النص المفهرس
صفحات 301-320
- ٣٠١ -
يُؤْمِنُ بِاللهِ وَآلْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَماً ، وَلاَ يَعْضِدَ بِها
شَجَراً، فَإِنِ ارْتَخَصَ أَحَدْ، فَقَالَ: أُحِلَّتْ لِرَسُولِ اللهِّه
فَإِنَّ اللّهَ أَحَلَّهَا لِي، وَمْ يُحِلَّها لِلنَّاسِ، وَإنَّا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً
مِنَ النّهارِ، ثُمْ هِيَ حَرَامٌ كَحُرْمَتِها بِالأَمْسِ، ثُمَّ أَنْتُمْ
يَا خُزَاعَةُ قَدْ قَهُمْ هَذا الْقَتِيلَ مِنْ هُذَيْلٍ، وَأَنَا وَاللهِ عَاقِلُهُ
مَنْ قَتَلَ بَعْدَهُ قَتِيلاً، فَأَهْهُ بَيْنَ خِيَرَ تَيْنِ إِنْ أَحْبُوا قَتَلُوا ،
وَإِنْ أُحَبُّوا أَخَذُوا الْعَقْلَ».
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجاه جميعاً عن قتيبة ، عن الليث ، عن
سعيد المقبري، وليس فيه ذكرُ قتيل خزاعة ، وأخرجاه من رواية أبي
هريرة، وفيها ذكرُ قتيل خزاة وفي روايته من الزيادة : فقام أبو سَاهٍ
رجلٌ من أهل اليمن، فقال: (( اكتبوا لي يا رسولَ الله ، فقال رسول
اللّه ◌ُلِفَمٍ: اكتبوا لأبي شاهٍ)) يُريد هذه الخطبة (٢).
(١) الشافعي (٧٦٩) بترتيب السندي، والبخاري ٣٥/٤، ٣٩،
في الحج : باب لا يعضد شجر الحرم ، وفي العلم : باب ليبلغ العلم الشاهد
الغائب . وفي المغازي : باب منزل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ،
ومسلم ( ١٣٥٤ ) في الحج : باب تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها
ولقطتها .
(٢) البخاري: ١٨٣/١، ١٨٤ في العلم: باب كتابة العلم، وفي اللقطة:
باب كيف تعرف لقطة أهل مكة ، وفي الديات : باب من قتل له قتيل فهو
بخير النظرين، ومسلم (١٣٥٥ ) .
- ٣٠٢ -
وفيه دليلٌ على جواز كتبةٍ أحاديث الرسول ◌ِ لَّم وتدوينها، وعلى
جواز كِتِبَةِ العلم، وعليه أكثرُ السّلف وعامةُ الخلف.
وقوله : ((لا يحلّ لمن يؤمن بالمله واليوم الآخر أن يفِك بها دماً »
ظاهِرِه لِتحريم الدّماء كلّها حقاً كان أو لم يكن
٢٠٠٥ - أخبرنا ابن عبد القاهر ، أنا عبد القاهر ، أنا عبد الغافر
ابن محمد ، أنا محمد بن عيسى ، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، نا مسلم
ابن الحجاج ، حدثني سلمة بن شبيب ، نا ابن أَعين ، نا مَعقِل ، عن
أبي الزبير
عَنْ جَابِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِِّ يَقولُ: (( لاَيَحِلُ
لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَحْيِلَ بِكَةَ الْلاَحَ، (١).
هذا حديث صحيح يؤكِّده قولهُ: ((وإنما أحيلست لي ساعة من النهار »
ولا يجوز أن يكون أبيح له في تلك الساعة أن يُريق دماً حراماً إراقته
بل إنما أبيح له إراقةُ دم. كان مُباحاً خارجَ الحرم ، وكان دخول الحرم
يجرمه ، وصار الحرم في حقه بمنزلة الحل في تلك الساعة .
واختلف أهلُ العلم فيمن ارتكب خارج الحرم ما يوجب القتل عليه ،
ثم دخل الحرم ، هل يحيل قتله فيه ؟ فذهب جماعة إلى أنه يحيل ذلك ،
ورُوي أن أبا شُريح روى هذا الحديث لعمرو بن سعيد حين كان يبعث
البُعوث إلى مكة، فقال عمرو: أنا أعلمُ بذلك منك يا أبا شريح إنّ
(١) صحيح مسلم (١٣٥٦) في الحج: باب النهي عن حمل السلاح
بمكة بلا حاجة .
- ٣٠٣ -
الحرم لا يُعيدُ عاصياً ولا فاراً بدمٍ، ولا فاراً بخّرْبةٍ. والمراد من
الخربة السرقة، والخِرابة عندهم: سرقة الإبل خاصّة، يُقال: رجلٌّ
خارِبٌ ، ويُمُون اللُّصوص ◌ُخراباً.
وفي الحديث دليل على أن من قُتِلَّ مظلوماً ، فلولي الدم الخيارُ بين أن
يقتل القاتل قصاصاً ، وبين أن يأخذ الدّية، وإذا عفا عن القصاص على
الدِّية يجب على القاتل أداء الدِّية، رُوي هذا المعنى عن ابن عبّاسٍ،
وهو قول سعيد بن المسيِّب ، والشعبي، وابن سيرين، وعطاء، وقتادة، وإليه
ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب قومٌ إلى أنهُ ليس لولي الدَّم إلا
القصاصُ، فإن عفا، فلا ديةَ له إلا برضى القاتل، وهو قولُ الحسن
والنخعي، وإليه ذهب مالك، وأصحاب الرأي .
وفي قوله: ((فأهلُه بين خيرتين)) دليل على أن القصاص والدية
تثبت لجميع الورثة من الرجال والنساء .
وفي قوله: ((إن أحبُّوا قتلوا)) دليل على أنه لا قتل لبعضهم حتى
يجتمعوا عليه ، فإن كان بعضُهم أطفالاً ليس للبالغين القصاصُ حتى يبلغ
الأطفال، كما لو كان واحدٌ منهم غائباً، لا قصاص للحاضرين حتى يقدم
الغائب ، وهو قولُ الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقال مالك وأبو حنيفة :
يجوز للبالغ الاستيفاءُ قبل بلوغ الطفل، وخالف أبا حنيفة صاحباه أبو
يوسف ، ومحمد بن الحسن .
باب
دخول مكة بلا احرام
٢٠٠٦ - أخبرنا أبو الحسن الشِّيرزي ، أنا أبو علي زاهر بن أحمد ،
أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي السَّامري، أنا أبو ◌ُصعب
عن مالك ، عن ابن شهاب
عَنْ أَفْسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رُسُولَ اللهِ عِّمُ دَخَلَ مَكَةُ
عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْغَفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ، جَاءَ رَجُلٌ، فَقالَ
يَا رَسُولَ اللهِ إِبْنُ خَطلٍ مُتَعَلّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ عَِّ: ((أَقْتُلُوهُ)).
قَالَ أَبْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الهِ عَّهِ يَوْ مَئِذٍ مُخْرِماً.
هذا حديث متفق على صحته (١) ، أخرجه محمد عن يحيى بن قزعة ،
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى وغيره ، عن مالك .
٢٠٠٧ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرّحمن بن
أبي شريح، أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا
علي بن الجعدِ ، أنا حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير
1
(١) ((الموطأ)) ٤٢٣/١ في الحج: باب جامع الحج ، والبخاري
١٣/٨ في المغازي : باب أين ركز النبي صلى الله عليه وسلم الراية يوم
الفتح ، وفي الحج : باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام ، وفي الجهاد :
باب قتل الأسير وقتل الصبر ، وفي اللباس : باب المغفر، ومسلم (١٣٥٧)
في الحج : باب جواز دخول مكة بغير إحرام وقوله : قال ابن شهاب ...
هذه رواية أبي مصعب ، أما رواية يحيى ، ففيها أنه قول مالك .
- ٣٠٥ -
عَنْ جَابٍ أَنَّ رَّسُولَ اللهِ عَّ دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةً
وَعَلَيْهِ عَمَامَةٌ سَوْدَاء .
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن قتيبة ، عن معاوية بن عمّر الدهني
عن أبي الزبير .
قال الإمام: فيه دليلٌ على أنه لا يلزمُهُ الإحرامُ لدخول مكة ،
واختلفوا، فيه، فذهب قومٌ إلى أنه لا يلزمهُ الإحرامُ لدخولها ،
وهو قولُ ابن عمر ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي في أحد قوليه ، كالمكِّي
يخرج من الحرم، ثم يدخلُ، لا يلزمهُ الإحرامُ، وذهب قومٌ إلى أنه
يلزمه الإحرامُ، وقال قومٌ: يجب على غير الحطابين، وقيل : يجب
على من دارُهُ وراءَ الميقات ، وهو قولُ أصحاب الرأي .
وفي أمره بقتل ابن خطل دليل على أن الحرم لا يعصم من إقامة عقوبة
وجَبت على إنسانٍ، ولا يوجبُ تأخيرها، وذلك أن ابن خطلٍ كان
بعثه رسولُ الله ◌ِ ◌ّ في وجهٍ مع رجلٍ من الأنصار، وأمّر الأنصاريّ
عليه، فلما كان ببعض الطريق، وثب على الأنصاريِ، فقتله، ونس ـ بماله
فأمر النبي محمد الم بقتله لخيانته .
(١) (١٣٥٨) في الحج: باب جواز دخول مكة بغير إحرام.
شرح السنة : ٤ ٠٠ ٢٠٠
باب
غراب الكمية في آخر الزمان
٢٠٠٨ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي
أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا يحيى بن ◌ُكيرٍ ، نا الليث
عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيِّب
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ فِلهِ: (( يُخْرِبُ
الْكَعْبَةَ ذُو الْسُوَ يُقْتَيْنِ مِنَ الْخَبَشَةِ ».
