات
يَعودُ إلى الأول، لأن النبي يَمُ قال: ((أيما رَجُل أعمر عمرى له
ولعقبه)) وهذا قول جابر، ورُوي عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي
سلمة، عن جابر قال: ((إنّما العُمرى التي أجاز رسولُ الله عِ اللهِ أن
يقول: هي لك ولعقبك، فأمّا إذا قال: هي لك ما عشتُ ، فإنها
ترجع إلى صاحبها (٢). قال معمر : وكان الزهري يُفتي به، وهذا قول
مالك ، ويُحكى عنه أنه قال: العمرى تمليكُ المنفعة دون الرقبة ، فهي
لهُ مدة عمره، ولا يُورث، وإن تجعلها له ولعقبه، كانت المنفعة
ميراثاً عنهُ.
(١) (١٦٢٥) (٢٦)، وأخرجه النسائي ٢٧٤/٦ وصرح أبو الزبير في
روايته بسماعه من جابر فانتفت شبهة تدليسه .
(٢) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٦٢٥) (٢٣)، وأبو داوود (٣٥٥٥)

- ٢٩٤ -
وأما الرقبى : هي أن يجعلها الرجُّل على أن أيّهما مات أولاً، كان
للآخر منها، فكلُّ واحد منها يرقُبُ موتَ صاحبه، فاختلف أهل العلم
في جوازها، فذهب جماعة من أصحاب النبي مَ افع إلى أنها جائزة كالعمرى
وإذا مات المدفرعُ إليه يُورِهه عنه، وشرط الرجوع باطل، وهو قول
الشافعي وأحمد ، وإسحاق، وذهب قومٌ إلى أن الرقبى غير جائزة ، وقيل
إنها عارية لا تورث ، وهو قول أصحاب الرأي ، والأول موافق لظاهر
الحديث .
وفيه دليل على أن من وهب شيئاً ، وشرط فيه شرطاً فاسداً مثل أن
شرط أن لا يبيعه ، أو لا يهب ، أو إن كانت جارية أن لا يطأها ،
وبما أنشبه ذلك أنن البة صحيحة، والشرط باطل .
ولو قال : جعلْتُها لك حياتي ، فلا يُورث من المدفوع إليه ، وهي
عارية ، وقيل : باطلة .
وفي حديث العُمرى دليل على أنْ ألفاظ العقود على عادات الناس .
ولو قال : أخدمتُك هذه الجارية ، قيل : هو هبة ، وقال بعضهم :
عارية ، وإن قال: كسوتُك هذا الثوب ، فهبة ، ولو قال: حملتك على
هذا الفرس ، فجعلهُ بعضُهم كالعمرى ، وبعضهُم عارية يُرجع بها .
باب
الرجوع في الهينة
٢٢٠٠ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرحمن
ابن أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ،
نا علي بن الجعد ، أنا شعبة ، عن قتادة

- ٢٩٥ -
سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ يُحِدْتُ عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ
النَّبِيُّ بِِّ قَالَ « الْعَائِدُ فِي عِبَتِهِ كَالْعَائِدٍ فِي قَيْئِهِ » .
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته(١) أخرجه محمد عن مسلم بن إبراهيم ،
وأخرجه مُسلم عن محمد بن مثنى، عن محمد بن جعفر ، كلاهما عن شعبة .
٢٢٠١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد
الله النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا أبو نعيم ،
نا سفيان، عن أيوب السختياني ، عن عكرمة
◌َنِ أَبْنِ عَبَّاسِ قَالَ: قَالَ النّبِيُّ لِّ: ((الْعَائِدُ فِي
هَبَتِهِ كَالْكَلْبٍ يَعُودُ فِي قَيْتِهِ لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ، (٢).
هذا حديثٌ صحيحٌ .
قال الإمام : الهبة لا يحصُل بها الملكُ إلا بعد التسليم، وإذا سَلْمَ ،
فلا يحل لهُ الرجوع إلا فيما يهب لولده لتخصيص السنة .
(أ) البخاري ١٦٠/٥ في الهبة : باب هبة الرجل لامرأته، والمرأة
لزوجها ، وباب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته ، وفي الحيل :
باب، في الهبة والشفعة، ومسلم (١٦٢٢) (٧) في الهبات : باب تحريم
الرجوع في الصدقة والهبة بعد القبض ...
(٢) البخاري ٣٠٤/١٢ في الحيل : باب في الهبة والشفعة ومعنى
قوله: ((ليسٍ لنا مثل السوء)) أي : لا ينبغي لنا معاشر المؤمنين أن
نتصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أحسن الحيوانات في أحسن أحوالها ،
قال الله سبحانه وتعالى ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء والله
المثل الأعلى ) .

