النص المفهرس

صفحات 101-120

- ١٠١ -
وبا أو حرام ، ومعاملةُ من يتخذ الملاهي والصور ، فيأخذ عليها الأجرَ،
ومعاملةُ اليهود والنصارى الذين يتصرفون في الخمور، فالأولى اجتنابه .
والثاني: مكروه وهو أن لا يقبل الرُّخصَ التي رخص اللهُ سبحانه وتعالى
فيه ، كالفطر في السفر ، وقصر الصلاة ، وترك قبول الهدية ، وإجابة
الداعي، والتشككٍ بالخواطر التي جماعها العنت والحرج، ذكره الخطابي .
وفي الحديث دليل على أن من وجد في طريقٍ تمرة" أو نحوها من الطعام
يُباح له أكلها، ولا يكون حكمُها حكمَ اللقطة التي سبيلها التعريف.
وقد صح عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، عن النبي ويتم قال
((إِنَّ هذه الصدقات إنما هي أوساحُ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل.
محمد )(١).
(١) أخرجه مسلم ( ١٠٧٢ ) في الزكاة : باب ترك استعمال آل النبي
صلى الله عليه وسلم على الصدقة .

اب
تحريمها على موالي الرسول حد اله
١٦٠٧ - أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد عبد الجبار
ابن محمد الجراحي ، نا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، نا أبو عيسى الترمذي ،
نا محمد بن المثنى، نا محمد بن جعفر، نا مُشعبة ، عن الحكم ، عن ابن أبي رافع
عَنْ أَبِي رَافِعِ أَنَّ رُسُولَ اللهِّهِ بَعَثَ رَجُلاً مِنْ بَنِي
مَخْزُومِ على الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لِأَبِي رَافِعٍ: إِصْخَيْنِي كَمْا نُصِيبٌ
مِنْهَا، فَقَالَ: لا حَتَّى آتِيَ رَسُولَ اللهِ عَِّلّهِ، فَأَسْأْلَهُ، فانطَلَقَ
إلى النَّيْ بُِّ فَسأَلَهُ، فَقَالَ: ((إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَحِلُّ لَنَا،
وإنَّ مَوالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ)) (١)
(١) الترمذي (٦٥٧) في الزكاة : باب ما جاء في كراهية الصدقة
للنبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته ومواليه، وأخرجه أحمد ٨/٦و١٠،
وأبو داود ( ١٦٥٠ ) في الزكاة : باب الصدقة على بني هاشم ، والنسائي
١٠٧/٥ في الزكاة : باب مولى القوم منهم ، وصححه ابن خزيمة وابن حبان
والحاكم ٢٠٤/١ ووافقه الذهبي وهو كما قالوا، وفي ((مصنف)) عبدالرزاق
(٦٩٤٢) من حديث سفيان الثورى عن عطاء بن السائب قال: حدثتني
أم كلثوم ابنة علي قال: وأتيتها بصدقة كان أمر بها، فقالت: احذر
شبابنا ، فإن ميمون أو مهران مولى النبي صلى الله عليه وسلم ، أخبرني
أنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( يا ميمون أو يا مهران إنا
أهل بيت نهينا عن الصدقة، وإن موالينا من أنفسنا، فلا تأكل الصدقة ))
وهو في ((المسند)) ٣٤/٤، ٣٥، عن عبد الرزاق. وقوله: ((مولى القوم من
أنفسهم)) أخرجه البخاري في صحيحه)) ٤١/١٢ من حديث أنس .

- ١٠٣ -
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح. وأبو رافع مولى رسول
الله ◌ِِّ واسمه أسلمُ. وابن أبي رافع| اسمه عبيد الله بن أبي رافع كاتب
علي بن أبي طالب رضي الله عنه .
قال رحمه الله: لم يختلف المسلمون في أن الصدقة المفروضة كانت
محرمة على الرسول مؤالقلم ، وكذلك على بني هاشم على قول أكثر العلماء
قال الشافعي: لا تحِلُّ لبني المطلب، لأن النبي ◌َّمِ أشر كهم في سهم
ذوي القربى من الغنيمة مع بني هاشم ، وتلك العطيةُ عوضٌ لهم عما
حُرِمُوا من الصدقة . فأما موالي بني هاشم ، فاختلفوا فيهم ، فمنهم من لم
ييخ لهم لظاهر الحديث ، ومنهم من أباح لهم، لأنه لا حظّ لهم في سهم
ذوي القربى، وإنما نهى النبي مَع أبا رافع تنزيهاً له، وقال: ((مولى
القوم من أنفسهم)) في الاقتداء بهم، والأخذ بسيرتهم في الاجتناب هما
يجتنِبُون عنه، ويُشبه أن يكون النبي يُؤ ثّ يكفيه المؤونة ، إذ كان أبو
رافع يتصرفُله في الحاجة والخدمةِ ، فقال له على هذا المعنى : إذا كنت
تستغني بما أعطيتَ ، فلا تطلب أوساخ الناس ، فإنك مولانا ومنا .
أما صدقةُ التطوع، فكان مباحاً لآل الرسول ◌َِّله، والنبيُ عَّ
كان لا يأخذُها تنزيهاً، روي عن جعفر بن محمد ، عن أبيه أنه كان يشرب
من سقاياتٍ بين مكة والمدينة ، قيل له : تشربُ من الصدقة ؟ ! فقال :
إِنما حُرِّمتْ علينا الصدقةُ المفروضة" (١).
(١) قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله في تعليقه على ((المغني))
٦٥٩/٢: وتعليل التحريم بأنها أوساخ الناس أظهر في صدقة التطوع ،
لأن فيها من المنة ما ليس في الصدقة المفروضة ، لأنها اختيارية والسقايات
المسبلة في الطريق في معنى الأوقاف العامة وهي الغني والفقير، ولا منة فيها
ولا استعلاء كاستعلاء المتصدق على الفقير بأن يده العليا ، ويد الآخذ
السفلى .

