النص المفهرس
صفحات 201-220
باب الحلو والتقصير قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( ثُمَّ لَيَقْضُوا تَفَتَهُمْ). قِيْلَ: مَعْنَاهُ: لِيْزِيلُوا أَدْرَانَهُمْ، قَالَ أَعْرَابِيٌّ لَآخَرَ : مَا أَنْفَتَكَ ، أَي : ما أَذْرَنَكَ ، وقِيلَ الثَّفَثُ: الأَخِذُ مِنَ الشَّارِبِ، وَقَصْ الأَطْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ، وَحَلْقُ العَانَةِ . وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ مُمَيْلٍ: الْتَّفَتُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: إِذْهَابُ الشَّعَثِ. ١٩٦٠ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيميُ، أنا محمد بن يوسف الفِرِبْرِي ، نا محمد بن إسماعيل البخاريء ، نا عبيد الله بن سعيد، نا محمد بن بكر ، نا ابن جريج، أخبرني موسى بن مُقبة ، عن نافع حَلَقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ صَلى الله أَخْبَرَهُ أَبْنُ عُمَرَ أَنْ النَّبيَّ وَشيدة وَأُنَاسْ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَقَصْرَ بَعْضُهُم . هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن قتيبة ، عن حاتم بن (١) البخاري ٨٣/٨ في المغازي: باب حجة الوداع ، وفي الحج : باب الحلق والتقصير عند الإحلال ، ومسلم ( ١٣٠٤ ) في الحج باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير . - ٢٠٢ - إسماعيل ، عن موسى بن عُقبة . ١٩٦١ - أخبرنا أبو الحسن الشِّرزي، أنا أبو عليّ زاهر بن أحمد أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن نافع عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَ لِّ قَالَ: ((اللّهُمَّ ارْحَمِ المحَلْقِيْنَ، قَالُوا: وَاُلْقَصْرِيْنَ يَرَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((الَّهُمَّ أَرْحَمِ الْعَلْقَيْنَ، قَالُوا: وَالْقَصْرِيْنَ يَارَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((وَالْقَصِّرِيْنَ)) (١). هذا حديث متفقٌ على صحته (٢) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك ، وإنما قدّم النبي رقم المحلقين في الدعاء مع أن التقصير جائز لمبادرتهم إلى طاعته حين أمر من لا هدي معه بالإحلال ، والمقصِّرون وجدوا في أنفسهم من ذلك شيئاً ، وأحبُّوا أن يأذن لهم في المقام على إحرامهم ، فلمّا لم يروا بدأ من الإحلال (١) قال الحافظ في ((الفتح)): كذا في معظم الروايات عن مالك إعادة الدعاء للمحلقين مرتين ، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة ، وانفرد يحيى بن بكير دون رواة ((الموطأ)» باعادة ذلك ثلاث مرات نبه عليه ابن عبد البر في ((التقصي)) وأغفله في ((التمهيد)) بل قال فيه: إنهم لم يختلفوا على مالك في ذلك ، وقد راجعت أصل سماعي من موطأ يحيى بن بكير ، فوجدته كما قال في ((التقصي)). (٢) (( الموطأ)) ٣٩٥/١ في الحج: باب الحلاق، والبخاري ٤٤٦/٣، ٤٤٧ في الحج : باب الحلق والتقصير عند الإحلال ، ومسلم (١٣٠١ ) (٣١٧) في الحج : باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير . - ٢٠٣ - كان التقصيرٌ في نفوسهم أخف من الخلق ، فمالوا إلى التقصير ، وكان الأولى بهم طاعةُ رسول الله بَوٍِّ، فأخْرهم عن الدعاء لتأخرهم عن الطاعة (١). وروى مالك عن نافع أن عبد الله بن عمرَ كان إذا حلق رأسه في حج أو عمرة ، أخذ من لحيته وشاربيه (٢). قال الإمام : أركان الحج خمسة عند الشافعي: الإحرام ، والوقوف معرفة ، والطواف ، والسَّعي بين الصفا والمروة ، وحلق الرأس ، أو التقصير. وأركان العُمرة : الإحرام ، والطواف ، والسّعي ، والحلق ، أو التّقصير. وفي الحاق قول آخر: إنه ليس بنسك، بل هو من استباحة الهظور (٣) والأول أصح ، فلو ترك شيئاً منها لا يحصل التحلل ، ولا يُجبر بالدم . والتقصير جائز عند عامة أهل العلم ، رُوي عن ابن عبّاس أن معاوية بز. (١) وقد ذكر نحو هذا ابن الأثير في ((النهاية)) وتابعه عليه غير واحد، وقد قال الحافظ : وفيما قاله نظر ، لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ، ويحلق في الحج إذا كان ما بين النسكين