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن حرملة بن يحيى ،
عن ابن وهب ، عن يونس .
ورُوي عن ابن عباسٍ، عن النبي ◌ِّ قال: كأنّي به أسودُ أفحجُ
يُقلعُها حجراً حجراً (٣)) قوله: ((ذو السويقتين) تصغير الساق، صغرهما
لدقتيها وصغرهما ، وفي ◌ُوق الحُبش حموشة. والأفحج: البعيدُ مابين
الرّجلين، وذلك من نُعوت الحبشان.
(١) البخاري ٣٦٨/٣ في الحج: باب هدم الكعبة ، وباب قول الله
تعالى : ( جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس ) ، ومسلم ( ٢٩٠٩)
(٥٨) في الفتن وأشراط الساعة: باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل
بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء .
(٢) أخرجه البخاري ٣٦٨/٣.
باب
حرم الحرية
٢٠٠٩ - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي ، أنا أبو سعيد
محمد بن موسى الصّيرفي ، أنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصّفار ، نا
أحمد بن عيسى البيوتي، نا محمد بن كثير ، أنا سفيان الثوري ، عن
الأعمش ، عن إبراهيم بن يزيد التيمي ، عن أبيه
عَنْ عَلِيْ قَالَ: مَا كَتَبْنَا عَنْ رَسُولِ اللهِ بِّهِ إلَّ الْقُرْآنَ
وَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيْفَةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّ: ((الْمَّدِينَةُ
حَرَامٌ ما بَيْنَ عَيْرٍ إِلى نَوْرٍ، فَنْ أَحْدَثَ حَدَثّاً، أَو آوى ◌ُخْدِثاً
فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ ، وَالْلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ
صَرْقُ وَلاَ عَدْلُ، ذِمَّهُ الْمُسْلِيْنَ واحِدَةُ، يَسْعَى بِهَا
أَدْاْهُمْ، فَنْ أُخْفَرَ مُسْلِماً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الهِ وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ
أَنْجَعِيْنَ، لاَ يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلاَ عَدْلٌ(١) ، وَمَنْ وَالَى قَوْماً
بِغَيْرِ إِذْنٍ مَوالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الهِ، وَالَمَلائِكَةِ، وَالنَّاسِ
أَجْمَعِيْنَ ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفاً وَلاَ عَدْلاً.
(١) سقط من ( ب) و( ج) من قوله: ذمة المسلمين .. إلى قوله
((صرف ولا عدل)).
- ٣٠٨ -
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن محمد بن كثير ،
.وأخرجه مسلم من طرق عن الأعمش ويُروى ((ما بينّ عايرٍ إلى ثور)).
قال أبو سليمان الخطابي: عاير وثور: جبلان ، وزعم بعضُ العلماء أن
أهل المدينة لا يعرفون بالمدينة جبلاً يُقال له: ((نور)) وإنما ((ثور))
بمكة، فيرونَ أنَّ أصل الحديثِ ((ما بَين عايرٍ إلى أَحُدٍ))(٢).
(١) البخاري ٢٠٠/٦ في الجهاد: باب إثم من عاهد ثم غدر ، وباب.
ذمة المسلمين وجوارهم واحدة ، وفي فضائل المدينة : باب حرم المدينة ،
وفي الفرائض : باب إثم من تبرأ من هواليه ، وفي الاعتصام : باب ما يكره
من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين والبدع ، ومسلم ( ١٣٧٠ )
في الحج : باب فضل المدينة .
(٢) قائل ذلك أبو عبيد، وقد رده الفيروزبادي صاحب ((القاموس))
بعد أن ذكر أن ((ثوراً)) جبل بالمدينة، واستشهد بهذا الحديث - فقال: وأما
قول أبي عبيد بن سلام وغيره من الأكابر الأعلام : إن هذا تصحيف ،
والصواب ((إلى أحد)) لأن ((ثوراً)) انما هو بمكة، فغير جيد، لما أخبرني
الشجاع البعلي الشيخ الزاهد ، عن الحافظ أبي محمد عبد السلام البصري
أن حذاء أحد جانجاً إلى ورائه جبلاً صغيراً يقال له : ثور ، وتكرر سؤالي
عنه طوائف من العرب العارفين بتلك الأرض ، فكل أخبرني أن اسمه ثور ،
ولما كتب إلي الشيخ عفيف الدين المطري عن والده الحافظ الثقة قال : إن
خلف أحد عن شماليه جبلاً صغيراً مدوراً يعرفه أهل المدينة خلفاً عن
سلف. ونقل الحافظ في ((الفتح)) عن المحب الطبري أن الثقة العالم أبا
محمد عبد السلام البصري أخبره أن حذاء أحد عن يساره جانحاً إلى ورائه
جبل صغير يقال له : ثور ، وأخبر أنه تكرر سؤاله عنه لطوائف من العرب
العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال ، فكل أخبر أن ذلك الجبل
اسمه ثور، وتواردوا على ذلك. فعلمنا أن ذكر ((ثور)) في الحديث
صحيح ، وأن عدم علم أكابر العلماء به لعدم شهرته ، وعدم بحثهم عنه ،
:
- ٣٠٩ -
وقد اختلف العلماء في صيد المدينة، وشجرها ، فقال مالك:
والشافعي وأكثر الفقهاء : لاجزاء على من اصطاد في المدينة صيداً، أو
قطع شجراً .