باب
الرجوع في هبة الولد والتسوية بين الأولاد في النمل
٢٢٠٢ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن
حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، وعن محمد بن النعمان بن بشير يحدّفانه
عَنِ الثَّعْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ أَنّهُ قَالَ : إِنَّ أَباهُ أَتَى بِهِ رُولَ
اللهِ عٍَِّ، فَقَالَ: إِنِّيِ نَحِلْتُ أَنِي هَذَا غُلاَمَاً كَانَ لِي ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ:(( أَكْلَّ وَلَدِكَ تَحْلَتَهُ مِثْلَ مَذَا،
فَقَالَ: لاَ، فَقَالَ رُسُولُ اللهِ ﴾ٌ:" فَارْجِعْهُ».
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١). أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف
وأخرجهُ مُسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
رواهُ حصين ، عن الشعبي ، عن النُّعمان بن بشير ، وقال : فقال
رسول الله ◌ِّعَ ((فاتقوا الله واعدِلُوا بَينَ أولادٍ كُم)) قال: فرجع
فردً عطيتهُ (٢).
(١) ((الموطأ)) ٠٧٥١/٢ ٧٥٢ في الأقضية: باب ما لا يجوز من النحل.
والبخاري ١٥٥/٥ ١٥٦٠ في الهبة : باب الهبة للولد . وباب الإشهاد في
الهبة ، وفي الشهادات : باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد ، ومسلم
(١٦٢٣) في الهبات: باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة .
(٢) أخرجه البخاري ١٥٧/٥ في الهبة : باب الإشهاد في الهبة.
ومسلم (١٦٢٣) (١٣).

- ٢٩٧ -
وقال داوود بن أبي هند، عن الشعبي: قال: ((فأشْهِدْ عَلى هَذا
غيري)) ثم قال: أيسرُكَ أنْ يكونوا إليك في البر سواء ؟ قال:
بلى، قال: ((فلا إذاً)) (١).
وقال أبو حيّان عن الشعبي: قال : فلا تُشهدني إذاً، فإني لا أشهدُ
على "جور(٢). والمرادُ من الجور: هو العدولُ عن التسوية.
قال الإمام : وفي هذا الحديث فوائدُ، منها استحبابُ التسوية بين الأولاد
في النحل وفي غيرها من أنواع البر" حتى في القُبل، ذكوراً كانوا أو إناثاً
حتى لا يَعرضَ في قلب المفضولِ ما يمنعه من بره.
ومنها: أنه لو نحلَ البعضَ وفضّلُ، يصح، لقوله مَلّم: ((ارجعه))
ولو لم يصح لما احتاج إلى الرُّجوع.
واختلف أهلُ العلم في تفضيل بعض الأولاد على بعض في النّحل ،
فذهب قوم إلى أنه مكروه ، ولو فعل نقذ ، وهو قول مالك والشافعي
وأصحاب الرأي ، قال إبراهيم : كانوا يستحبُّون أن يعدلوا بين أولادهم
حتى في القبل .
وذهب قومٌ إلى أنهُ لا يجوز التفضيلُ، ويجب التسوية بين الذكور
والإناث ، ولو فضل ، لا ينقذ ، وهو قول طاووس ، وبه قال داوود ،
ولم يجوزه سُفيان الثوري .
وذهب قومٌ إلى أن التسوية بين الأولاد أن يُعطى الذكرُ مثل حظ
الأنثيين ، فإن سوى بينهما ، أو فضّل بعض الذكور على بعض ، أو
بعض الإناث على بعض، لم ينفذ ، وبه قال شريح ، وهو قول أحمد (٣)
(١) أخرجه مسلم (١٦٢٣) (١٧)
(٢) أخرجه مسلم (١٦٢٣) (١٤)
(٣) وله رواية تنص على أنه يجوز التفاضل إن كان له سبب كأن
يحتاج الولد لزمانته ودَيْنِه أو نحو ذلك دون الباقين .