متقارباً ، وقد كان ذلك في حقهم كذلك ، والأولى ماقاله الخطابي وغيره أن عادة العرب أنها كانت تحب توفير الشعر والتزين به ، وكان الحلق فيهم قليلا ، وربما كانوايرونه من الشهرة ومن زي الأعاجم ، فلذلك كرهوا الحلق ، واقتصروا على التقصير . (٢) ((الموطأ)) ٣٩٦/١ في الحج: باب التقصير، وإسناده صحيح. (٣) قال الحافظ : وهي رواية مضعفة عن الشافعي ولم ينفردبها ، فقد حكيت أيضاً عن عطاء ، وعن أبي يوسف ، وهي رواية عن أحمد ، وعن بعض المالكية . - ٢٠٤ - أبي سفيان قال: قصّرت من رأس النبي ◌ِوالفم عند المروة بمشقص(١) . قال الإمام : وكان هذا في العمرة ، لأن الحاجّ يحلق بمنى ، وقيل: إنما يجوز التقصيرُ لمن لم يُلبّد رأسه، فأمّا من لبّد، فعليه الحلق ، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ، والتقصيرُ: هو أن يقطع أطراف شعره، والحلق أفضل من التقصير ، وأقلّ فرض الحلق أن يحلِقٍ أو يقصّر ثلاث شعراتٍ ، وقال أصحاب الرأي : يحلق رُبع الرأس(٢). والمرأة لا تحلِقُ رأسها ، بل تُقصِّر لما رُوي عن عليّ وعائشة أن النبي. وَالثّ نهى أن تحلق المرأة رأسها (٣). (١) أخرجه البخاري ٤٤٨/٣، ٤٥٢ في الحج: باب الحلق والتقصير عند الإحلال ، ومسلم ( ١٢٤٦) في الحج : باب التقصير في العمرة واللفظ له . قال النووي رحمه الله : هذا الحديث محمول على أن معاوية قصر عن النبي صلى الله عليه وسلم في عمرة الجعرانة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان قارناً ، وثبت أنه حلق بمنى ، وفرق أبو طلحةشعر هبین الناس ، فلا يصح حمل تقصير معاوية على حجة الوداع ، ولا يصح حمله أيضاً على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلماً إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان هذا هو الصحيح المشهور . وقد صوب قول النووي في حمل حديث معاوية على عمرة الجعرانة المحب الطبري وابن القيم، وتعقبهم الحافظ في ((الفتح)) ٤٥٢/٣ بقوله : وفيه نظر ، لأنه جاء انه حلق في الجعرانة . (٢) وقال بوجوب حلق جميعه مالك وأحمد ، وقال الكمال بن الهمام في ((فتح القدير)) ٣٨٧/٢: ومقتضى الدليل وجوب الاستيعاب كما هو قول مالك ، وهو الذین ادين الله به . (٣) حديث صحيح أخرجه الترمذي (٩١٤) في الحج : باب ماجاء - ٢٠٥ - وقال الحكم في تقصير شعر المرأة : ليس فيه شيءٌ مؤقت . والسُّنة في الحلق أن يبدأ بالجانب الأيمن من رأسه لما ١٩٦٢ - أخبرنا ابن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد ، نا محمد بن عيسى الجُلودي ، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مسلم بن الحجَّاج ، نا يحيى بن يحيى ، أنا حفص بن غياث ، عن هشام ، عن محمد بن سيرين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بِّهِ أَتَى مِنِى، فَأَتَّى اَجَمْرَةَ، فَرَمَاهَا ، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنَى وَحَرَ ، ثُمَّقَالَ لِلْخَلَّاق: في كراهية الحلق للنساء، والنسائي ١٣٠/٨ في الزينة من حديث محمدبن موسى الحرشي ، عن أبي داوود الطيالسي ، عن همام عن قتادة ، عن خلاس بن عمرو ، عن علي قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها . ثم رواه الترمذي (٩١٥ ، عن محمد بن بشار ، عن أبي داوود الطيالسي عن همام نحوه ، ولم يذكر فيه : عن علي ، وقال : حديث علي فيه اضطراب ، وقد روي عن حماد بن سلمة عن قتادة ، عن عائشة . عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا . وأخرجه البراز من حديث معلى بن عبد الرحمن الواسطي ، عن عبد الحميد بن جعفر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة مرفوعاً . ومعلى بن عبدالرحمن ضعيف ، وله شاهد عند البزار أيضاً من حديث عثمان ، وفيه روح بن عطاء ، وليس بالقوي ، وأخرج أبو داوود (١٩٨٤) من حديث ابن عباس مرفوعاً ((ليس على النساء الحلق إنما على النساء التقصير)) وزاد الحافظ في ((التخليص)) ٢٦١/٢ نسبته للدار قطني ص ٢٧٧ والطبراني: وقال : إسناده حسن ، وقواه أبو حاتم في ((العلل))، والبخاري في ((التاريخ)) وأعله ابن القطان، ورد عليه ابن المواق فأصاب . - ٢٠٦ - ((ُخُذْ، وَأَشَارَ إلى جَانِهِ الأَيْمَنِ، ثُمَّ الأَيْسَرِ، ثُمْ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ. وَفِي رِوَةٍ : نَوَّلَ الْخَالِقِ شِقْهُ الأَمَنَ، فَعَلَقَهُ، ثُمَّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الأَنْصَارِيّ، فَأَعْطاءُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَهُ الْشْقَّ الأيسَرَ فَقالَ: ((أَحْلِقْ، فَحَلَقَهُ، فَأَعْطاهُ أَبَا طَلْحَةَ، فَقَالَ: ((أَقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ». هذا حديث صحيح (١) وروي عن ابن عمر أنه قال: الحالق : يا غلامُ أبلغ العظمَ . قال الشافعي : وهو هذا العظم الذي عند مُنقطع الصُّدغين . ووقت الحلق في الحج بعد رمي جمرة العقبة يوم النّحر ، فإن كان معه هديٌ يذبحه بعد الرمي، ثم يحلق، وفي العُمرة يحلق بعد الفراغ من السعي بين الصفا والمروة ، فإن كان معه هدي يذبحه ، ثم يحلق . وترتيبُ أعماله يوم النحر : أن يرمي الجمرة، ثم يذبحَ ، ثم يحلقَ ، ثم (١) هو في صحيح مسلم (١٣٠٥) في الحج : باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر، ثم يحلق، وقال الكمال بن الهمام في ((فتح القدير)) عقب هذا الحديث: وهذا يفيد أن السنة في الحلق البداءة بيمين المحلوق ورأسه، وهو خلاف ما ذكر في المذهب ، وهذا هو الصواب . ۔ ۔ ٠٠٠ - ٢٠٧ - يأتيّ مكة، فيطوف طواف الزّيارة ، ثم إن لم يكن قد سعى بين الصّفا والمروة عقيبَ طواف القدوم يجب عليه السعيُ عقيبَ طواف الإفاضة ، وإن كان قد سعى عقيب طواف القدوم ، فلا سعي عليه بعد طواف الإفاضة إلا أن يشاء (١). رُوي عن نافع عن ابن عمر أنّ رسول الله ◌ِتَمِ أفاض يوم النحر، ثم رجع ، فصلى الظهر بمنى ، وكان ابن عمر يفعل كذلك (٢). (١) جاء في البخاري ٣٣٠/٣، ومسلم (١٢١١) من حديث ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت وبين الصفا والمروة ، ثم حلوا ، ثم طافواطوافاً آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة ، فانما طافوا طوافاً واحدا ، وله طريق آخر في ((الموطأ)) ٤١٠/١ من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه، عن عائشة ، وإسناده صحيح . وسئل ابن عباس عن متعة الحج ، فقال : أهل المهاجرون والأنصار وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فلما قدمنا مكة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلا من قلد الهدي)) فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، وأتينا النساء، ولبسنا الثياب، وقال: ((من قلد الهدي فانه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله)) ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج ، فاذا فرغنا من المناسك ، جئنا، فطفنا بالبيت وبالصفا والمروة ، فقد تم حجنا وعلينا الهدي ... أخرجه البخاري ٣٤٥/٣، ٣٤٦ تعليقاً بصيغة الجزم، ووصله الاسماعيلي في ((مستخرجه)) ومن طريقه أخرجه البيهقي في ((سننه)) ٢٣/٥ وإسناده صحيح. وهذا يؤيد مذهب من يقول بوجوب السعي بين الصفا والمروة بعد طواف الإفاضة للمتمتع ، وهو مذهب الحنفية . (٢) أخرجه مسلم (١٣٠٨) في الحج : باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر، وأبو داوود ( ١٩٩٨) في المناسك: باب الافاضة في الحج ولم يذكر أن ابن عمر كان يفعله . - ٢٠٨ - ورُوي عن أبي الزبير، عن عائشة وابن عباس أن النبي معَِّ أخْر طواف الزيارة إلى اللّيل (١). وعن القاسم، عن عائشة: أفاض النبي مُ الم من آخر يومه حين صلى الظهر ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق(٢). قال الإمام : اتفق أهل العلم على أنه يجوز تأخير طواف الإفاضة إلى آخر أيام التشريق ، ولا شيء عليه ، يُروى عن أبي حسّان(٣)، عن ابن عباس أن النبي ◌ِّم كان يزور البيت أيام منى . (١) علقه البخاري ٤٥٢/٣، ووصله أحمد ٢٨٨/١ و٣٠٩ و٢١٥/٦ وأبو داوود (٢٠٠٠) والترمذي (٩٢٠) من طريق سفيان وهو الثوري عن أبي الزبير به ، وأخرجه ابن ماجة (٣٠٥٩) من طريق سفيان عن محمد بن طارق ، عن طاووس وأبي الزبير عن عائشة وابن عباس ، ونقل الحافظ عن ابن القطان الفاسي أن هذا الحديث مخالف لما رواه