وقال قوم: تحريمُ المدينة إنما هو تعظيمٌ حرمتها دونَ تحريم صيدها
وسْجرها، واحتجوا بحديث أنس أن النبي يؤمن قال لأخٍ له صغيرٍ :
((يا أبا ◌ُعميرٍ ما فعل النُّغيرُ ؟)) والنُّغيرُ: صيدٌ، ولو كان صيدُ المدينة
حراماً لم تجلّ اصطياده بالمدينة، ولأنكر النبيُ عِ الله ذلك عليهم.
وذهب بعضُهم إلى تحريم شجرها دونَ صيدها لهذا الحديث ، وذهب
قوم إلى تحريمها جميعاً ، وحملوا الحديث على طائر أخِذَ خارج المدينة ،
ثم أدخلَ المدينة، وكان ابنُ أبي ذئب يرى الجزاء على من قتل شيئاً من
صيد المدينة ، أو قطع شيئا من شجرها ، لما رُوي عن عامر بن سعد ،
عن أبيه، قال: قال رسول الله مؤلفمِ: ((إِنِّ أحزِّمُ ما بَين لا بتي
المدينة أنّ يُقطع عِضاعُها أو يُقتلّ صيدُها)) (١) ورُوي أن سعداً وزيداً
ابن ثابت وأبا هريرة كانوا يرون صيدَ المدينة حواماً ، قال أبو هريرة :
لو رأيتُ الظِّاء توقعُ بالمدينة ما ذعرُتها، قال رسول الله وَّعٍ: ((ما بين
لا بَتيها حرامٌ))(٢) ووجد أبو أيوب الأنصاري غلماناً قد ألجؤوا ثعلباً إلى
قال: وهذه فائدة جليلة . وجاء في ((آثار المدينة المنورة)) ص ١٣٩ للأستاذ
عبد القدوس الأنصاري : عير وثور : أسما جبلين من جبال المدينة ،
أولهما عظيم شامخ يقع بجنوب المدينة على مسافة ساعتين عنها تقريباً .
وثانيهما أحمر صغير يقع شمال أحد ، ويحدان حرم المدينة شمالا
وجنوباً .
(١) أخرجه مسلم في (صحيحه)) ( ١٣٦٣).
(٢) أخرجه عنه مالك في ((الموطأ)) ٨٨٩/٢ في الجامع: باب ما جاء
في تحريم المدينة ، والبخاري ٧٧/٤ في الحج : باب لابتي المدينة. ومسلم
( ١٣٧٢ ) .
- ٣١٠ -
زاوية فطردهم عنه، وقال: أني حرم رسول الله {التى يصنع هذا!(١)
وأخذ زيد بن ثابت ◌ُهاً (٢) من يَدٍ واحدٍ اصطاده، فأرسله (٣).
فأما إيجابُ الجزاء ، فلم يَصِحّ عن أحد منهم ، وكان الشافعي
يذهب في القديم إلى أن من اصطاد في المدينة صيداً ، أو قطع شجراً
أَخِذَ سَلِبُهُ، لما روي عن عامر بن سعد أن سعداً ركب إلى قصره بالعقيق
فوجد عبداً يقطع شجراً أو يَخيطُهُ، فسلبهٌ، فجاءه أهلُ العبد، فكلموه
أن يَرُدّ ما أخذ من غُلامهم ، فقال : معاذَ اللهِ أن أردً شيئاً نقلنيه
رسولُ الله ◌ِّمَ، وأبى أن يرد عليهم(٤).
وقال مالك : إنما نُهي عن قطع سيدر المدينة ليبقى شجرها،
فيتأنس بها ، ويَستظل بها من هاجر إليها .
قوله: ((من آوى محدثاً)) يروى على وجهين ((محدثاً)) بكسر الدال
وهو صاحب الحدث وجانيه، و((محدثاً)) بفتح الدال وهو الأمر
المحدث ، والعمل المبتدع الذي لم تجربه سُنةٌ ، وقيل : أراد من آوى
جانياً ، وحال بينه وبين خصمه أن يقتصَّ منه .
وقوله: ((لا يُقبل منه صرفٌ ولا عدل)) قيل في تفسير العدل: إنه
الفريضة ، والصرف : النافلة، ومعنى الصرف : الربح والزيادة ، ومنه
صرف الدراهم والدنانير ، وقال أبو عبيد : الصرف : التوبة ، والعدل
(١) هو في ((الموطأ)) ٢ / ٨٩٠ وإسناده صحيح .
