النص المفهرس

صفحات 1-20

شَرح السُّنّة
تأليفُ
الإمَامِ المحدّث الفقِيّة الحسين بن مَشْعُوُر البغوي
(٤٣٦ - ٥١٦ هـ)
حَقَقَهَ وَعَلّقْ عَلَيْهِ وَخَرّج أحاديثه
شعيب الأرناؤوط و محمد زهير الشاويش
الجُزء السَادسُ
المكتب الإسلامي

٠
حقوق الطبع محفوظة للمكتب الإسلامى
لصَاحِبُه
زهَيْ الشاويش
الطبعَة الأولى
بُدئ فيهَا ١٣٩٠ وَانتهت ١٤٠٠ بدِ عشق
الطبعَة الثانِيَة: ١٤٠٣ هـ٠-١٩٨٣م. بَيروت
المكتب الاسلامي
بيروت: ص.ب ١١/٣٧٧١ - هاتف ٤٥٠٦٣٨ - برقياً: اسلاميًا
دمشق: ص.ب ٨٠٠ - هاتف ١١١٦٣٧ - برقياً: اسلامي

- ٣ -
بابُ زكاة الإسْل السّائمة
وَالغنم وَ الوَرِى
١٥٧٠ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي،
أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن عبد الله بن المثنى
الأنصاري ، حدثني أبي :
حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ (١) بنُ عبدِ اللهِ بن أَسٍ أَنَّ أَنَسَأَ حَدَّثَهُ أَنْ
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٥١/٣: هو عم الراوي عنه، لأنه
عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك ، وهذا الاسناد مسلسل
بالبصريين من آل أنس بن مالك وعبد الله بن المثنى اختلف فيه قول ابن
معين ، فقال مرة : صالح ، ومرة : ليس بشيء ، وقواه أبو زرعة وأبو حاتم
والعجلي ، وأما النسائي ، فقال : ليس بالقوي ، وقال العقيلي : لا يتابع في
أكثر حديثه . قال الحافظ : وقد تابعه على حديثه هذا حماد بن سلمة ،
فرواه عن ثمامة أنه أعطاه كتاباً زعم أن أبا بكر كتبه لأنس وعليه خاتم
رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بعثه مصدقاً ، فذكر الحديث هكذا
أخرجه أبو داود (١٥٦٧) عن أبي سلمة عنه، ورواه أحمد في ((مسنده)) (٧٢)
قال : حدثنا أبو كامل ، حدثنا حماد قال : أخذت هذا الكتاب من ثمامة
بن عبد الله بن أنس عن أنس أن أبا بكر فذكره . وقال إسحاق بن راهويه
في «مسنده)» : أخبرنا النضر بن شميل ، حدثنا حماد بن سلمة : أخذنا
هذا الكتاب من ثمامة يحدثه عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم
فذكره . فوضح أن حماداً سمعه من ثمامة، وأقرأه الكتاب ، فانتفى
تعليل من أعله بكونه مكاتبة ،وانتفى تعليل من أعله بكون عبد الله بن
المثنى لم يتابع عليه، وانظر ((الجوهر النقي)) ٨٩/٤، (( ونصب الراية))
٣٣٦/٢، ٣٣٧ ٠

- ٤ -
أَبَا بَكْر كَتَبَ له هَذَا الْكِتَابَ لَا وَّجَهَهُ إلى ◌ٌلْبَحْرِيْنِ :
(( بِسْمِ اللهِ الرَّحمن الرَّحيم:
هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَِّي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ عَ ◌ّهِ على الْمُسْلِمِينَ ،
وأَّتي أَمَرَ اللهُ بِها رَسُولَهُ، فَنْ ◌ُئِلَها مِنَ الْمُسْلمين على وَجْبِهَا،
فَلْيُعْطِها ، وَمَن سُئِلَ فَوْقَها، فَلَا يُعْطِ .
فِي أَرْبِعِ وَعِشْرِينِ مِنَ الإبل فما دُونَها مِنِ الغَمِ مِنْ كُلِ خمسٍ
شاةٌ ، فإذا بلغَتْ خمساً وَعِشْرِينَ إلى خَمْسٍ وَثَلاثِينَ، فَفِيها بِنْتُ
مخاضٍ أُنْتَى، فَإِذا بَغَتْ سِنَّاً وثلاثين إلى خمسٍ وأُرَبَعِينَ،
ففيها بِنْتُ لَبُونٍ أُنْتِىْ ، فَإذا بَغَتْ سِتّاً وَأَرَبَعِينَ إِلى سِتِينَ ،
فِيها حِقَّةٌ طَرُوْقَةُ الْجَمَلِ، فَإذا بَلَغَتْ وَاحِدَةً وَسِتْنَ إِلَى
◌َخْسٍ وَسَبْعِينَ، فَفِيها جَذَعَةٌ، فَإذا بَغَتْ يَعْنِي سِنَّةً وَسَبْعِين،
إلى تِسْعِينَ، فَفِيها بِنْتَا لَبُونٍ، فَإذا بَلَغَتْ إحْدَى وَتِسْعِيْنَ
إِلى عِشْرِينَ وَمَائةٍ، فَفِيها حِقْتَانِ طروفَتَا الْجَمَلِ ، فَإِذَا زَادَتْ على
عِشْرِينَ وَمائةٍ ، فَفي كُلِّ أَرَبَعِينَ بِذْتُ لَيُونٍ ، وَفِي كُلُّ ◌َمِينَ
حقَّةٌ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِلاَّ أَرْبَعْ مِنَ الإِلِ ، فَلَيْسَ فيها
صَدَقَةٌ إلا أَن يَشَاء رَبُّها، فَإذَا بَلَغَتْ خَمْسَاً منَ الإِبلِ
ففيها شَاءُ .