ابن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه طاف يوم النحر نهارا . وجمع بينهما الحافظ بحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول ، وحديث ابن عباس هذا عن بقية الأيام . (٢) أخرجه أحمد ٩٠/٦، وأبو داوود ( ١٩٧٣) ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق قد دلسه . (٣) واسمه مسلم بن عبد الله العدوي أخرج له مسلم حديثاً غير هذا عن ابن عباس ، وليس هو من شرط البخاري وخبره هذا ذكره البخاري ٤٥٢/٣ تعليقاً بصيغة التمريض ، ووصله البيهقي ١٤٦/٥، والطبراني من طريق قتادة عنه . وقال ابن المديني في ((العلل)): روى قتادة حديثاً غريباً لانحفظه عن أحد من أصحاب قتادة إلا من حديث هشام ، فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام ولم أسمعه منه عن أبيه ، عن قتادة حدثني أبو حسان عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى . وقال الأثرم : قلت لأحمد : تحفظ عن قتادة فذكر هذا الحديث ، فقال : كتبوه من كتاب معاذ ، قلت : فان هنا انساناً يزعم أنه سمعه من معاذ ، فأنكر ذلك . قال الحافظ : ولرواية أبي حسان هذه شاهد مرسل أخرجه ابن أبي شيبة ، عن ابن عيينة ، حدثنا ابن طاووس ، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفيض كل ليلة . ! - ٢٠٩ - ولو أخّره إلى مابعد أيام التشريق، فاختلفوا فيه ، فذهب بعضهم إلى أنه لا شيء عليه ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وذهب بعضهم إلى أن عليه دماً . قال الإمام : وللحج تحللان ، وأسباب التحلل ثلاثة : رمي جمرة العقبة والحلق والطواف ، فإذا أتى بشيئين من هذه الثلاث ، فقد حصل التحلل الأول ، وحلّ له جميع محظورات الإحرام إلا النساء، وإذا أتى بالثلاث حلّ له النساء ، هذا على قول من جعل الحلق نسكاً ، وعدَّ من أسباب التحلل ، فأما من جعله من باب استباحة المحظور ، قال: إذا رمى ، فقد حصل التحلل الأول، وحل له كلُّ شيء إلا النساء ، وإذا رمى وطاف ، حل له النساء . وذهب بعضُ أهل العلم إلى أن المحرم إذا رمى جمرة العقبة وذبح وحلق، حلَّ له كلُّ شيء حرم عليه بسبب الإحرام إلا النساء والطيب" ويُروى ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال سالم بن عبد الله ، وقال بعضهم : لا يحلُّ له النساءُ والطيبُ والصّيد، وبه قال مالك . وذهب أكثرُهم إلى أنه يحِلُّ له الطيبُ أيضاً إلا النساء ، لما روي عن عائشة قالت: طيبتُ رسولَ الله عَ زِلَّمِ يومَ النحر قبلَ أن يطوف بالبيت بطيبٍ فيه مسكٌ (١) والحديث صحيح. (١) أخرجه البخاري ٣١٥/٣، ٣١٧ في الحج: باب الطيب عند الإحرام ، وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل ويدهن ، وباب الطيب بعد رمي الجمار، ومسلم (١١٩١) في الحج : باب الطيب للمحرم عند الإحرام واللفظ له ، وأخرجه النسائي ١٣٧/٥ بلفظ : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ولحله بعد ما رمى جمرة العقبة قبل أن يطوف. بالبيت . وأخرجه أحمد ٢٠٠/٦ و٢٤٤ بسند صحيح ولفظه : طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم بذريرة لحجة الوداع للحل والإحرام حين شرح السنة : ج ٧ - ٢ ١٤ - ٢١٠ - ورُوي عن عائشة عن رسول الله صل الم قال: إذا رَمَى أحدُكم جمرة العقبة، فقد حلّ له كلُّ شيء إلا النساء)) (١). وإسناده ضعيف. وأما العُمرة، فلها تحدُّل واحدٌ ، فإذا طاف وسعى وحلق ، فقد حلّ له جميعُ محظورات الإحرام، ومن لم يجعل الحلقَ من أسباب التحلل. قال : قد حلَّ بعد السّعي . أحرم وحين رمى جمرة العقبة يوم النحر قبل أن يطوف بالبيت . وبهذاأي: بالحل بعد رمي جمرة العقبة ، وقبل الحلق والطواف قال عطاء ومالك وأبو ثور وأبو يوسف، وهو رواية عن أحمد صححها ابن قدامة في ((المغني)) ٤٣٩/٣ . (١) أخرجه أبو داوود (١٩٧٨) وإسناده ضعيف كما قال المصنف، فيه الحجاج بن أرطاة وهو مدلس ، وقد عنعن ، وذكر أبو داوود وابن معين وأبو حاتم أن الحجاج بن أرطاة لم يسمع من الزهري شيئاً ، ورواه ابن أبي شيبة ثنا وكيع ، عن هشام بن عروة ، عن عروة ، عن عائشة فذكره سواء وإسناده صحيح ، وفي الباب عن ابن عباس عند النسائي ٢٧٧/٥ وابن ماجة (٣٠٤١) موقوفاً ((إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، فقال رجل : يا أبا العباس والطيب ؟ قال : أما أنافاني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يضمخ رأسه بالمسك أفطيب هو أم لا ؟ ! ورجاله ثقات. إلا أن الرأوي عن ابن عباس وهو الحسن بن عبد الله العرني لم يدركه ولم يسمع منه. وأخرج أحمد ٢٩٥/٦، والحاكم ٤٨٩/١ من حديث محمد بن إسحاق ، ثنا أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة عن أبيه وعن أمه زينب بنت أبي سلمة أنهما حدثاه ، عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عشية يوم النحر: (( إن هذا اليوم رخص لكم إذا رميتم الجمرة أن تحلوا من كل ماحرمتم عنه إلا النساء)) وإسناده قوي ، وأخرجه أبو داوود (١٩٩٩) مطولا وفيه حكم آخر، قال البيهقي : لاأعلم أحدا من الفقهاء قال به ونصه: (( عن أم سلمة قالت : كانت ليلتي التي يصير إلي باب من ترك ترتيب أعمال يوم النحر ١٩٦٣ - أخبرنا أبو الحسن الشِّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عيسى بن طلحة بن مُبيد الله عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ وَّهُ فِي حَجَةِ الْوَدَاعِ بِنَى لِلنَّاسِ يَسْأَلُونَهُ، فَجاءَهُ رُجُلٌ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ ، فَقَالَ خَرَجَ، فَجَاءَهُ رَجُلْ آخَرُ رَسُولُ اللهِ عَلَهُ: ((إِذَبَحْ وَلَاَ ◌َ فَقَالَ: يَارَسُولَ اللهِ لَمْ أَشْعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ ، فَقَال: فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مساء يوم النحر ، فصار الي ودخل علي وهب بن زمعة ومعه رجل من آل أبي أمية متقمصين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لوهب: ((هل أفضت أبا عبد الله؟)) قال : لا والله يارسول الله، قال صلى الله عليه وسلم: انزع عنك القميص)) قال: فنزعه من رأسه، ونزع صاحبه قميصه من رأسه، ثم قال: ولم يارسول الله؟ قال: ((إن هذا يوم رخص لكم إذا أنتم رميتم الجمرة أن تحلوا)) يعني من كل ماحرمتم منه إلا النساء (( فإذا أمسيتم قبل أن تطوفوا هذا البيت صرتم حرماً كهيئتكم قبل أن ترموا الجمرة حتى تطوفوا به)) وذكر إبن حزم أنه ( أي. الإحرام مجددا إذا لم يطف للافاضة ) مذهب عروة بن الزبير . - - ٢١٢ - «إرْمِ وَلاَ حَرَجَ، فَا سُئِلَ رَّسُولُ اللهِّهِ عَنْ شَيْءٍ قُدْمَ وَلاَ أُخْرَ إلَّ قَالَ: ((إِفْعَلْ وَلاَ حَرَجَ)). هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك . ورواه محمد بن أبي خفصة عن الزهري بهذا الإسناد ، وقال : أناهُ رُجُلٌّ فقال: يا رسول الله: إني حلقتُ قبلَ أن أرمي قال: ((إرم ولا حرج )) وأتاهُ آخر، فقال: إني ذبحتُ قبل أن أرميَ ؟ قال : (((إرم ولا حرج)) وأتاهُ آخرُ ، فقال: إني أفضتُ إلى البيت قبل أن أرميَّ، قال: ((إرم ولا حرج)) (٢). ١٩٦٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا علي بن عبد الله نا يزيد بن زريع ، نا خالد ، عن عكرمة عَنِ أَبْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيِّ ◌ِِّ يُسْأَلُ يَوْمَ الْنَّحْرِ بِنَى، فَيَقُولُ: ((لاَ حَرَجَ، فَسَأَلَهُ رَجُلْ، فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: ((إِذْبَحْ وَلاَ حَرَجَ ، قَالَ: وَمَيْتُ بَعْدَ (١) ((الموطأ)) ٤٢١/١ في الحج: باب جامع الحج، والبخاري ٤٥٤/٣، ٤٥٦ في الحج : باب الفتيا على الدابة عند الجمرة ، ومسلم ( ١٣٠٦ ) في الحج : باب من حلق قبل النحر ، أو نحر قبل الرمي . ،(٢) أخرجه مسلم (١٣٠٦) (٣٣٣). ---- --------- - - ٢١٣ - مَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ («لاَ حَرَجَ))(١). هذا حديث صحيح قال الإمام : ترتيب أعمال يوم النّحر مُسنة، وهو أن يرميّ، ثم يذبح" ثم يحلقَ، ثم يطوف، فلو قدّم منها نُسكاً على نسك لاشيء عليه عند أكثر أهل العلم، وإليه ذهب مجاهدٌ ، وطاووس ، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق (٢). (١) صحيح البخاري ٤٥٣/٣ في الحج : باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسياً أو جاهلا . (٢) ذكر الخطابي في ((معالم السنن)) ٤٣٢/٢: وقال أحمد وإسحاق فيمن فعل ذلك ساهياً : فلا شيء عليه ، كأنه يرى أن حكم العامد خلاف ذلك ، ويدل على صحة ما ذهب إليه أحمد قوله في هذا الحديث: (( إني لم أشعر فحلقت)) وقال ابن قدامة في ((المغني)) ٤٤٧/٣: قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل حلق قبل أن يذبح ، فقال : إن كان جاهلا ، فليس عليه ، فأما التعمد ، فلا ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأله رجل فقال : لم أشعر . وقال ابن دقيق العيدفي في شرح ((عمدة الأحكام)) ٧٩/٣ : ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل على وجوب اتباع الرسول في الحج بقوله ((خذوا عني مناسككم)) وهذه الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل : لم أشعر فيختص الحكم بهذه الحالة ، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الاتباع في الحج ، وأيضاً فالحكم إذا رتب على وصف يمكن أن يكون معتبراً لم يجز أطراحه ، ولا شك أن عدم الشعور وصف مناسب لعدم المؤاخذة . وقد علق به الحكم ، فلا يمكن اطراحه بالحاق العمد به . إذ لا يساويه . وأما التمسك بقول الراوي : فما سئل عن شيء إلى آخ ، فانه يشعر بأن الترتيب - ٢١٤ - وذهب بعضُ أهل العلم إلى أنه إذا قدَّم نُكاً قبل نسك ، يجب عليه «م"، وهو قول سعيد بن جبير، وقتادة ، وبه قال مالك، وأصحاب الرأي وتأوّلوا قوله ((لا حرج)) على رفع الإثم دون الفدية. ورُوي عن عبد الله بن عمر "لَقِيَ رجلًا من أهله قد أفاض، ولم يحلق جهل ذلك ، فأمره أن يرجِعَ فيحلق، أو يقصّر، ثم يرجع إلى البيت ، فيُفيض. أما إذا سعى بين الصفا والمروة قبل أن يطوف بالبيت في الحج ، أو في العمرة ، فلا يُحسب سعيه حتى يُعيده بعد الطواف بالبيت عند عامة أهل العلم إلا ما ◌ُحكي عن عطاء أنّه قال: يجزئه سعيُهُ، واحتج بما رُوي عن أسامة بن شريك قال: خرجت مع رسول اللهِ وَلضم حاجاً، فكان النّاس يأتونه ، فمن قائل: يا رسولَ الله سعيتُ قبل أن أطوف، أو أخَرت شيئاً أو قدمت، فكان يقول: ((لا حرجَ لا حرجً)) (١) وهذا عند العامّة أن يكونَ قد سعى عقيبَ طواف القدوم قبل الوقوف بعرفة، ويكون محسوباً له ، ولا يجب عليه أن يعيدَه بعد طواف الإفاضة ، فأما من لم يكن سعى عقيبَ طواف القدوم ، فعيه بعد الوقوف بعرفة لا يُحسب قبل طواف الإفاضة . مطلقاً غير مراعى ، فجوابه أن هذا الإخبار من الراوي يتعلق بما وقع السؤال عنه وهو مطلق بالنسبة إلى حال السائل ، والمطلق لا يدل على أحد الخاصين بعينه ، فلا يبقى حجة في حال العمد . (١) أخرجه أبو داوود (٢٠١٥) في المناسك: باب فيمن قدم شيئاً قبل شيء في حجه وإسناده جيد . باب الخطية يوم النحر بمنى ١٩٦٥ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد بن سلام ، نا عبد الوهّاب ، نا أيوب عن محمد عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ الْبِيْ نِهِ قَالَ: ((إِنْ الْزَمَانَ قَد اسْتَدَارَ كَيَأْتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ، السََّةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً، مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلاَثْ مُتَوَالِياتٌ ، ذُو الْقَعْدَةِ ، وذُوَ الِحِجَّةِ، وَالْحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الْذِي بَيْنَ بَُّادَى وَشَعْبَانَ . أَيُّ شَهْرٍ هَذا؟ قُلْنَا: اللّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّ ظَنَنَا أَنْهُ سَيُسَمْيْهِ بِغَيْرِ أَسْمِهِ، قَالَ: ((أَلَيْسَ ذَا اِحِجَّةِ؟)) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((أَيُّ بَلَدِ هَذا؟)) قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَّا أَنْهُ سَيُسَمِيهِ بِغَيْرِ آشيِهِ ، قَالَ: ((أَلَيْسَ الْبَلْدَةَ ؟