- ٢٩٨ -
وإسحاق، واحتجوا بقوله مؤلفمٍ: ((إني لا أشهلات على تصور،))، والجور
مردود. ومن أجازه قال: إنه مَيلٌّ عن بعضهم إلى بعض، وحدولٌ عن
الطريق الأحسن، والفعل الأفضل بدليل أنه قال: ((فارجعه)). لو لم
يكن نافذاً لما احتاج إلى الرجوع (١)، ويدل عليه ماروجينا أنه قال:
(( فأشهد على هذا غيري))(٢) ولو كانت باطلة" لما جاز إنشهادُ الخير عليها.
وقد فضل أبو بكر عائشة" بجداد عشرين وسقاً نحلها إماها دون سائر أولاده (٣)
(١) قال الحافظ: وفي الاحتجاج بذلك نظر، والذي يظهر أن معنى
قوله: ((ارجعه)) أي : لا تمض الهبة المذكورة ، ولا يلزم من ذلك تقدم
صحة الهبة .
(٢) قال ابن القيم في ((تهذيب السنر)) ١٩١/٥، ١٩٣ بعد أن
استوعب ألفاظ الحديث من مظلفها: وقوله: ((لا أشهد على جور)) والأمر
برده، وفي لفظ ((سو بينهم)) وفي لفظ ((هذا جور، أشهد على هذا
غيري)) وهذا صريح في أن قوله: ((أشهد على هذا غيري)) ليس اذنا ،
بل هو تهديد لتسميته إياه جورا ، وهذه كلها ألفاظ صريحة في التحريم
والبطلان من عشرة أوجه تؤخذ من الحديث. ومنها قوله: ((أشهد على
هذا غيري)) فإن هذا ليس باذن قطعاً ، فان رسول الله صلى الله عليه
وسلم لا يأذن في الجور وفيما لا يصلح وفي الباطل، فائه قال: ((إني لا
أشهد إلا على حق)) فدل على أن الذي فعله أبو النعمان لم يكن حقاً ، فهو
باطل قطعاً فقوله إذن: (( أشهد على هذا غيري)) حجة على التحريم ،
كقوله تعالى (أعملوا ما شئتم) وقوله صلى الله عليه وسلم ((إذا لم تستح
فاصنع ما شئت)) أي: الشهادة على هذا ليست من شأني ، ولا تنبغي
لي ، وإنما هي من شأن من يشهد على الجور والباطل وما لا يصلح، وهذا
غاية في الوضوح .
(٣) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٧٥٢/٢ باسطه. صحيح. وسيذمره
المصنف بتمامه في ص ٣٠٢ .