- ٥ -
وفي صَدَّقَةِ الْغَِ في سَائمتِها إذَا كانَتْ أَرَبَعِينَ إلى عِثْرِينَ
وَمَائةٍ شَاءٌ ، فإذا زَادَتْ على عِشْرِينَ ومائةٍ إلى مانتَيْنِ شَاتَانٍ،
فَإِذَا زَادَتْ على مِائَتَيْنِ إلى ثلاثمائةٍ، فَفِيها ثَلاثُ، فَإِذَا زَادَتْ
على ثلاثمائةٍ، ففي كُلِّ مائةٍ شَاةٌ، فإذا كانتْ سَائمةُ الرَّجل
ناقِصَةً مِنْ أَربعين بشاةٍ واحِدَةٍ ، فَلَيْسَ فيها صَدَقَةٌ إلا أن
يشَاءَ رَبُّهَا .
وَفِي الَرَّقَةٍ رْبِعُ الْعُشْرِ، فَإِن لمْ تَكُنْ إلا تِسْعِين ومائة ،
فليسَ فيها شَيُّ إِلَّ إِن يَشَاءَ رَبُّهَا .
فَمَنْ بَلَغَتْ عِنْدَه مِنِ الإِلِ صَدَقَةُ الْجَذَعَةِ، وَلَيسَتْ عِندَهُ
جَذَعَةٌ، وَعِنْدَهُ حقَّةٌ، فَإِنَّهَا تُقبَلُ منه الحقَّةُ، وَيَجْعَلُ معَها
شاتَيْنِ إِنِ اسْتَيْسَرَنَا، أَوْ عِشْرِينَ دِرِهَماً، ومَنْ بَغَتْ عِنْدَهُ
صَدَقَةُ الْحِقَّةِ، وليسَتْ معه الحِقَّةُ، وعندَه الجَذَعَةُ، فَإِنَّهَا
تُقْبَلُ منه الجَذَعَةُ، وَيُعْطِهِ المُصدْقُ عشرينَ دِرْهَماً، أو شَاتَينِ،
ومن بلغَتْ عندَه صَدَقَةُ الحقَّة ، وليسَتْ عندَه إلا ابْنَةُ لَبُون،
فَإِنَها تُقْبَلُ منه بِنْتُ لَبُونٍ، ويُعْطِي شاتيْنِ أو عِشِرِينَ دِرْ هُمَاً ،
وَمَنْ بَغَتْ صَدقتُهُ بِنتَ لَبونٍ، وعنده حقَّةٌ، فَإِنَّا تُقْبَلُ

- ٦ -
مِنْهُ الحِقَّةُ، وَيُعْطِهِ المُصَدْقُ عِشرينَ دِرْعَماً أو شَاتْنِ، وَمَنْ
بَلَغَتَ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لَبونٍ، وَلَيسَتْ عندَه، وَعِنْدَهُ بِنْتُ
مَخَاضٍ ، فَإِنَّهَا تُقبَلُ منه بذتُ مَخَاضٍ، ويُعطِي معَها عِشرينَ
درهماً، أو شاتَيْنٍ، وَمَن بلغَتِ صَدَقَتُهُ بِنْتَ لخاض، وليسَتْ
عندَه، وعِنْدَه بنتُ لَبونٍ ، فَإِنَّهَا تُقبَلُ منه، ويُعطيه المُصَدِّقُ
عشرينَ درهماً أو شَاتِينِ ، فَإن لم يكنِ عِنْدهُ بذُ تَخَاضٍ على
وَجَهِهَا، وِعِنْدَهُ أَبْنُ لَبونٍ ، فَإِنَّهُ يُقبَلُ وليسَ معَه شَيُّ .
ولا يُخْرَجُ فِي الصَّدَقَةِ مَرِمَةٌ، ولا ذَاتُ عَوَارٍ وَلاَ تَيْسٌ
إِلا ما شَاءَ الْمُصَدِّقُ، ولا يُجْمَعُ بَينَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بَين
مُجْتَمِعِ خشيَةَ الصَّدَقَة، وما كانَ من خَلِيطَيْنِ ، فإنّهما يَتراجعان
بِيتَهُما بِالسَّوِيّةِ، هذا حديث صحيح (١).
(١) هو في صحيح البخاري ٢٤٧/٣ في الزكاة: باب العرض في
الزكاة ، وباب لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع ، وباب ما كان
من خليطين ، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، وباب من بلغت عنده صدقة
بنت مخاض وليست عنده ، وباب زكاة الغنم ، وباب لا يؤخذ في الصدقة
هرمة ولاذات عوار ولا تيس إلا ما شاء المصدق ، وفي الشركة : باب ما كان
من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية في الصدقة ، وفي الحيل : باب
الزكاة وأن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة .

- ٧ -
ورُوي عن عبد الله بن معمر أنَّ رسولَ الله ◌ِو ◌ٍَّ كتب كتاب
الصدقة، فلم يُخرجهُ إلى ◌ُعمَّاله حتى ◌ُقبِضَ، فقرته بسيفه، فلما قُبِض
عمل به أبو بكر حتى قبضَ، وعمرُ حتى قبض ، فذكر مثل معنى ما ذكره
أنس (١) .
قوله: ((هذه فريضة الصدقة التي فرضَ رسولُ الله ◌ِو ◌َلٍ)) ، أي: بين
مقدارها ، والفرض : هو التقدير ، وسمّيت الفرائض بها ، لأنها مقدّرات ،
ومنه قوله سبحانه وتعالى: ( أو تفرِضُوا لَهُنَّ فريضةٌ ) [البقرة: ٢٣١]
يريد تسمية المهر ، والفرض يكون بمعنى الإيجاب ، وهو فرضُ اللهِ أَصلَ
(١) أخرجه أحمد ١٤/٢ و١٥، وأبو داود (١٥٦٨) في الزكاة : باب
في زكاة السائمة ، والترمذي (٦٢١) في الزكاة: باب ماجاء في زكاة الإبل والغنم،
والحاكم ٣٩٢/١ من حديث سفيان بن حسين عن الزهري ، عن سالم ،
عن أبيه ... وقال الترمذي : حديث حسن ، وقد روی يونس بن يزيد
وغير واحد عن الزهري ،عن سالم هذا الحديث ولم يرفعوه ، وانما
رفعه سفيان بن حسين. وقال المنذري: وسفيان بن حسين أخرج له مسلم،
واستشهد به البخاري إلا انحديثه عن الزهري فيه مقال، وقد تابعسفيانبن
حسين على رفعه سليمان بن كثير عند ابن ماجة (١٧٩٨) والبيهقي ٨٨/٤
وهو ممن اتفق البخاري ومسلم على الاحتجاج بحديثه . وقال الترمذي
في كتاب ((العلل)»: سألت محمد بن اسماعيل عن هذا الحديث ، فقال :
أرجو أن يكون محفوظاً . وسفيان بن حسين صدوق ، وقال الحاكم :
وسفيان بن حسين وثقه يحيى بن معين وهو أحد أئمة الحديث إلا أن
الشيخين لم يخرجا له ، وله شاهد صحيح وإن كان فيه إرسال ، ثم
ذكره من حديث عبد الله بن المبارك، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري .

- ٨ -
الزكاةِ ، وكان ابنُ الأعرابي يقول: معنى الفرضِ: السنة . وقال أبو
العباس أحمد بن يحيى : الفرض: الواجب، والفرض: القراءة ، يقال :
فرضتُ جزءي ، أي: قرأته ، والفرض : السنة، وما يُروى أن
رسولَ الله ◌ِتَّ فرض كذا، أي: سنُّ (١).
وقوله ((ومن سُئِل فوقها فلا ◌ُعطِ)) فقد قيل: أراد أنه لا يُعطي
الزيادة (٢)، وقيل: لا يعطي شيئاً، لأن الساعي إذا طلب فوق الواجب
كان خائناً، فإذا ظهرتْ خيانتُه، سقطت طاعتُه .
وفيه إباحةُ الدفع عن ماله إذا طولب بغير حقه .
وفي الحديث بيانُ أنه لا شيءَ في الأوقاص ، وهي ما بين الفريضتين.
زائداً على واجب النصاب . واختلفوا في أن واجب النصاب يتعلق به
"(١) فرض هنا بمعنى: أوجب، أو شرع، أو قدر. وأصل
الفرض : قطع الشيء الصلب ، ثم استعمل في التقدير ، لكونه مقتطعاً من
الشيء الذي يقدر منه ، ويرد بمعنى البيان ، كقوله تعالى (قد فرض
الله لكم تحلة أيمانكم ) وبمعنى الإنزال كقوله تعالى ( إن الذي فرض عليك
القرآن) وبمعنى الحل كقوله تعالى (ما كان على النبي من حرج فيما فرض
الله له ) وكل ذلك لا يخرج عن معنى التقدير ، ووقع استعمال الفرض
بمعنى اللزوم حتى كاد يغلب عليه ، وهو لا يخرج أيضاً عن معنى التقدير.
وقد قال الراغب : كل شيء ورد في القرآن : فرض على فلان ، فهو بمعنى
الإلزام ، وكل شيء ورد : فرض له فهو بمعنى لم يحرمه عليه ، وذكر أن
معنى قوله تعالى : ( إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ) أي :
أوجب عليك العمل به .
(٢) ونقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه .
أ