(٢) طائر يشبه الصرد يديم رأسه وذنبه يصطاد العصافير .
(٣) هو في ((الموطأ)) ٨٩٠/٢، وفي سنده مجهول.
(٤) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (١٣٦٤) وأحمد ١٦٨/١.
- ٣١١ -
الفدية، ومنه قوله تعالى: ( وإنْ تعدِلْ كلِّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ منها)
[الأنعام: ٧٠]، وقوله تعالى: (لا يُقبلُ منها عدلٌ) [البقرة: ١٢٣]
وأما الصرفُ، فقوله تعالى: ( فما يَستطيعون (١) صرفاً) [الفرقان: ١٩]
حمله بعض الناس على هذا (٢).
وقوله: ((يَسعى بذمتهم أدناهُم)) الذمة: الأمان، معناه: إذا
أعطى واحدٌ من المسلمين أماناً لبعض الكفار من أهل الحرب ، فإن أمانه
ماض ، وان كان المجيرُ عبداً، وهو أدناهم وأقلُّهم، سواء كان هذا العبدُ
مأذوناً له في القتال من جهة المولى، أو لم يكن ، ولم يجوز أبو حنيفة
أمانَ العبد إذا لم يكن مأذونا له في الجهاد .
وإنما يَصحُ الأمان من آحاد المسلمين إذا أمّن واحداً أو اثنين ، فأما
عقدُ الأمان لأهل ناحيةٍ على العموم ، فلا يصحُّ إلا من الإمام ، كعقد الذمة
لأنه المنصوب لمراعاة النظر لأهل الإسلام عامة .
وقوله: ((فمن أخفر مسلماً)) يريد نقضَ العهد، يُقال: "خفرتُ
الرجل: إذا أمنته، وأخفرته بالألف: إذا نقضت عهده. وقوله: ((من
(١) قراءة الأكثرين بالياء ، وقرأ حفص عن عاصم ( تستطيعون )
بالتاء ، ووقع في الأصول ، واللسان ( لا يستطيعون ) وهو خطأ ، والتلاوة
( فما يستطيعون ) كما أثبت .
(٢) نص كلام أبي عبيد في ((الغريب المصنف)) ١٦٧/٣: الصرف:
التوبة ، والعدل : الفدية ، وفي القرآن ما يصدق هذا التفسير قوله تعالى
( وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها ) وقوله ( ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها
شفاعة) فهذا من قول النبي عليه وسلم ((لا يقبل منه عدل)) وأما الصرف،
فلا أدري قوله ( فما تستطيعون صرفاً ولا نصراً ) من هذا أولا ، وبعض
الناس يحمله على هذا ...
- ٣١٢ -
وإلى قوماً بغير إذن مواليه )) فليس معناه معنى الشرط حتى يجوز له أن
يُوالي غير مواليه إذا أذنوا له فيه، لأن الولاء لحمةٌ كلُحمةِ النسب
لا ينتقِل بحال ، كما لا ينتقِلُ النسب، وإنما هو بمعنى التوكيد لتحريمه
والتنبيه على ما يمنعه منه ، يُرِيد: إذا سوّلت له نفسه فعلَ هذا الصنيع
فلا يفعله مستسراً به عن أولياته ، بل يخبرهم ويستأذنهم ، وذلك أنه إذا
استأذن أولياءَه في موالاة غيرهم، منعوه عن ذلك، وإذا استبدَّ به دونهم
خفي عليهم أمرُهُ ، وربما يُعرف عند طول المدة ، وامتداد الزمن بولاء
من انتقل إليهم ، فيكون ذلك سبباً لبطلان حق مواليه . والله أعلم .
قال الإمام : وقد روي عن عروة بن الزبير ، عن الزبير عن رسول
اللهِ وََّ أنه قال: ((إن صيدَ وجٍ وعِضاهَهُ حرامٌ مُحرمٌ الله))(١) ووج
ذكروا أنها من ناحية الطائف، وذكر الشافعي في ((الإملاء)) أنه لايُصاد
فيه، ولا يُعضدُ شجره، ولم يذكر فيه ضماناً، وقال صاحب ((التلخيص)):
من فعله يؤدِّبه الحاكم . وقال أبو سلمان الخطابي: لستُ أعلمُ لتحريمه
(((وجّاً)) معنى إلا أن يكونَ على سبيل الحيمى لنوع من منافع المسلمين،
وقد يحتمِلُ أن يكون ذلك التحريمُ إنما كان في وقت معلوم ، وفي مدة
محصورة ، ثم "نسخ، فعاد الأمر إلى الإباحة كسائر بلاد الحل.
قال الإمام رحمه الله: وفي هذا المعنى النقيع (٢) حماه رسولُ الله عزوالتّ}
(١) أخرجه أحمد في ((المسند)) (١٦ ١٤)، وأبو داود ( ٢٠٣٢)
في الحج ، وفي سنده لينان .
