النص المفهرس

صفحات 221-240

- ٢٢١ -
عِنْدِ رَبَّا، وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ )، قَالتْ : قَالَ
رَسُولُ اللهِ لِهِ: ( فَإِذَا رَأْتَ الَّذِينَ يَتَبِعُونَ مَا تَحَابَةَ
مِنْهُ، فَأُوَلَتِكَ الَّذِينَ تَّى اللهُ فَاحْذَرُوُمْ)).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم أيضاً عن عبد الله بن
مَسْلمة بن قعْنّب .
وابن أبي ◌ُملَيْكة: اسمه عبد اله بن مُبيد الله بن أبي مليكة أبو
بكرِ القُرشي الثّيْمِيّ الأحولُ كان قاضياً على عهد ابن الزبير ، ويقال :
كُثبته أبو محمد، مات سنة سبعَ عشرةَ ومائةٍ (٢).
وقوله: ( آياتٌ "محكماتٌ ) أي: غير منسوخاتٍ، وقوله :
( آيَاتُ الكتاب الحكيم) [يونس: ١] أي: الحكم،وقوله: (ماحكمت
آياتُهُ ثُمّ فُصِّلَتْ) [ هود: ١] أي: أحكمَتْ بالأمر والنهي ،
والحلال والحرام ، ثم ◌ُفَصَّلت بالوعد والوعيد .
(١) البخاري: ٨ /١٥٧ في تفسير " سورة آل عمران، ومسلم رقم
(٢٦٦٥) في العلم: باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه.
(٢) وقد سمع ابن أبي مليكة من عائشة كثيراً ، وكثيراً أيضاً مايدخل بينها
وبينه واسطة ، وحديث الباب قد رواه عنها بواسطة القاسم ، وكذلك أخرجه
ابن أبي حاتم من طريق أبي الوليد الطيالسي ، عن يزيد بن إبراهيم ، وحاد
ابن سامة جميعاً ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، وأخرجه الترمذي من
طريق أبي عامر الخزاز ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، ومن طريق
يزيد بن إبراهيم بزيادة القاسم ، ثم قال: روى غير واحد هذا الحديث ، عن
ابن أبي مليكة ، عن عائشة، ولم يذكروا القاسم .

- ٢٢٢ -
وقيل : المحُكّم : هو الذي يُعرّف بظاهره معناه (١).
وأما المتشابه ، فقيه أقاويل ، أحدها ما قال الخطابي وجماعةُ:
ما اشتبه منه، فلم يُتَلقّ معناه من لفظِهِ، وذلك عن ضربين. أحدهما:
إذاُرُدّ إلى المحكم مُعرف معناه، والآخر: مالا سبيل إلى معرفة كُنه ،
والوقوف على حقيقته ، ولا يعلمه إلا الله، وهو الذي يتبعه أهل الزيغ
يبتغون تأويله، كالإيمان بالقدر والمشيئة، وعلم الصفات ونحوها مما لم
منتَعَبَّدْ به، ولم يُكشف لنا عن سره، فالمتّبِع لها ◌ُمُبتَغٍ للفتنة، لأنه
لا ينتهي منه إلى حدّ تسكن إليه نفسه، والفتنة: الغلو في التأويل المظلم.
وقوله سبحانه وتعالى: (هُنَّ أمّ الكتاب ) أي : مُعظمه، يقال
لمعظمِ الطريق: أم الطريق، وقوله عز وجل : ( حتى يَبْعَث في أمّها
رسولاً ) [ القصص: ٥٩] أي: في ◌ُعظمِها.
١٠٧ - قال الشيخ : أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزّرّاد ، أخبرنا
أبو الحسن علي بن محمد بن محفوظ بن حبيب المؤذِّن ببخارى في شهر
(١) الحكم: ماعرف منه المراد، إما بالظهور، وإما بالتأويل ، والمتشابه:
ما استأثر الله بعلمه ، كقيام الساعة ، وخروج الدجال ، والحروف المقطعة في
أوائل السور، وهو مذهب المتقدمين، وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي
أنه الصحيح ، وقال ابن السمعاني: إنه أحسن الأقوال، والختار على طريقة
أهل السنة .
ومذهب المتأخرين من العلماء أن الحكم من القرآن : ماوضح معناه ،
والمتشابه نقيضه، وسمي الحكم بذلك لوضوح مفردات كلامه، وإتقان تركيبه
بخلاف المتشابه. وانظر بسط الكلام على المحكم والمتشابه في رسالة ((الاكليل)»
لشيخ الاسلام ابن تيمية .