- ٩ -
وبالوَقَص، أم الوَقصُ عفو ؟ فذهب الشافعي في أحد قوليه إلى أنه يتعلق
به وبالوقص، لأن في الحديث ((فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس
وثلاثين ، ففيها بنت مخاص )) دلَّ أن ابنة المخاض في كلها .
والقول الثاني وهو قول أبي حنيفة: الوَقصُ عفو ، ففي خمس وعشرين
من جملة خمس وثلاثين بنت ◌ُمخاض، والباقي عفو، لأن النبي ◌ِّ قال
((( فِي كُلِّ أربعينَ بنتُ لبونٍ ، وفي كُلِّخمسين حقّة)) وفائدة الخلاف
تظهر فيما إذا هلك الوَقصُ بعد الحول قبل إمكان الأداء هل ينتقِصُ شيء من
الواجب أم لا ؟ مثل أن ملك ثلاثين من الإبل، فتلفَ منها خمسٌ بعد
الحول قبل إمكان الأداء إن قلنا : الوقصُ عفو، فعليه بنت مخاض ، وإن
قلنا : يتعلق الواجب بالكل، فيسقط ◌ُدُْسها، ويجب عليه خمسة أسداسٍ
بنتِ مخاض.
وفي الحديث دليلٌ على أن الإبل إذا زادت على مائة وعشرين
لا تستأنفُ الفريضة"، لأنه قال: ((إذا زادت على عشرين ومائة، ففي
كل أربعينَ بنت لبون، وفي كل خمسين حقّة")) وهو قول أكثر أهل
العلم ، وعليه عَملُ أهل الحجاز .
وقال إبراهيم النخعي: إذا زادت الإبلُ على عشرين ومائة تستأنفُ
الفريضةُ بإيجاب الشيّاه، فيجب في كل خمسٍ ساة" مع الحقّتين إلى مائة
وخمس وأربعين ، ففيها حقتانٍ ، وبنتُ مخاض ، فإذا بلغت مائة وخمسين ،
ففيها ثلاثُ حقاقٍ، ثم تستأنف الفريضةُ، فيجب في كل خمسٍ سَاةٌ مع
الحقاق الثلاثٍ إلى مائة وخمس وسبعين، ففيها ابنةُ مخاض، وثلاثُ
حقاقٍ ، وفي مائة وست وثمانين بنت لبون مع ثلاث حقاق، وفي

- ١٠ -
مائة وستٍ وتسعين أربعُ حقاقٍ إلى المائتين، ثم تستأنفُ الفريضةُ وهو
قول أبي حنيفة، يحتجون بما رُويّ عن عاصم بن ضَمرة ، عن علي حديث
الصدقة وفيه (( فإذا زادتِ الإبلُ على عشرين ومائة ◌ُتردُ الفرائضُ إلى
أولها (١)، وهذه الرواية ضعيفة لا تُقاومُ الحديث الصحيح الذي سبق ذكره
من رواية أنس وابن عمر عن أبي بكر وعمر ، وروى مُشْعبةُ وسُفيانُ
حديث عاصم بن ضَمرة عن علي ووقفاهُ على علي ، ولم يرفعاه . وفي
حديث عاصمٍ ما هو متروك باتفاق أهل العلم ، وهو أنه قال : في
خمس وعشرين من الإبل خمسُ شياءٍ، وفي ستٍ وعشرين بنتُ مخاضٍ ،
ولم يقلْ به أحد من أهل العلم .
وقال محمد بن جرير الطبري : إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ،
فهو مخيَّرٌ، إن شاء استأنف الفريضة، وإن شاء أعطى عن كل خمسين
حقةُ ، وعن كل أربعين بنت لبون.
ثم مَنْ سلك المسلكَ الأعمَّ قال: إذا زادت الإبلُ على مائة وعشرين ،
ففي كل أربعين بنتُ لبون، وفي كل خمسين حقةٌ. واختلفوا فيما إذا
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) ١١/٣، وأبو عبيد في
((الأموال)) ص ٣٦٣، والبيهقي ٩٢/٤ من حديث سفيان ، عن أبي إسحاق،
عن عاصم بن ضمرة ، عن علي رضي الله عنه . وأبو إسحاق - وهو
السبيعي - قد اختلط بأخرة. وقال الحافظ في ((الدراية)): إسناده
حسن إلا أنه اختلف على أبي إسحاق . قلت : وقد بيّن الحازمي الاختلاف
في ((الناسخ والمنسوخ)) ص ١٠، ونقله عنه الزيلعي في ((نصب الراية))
٠٣٤٥/٢