بـ
هل الهدية للنبي وَالّ
١٦٠٨ - أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذِّن، نا أبو محمد عبد
الرحمن بن محمد بن أحمد بن بالويّة، نا أبو بكر العطار، نا قطنُ بن إبراهيم.
القُشيري ، نا حفص بن عبد الله ، نا إبراهيم بن طهان ، عن محمد بن زياد
عَنْ أَبِي ◌ُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَّسُولُ اللهِ ◌ِ ◌ِّ إذَا أَقِيَ
◌ِطَعَامِ(١) سَأَلَ عَنْهُ أَهْدِيَّةٌ هُوَ أَمْ صَدَقَةُ؟ فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ ،
قَالَ لأَصْحَابِهِ: كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ، ضَرَبَ
بِيَدِهِ (٢)، فَأْكلَ مَعُهُم.
هذا حديث متفق على صحته (٣) أخرجه محمد ، عن إبراهيم بن المنذر ،.
(١) زاد أحمد وابن حبان من طريق حماد بن سلمة، عن محمد بن
زياد (( من غير أهله)).
(٢) أي : شرع في الأكل مسرعاً ، ومثله: ضرب في الأرض: إذا أسرع
السير فيها .
(٣) البخاري ١٤٩/٥ في الهبة وفضلها والتحريض عليها: باب قبول
الهدية ، ومسلم (١٠٧٧) في الزكاة : باب قبول النبي الهدية، ورده الصدقة.

- ١٠٥ -
عن معن، عن إبراهيم بن طهمان، وأخرجه مسلم عن عبد الرحمن بن سلام
الجمحي ، عن الربيع بن مسلم ، عن محمد بن زياد .
١٦٠٩ - أخبرنا أبو صالح أحمد بن عبد الملك المؤذن، أنا أبو بكر
محمد بن أحمد الرَّجائي، نا أبو العباس الأصمُ، نا الحسن بن علي بن عفان
العامري، نا أسباط ، عن الأعمش ، عن أبي حازم
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِيٍّ: (( لَوْ دُعِيتُ
إلى كُرَاعٍ لِأَجَبْتُ، ولو أُهدِيَ إليَّ ذِوَاعْ لَقَِّلتْ».
هذا حديث صحيح(١) أخرجه محمد عن عبدان (٢)، عن أبي حمزة، عن الأعمش.
١٦١٠ - أخبرنا أبو محمد عبد الله بن عبد الصمد الجوزجاني، أنا أبو القاسم
علي بن أحمد الخزاعي ، أنا أبو سعيد الهيثمُ بن كليب الشاشي ، نا أبو عيسى
محمد بن عيسى الترمذي، نا علي بن خشرم وغيرُ واحدٍ ، قالوا : نا عيسى
بن يونس ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّيَّبِّهِ كَانَ يَقْبَلُ الحَدِيَّةَ وَيُنِيبُ عليها.
(١) البخاري ٢١٣/٩ في النكاح: باب من أجاب إلى كراع ، وفي
الهبة : باب القليل من الهبة ، وأخرجه الترمذي ( ١٣٣٨) في الأحكام :
باب ما جاء في قبول الهدية ، وإجابة الدعوة .
(٢) هو عبد الله بن عثمان بن جبلة بن أبي روّاد العتكي أبو عبد
الرحمن المروزي وعبدان لقبه ، ثقة حافظ اتفقا على إخراج حديثه .