(٢) هو بالنون لا غير، ووقع في ( ب) و (ج ) بالباء مصحفاً. وهو
موضع على عشرين فرسخاً من المدينة ، وقدره ميل في ثمانية أميال .
ذكر ذلك ابن وهب في ((موطئه)) سمي بذلك ، لأنه كان يستنقع فيه.
- ٣١٣ -
على النظر لعامة المسلمين لإبل الصدقة، وتعم الجزية ، فيجوز الاصطيادُ
فيه، لأن المقصودَ منه منعُ الكلأ من العامة، فلو أتلف رجلٌ شيئاً
من شجره، قال صاحب (( التلخيص)): عليه غُرْمُ ما أتلف، كحشيش
الحرم . ولا يجوز بيعُ النقيع، ولا بيعُ شيءٍ من أشجاره كالموقوف.
الماء ، فكلما ، نضب الماء مكانه الكلا. وقد أخرج الإمام أحمد ١٥٥/٢
و ١٥٧ من حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع
للخيل خيل المسلمين ، وفي سنده عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم
العمري وهو ضعيف ، لكن له شاهد يتقوى به عند أحمد ٧١/٤ ٠ وأبي
داود ٢٤٣/٣ من حديث الصعب بن جثامة أن النبي صلى الله عليه وسلم
حمى النقيع، وقال ((لا حمى إلا لله ولرسوله)) وللبخاري ٣٤/٥ منه
((لا حمى إلا لله ولرسوله)) وقال: ( يعني ابن شهاب الزهري ) بلغنا
أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع .
باب
فضل المدينة وحب النبي عَله اباها ودعائلها
٢٠١٠ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبر مُصعب ، عن مالك ، عن عمرو مولى المُطْلِب
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنْ رَسُولَ اللهِ بِّهِ طَلَعَ لَهُ أُحدٌ ،
فَقَالَ: ((هَذَا جَبَلْ يُحِبْنَا وَتُحِيُّهُ، الَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ
مَكَّةَ، وَإِنِّي أَحْرُمُ مَا بَيْنَ لاَ بَتَيْها ».
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف
عن مالك وأخرجه مسلم عن قتيبة ، عن يعقوب بن عبد الرحمن ، عن
عمرو بن أبي عمرو. و((اللابة)): الحرة وهي الأرض التي فيها حجارة
سود ، وجمعُها القليل لابات ، وهي مابين الثلاث إلى العشر ، فإذا كثرَت
فهي اللابُ واللُّوبُ. وقوله ((ما بين لابتيها)) أي: ما بين طرفيها .
وقوله في أحد ((هذا جبل يُحبنا ونحبُّه)) قال الخطابي: أراد به أهل
المدينة وسكانها ، كما قال الله تعالى: ( واسأل القرية ) [يوسف: ٨٢]
أي : أهل القرية، قال الإمام: والأولى إجراؤه على ظاهره ، ولا يُنكر
وصفُ الجمادات بحب الأنبياء والأولياء وأهلِ الطاعة، كما حنّت الأسطوانة
(١) ((الموطأ)) ٨٨٩/٢، والبخاري ٢٩٠/٧ في المغازي: باب أحد
جبل يحبنا ونحبه ، ومسلم (١٣٦٥).
- ٣١٥ -
على مفارقته حتى سمع القومُ حنيها إلى أن أسكتها الرسول ◌ِ لَّةٍ ، وكما أخبر
أن حجراً كان يُسلِّمُ عليه قبل الوحي ، فلا يُنكر أن يكون جبلُ
أحد، وجميع أجزاء المدينة كانت تحبه ، وتحِنّ الى لقائه حالة مفارقته اياها
-حتى أسرع إليها حين وقع بصرهُ عليها، كما أقبل على الأسطوانة واحتضها
حين سمع حنينها على مفارقته .
٢٠١١ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الحرفي، أنا أبو الحسن
علي بن عبد الله الطّيفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، نا أحمد بن
علي الكُشمِيهني ، نا علي بن حُجر ، نا إسماعيل بن جعفر، نا حميد
عَنْ أَنَسٍ أَنْ النَّبِيِِِّّ كَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَنَظَرَ
إلى جُدُرَاتِ اَلْدِينَةِ، أَوْضَعَ رَاحِلَتَهُ، وَإِنْ كانَ عَلى دابَةٍ
حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّها (١)
هذا حديث صحيح أخرجه محمد عن قتيبة ، عن إسماعيل بن جعفر .
٢٠١٢ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق
الهاشمي، أنا أبو مُصعب، عن مالك، عن مُهيل بن أبي صالح ، عن أبيه
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنْهُ قَالَ : كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوْلَ الْثَّمَرِ
جَاؤُوا بِهِ إَى رَّسُولِ اللهِ عَ ظِلّهِ، فَإذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللهِعَّه
(١) هو في صحيح البخاري ٤/ ٨٤ في فضائل المدينة: باب المدينة
تنفي الخبث ، وفي الحج : باب من أسرع ناقته إذا بلغ المدينة .