- ١١ -
زادت على مائة وعشرين واحدة" ، فذهب قومٌ إلى أنه يجب فيها ثلاثُ
بناتٍ لبون، ثم إذا بلغت مائة وثلاثين، ففيها حقةٌ وبنتا لبون ، وبه
قال الشافعي وإسحاق ، لأنه قال : فإذا زادت على عشرين ومائة وقد
حصلت الزيادةُ بالواحدة ، فتتغير بها الفريضةُ قياساً على سائر الفرائض،
فإن زيادة الواحدة بعد منتهى الوقص فيها توجبُ تغير الفريضة كالواحدة
بعد الخامسة والثلاثين، وبعد الخامسة والأربعين .
وروى ابنُ شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر نسخة كتابٍ رسول
الله عَّ في الصدقة التي كانت عند آل عمر بن الخطاب ، وهي التي
انتسخّ عمرُ بن عبد العزيز، وأمر عمّاله بالعمل بها، وفي تلك النسخة :
فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة" ، ففيها ثلاثُ بناتٍ لبون حتى تبلغ
تسعاً وعشرين ومائة"، فإذا كانت ثلاثين ومائة" ففيها حقةُ وبنتالبون (١).
وذهب بعضهم إلى أنه لا تتغيرُ الفريضةُ بالزيادة على مائة وعشرين ما
لم تبلغ" مائة وثلاثين، فحينئذٍ تجب فيها حقةٌ وبنتا لبونٍ، وهو قولُ
مالك وأحمد .
وفي الحديث أنه إذا وجبت عليه سنّ، وليست عنده أعطى سناً
دونها مع الجبران ، وهو ماتان أو عشرين درهماً ، وكلّ واحد من
الثاتين أو العشرين الدرهم أصلٌّ في نفسه ليس أحدهما ببدل عن الآخر ،
(١) أخرجه أبو داود (١٥٧٠) في الزكاة : باب في زكاة السائمة،
وهو مرسل .

- ١٢ -
لأنه خيّره بينهما بحرف ((أو)) وبه قال النخعي والشافعي، وإسحاق.
وقال الثوريُّ: أعطى عشرة دراهم أو مثاتين، وهو قولُ أبي عبيد ،
وقال مالك : على ربّ المال أن يبتاع السن التي وجبت ، وقال أصحاب
الرأي : يأخذ الساعي قيمتها .
وفي الحديث دليلٌ على أن أخذ القيم في الزكوات لا يجوز ، وهو
قولُ أكثر أهل العلم، وجوزه أصحابُ الرأي ، ولو جازت القيمة لم
يكن لنقله الفريضةَ عند عدمها إلى سنّ فوقها أو دونها مع جبر النقصان.
معنىً . واحتج من أجاز بما رُويَ عن معاذ أنه قال لأهل اليمن :
(( إِيتوني بعرض ثيابٍ خميصٍ (١) أو ليسٍ في الصدقةِ مكان" الشعير والذرة
أهون عليكم، وخيرٌ لأصحاب النبي ◌ِّ بالمدينة)) (٢) ويُروى: ((خميس
أو لبيس)).
(١) كذا ذكره البخاري فيما قاله عياض وابن قرقول ، وأما أبو
عبيدة فذكره بالسين . قال الجوهري وغيره : ثوب خميس بسين مهملة
وهو الثوب الذي طوله خمسة اذرع ، وقال ابن التين : لاوجه لأن يكون
بالصاد ، فان صحت الرواية بالصاد فيكون مذكر ((الخميصة)) فاستعارها
للثوب ، وقوله : لبيس . بمعنى : ملبوس ، فعيل بمعنى : مفعول ،
مثل قتيل ومقتول .
(٢) علقه البخاري في ((صحيحه)) ٢٤٧/٣، بصيغة الجزم، ووصله
يحيى بن آدم في ((الخراج)) ص: ١٥١، وكذا ابن أبي شيبة من حديث
سفيان بن عيينة ، عن ابراهيم بن ميسرة، عن طاووس قال: قال معاذ ..
ورجاله ثقات إلا انه منقطع ، لأن طاؤوساً لم يسمع من معاذ ، وهذا
الأثر يخدش القاعدة القائلة : إن ماعلقه البخاري في ((صحيحه)) بصيغة الجزم
يكون صحيحا إلا إذا حملت على الغالب .
...-

- ١٣ -
قال أبو عبيد: الخميسُ: الثوبُ الذي طولهُ خَمسُ أذرُع، ويقال
له: مخموس أيضاً، وقيل: إنما قيل للتوب خميسٌ، لأن أول من عمله
مَلِكٌ باليمن يقال له: الخمسُ، أمرَ فَعُمِلَ هذه الثيابُ، فنُسِب إليه.
قال رحمه الله: ولو لم يجد السَّنَّ الواجبةَ، ولا التي تليها ينزلُ إلى
سنّ دون ما يلي الواجب، ويُعطي ◌ُجبرانين أربعَ شياء أو أربعين"
درهماً ، أو يرتقي إلى من فوقَ ما يلي الواجب" ، ويسترد ◌ُجبرانينٍ،
وبه قال الشافعي وإسحاق ، وذهب بعض أهل الحديث إلى أنه لا يجاوز
ما في الحديث من السن الواحدة .
وقوله: ((وفي صدقة الغنم في سائمتها)) دليل على أن الزكاة إما
تجب في الغنم إذا كانت سائمة، أما المعلوفةُ، فلا زكاةَ فيها، وكذلك
لا تجب الزكاةُ في عوامل البقر والإبل عند عامة أهل العلم، وأوجب
مالك في عوامل البقر ونواضح الإبل .
وقوله: ((فإذا زادت على ثلاثمائة، ففي كل مائة شاةٌ)) فإنما
معناهُ أن تزيد مائةٌ أخرى، فتصيرَ أربعمائة، فيجب فيها أربعُ شياء،
وهو قول عامة أهل العلم ، وقال الحسن بن صالح بن حَيّ: إذا زادت
على ثلاثمائة واحدة ، ففيها أربعُ شياء .
وقوله: ((ولا يخرج في الصدفة. ◌َرمةٌ ولا ذاتٌ عَوار)) فالعوار:
النقص والعيب ، ويجوز بفتح العيب وضعها، والفتح أفصح، وذلك إذا
كان كلّ ماله أو بعضُ ماله سليماً، فإن كان كلّ ماله معيباً ، فإنه