- ١٠٦ -
هذا حديث صحيح(١) أخرجه محمد عن مسدّد ، عن عيسى بن يونس .
قال أبو سليمان الخطابي: كان رسولُ اله ◌ٍَّ يقبلُ الهديّة، ولا يأخذ
الصدقةَ لِنفسِهِ ، وكان المعنى في ذلك أن الهديّة إنما يُرادُ بها ثوابُ
الدنيا، فكان النبي ◌ِّمِ يَقبلُها، ويُنِيبُ عليها فتزُولُ المِنَّةُ. وأما
الصّدّقةُ يُراد بها نوابُ الآخرةِ، فلم يَجُز أن تكون يدٌ أعلى من يدهٍ
في ذات الله، وفي أمر الآخِرة، ولأن الصدقة أوساخُ الناس، فصانهُ
الله سبحانه وتعالى عنها ، وأبدلها بخُمسِ الغنيمةِ والفيء.
١٦١١ - أخبرنا أبو الحسن الشّرزي، أنا زاهرُ بن أحمد، أنا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو مُصعب عن مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ، عن
القاسم بن محمد
عن عائِشَةَ زَوْجِ آَنَّبِيِّبِّهِ أَنَّا قَالَتْ: كان في بَرِيرَه
ثلاثُتَنِ، فَكَانَتْ إحدَى السُّغَنِ الثّلاثَةِ أَنْهَا عَتَقَتْ،
فَخْرَتْ فِي زَوْجِهَا، وَقَالَ رَسُولُ اللهِيمِ («آلْوَلَاءُ لِمَنْ
أَغْتَقَ ، وَدَخلَ رَسُولُ اللهِ عِهِ وَآلْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ ،
فَقُرْبَ إِلَيْهِ مُبْزٌ وَإِدَامٌ مِنْ إِدَامِ آلْبَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
سَلِّ(( أَمْ أَرَ بُرمَةَ فِيهَا لَمْ؟، قَالُوا: بَلَى يَارَسُولَ اللهِ،
(١) الترمذي (١٩٥٤) في البر والصلة : باب ماجاء في قبول الهدية
والمكافأة عليها ، والبخاري ١٥٤/٥ في الهبة : باب المكافأة في الهبة .

- ١٠٧ -
وَلَكِنِ ذَلِكَ لَمْ تُصُدْقَ بِهِ عَلى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لا تَأْكُلِ الصَّدَقَةَ،
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ (( هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ إِلَيْنَا هَدِّيَّةٌ)).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن إسماعيل بن عبد الله ،
وأخرجه مسلم عن أبي الطّاهر ، عن ابن وهب ، كلاهما عن مالك .
١٦١٢ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن
عبد الله بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار ، نا أحمد بن منصور
الرّمادي ، نا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري
عَنْ عَبْدِ الرَّحمنِ بنِ كَعْبٍ بنِ مالكِ قَالَ: جَاءَ مُلَاعبُ
الأَسِنَّةِ(٢) إِلَى رسولِ اللهِ وَالْ بِهَدِّيَّةٍ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ النَّيَِِّه
(١) ((الموطأ» ٥٦٢/٢ في الطلاق: باب ما جاء في الخيار، والبخاري
٣٥٥/٩ في الطلاق: باب لا يكون بيع الأمة طلاقاً ، وفي النكاح : باب الحرة
تحت العبد، وفي الأطعمة: باب الادم، ومسلم (١٥٠٤) (١٤) في العتق
باب إنما الولاء لمن أعتق . والبرمة : القدر مطلقاً ، وجمعها برم .
(٢) هو عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب العامري أبو براء فارس
قيس ، وأحد أبطال العرب في الجاهلية ، وهو عم لبيد بن ربيعة الشاعر
الصحابي ، وقال عامر بن الطفيل : سمي ملاعب الأسنة بقول أوس
ابن حجر :
فَرَاحَ لَهُ حظْ الكتيبَةِ اجْمَعُ
ولَاعَبَ أَطْرَافَ الأسِنَّةِ عَامِرٍ.
أدرك الإسلام ، وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم بتبوك ، ولم
يثبت إسلامه كما حققه الحافظ في ((الإصابة)» ١٦/٤، ١٧

- ١٠٨ -
الإِسْلاَمَ، فَأَبِى أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالَ بِّهِ(( فَإنّي لاَ أَقْبَلُ هَدِّيَةَ
مُشْرِكٍ ،(١) ،
وروي عن عياض بن حمار قال: أهديتُ النبي ◌ِّمِ ناقة" ، فقال
النبي ◌َِّنِ: أسلمتَ ؟ قلتُ: لا، قال ((فإني مُنهيتُ عن زَبْد
المشركين ))(٢) يعني هداياهم.
يقال: زَبَدْتُ الرجُلَ، أزبِدُ زَبْداً، إذا رَفدْتُهُ، وَوَهبت" له،
والزّبدُ: الرَّفدُ .
قال رحمه الله: وقد رُوي أن كِسرى أهدى النبي ◌ِ{م، فقيلهُ،
وأن الملوك أهدوا إليه ، فقبيلَ منهم، (٣)
وأَهْدَتِ اليهودُ إليه مناةً فيها سَمٌ، فأكل منها .
وقد قيل : كان يَرُدُ هداياهم، ثم قبلها، فصار الأوّلُ منسوخاً .
(١) رجاله ثقات، لكنه مرسل، وذكره الحافظ في ((الفتح))
١٦٨/٥ عن مغازي موسى بن عقبة، وأعله بالإرسال، وقال: وقد وصله
بعضهم عن الزهري ، ولا يصح .
(٢) أخرجه الطيالسي ٢٨٠/١، ومن طريقه أبو داود / ٣٠٧٥)
في الخراج والإمارة والفيء : باب في الإمام يقبل هدايا المشركين ، والترمذي.
(١٥٧٧) في السير: باب ما جاء في كراهية هدايا المشركين وإسناده
حسن ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وصححه ابن خزيمة وأخرجه
الطيالسي أيضاً من طريق آخر ورجاله ثقات . وعياض بن حمار ألم.
بعد ذلك وحديثه في صحیح مسلم رقم (٢٨٦٥) :
(٣) أخرجه الترمذي (١٥٧٦) في السير : باب ما جاء في قبول
هدايا المشركين من حديث ثوير ، عن أبيه ، عن علي . وثوير هو ابن أبي
فاختة ضعيف ، وفي صحيح مسلم (٢٠٧١) (١٨) عن علي رضي الله =