٠
- ٢٩٩ -.
وفضل عمر بن الخطاب عاصمً بشيء أعطاهُ إياه (١)، وفضل عبدُ الرحمن
ان عوف ولد أم كلثوم (٢).
وفي الحديث دليلٌ على أنَّ الوالد إذا وهب لولده شيئاً ، وسلم إليه
جاز لهُ الرجوعُ فيه، وكذلك الأمهات والأجداد، فأما غيرُ الوالدين
فلا رجوع لهم فيما وهبوا وسلموا، لقوله ◌ِوالتّ: ((العائدُ في هبيه كالعائد
في قيئه)، وهو قول الشّافعي، غير أن الأولى ألا يرجع إلا عن غرض
ومقصود مثل أن يريد التسوية بين الأولاد، أو إبداله بما هو أنفع الوالد ،
وذهب قوم إلى أنه لا رجوع لهُ فيما وهب لولده ، ولا لأحد من ذوي
محارمه ، وله أن يرجع فيما وهب للأجانب ما لم يشب عليه، يُروى ذلك
عن عمر، وهو قول النوري ، وأصحاب الرأي ، وجوّز مالك الرجوع
في الهبة على الإطلاق إذا لم يكن الموهوبُ قد تغيّر عن حاله، وقالوا
جميعاً: لا يرجع أحد الزّوجين فيما وهب لصاحبه .
قال الزهري فيمن قال لامرأته : هي لي بعضَ مَدافك أو كلْهُ ، ثم
لم يمكُثْ إلا بيراً حتى طلقها فرجعت فيه؟ قال: يُرِدُ إليها إن كان
خلبها ، وإن كانت أعطته عن طيب نفسٍ لا خديعة فيه جاز ، قال الله
◌ُسبحانه وتعالى: (فإنْ طِينَ لكُم عن شيءٍ منه نفساً فكُلوه).
[النساء : ٤ ] .
(١) نقله البيهقي ١٧٨/٦ عن الشافعي بدون سند .
(٢) أخرجه الطحاوي في ((معاني الآثار)) ٢٤٥/٢ ورجاله ثقات إلا
أن فيه انقطاعا بين صالح بن ابراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، وبين
عبد الرحمن .

- ٣٠٠ -
واحتجّ من جَوّز للأب الرجوع على الخصوص بما
٢٢٠٣ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال، قالا : أنا أبو بكر الخيري، أنا أبو العباس الأصم
( ح) وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصّالحي، ومحمد بن أحمد العارف ،
قالا : أنا أبو بكر الخيري ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الرّبيع، أنا
الشافعي ، أنا مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن الحسن بن مُسلم
عَنْ طَاووسٍ أَنَّ النَّبِيِّ رِّمِ قَالَ: « لا يَحِلُ لِوَاهِبٍ أَنْ
يَرْجِعَ فِيْاَ وَهَبَ إِلاَّ أْوَالِدَ مِنْ وَلَدِهِ،(١).
ورواه حسين المعلم عن عمرو بن شعيب ، عن طاووس ، عن ابن عمر
وإن عباس، عن النبي مَفَرٍ (٢) وكذلك رواهُ مُدَّد عن يزيد بن زريع
عن حسين المعلم ، عن عمرو بن شعيب ، عن طاووس .
قال الإمام رحمهُ الله: من وهب شيئاً بشرط الثواب ، فهو لازم
ثم ذهب بعضُ أهل العلم إلى أنها مُعاوضة يثبتُ فيها أحكامُ المعاوضات من
الرّد بالعيب، وخيار الثلاث، وخيار المكان، وحكم الربا ، ويجب
(١) الشافعي ٢١٦/٢ مرسلا، ورواه عبد الرزاق في ((المصنف))
(١٦٥٤٣) من حديث ابن جريج ، عن الحسن بن مسلم ، عن طاووس
كذلك ، وأخرجه البيهقي ١٧٩/٦، ١٨٠ من طريق مسلم بن خالد ، عن
ابن جريج ، وقال : هذا منقطع .
(٢) أخرجه أبو داوود (٣٥٣٩)، والترمذي (٢١٣٣)، والنسائي
٢٦٥/٦، وابن ماجة (٢٣٧٧) وإسناده حسن ، وصححه الترمذي ، وابن
حبان (١١٤٨)، والحاكم ٤٦/٢، وذكره الحافظ في ((الفتح)) ١٥٥/٥ ،
وقال : رجاله ثقات، وأخرجه النسائي ٢٦٤/٦، ٢٦٥، وابن ماجة
(٢٣٧٨) من طريق عامر الأحول ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ،
عن جده .