- ١٤ -
يأخذ واحداً من أوسطه . وقال مالك: ◌ُكلّفُ أن يأتي بصحيحةٍ»
ولا تؤخذُ مريضة بحالٍ (١).
وقوله: ((ولا تيس الغنم )) أراد به فحل الغنم، معناه: إذا كانت
ماشيته كلها أو بعضها إناثاً لا يؤخذ منه الذكرٌ، إنما يؤخذ الأنثى إلا في
موضعين ورد بهما السنّةُ، وهو أخذ التبيع من ثلاثين من البقر ، وأخذُ
ابنِ اللبون من خمس وعشرين من الإبل بدلَ ابنة المخاض عند عدمها .
فأما إذا كانت ماشيتهُ كلها ذكوراً ، فيؤخذُ الذكر .
وقوله: ((إلا ما شاء المصدِّق)) فيه دليل على أن له الاجتهاد
ليأخذ ما هو الأنفعُ للمساكين ، لأنه نائب عنهم بدليل أن أجرة عمله
من مالهم .
وقوله: ((ولا يُجمع بين متفرِّق ولا يُفرِّقُ بين مجتمع خشية"
الصدقة)) فيه بيانُ أن الخلطة تجعل مال الرجلين كمال الرجل الواحد في
حق الزكاة ، وهي ثارة تؤثر في تقليل الزكاة ، وتارة في تكثيرها .
بيان التقليل: إذا كان بين الرجلين ثمانون ساة مختلطة ، فتم الحوْلُ عليها
لا تجب عليهما إلا ساةٌ واحدةٌ، ولو تميز نصيب كلّ واحد منهما كان
عليهما شاتان ، وكذلك إذا كان بين ثلاثة، مائة وعشرون مختلطة لا تجب
عليهم إلا شاة واحدة، ولو تميّزت الأنصباءُ، كان عليهم ثلاثُ شياه.
وبيان التكثير : أن يكون بين جماعة أربعون من الغنم مختلطة عليهم فيها
مناة، ولو تميَّز نصيبُ كل واحد منهم لم يكن عليه شيء .
(١) وفي ( أية عند المالكية كالقول الأول .

- ١٥ -
وقوله: ((ولا ◌ُجمع بين متفرق ولا يُفرَّق بين مجتمع)) نهيّ من
جهة صاحب الشرع المساعي ورب المال جميعاً ؛ نهى ربً المال عن الجمع
والتفريق قصداً إلى تقليلِ الصدقة ، ونهى الساعي عنهما قصداً إلى تكثير
الصدقة ، وبيانه : إذا كانت بين رجلين أربعون ساة مختلطة، فلما أظلّهما
الساعي، فرقًّاها لئلا" تجبّ عليهما الزكاة ، أو كانت متفرقة ، فأراد
الساعي جمعها لتجب الزكاة، أو كانت بينهما ثمانون مختلطة ، فأراد الساعي
تفريقها ليأخذ شاتين ، أو كانت متفرقة ، فأراد أرباب المال جمعها لئلا
تجبَ عليهما إلا شاةٌ واحدة، فنُهُوا عن ذلك ، وأمروا بتقريرها
على حالتها .
وقد جاء في الحديث ((لا خلاط)) والمراد منه هذا وهو أن يجمع
بين المتفوق ليتغيّرَ حكمُ الزكاة ، ولو أنهم فرّقوا أو جمعوا قبل تمام الحول
كان الحكم للتفريق، ولو فعلوا بعد الحول لا يتغيّرُ به حكم الزكاة في
الحوْل الماضي ، وهذا الذي ذكرناه من ثبوت حكم الخلطة قول أكثر
العلماء .
وذهب أصحاب الرأي إلى أن الخلطة لا تغيِّرُ حكم الزكاة ، بل عليهم
زكاةُ الانفراد (١). وقال مالك وسفيان: لا حكم الخلطة حتى يكون
(١) وقال أبو حنيفة في تفسير قوله: ((لا يجمع بين متفرق)) أن
يكون بين رجلين أربعون شاة ، فإذا جمعاها فشاة ، وإذا فرقاها فلا شيء
((ولا يفرق بين مجتمع)) : يكون لرجل مائة وعشرون شاة ، فإن فرقها
المصدق أربعين أربعين فثلاث شياه . وانظر ما علقه أبن التركماني على
((سنن البيهقي ١٠٥/٤، ١٠٦ في صدقة الخلطاء.