- ١٠٩ -
قال أبو عيسى: احتمل أن يكون 'نهي عن هداياهم بعد ما كان يقبل منهم. (١)
قال الخطابي : وفي رَّهِ هدِيّته وجهان ، أحدهما : أن يغيظه بردّ
الهديّة ، فيحمِلِهُ ذلك على الإسلام ، والآخر : أن للهديّة موضعاً من القلب .
وقد رُوي ((نهاَدْوا تحابُّوا)) (٢). ولا يجوز على النبي مَ ◌ّم أن يميلّ بقلبه
إِلى مُشركٍ ، فرَدَّ الهديّة قطعاً بسبب الميل، والله أعلم .
= عنه أن أكیدر دومة أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوب حرير ،
فأعطاه علياً، فقال: (( شققه خُمْراً بين الفواطم)) ودومة ، بضم الدال :
مدينة بقرب تبوك على عشر مراحل من المدينة ، وكان أكيدر ملكها وهو
نصراني ، وقد أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في
سرية ، فأسره وقتل أخاه حسان ، وقدم به المدينة ، فصالحه النبي
صلى الله عليه وسلم على الجزية وأطلقه . وفي البخاري ٢٧٣/٣ عن أبي
حميد الساعدي ... قال ، وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم
بغلة بيضاء وكساه برداً ... ، وفي سنن الدارمي ٢٣٢/٢ من حديث
عمارة بن زاذان عن ثابت عن أنس بن مالك أن ملك ذي يزن أهدى إلى
النبي صلى الله عليه وسلم حلة أخذها بثلاثة وثلاثين بعيراً أو ثلاث وثلاثين
ناقة فقبلها . وحديث إهداء اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم شاة
الذي استشهد به المصنف هو في ((الصحيح)) ١٦٩/٥ من حديث أنس.
(١) ذكر الحافظ القولين وضعفهما، ونقل عن بعضهم بأن الامتناع
في حق من يريد بهديته التودد والموالاة والقبول في حق من يرجى بذلك
تأنيسه ، وتأليفه على الإسلام .
(٢) حديث حسن بشواهده أخرجه البخاري في ((الأدب المفرد ))
(٥٩٤) من حديث ضمام بن اسماعيل، عن موسى بن وردان، عن أبي
هريرة ... وجود إسناده الحافظ العراقي، وحسنه الحافظ بن حجر ،
وله شاهد عند الحاكم في ((علوم الحديث)) ص ٨٠ من حديث عبدالله بن عمر،
وآخر عند الأصبهاني في ((الترغيب والترهيب)) من حديث ابن عمر ،
وثالث عند الطبراني في ((الأوسط)) من حديث عائشة. ورواه مالك في
((الموطأ)) ٩٠٨/٢ عن عطاء بن عبد الله الخراساني مرفوعاً بلفظ ((تصافحوا
يذهب الغل ، وتهادوا تحابوا ، وتذهب الشحناء )» وهو مرسل .

باب
التعفف عن السؤال
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى (لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلَاناً﴾
[البقرة: ٢٢٣] الآية. قَوْلُه عَزَّ وَجَلَّ ( يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾
أي : الجاهِلُ بِحَالِم.
١٦١٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزى، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق.
الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ أَنْ نَاً مِنَ الأَنصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ
اللهِ عَظٍِّ، فَأَعْظَاهُمْ، ثُمْ سَأَلُوهُ فَأعْطَاهُمْ حَتّى نَفِدَ مَاعِنْدَهُ
قَالَ: مَا يَكُنْ(١) عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أُدْخِرَهُ عَنْكُم ،
وَمَنْ يَسْتَعِفَ يُعِفَهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ
يَتَصَبَرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِي أَحَدْ عَطَاءاً ◌ُوَ خَيْرٌ وَأَوْسَعْ
مِنَ الصَّبْر ».
(١) ((ما)) أداة شرط، و((يكن)) مجزوم لأنه فعل الشرط وفي ((الموطأ)
والبخاري: ((يكون)) بالرفع على أن ((ما)) موصولة متضمنة معنى الشرط.