، قُلْنَا: بَلَى، قَالَ: ((فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟)) قُلْنَا: اللهُ ورَّسُولُهُ أَعْلَمْ، فَسَكَتَ حَتَّى ◌َنَّا أَنَّهُ سَيُسَمْيْهِ بِغَيْرِ إِسْمِهِ، قَالَ: « أَيْسَ يَوْمَ الْنَّحْرِ، قُلْنا: بَلَى، قَالَ: (( فَإنَّ - ٢١٦ - دِمَاءَ كُمْ وَأَمْوَاَلَكُمْ . قَالَ مُمَّدٌ(١): وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في بَدِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِ كُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسألُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلاَ فَلاَ تَرْجِعُوا بَعْدي ◌ُلاَّلاَ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِ قَابَ بَعْضٍ، أَلا لِيُبَلْغِ الْثَّاهِدُ الغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِغُهُ أنْ يَكُونَ أُوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ». صَلى الله فَكَانَ مُحَّدُ إذا ذَكَرَهُ ، قَالَ : صَدَقَ النّبِيُّ "ثُمْ قَالَ: ((أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ)). هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عبد الوهاب الثقفي . وُرُوي عن ابن عمر: وقف النبيُّ عَِّ يوم النحر بين الجمرات في الحجة التي حجَّ، وقال: أتدرون أيّ يوم هذا بمثل معناه (٣) وقال: ((هذا (١) هو ابن سيرين أحد رواة الحديث. قال الحافظ: كأنه كان يشك في هذه اللفظة ، وقد ثبتت في رواية غيره . (٢) البخاري، ٦/١٠ في الأضاحي: باب من قال: الأضحى يوم النحر، ومسلم ( ١٦٧٩ ) في القسامة : باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال . (٣) أخرجه البخاري ٥٩/٣}، وقوله: وقال: هذا يوم الحج ... أخرجه معلقاً، ووصله ابن ماجة (٣٠٥٨) وأبو داوود (١٩٤٥) وإسناده صحيح . . -. - ٢١٧ - يومُ الحج الأكبر)، فطفق النبي ◌ُ ◌ٍّ يقول: ((اللهم اشهد)) وودَّع النّاس فقالوا : هذه حجةُ الوداع . قوله: ((الزمان قد استدار كهيئته)) أراد بالزمان الدهر" وسفيه ، قال شمر : الزمان والدهر واحد ، وأنكر ذلك أبو الهيثم ، وقال : الزمان زمانُ الحرِّ، وزمانُ البرد ، وزمانُ الرّطب ، ويكون الزمان من شهرين إلى ستة أشهر ، والدهر لا ينقطع إلا أن يشاء الله عزَّ وجل . وقال الأزهري : الدهر عند العرب يقع على بعض الدَّهر ، وعلى ◌ُدَّة الدنيا كلّها، سمعتُهم يقولون: أقمنا على ماء كذا دهراً، فيجوزُ أن يُقالَ : الزمان والدهر في معنى" دونَ معنىً. وقوله: ((قد استدار))، أي: دار. وقوله: ((وأعراضكم)) هي جمع العرض، والعرض: موضع المدح والذم من الإنسان يريد الأمور التي يرتفعُ الرجلُ أو يسقطُ بذكرها ، فيجوز أن يكون فيه دون أسلافه، ويجوز أن يكون في أسلافه ، فيلحقه النقيصةُ بذكرهم وعيهم، هذا قولُ أكثر أهل الدُّغة، إلا ما قاله ابنُ قتيبة ، فإنه أنكر أن يكون العرضُ: الأسلاف، وزعم أن عِرضَ الرجل نفسه، واحتج بالحديث عن رسول الله عَ ◌ّةٍ في وصف أهل الجنة ((( لا يتغوَّطون ولا يبولون إنما هو عرق يجري من أمراضهم مثل ريح المسك)) (١) يعني من أبدانهم، وبحديث أبي ضمضم ((اللهم إني تصدَّقتُ بعرضي (١) هو في صحيح مسلم (٢٨٣٥) من حديث جابر مرفوعاً بلفظ (( يأكل أهل الجنة فيها ، ويشربون ، ولا يتغوطون ، ولا يمتخطون ، ولا يبولون، ولكن طعامهم ذاك جشاء كريح المسك)) ، وفي رواية عنه أيضاً (( جشاء ورشح كرشح المسك)) - ٢١٨ - على عبادك)) (١) يريد بنفسي، وأحللتُ من يغتابني. وليس إليه أن يُحِلّ من يَسُبُ أسلافه الموتى ، ويقول حسَّان : فإنّ أبي ووالِدَتي وعيرضي لعرض محمد مِنكم وِقاء(٢) يريد : نفسه ، والأول أولى، ولو كان المرادُ من الأعراض المذكورة في الحديث النفوس ، لكان ذكر الدماء كافياً ، لأن المراد من الدماء النفوس . وأما قوله عليه السلام ((إنما هو عرق يجري من أعراضهم)) قال الأموي: هي المغابن والمواضع التي تعرق من الجسد ، قال الأصمعي: يقال فيه: فلانٌ طيِّب العرض يريدَ طيِّب الريح ، وقول أبي ضمضم: ((تصدّقت بعرضي على عبادك)) معناه : تصدّقتُ على من ذكرني، أو ذكر أسلافي بما يرجع عيبُهُ إلي ، ولم يُرد أنه أحلَّ من أسلافه ما لحقهُم بذكره، ولكن أحلّ يِما وصل إليه من الأذى بذكرهم. ومعنى قول حسّان: ((وعرضي)) أراد: جميع (١) إسناده ضعيف أخرجه أبو داوود ( ٤٨٨٧) من حديث حماد ، عن ثابت ، عن عبد الرحمن بن عجلان مرسلاً قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( أيعجز أحدكم أن يكون مثل أبي ضمضم ؟ قالوا : ومن أبو ضمضم؟ قال: رجل فيمن كان من قبلكم ... )) وعبد الرحمن بن عجلان مجهول الحال ، وأخرجه موصولاً عن محمد بن عبد الله العمي ( وهو لين الحديث ) عن ثابت عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه ، وقد رجح رواية حماد عن ثابت المرسلة البخاري وأبو داوود والعقيلي والخطيب كما نقله في ((التهذيب)). (٢) البيت من قصيدة يمدح بها رسول الله ، ويهجو أبا سفيان ومطلعها : إلى عذراء منزلها خلاء عفت ذات الأصابع فالجواء وهي أول قصيدة في الديوان، وهو أيضاً في البخاري ٣٣٤/٧، ومسلم (٢٤٩٠)، ((والمسند)) ١٩٨/٦. ---- - - -------- - ٢١٩ - أسلافي الذين "أمدحُ وأذمُّ بذكرهم، فأتى بالعموم بعد الخصوص (١). قوله: ((لا ترجعوا بعدي ضلالاً)) ويُروى ((لا ترجعوا بعدي كفاراً يَضرب بعضُك رقاب بعض)) معناه: لا تكن أفعالكم شبيه أفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين ، وقيل: لا تُكفِّر الناس فتكفُر" كما يفعله الخوارجُ، وقيل: معنى قوله ((كُفّاراً)) يعني لا بسين السلاح يقالُ : كفر فوق درعه: إذا لبس فوقها ثوباً ، وسمي الكافر كافراً لأنه يَستر بكفره الإيمان، وسُمِّيت الكفارة كفارة ، لأنها تُغطي على الآثام . قوله: ((أليس البلدة)) أي: البلدة المحرمة كما قال الله سبحانه وتعالى: ( إنما أمِرتُ أن أعبد ربَّ هذه البلدةِ الذي حَرَّمها) [ النمل: ٩١] وقال عزَّ وجلَّ ( ربّ اجعل هذا البلد آمناً) [إبراهيم: ٣٥]، ويقال: إن البلدة اسم خاص لمكّة ، ولها أسماء -واها . قال الإمام : المُستحبُ للإمام أن يخطب في الحجّ أربع مَرَّات: يوم السّابع من ذي الحجة بمكّة بعد ما صلى الظهر خطبة" واحدة" يأمر الناس بالغُدو إلى مِنى بعد ما صلَّوا الصُّبْحَ من يوم التروية، ويخطبُ يومَ عرفة بعد الزوال قبل الصَّلاة خطبتين، ويخطّب يوم النحر خطبة واحدة بعد ماصلى الظهر بنى يعظُهُم فيها، ويُبيِّن لهم حُكمَ النحر، والرَمي ويخطبُ يوم النّفر الأول بعد ما صلى الظهرَ خطبة" أخرى يُودع فيها (١) ومما يدل على غلط ابن قتيبة أيضاً قول مسكين الدرامي : رب مهزول سمين عرضه وسمين الجسم مهزول الحسب ولقد كان وما يدعى لأب نسبته الوَرِقِ البيض أباً فإن معناه : رب مهزول البدن والجسم كريم الآباء . - ٢٢٠ - الحاجَ، ويُعلّمهم أنّ من أراد التعجيل، وترك ومي اليوم الثالث، والميت بمنى، فذلك له واسعٌ. وقد رُوي عن رافع بن عمرو المزني قال : رأيتُ رسول اله مثل يخطُب النّاسَ بمنى حين ارتفع الضحى على بغلةٍ شهباء وعلي يُعبِّرُ عنه، والناسُ بين قائم وقاعدٍ (١). ورُوي عن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رُجلين من بني بكر ، قالا : رأينا رسولَ الله مَ لَّ بخطب من أوسط أيام التشريق ونحنُ عند راحلته (٢). قال الإمام: والخُطب المشروعة عشرة: خطبتا الجمعة ، والعيدين ، والخسوفين، والاستسقاء، وأربعة في الحج كلتها مُنّة إلا خطبة الجمعة، وكلُّها بعد الصلاة إلا خطبة الجمعة، وُخطبة يوم عرفة وكلها أشفاع إلا ثلاثاً في الحجّ خطبة يوم السابع، ويوم النحر ، والنفر الأول. قوله عر قل في الحديث (( إن الزمان قد استدار كهيأته يوم خلق الله السّموات والأرض» معناه : أن العرب كانت في الجاهليّة قد بدَّلت أشهر الحُرم، وذلك أنهم كانوا يعتقدون تعظيمَ هذه الأشهر الحُرم ، ويتحرجون فيها عن القتال ، فاستحلَّ بعضهم القتال فيها من أجل أن عامة معايشهم كانت من الصيد والغارة ، فكان يشقُ عليهم الكفُّ عن ذلك ثلاثة أشهرٍ على التّوالي، وكانوا إذا استحلوا شهراً منها ، حرَّموا مكانه شهراً آخر ، وهو النسيء الذي ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه ، فقال: ( إنما النسيء زيادة في الكفر ) ومعنى النسيء: تأخير تحريم رجب إلى شعبان ، والمحرم إلى صفر، مأخوذ من نسأتُ الشيء: إذا أخرته ، وكان (١) أخرجه أبو داوود (١٩٥٦) في المناسك: باب أي وقت يخطب. يوم النحر . (٢) أخرجه أبو داوود ( ١٩٥٢) في المناسك: باب أي يوم يخطب بمنى، وإسناده صحيح، وسكت عنه المنذري والحافظ في ((التلخيص)).