- ١٦ -
نصيب كل واحد من الخلطاء نصاباً ، مثلُ أن يكون لكل واحد أربعون ،
فإن كان بين رجلين أربعونَ مختلطة" ، فلا زكاة عليهما فيها .
ولا فرق في ثبوت حكم الخلطة عند مالك والشافعي بين أن لا يتميز
أعيانُالأموال مثل أن ورثا أو استريا سائمة معاً، فما من واحدة منها
إلا وهي مشتركة بينهما، وبين أن يتميّزَ الأعيان*، بأن كان لكل واحد
منهما سائمة ، فخلطاها وكل واحد يعرفُ عينَ مال نقِه، وتسمّى هذه
الخلطةُ "خلطة المجاورة، والأولى خلطة المشاركة.
وروي عن عطاء وطاوس: إذا عرف الخليطان كلُّ واحد أموَالهما،
فليا بخليطين. ثم الشافعيُ شرط في ثبوت حكم الخلطة في المجاورة أن
يجتمعا في المواح ، والمسرح ، وموضع السقي ، والطلاب ، واختلاط
الفحولة، فإن تفرَّقا في شيءٍ منها، فليَا بخليطين. وقال مالك
والأوزاعيُّ : أن يكون الراعي والفحلُ والمُراحُ واحداً ، فإن فرقهما
المبيتُ ، هذه فى قرية، وهذه في قرية ، فلا تبطل الخلطة".
والخليطان في الدراهم والدنانير ، والزروع والثمار ◌ُزِكَّان زكاة
الواحد أيضاً عند الشافعي إذا بلغ مجموع أنصبائهم نصاباً .
وقوله: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوِّيةِ ))
فهذا في خلطة المشاركة لا يُتصور ، لأن المأخوذ يكون من ماليهما
إلا أن لايكون الواجبُ من جنس ماله، مثلُ أن كان بينهما خمس من

- ١٧ -
الإبل فجاء الساعي، وهي في يد أخذهما، فأخذ منه شاةً ، رجع هو
على شريكه بقيمة حصته . ويتصور في خُلطة المجاورة مثلُ أن يكون بينهما
أربعون شاة، لكل واحد عشرون يعرفُ كلُّ واحد عينَ ماله فأخذ
الساعي ساة من نصيب أحدهما، رجع المأخوذُ منه على شريكه بقيمة نصف
مئاته ، وإن ظلمه الساعي ، فأخذ زيادة على فرضه ، لا يرجع على شريكه بتلك
الزيادة ، لأنه لم يظلمه.
وقوله: ((وفي الرِّقةِ ربعُ العشر)) أراد بها الورق، فيجب فيها
إذا بلغت مائتين ربعُ العشر ، وهو خمسة دراهم ، فإن كانت ناقصة
عنها في الوزن بشيء قليل لا زكاة فيها ، وإن كانت تجوز جواز مائتي
درهم ، وكذلك الذهبُ لا شيء فيها حتى يبلغ عشرين مثقالاً ، ثم فيها ربعُ
العشر نصفُ دينار ، ثم ما زاد فبحسابه . ولا تجب في المغشوش منها
حتى يكونَ فيها من النُّقرةِ الخالصة، أو الذهب الخالص هذا القدرُ.
قوله: ((فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها شيء)) هذا
يوهم أنها إذا زادت على ذلك شيئاً قبل أن يَتِمَّ مائتين كانت فيها الصدقةُ،
وليس الأمر كذلك ، وإنما ذكر تسعين ، لأنه آخرُ فصل من فصول
المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالفصول كالعشرات والمثين
وإلألوف ، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن كمال
المائتين، بدليل قوله (( ليس فيما دون خمس أواقٍ من الورقٍ صدقةٌ)).
وابنةُ المخاض من الإبل : هي التي أتى عليها حوْل ، وطعنت في
السنة الثانية سمّيت ابنة مخاض، لأن أمها تمخضُ بولد آخر ،
والذكر : ابن مخاض ، والمخاض : الحوامل .
شرح السنة - ج٦ - م٢

- ١٨ -
وابنة البون : هي التي أتى عليها حولان ، وطعنت في السنة الثالثة ،
لأن أمها تصير لبوناً بوضع الحمل، والذكرُ ابن لبون.
والحِقّة : هي التي أتى عليها ثلاثُ سنين، وطعنت في الرابعة، سميت
بها، لأنها تستحق الحمل والضراب، والذكر: حيقٌ .
والجذعَةُ: التي تمّت لها أربعُ سنين، وطعنت في الخامسة، لأنها
مُتجذِعُ السنَّ فيها. وقوله: ((طروقية الجمل)) هي التي قد طرقها الفعل ،
أي: نزا عليها، فإذا طعن في السادسة، وألقى ثنيّته ، فهو ثنيٌ ،
والأنثى ثنيّة، فإذا طعن في السابعة، وألقى رباعيتهُ ، فهو رباع،
والأنثى رباعية ، فإذا طعن في الثامنة ، وألقى السن التي بعد الرباعية ،
فهو سديس وسَدسٌ ، فإذا طعن في التاسعة ، فطر نابُه وطلع ، فهو
بازل، فإذا طعن في العاشرة، فهو مُخْلِفٌ ، ثم يُقال بعده: بازلُ
عام، وبازل عامين ، وُخْلِفُ عام، وُخلِف عامين، قال الأصمعي:
الجذوعة وقت وليس بن ، فإذا "لقيحت"، فهي خلفة إلى عشرة أشهر،
فإذا بلغت عشراً فهي عُشْرَاءُ .