- ٣١٦ -
قَالَ: (( الَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي قَرِنَا، وَبَارِكْ فِي لَنَا مَدِينَتِنا،
وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا وَمُدْنَ، اللَّهُمَّ إنْ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ
وَنَبِيْكَ، وَإِنْ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنْهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وَإِنِّي
أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِثْلِ مَا دَعَاكَ بِهِ لِمَكَّةَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، ثُمَّ
يَدْعُوا أَصْغَرَ وَلَيْدِ يَرَاهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ (١) .
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن قتيبة عن مالك .
وقوله: ((بارك لنا في صاعنا ومدّنا)) يريد في طعامنا المكيل بالصاع
والمُدّ ، ودعا لهم بالبركة في أقواتهم .
٢٠١٣ - أخبرنا أبو الحسن الشِّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق.
الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه
عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ: لَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ الْمَدِينَةَ
وُعِكَ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالْ، قَالَتْ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِمَا، فَقُلْتُ:
يَا أَبَتِ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ وَيَا بِلاَلُ كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَتْ: وَكَانَ
أَبُو بَكْرٍ إِذَا أَخَذَتْهُ الْخَّى يَقُولُ:
كُلُّ أَمْرِىءٍ مُصَبِّحْ فِي أَهْلِهِ وَالَوْتُ أَذْنَى مِنْ شِرَاكِ نَعْلِهِ
(١) ((الموطأ)) ٨٨٥/٢، ومسلم (١٣٧٣).
- ٣١٧ -
وَكَانَ بِلَاَلْ إِذَا أُقْلِعَ عَنْهُ يَرْفَعُ عَقِيْرَتَهُ فَيَقُولُ :
بِوَادٍ وَحَوْلِيَ إِذْخِرٌ وَجَلِيْلُ
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً
وَهَلْ يَبْدُوَنْ لِي شَامَةٌ وَطَفِيْلُ
وَهَلْ أَرِدَنْ يَوْمَاً مِيَاءَ ◌َنَّةٍ
قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: فَحِثْتُ إِلَى رَّسُولِ اللهِلهِ، فَأَخْبُرْ تَهُ
فَقَالَ: ((الَّهُمَّ حَبْبْ إلَيْنَا الْمَدِينَةَ كَحْنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدْ ،
وَصَحْحْهَا لَنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِها وَعُدْهَا، وَانْقُلْ حُمَّهَا
فَاجْعَلْها بِالْجُحْفَةِ، (١).
هذا حديث صحيح أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك .
قوله: ((وُعُكَ)) يقال: وَعَكتهُ الحمى تَعِكُهُ، فهو مَوْموك، أي :
محموم . يرفع عقيرته ، أي: صوته . والإذخر معلوم ، والجليل : نبت ،
ويقال : إنه الثَّامُ. ومجنة: سوقُ متجر كانت بقرب مكة (٢)، وسامة
وُفيل: عينان هناك. قال الخطابي: كنت أحسب أنهما جبلان حتى أثبت
لي أنها عينان، ويقال : إن الجحفة كانت إذ ذاك دار اليهود ، فلذلك
(١) ((الموطأ)) ٨٩٠/٢، ٨٩١، والبخاري ٢٠٤/٧، ٢٠٥ في
المغازي : باب مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة .
(٢) على أميال منها تقع بمر الظهران قرب جبل يقال له : الأسفل ،
وهو بأسفل مكة على بريد منها ، وهي سوق لكنانة كانت تقوم في العشر
الأخير من ذي القعدة ، ويقصدها العرب جميعاً بعد أن تنفض سوق
عفاظ يتمون فيها ما قصدوا من تجارة وفداء وتفاخر .
- ٣١٨ -
دعا بنقل الحمى إليها .
واحتج محمد بن إسماعيل بهذا الحديث في عيادة النساء الرجال ، وعادت
أم الدرداء رجلً من أهل المسجد من الأنصار(١).
٢٠١٤ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الحرفي، نا أبو الحسن
الطيفُوني ، نا عبد الله بن عمر الجوهري ، نا أحمد بن علي الكشميهني
نا علي بن حُجر، نا إسماعيل بن جعفر، عن عمر بن نُبيهٍ (٢) الكعبي،
عن أبي عبد الله القرّاظ
أَنَّهُ سَمَعَ سَعْدَ بْنَ مَالِكِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ:
((مَنْ أَرَادَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِدَهُمِ أَوْ بِسُوء، أَذاَ بَهُ اللهُ كَا
يَذْوبُ الْمُلْحُ ، الْمَاءِ » .
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٣) عن قتيبة بن سعيد، عن إسماعيل
ابن جعفر ، وأخرجه محمد من وجه آخر عن سعد .