- ١١١ -
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف ،
وأخرجه مسلم عن قتيبة ، كلاهما عن مالك .
١٦١٤ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن نافع
عَنْ عَبْدِ الله بن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله ◌ِلِ قَالَ وُهُوَ عَلى المِنْبرِ
وُهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالثَّعَمْفَ عنِ المِسْأَةِ: « آلَيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ
مِنَ آلَيَدِ السُّغْلَى، وآلِيدُ الْعُلْيَا مِيَ الْنْفِقَةُ، والسُّغْلَى السَّائِلَةُ ».
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه محمد عن عبد الله بن مسلمة،
وأخرجه مسلم عن قتيبة ، كلاهما عن مالك .
١٦١٥ - أخبرنا أبو عبد الله الخرقيّ، أنا أبو الحسن الطّفُوني، أنا
عبد الله بن عمر الجوهري ، نا أحمد بن علي الكُشمِيهني ، نا علي بن حُجر ،
نا إسماعيل بن جعفر ، نا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة
عَنْ أَبِيْ مُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: وَالْذِي نَفْسِي
(١) ((الموطأ)) ٩٩٧/٢ في الصدقة: باب ما جاء في التعفف عن
المسألة ، والبخاري ٢٦٥/٣ في الزكاة : باب الاستعفاف عن المسألة ، وفي
الرقاق : باب الصبر عن محارم الله ، ومسلم ( ١٠٥٣) في الزكاة : باب
فضل التعفف والصبر .
(٢) ((الموطأ)) ٩٩٨/٢ والبخاري ٢٣٥/٣ في الزكاة: باب لا صدقة
إلا عن ظهر غنى، ومسلم ( ١٠٣٣ ) في الزكاة : باب بيان أن اليد العليا
خير من اليد السفلى .

- ١١٢ -
بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخَذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَخْتَطِبَ عَلىَ ظَهْرِهِ، فَيَأْتِيَ
بِهِ ، فَيَبِيعَهُ، فَيَأْكُلَ مِنْهُ، وَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ
يَأْتِيَ رَجُلاً أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاءُ أَوْ مَنْعَهُ».
هذا حديث متفق على صحته . (١)
١٦١٦ - أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشيري، أنا أبو سعيد
محمد بن إبراهيم بن عبد الله الإسماعيلي ، نا محمد بن يعقوب ، نا محمد بن عبد الله
ابن عبد الحكم المصري ، نا أنس بن عياض (ح) وأخبرنا أبو بكر
أحمد بن أبي نصر بن أحمد بن أبي منصور الكُوفانيّ الحرويّ بها، أنا
أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن يعقوب
التُّجِيِّ المصريُّ بها، المعروف بابن النحاس ، أنا أبو علي الحسن بن يوسف
ين مليح الطَّرَّائفي، نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أبو عبد الله سنة
إحدى وستين ومائتين ، حدثني أنسُ بنُ عياض أبو ضمرة اللّي المدني ،
عن هشام بن عروة ، عن أبيه
عَنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِّهِ(( لَأَنْ يَأُخْذَ
أُحَدُ كُمْ حَيْلَهُ ، فَيَذْهَبَ ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةٍ حَطَبِ عَلَىَ ظَهْرِهِ،
(١) ((الموطأ)) ٩٩٨/٢، ٩٩٩ في الصدقة: باب ما جاء في التعفف
عن المسألة، والبخاري ٢٦٥/٣ في الزكاة : باب الاستعفاف عن المسألة،
وباب قول الله تعالى : ( لا يسألون الناس إلحافاً ) وفي البيوع : باب کسب
الرجل وعمله بيده، وفي الشرب: باب بيع الحطب والكلأ، ومسلم (١٠٤٢)
(١٠٧) في الزكاة : باب كراهة المسألة للناس .

- ١١٣ -
فَكُفَّ بِهَا وَجْهَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْألَ النَّاسَ أَشْيَاءَ هُمْ، أَعْطَوْهُ
أَوْ مَنَعُوهُ)).
هذا حديث صحيح أخرجه محمد (١) عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب
عن هشام ، وأخرجاه من رواية أبي هريرة .
١٦١٧ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، نا أبو الطيب سهل
ابن محمد بن سليمان ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف ( ح )
وأخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله بن أحمد الملقب بالصَّالحي ، نا أبو سعيد
محمد بن موسى الصِّيرفي، نا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ، نا محمد
ابن عبد الله بن عبد الحكم ، نا أنس بن عياض، عن هشام، عن أبيه
عَنْ حكيم بن حِزَامِ بنِ خُوَّيْلِدٍ أنه سَمعَ رَسُولَ اللهِ إِلَّه
يَقُولُ: ((آلْيَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ آلَدِ السُّغْلَى، وَلَيَبْدَأْ أَحدُكُم
بِمَنْ يَعُولُ، وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرٍ غِىَ، وَمَنْ
يَسْعِفَّ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنِ اسْتَغْتَى، أَغْنَاهُ اللهُ ..
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه محمد عن موسى بن إسماعيل ، عن
◌ُهيب ، عن هشام، وأخرجه مسلم من طريق موسى بن طلحة، عن حكيم .
والاستعفاف: الصبر، وقوله سبحانه وتعالى: (وَليستعفف الذين
لا يجدون نكاحاً ) [النور: ٢٣] أي: ليصير"
(١) هو في ((صحيحه)) ٢٦٥/٣.
(٢) البخاري ٢٣٤/٣، ٢٣٥ في الزكاة : باب لا صدقة إلا عن ظهر
غني ، ومسلم ( ١٠٣٤ ) في الزكاة: باب أن اليد العليا خير من اليدالسفلى.
شرح السنة ج٦ - ٢ ٨