باب
مرقة البقر السائمة
١٥٧١ - أخبرنا أبو عثمان الضبي، أنا أبو محمد الجرّاحي، أنا أبو العباس
المحبوبي ، أنا أبو عيسى، نا محمود بن غيلان ، نا عبد الرزاق ، أنا سفيان ،
عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن مسروق
عن معاذِ بنِ جَبَلٍ قال: بَعَثَنِي النِيُّ بِّهِ إلى آلْيَمَنِ، فَأُمَرَهُ
أَن يَأُخْذَ مِنْ كلِّ ثلاثين بقَرَةً تَبيعاً أو تَبيعَةً، ومِنْ كُلُ
أَرَبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمِنْ كُلُّ خَالِمٍ دينَارَاً، أو عَدَّلَه مَعَافِرَ (١)
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن ، وروى بعضهم هذا الحديث عن
سفيان، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق أن النبي محمد لم بعث
مُعاذاً إلى اليمن ، فأمره أن يأخذ، وهذا أصحُّ.
وقوله: ((مِن كل حالٍ ديناراً)) لم يُرد به الزكاةَ إنما أراد به الجزية
عن أهل الذمة، نسقها على الزكاة التي تؤخذ من المسلمين . . أو عَدْلهُ
(١) الترمذي (٦٢٣) في الزكاة : باب ماجاء في زكاة البقر ، وأخرجه
عبد الرزاق (٦٨٤١) وأبو داود (١٥٧٦) في الزكاة : باب في زكاة السائمة،
والنسائي ٢٦/٥ في الزكاة: باب زكاة البقر، وابن ماجة (١٨٠٣) في الزكاة
باب صدقة البقر ، والحاكم ٣٩٨/١ وغيرهم من رواية أبي وائل عن
مسروق، عن معاذ، وأخرجه أبو داود والنسائي من روايةأبي وائل عن معاذ،
وقد قال الحافظ في ((التلخيص)) ١٥٢/٢: قد رجح الترمادي
والدار قطني: في ((العلل)) الرواية المرسلة.

- ٢٠ -
معافرٌ )) فالمعافر : ضرب من ثياب اليمن ، أمره أن يأخذ من كل بالغ
ديناراً ، أو ما يُعادل قيمته من الثياب ، ويقال : المعافر البرودُ .
١٥٧٢ - وأخبرنا أبو الحسن الشّرزيّ، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو مصعب، عن مالك، عن مُحميد بن قيس ، عن طاوس اليماني
أَنَّ معاذَ بنَ جَبَلٍ الأنصاريَّ أَخَذَ مِنْ ثلاثينَ بَقَرَةً تَبِيعاً ،
وَمِنْ أَرَبَعِينَ بَقْرَةً مُسِنَّةَ، فَأَتِيَ بما دُونَ ذَلِكَ، فَأَبِى أَن يَأُخذ
مِنْهُ شَيْئاً ، وقال: لم أَسْمَعْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلّم
فِيهِ شيئاً حتَّى أَقَدَمَ عَلَيهِ، فَأَسْأَلَهُ، فَتُوْفَيَ رَسُولُ اللهِ عَلُّ
قَبْل أَن يَقْدَمَ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ (١)
ففي الحديثِ دليل على أن الواجب لا يزداد في البقر بعد الأربعين
حتى يبلُغ ستين، ثم يجبُ فيها تبيعانٍ، وبعده في كل أربعين مُنّة،
وفي كل ثلاثين تبيعٌ ، وعند أبي حنيفة: فيما زاد على الأربعين بحسابه إلى
الستّين.
(١) ((الموطأ)) ٢٥٩/١ في الزكاة: باب ماجاء في صدقة البقر، وقال
البيهقي : طاوس وإن لم يلق معاذا إلا أنه يماني ، وسيرة معاذ بينهم
مشهورة، وقال ابن عبد البر في ((الاستذكار)): لا خلاف بين العلماء أن
السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ هذا ، وأنه النصاب المجمع عليه
فيها ، وحديث طاوس هذا عن معاذ غير متصل ، والحديث عن معاذ
ثابت متصل من رواية معمر والثوري عن الأعمش ، عر أبي وائل ، عن
مسروق ، عن معاذ بمعنى حديث مالك . قلت : وفي حديث عمرو بن
حزم ((وفي كل ثلاثين باقورة تبيع جذع أو جذعة ، وفي كل أربعين باقورة
بقرة)) .