قوله: ((بدهم )) أي: غائلة وأمر عظيم، وجيشٌ ذهم ، أي: كثير.
٢٠١٥ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن محمد بن المنكدر
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ أَغْرَابِياً بَايَعْ رَسُولَ اللهِ صَلّه
(١) علقه البخاري في (صحيحه)) ١٠١/١٠، ووصله في ((الأدب
المفرد)) رقم (٥٣٠) وفيه الحكم بن المبارك لم يوثقه غير ابن حبان .
(٢) في (ب) و (ج) شبة ، وهو تحريف.
(٣) (١٣٨٧) في الحج : باب من أراد أهل المدينة بسوء أذله الله ..
- ٣١٩ -
عَلَى الإِسْلاَمِ ، فَأَصَابَ الأَعْرَابِيَّ وَعَكُ بِالَدِينَةِ، فَأَتَى الْنِّيْ
صَّةِ، فَقَالَ: يَأْحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى رَسُولُ اللهِ حِّهِ،
ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى دَّسُولُ اللهِ عِله،
◌ُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبِى رَسُولُ اللهِ عِيُّ
فَخَرَجَ الأَعْرَابِيُّ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِِّ: ((إنَّمَا الْمَدِينَةُ
كالكِيْرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيْبُهَا » .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ،
(١) ((الموطأ)) ٨٨٦/٢ في الجامع: باب ما جاء في سكنى المدينة
والخروج منها ، والبخاري ١٧٣/١٣ في الأحكام : باب من بايع ثم استقال
البيعة ، وباب بيعة الأعراب ، وباب من نكث بيعته ، وفي فضائل المدينة :
باب المدينة تنفي الخبث ، وفي الاعتصام : باب ما ذكر النبي صلى الله عليه
وسلم وحض على اتفاق أهل العلم ، ومسلم ( ١٣٨٣ ) في الحج : باب
المدينة تنفي شرارها . قال ابن التين : إنما امتنع النبي صلى الله عليه
وسلم من إقالته ، لئلا يعين على معصية ، لأن البيعة في أول الأمر كانت
على أن لا يخرج من المدينة إلا بإذن ، فخروجه عصيان ، وكانت الهجرة
إلى المدينة فرضاً قبل فتح مكة على كل من أسلم ، ومن لم يهاجر لم يكن
بينه وبين المؤمنين موالاة لقوله تعالى ( والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم
من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا ) فلما فتحت مكة ، قال صلى الله
عليه وسلم ((لا هجرة بعد الفتح)) ففي هذا إشعار بأن مبايعة الأعرابي
المذكور كانت قبل الفتح . وقال ابن المنير : ظاهر الحديث ذم من خرج
من المدينة وهو مشكل ، فقد خرج منها جمع كثير من الصحابة ، وسكنوا
غيرها من البلاد ، وكذا من بعدهم من الفضلاء . والجواب أن المذموم
من خرج عنها كراهة فيها أو رغبة عنها كما فعل الأعرابي المذكور ، وأما
المشار إليهم ، فإنما خرجوا لمقاصد صحيحة كنشر العلم ، وفتح بلاد
الشرك ، والمرابطة في الثغور ، وجهاد الأعداء ، وهم مع ذلك على اعتقاد
فضل المدينة وفضل سكناها .
- ٣٢٠ -
وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
الكير : الزق الذي ينفُخُ فيه الحداد ، والكور : ما كان مبنياً
بالطين، وقوله: ((ينصع)) أي: يخلُص، وناصعُ كل شيء خالصه .
٢٠١٦ - أخبرنا أبو الحسن الشّرزي، أنا زاهر بن أحمد (١)، أنا
أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد
قال : سمعت أبا الحُبَابِ سعيد بن بسار يقول :
سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رُسُولُ اللهِ: ((أُمِرْتُ
بَقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ وَهِيَ الَمْدِينَةُ تَنْفِي
النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ ، .
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف
وأخرجه مسلم عن قتيبة ، كلاهما عن مالك .
قوله: ((تأكل القرى)) أي ◌ُيجلب إليها طعام القرى ، فهي تأكلها
وأراد ما يحصل من الفتوح على أيديهم ، ويُصيبون من الغنائم ، وأضاف
الأكل إلى القرية، والمراد أهلها ، كما قال تعالى: ( يَأْكُلنَ ما قدّ مْتُمْ
لَمُنّ ) [ يوسف: ٤٨] أضاف الأكل إلى السنين والمواد أهل زمانها،
وقال أبو حاتم: هذا تمثيل مراده أن الإسلام ابتداؤه في المدينة ، ثم
يَغليب على سائر القُرى ، ويعلو سائر الملل ، فكأنها قد أتت عليها ،
(١) في (ب) و (ج) أحمد بن زاهر وهو خطأ.
(٢) ((الموطأ)) ٨٨٧/٢، والبخاري ٧٥/٤، ٧٦، ومسلم
( ١٣٨٢ ) .