- ١١٤ -
١٦١٨ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو عبد الله
محمد بن حفص الجويني ، نا ◌ُندار محمد بن بشار ، نا محمد بن جعفر
◌ُغندر"، نا شعبة، عن إبراهيم سمعت أبا الأحوص
عن عبد الله، عن النَّي ◌ِِّ قال: ((الأيدي ثَلَاثُ: يَدُ
اللّهِ الْعُلْيَا، وَيَدُ الْعْطِ الَّي تَلِيهَا، وَيَدْ السَّائِلِ السُّفْلِى إِلَى يَوْمِ
الْقِيَامَةِ، فَاسْتَعِفَّ عَنْ السُّؤَالِ مَا اسْتَطِفْتَ )).
وبهذا الإسناد عن النّي ◌َِّّ قال ((ابدأ بمن تعولُ، ولا تُلامُ على
الكفاف)) . وإبراهيم: هو ابن مسلم الهجري تكلموا فيه (١).
(١) وقال أبو أحمد بن عدي : وهو مع ضعفه يكتب حديثه ، وهو
عندي ممن لا يجوز الاحتجاج بحديثه ، وإنما أنكروا عليه كثرة روايته عن
أبي الأحوص ، عن عبد الله ، وعامتها مستقيمة . وقد ذكر الحديث
المنذري في ((الترغيب والترهيب)) ١٠/٢ وقال: رواه أبو يعلى، والغالب
على رواته التوثيق ، ورواه الحاكم ٤٠٨/١ من طريق شعبة وجرير ، عن
ابراهيم الهجري ، وأخرجه أحمد (٤٢٦١ ) مختصراً من حديث القاسم بن
مالك ، عن الهجري ، وله شاهد قوي عند أبي داود ( ١٦٤٩ ) من حديث
أبي الأحوص عوف بن مالك، عن أبيه مالك بن نضلة مرفوعاً ((الأيدي.
ثلاثة ، فيد الله العليا ، ويد المعطي التي تليها ، ويد السائل السفلى ،
فأعط الفضل ، ولا تعجز عن نفسك )» وإسناده قوي ، وصححه ابن حبان
(٨٠٩) والحاكم ٤٠٨/١، وروى الطبراني من حديث حكيم بن حزام.
مرفوعاً (( يد الله فوق يد المعطي، ويد المعطي فوق يد المعطى، ويد المعطى.
أسفل الأيدي)) قال الحافظ في (الفتح)) ٢٣٦/٣: وإسناده صحيح،
وقوله في الحديث ((وابدأ بمن تعول ولا تلام على الكفاف)) يشهد له
ما أخرجه مسلم في ((صحيحه)) (١٠٣٦) من حديث أبي أمامة قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم ((يا ابن آدم إنك أن تبذل الفضل خير
لك، وأن تمسكه شر لك، ولا تلام على كفاف، وابدأ بمن تعول ... ».

- ١١٥ -
١٦١٩- أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي،
أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد بن يوسف ، نا الأوزاعي،
عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير
أنَّ ◌َحَكِيمَ بنَ حِزَامٍ قال: سَأَلتُ رَسُولَ اللهِيٍ ، فَأَغْطَانِي،
ثمْ سَأْتُه، فَأَعْطَانِي، ثُمَّ قالَ لِي: (( يَأَحَكِيمُ إِنْ هذَا المالَ
خَضِرْ حُلْوٌ(٧)، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ ، وَمَنْ
أُخذَهُ بِإِشْرَافٍ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِهِ ، وَكَانَ كَالَّذِيٍ يَأْكُلُ
وَلَا يَشْبَعُ ، وَآلْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ آلْيَدِ السُّغْلىِ،
قالَ حَكِيمٌ : فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَأَذِي بَعَثَكَ بِالحقْ
أَفَارقَ الدُّنيا .
لاَ أَرْزَأ٢٠ُ" أَحَداً بَعْدَكَ شَيْئاً حَتّى
فكانَ أَبُو بَكر يدعو حَكِماً لِيُعْطِيَهُ الْعَطَاءَ، فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ
مِنه شَيْئاً، ثمَّ إِنْ مُمرَ دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ، فَأَبِى أَنْ يَقْلَهُ، فقال:
يامَعْشَرَ المسلمين إني أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقْهُ الَّذِي قَسَ اللهُ لَهُ مِنْ هَذَا
(١) شبه المال في الرغبة فيه والميل اليه ، وحرص النفوس عليه.
بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة ، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده ،
والحلو كذلك على انفراده ، فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد .
(٢) أي : لا أنقص ماله بالطلب منه .

- ١١٦ -
[الْفَيْ فَأَبِى أَنْ يَأْخَذَهُ، فَ يَرْوَأُ حَكِيمْ أَحَداً مِنَ النَّاسِ بَعْدَ
الّي عَالِ حَتّى تُوُفِيَّ(١).
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي
شيبة ، عن سفيان ، عن الزهري .
وروي عن عبد الله بن عامر الحصُبي قال : سمعت معاوية يقول :
سمعت رسول الله مَ اقَم يقول: ((إنما أنا خازنٌ، فمن أعطيتُه عن طِيبِ
نفسٍ ، فيبارَكُ له فيه، ومن أعطيتُه عن مسألة وشرٍ، كان كالذي يأكل
ولا يشبع))(٣).
(١) قال الحافظ: وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه ،
لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئاً ، فيعتاد الأخذ ، فتتجاوز به نفسه إلى
ما لا يريده ، ففطمها عن ذلك، وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه ، وإنما
أشهد عليه عمر ، لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع
حكيم من حقه .
(٢) البخاري ٢٦٥/٣، ٢٦٦ في الزكاة: باب الاستعفاف عن المسألة،
وفي الوصايا : باب تأويل قول الله تعالى : ( من بعد وصية توصون بها أو
دين ) ، وفي الجهاد : باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة
قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه ، وفي الرقاق : باب قول النبي صلى
الله عليه وسلم: ((إن هذا المال خضرة حلوة))، ومسلم (١٠٣٥) في الزكاة :
باب بيان أن أفضل الصدقة الصحيح الشحيح .
(٣) أخرجه مسلم في (صحيحه)) (١٠٣٧) في الزكاة : باب النهي
عن المسألة ونصه : إياكم وأحاديث إلا حديثاً كان في عهد عمر ، فإن عمر
"كان يخيف الناس في الله عز وجل ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم
وهو يقول : (( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وسمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول : (( إنما أنا خازن ، فمن أعطيته عن طيب نفس
فيبارك له فيه، ومن أعطيته عن مسألة وشره كان كالذي يأكل ولا يشبع)).

- ١١٧ -
قوله في حديث حكيم ((فمن أخذه بسخاوة نفس)) يريد من غير
حرص وشرهٍ ، ولا يمسكه ضناً به ، ولكن ينفقه ويتصدق به .
قوله: ((من أخذه بإشراف(١) نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع))
يريد أن سبيله سبيلٌ من يأكل من ذي ◌ُقم وآفة ، فيزداد سقماً ،
ولا يجد شبعاً ، فينجع فيه الطعام . ذكره الخطابي .
وقوله: ((اليدُ العليا خيرٌ من اليدِ السفلى)) قيل: العليا: هي المنفقة،
والسفلى : هي السائلة ، جاء ذلك في الحديث ، وقيل : العليا : هي المتعففة،
وهو أشبهها هاهنا (٢) .
١٦٢٠ - أخبرنا أبو سعيد الطاهري ، أنا جدي عبد الصمد البزاز، أنا محمد
ابن زكريا العُذافري ، أنا إسحاق بن إبراهيم الدَّبري ، نا عبد الرزاق ،
أنا مَعمر، عن عاصم بن سليمان ، عن أبي العالية
عَنْ ثَّوْبَانَ أَنْ النِّيَّ ◌ِِّ قَالَ: (( مَنْ يَتَكَفَّلُ أَنْ لاَ يَسْأَلَ
النَّاسَ شَيْئاً ، وَأَتَكَفَّلُ لَهُ الْجِنَّةَ؟ » قَالَ ثَوَبَانُ مَوْلَى رَسُول
اللهِ عَِّهِ: أَنَا. قال: فكانَ يُعْلَمُ أَنَّ ثوبانَ لاَ يَسْأَلُ أَحَداً شيئاً(٣).
قال مَعْمَرُ: وبلغني أنَّ عائشةَ كانَت تَقولُ : تعاَهَدوا ثوبانَ ،
فَإِنَّهُ لا يسألُ أحداً شَيئاً. قال: وكانَتْ تَسْقُطُ منه
(١) إشراف النفس : تطلعها إلى المال ، وتعرضها له ، وطمعها فيه.
(٢) ورجح الحافظ قول من قال : إنها المنفقة وهو الصحيح ،
وحديث ابن مسعود ، ومالك بن نضلة ، وحكيم بن حزام يؤيده .
(٣) إسناده صحيح، وهو في ((المصنف)) (٢٠٠٠٩)، وأخرجه أحمد
٢٧٦/٥، وأبو داود (١٦٤٣) في الزكاة: باب كراهية المسألة، وقال المنذري
في ((الترغيب والترهيب)): ٨/٢ بعد أن ذكره ونسبه لأحمد والنسائي
وابن ماجة وأبي داود : وإسناده صحيح .

- ١١٨ -
العَصَا أوِ السُّوطُ، فَمَا يَسْأَلُ أَحَداً أَنْ يُنَاوِلِهُ إياه حتّى
ينزِلَ فيأخذه .
١٦٢١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا عبدالرحمن بن أبي شريح،
أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا علي بن الجعد ،
أنا ابن أبي ذئب ، عن محمد بن قيس ، عن عبد الرحمن بن يزيد
ابن معاوية
عن ثوبان قال: قالَ رَسُولُ اللهِ فِله« مَنْ يَتْقَبْلُ لِي
بوَاحِدَة، فَأَتَقَبَّلَ لَهُ الْجَنَّةَ؟ قالَ ثوبانُ: أَنَا، قَالَ: ((لاَ تَسْأل
النَّاسَ شَيْئاً، وكانَ ثَوبانُ تَسقُطِ عِلَاقَةُ سَوْطِه، فلا يَأْمُرُ أَحَداً
يُناولُه، وَيَنْزِلُ هُوَ فِيَأْخُذُه))(١).
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: مكسبةٌ فيها بعضُ الريبة خيرٌ
من المسألة . يريد فيه بعض الشك أحلال أم حرام .
قال رحمه الله : أما السؤال لذوي الحاجة ، فحيسبة يؤجر عليه ، فعله
رسول الله عز له، وسئل ابن وهب عن الرجل يعرف في موضع محتاجين،
وليس عنده مايسعهم ، وهو إذا تكلم يعلمُ أنه يُعطى ترى هل له أن
يَسأل لهم؟ قال: نعم، وأَجَرهُ الله على قدر ذلك. قال: وكان مالك
يفعل ذلك حتى أوذي وأنا أفعله .
(١) إسناده صحيح، وأخرجه أحمد ٢٧٧/٥ و٢٧٩، وابن ماجة
(١٨٣٧) في الزكاة: باب كراهية المسألة، والنسائي ٩٦/٥ في الزكاة :
باب فضل من لا يسأل الناس شيئاً .

بب
تحريم السؤال الامن ضرورة ووعيد السائل
١٦٢٢ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن اسماعيل ، نا يحيى بن بكير ،
نا الليث ، عن عبيد(١) الله بن أبي جعفر، قال : سمعت حمزة بن عبد الله
بن عمر قال :
سَمِعْتُ عبدَ اللهِ بنَ عُمَر قال: قال انِيُ رِِّ «مَا يَزَالُ
الرَّجُلُ يَسْألُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ
مُزْعَةُ لَم (٢)، وقال: ((إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتى
يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ ، فَيْنَامُمْ كَذَلِكَ انْتَغَاتُوا بَدَمَ ،
ثمْ بُوسَى، ثم بمحمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ)).
. حديث متفق على صحته (٣) أخرجه مسلم عن أبي الطاهر ، عن
عبد الله بن وهب ، عن الليث .
قوله : ◌ُزعة لحم . أي: قطعة لحم، يقال: مزعتُ اللحمّ: إذا
قطعته ، وهذا يحتمل وجوهاً ، منها أنه يأتي يوم القيامة ساقطاً ذليلاً
(١) في (أ) و (ج) و ( د ) عبد وهو تحريف .
(٢) هذا الوعيد يخص من سأل تكثراً من غير حاجة إليه يوضحه
حديث أبي هريرة عند مسلم (١٠٤١) رفعه (( من سأل الناس أموالهم
تكثراً، فإنما يسأل جمراً ، فليستقل أو ليستكثر)).
(٣) البخاري ٢٦٧/٣، ٢٦٨ في الزكاة: باب من سأل الناس تكثراً،
ومسلم ( ١٠٤٠) (١٠٤) في الزكاة : باب كراهة المسألة للناس، والنسائي
٩٤/٥ في الزكاة : باب المسألة .

..-
- ١٢٠ -
لا جاه له ولا قدر، من قولهم: لِفلانٍ وجهٌ في الناس ، أي: قدر
ومنزلة . ومنها أن يكون وجهه الذي يلقى به عظماً لا لحم عليه، إما
أن تكون العقوبة نالت موضع الجناية ، وإما أن تكون علامة وشعاراً
يُعرف به ، لا من عقوبة مسته في وجهه. ذكره الخطابي .
١٦٢٣ - أخبرنا أبو عثمان الضبي، أنا أبو محمد الجراحي، نا أبو العباس
المحبوبي ، نا أبو عيسى الترمذي ، نا علي بن سعيد الكندي ، نا عند
الرحيم بن سليمان ، عن مجالد ، عن عامر
عن حُبْشِيُ بَنِ جُنَادَةَ السَّلُولِيُّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِلّه
يَقُولُ فِي حَجَّة الوَدَاعِ وهوَ واقِفٌ بِعَرَفَةَ، أَنَّهُ أَعْرَائِيٌ فَأَخَذَ
بطَرَف ردَائِه، فَسَأَلَهُ إيّاهُ، فَأَعْطَاهُ وَذَهَبَ ، فَعْدَ ذَلكَ
حَرُمَتِ الْمَسْلَةُ، فقالَ رَسُولُ اللهِ عِِّ ((إِنْ المَسْأَلَةَ لاَ تَحِلُ
◌ِغَنِيّ ، وَلَا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍ إِلاَّ لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ ، أَو غُرْمِ
مفظِعٍ ، ومَنْ سأَلَ النَّاسَ لِيُثريَ به مالَه، كانَ خُوشاً في وجهِهِ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ ورَضْفاً يأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ، فَنْ شَاءَ فَلْيُقِلَّ، وَمَنْ
شَاءَ فَلْيُكْثِرْ ،(١) .
(١) الترمذي (٦٥٣) في الزكاة: باب ما جاء من لا تحل له الصدقة،
وأورده الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٠٠/٢ عن الترمذي وقال: ورواه ابن
أبي شيبة في ((مصنفه)) حدثنا عبد الرحيم به ، ومن طريقه الطبراني في
((معجمه)) ومجالد هو ابن سعيد الهمداني ليس بالقوي ، وباقي رجاله
ثقات ، وفي الباب عن عبد الله بن عمرو عند أبي داود (١٦٣٤)، والترمذي.