- ٢٢٣ -
ربيع الأول سنة ثلاثٍ وأربعمائة، نا أبو أحمد بكر بن محمد بن حمدان
المَرْوزي ، حدثنا أبو يحيى عبد الصمد بن الفَضل البَلْخي ؛ نا أبو
عبد الرحمن المقرىء، عن سعيد ، عن أبي هانىء ، عن أبي عثمان ،
عن أبي هريرة رضي الله عنه .
عَنْ النَّيِ نِِّ قالَ: (( سَيَكُونُ في آخِرٍ أُمَّتِي تَاسٌ
يُحَدُِّونَكُمْ بِا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ ولا آبَاؤُكُمْ فَإِيَاكُمْ وَإِيَأْ».
هذا حديث حسن أخرجه مسلم (١) عن زهير بن حرب ، عن عبد الله
ابن يزيد المقرىء أبي عبد الرحمن، عن سعيد من [ أبي ] (٣) أيوب،
عن أبي هانىء ، عن أبي عثمان مسلم بن يسارٍ
وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه قال: ((إن في
البحر تْاطِينَ مَسْجُونَةٌ أو ثقّها سليمانُ يُرِْكُ أَن تَخْرُجَ فَتَقْرَأ على
النّاسِ قرآناً)) (٣).
(١) رقم ( ٦ ) في المقدمة: باب النهي عن الرواية عن الضعفاء،
والاحتياط في تحملها .
(٢) سقطت من (أ) واستدر كتاها من (ب) وصحيح مسلم .
(٣) رواه مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ١٢/١ موقوفاً على عبد الله بن
عمرو بن العاص، وليس لهذا الحديث حكم الرفع ، لأنهم اشترطوا في ذلك أن
يكون مما ليس للرأي فيه مجال ، وأن لايعرف وأويه برواية الاسرائيليات ،
والشرط الثاني غير متوفر في عبد الله بن عمرو ، فإنه رضي الله عنه مشهور
بروايته عنهم .

- ٢٢٤ -
قال الشيخ: قد أخبر النبي مَولئن عن افتراق هذه الأمة،
وظهور الأهواء والبدع فيهم، وحكم بالنجاة لمن اتبع سنّته، وسنّة
أصحابه رضي اله عنهم، فعلى المرء المسلم إذا رأى رجلاً يتعاطى شيئاً
من الأهواء والبدع معتقداً ، أو يتهاون بشيء من السنن أن يهجره ،
ويتبرأ منه، ويتركه حياً وميتاً، فلا يسلّم عليه إذا لقيه ولا يجيبه إذا
ابتدأ إلى أن يترك بدعته، ويُرَاجِعَ الحق .
والنهي عن الهجران فوق الثلاث (١) فيما يقع بين الرجلين من التقصير
في حقوق الصحبة والعشرة دون ما كان ذلك في حق الدِّين ، فإن هجرة
أهل الأهواء والبدع دائمة إلى أن يتوبوا .
قال كعب بن مالك في قصة تخلقه وتخلُّف صاحبيه: مُرَّارَةً بن الربيع
وهلالٍ بن أمية، عن رسول الله مؤلفة في غزوة تبوك على ما
١٠٨ - أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعَيْمي،
أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، حدثنا يحيى بن بكير ، نا
الليث ، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك قال :
سَمِعْتُ كَعْبَ بنَ مَالِكِ يُحَدْثُ حِيْنَ تَخَلَفَ عَنْ تَبُوكَ ،
(١) الثابت في قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه
فوق ثلاث ليال ، يلتقيان ، فيعرض هذا، ويعرض هذا ، وخيرهما الذي يبدأ
بالسلام)» وهو متفق عليه من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه .

- ٢٢٥ -
قال: وَنَى رَسُولُ اللهِ عَُّ الْمُسْلِيْنَ عَنْ كَلامِنَا أَيْهَا (١)
آَلاَتَهُ، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيَرُوا لَنا، حَتَّى تَتَكَّرَتْ في
نَفْسِيَ الأَرْضُ، ◌َا هِيَ آلَّ أَغْرِفُ، فَأَمَّا صَاحِبَايَ ،
فَاْتَكَانًا، وقَعَدا في بُيُوتِهِا يَبْكِيانِ، وأَمَّا أَنَا فَكُنْهُ
أُخْرُجُ، فَأَشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ الْمُسْلِيْنَ، وأَطُوفُ فِي الأَسْوَاقِ،
ولا يُكُلِّي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللهِِّ، فَأَسَلْمُ عَلَيْهِ
وُهُوَ فِي ◌َجْلِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ
بِرَدِّ الْسَلامِ عَلَّ أَمْ لاَ، ثُمْ أُصَلِي قَرِيبَاً مِنْهُ، فَأُسَارِقُهُ
النَّظَرَ ، فَإِذا أَقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي ، أَقْبَلَ عَلِّ، وإذا التَفَتُّ
تَحْوَهُ، أَخْرَضَ عَّ، حَتَّى إذا طَالَ عَلِيَّ ذَلِكَ، تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ
أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَنِّي، وأَحَبْ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَمْتُ عَلَيْهِ،
فَواللهِ مَارَدِّ عَليَّ السَّلامَ ...
حَى إِذا كَمُلَتْ لَنَا خْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِيْن ◌َى رَسُولُ اللهِ
حَ﴿ عَنْ كَلَامِنَا؛ آذَنَ رَسُولُ اللهِ وَلِِّ بِتَوَبَةِ اللهِ
(١) ((لفظ أي)» هنا مبني على الضم، وموضعه نصب على الاختصاص،
أي : متخصصين بذلك دون بقية الناس ، وقد قال سيبويه نقلا عن العرب :
اللهم اغفر لنا أيتها العصابة .
شرح السنة : ٢ - ١٥

- ٢٢٦ -
عَلَيْنَا، وانْطَلَقْتُ إلى وَسُولِ اللهِ بِّهِ، فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ
فَوْجَأَ فَوْجَاً، يُهْتَّؤُونَنِي بِالنَّوَبَةِ، فَمَا سَلَّمْتُ عَلى وَسُولِ الله
بَِّ، قالَ وَسُولُ اللهِهِ وَهُوَ ◌َيْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ الْرُورِ:
(( أَبِشِرْ بِخَيْرِ يَومٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَ تْكَ أُمكَ)).
هذا حديث صحيح (٧) .
وفيه دليل على أن هجران أهل البدع على التأييد ، وكان رسول الله
وَاللّم خاف على كعب وأصحابه النفاق حين تخلّفوا عن الخروج معه ،
(١) هو طرف من حديث طويل أخرجه البخاري ٨٦/٨، ٩٣ في
المغازي : باب حديث كعب بن مالك، وفي الوصايا: باب إذا تصدق ووقف
بعض ماله ، أو بعض رقيقه ، أو دوابه ، فهو جائز ، وفي الجهاد : باب من
أراد غروة فورى بغيرها، وفي الأنبياء : باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم،
وفي فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : باب وفود الأنصار إلى الني
صلى الله عليه وسلم بمكة ، وفي المغازي : باب قصة غزوة بدر، وفي تفسير
سورة براءة : باب ( لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين أقبعوه )
وجلب ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت )
وباب ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ) وفي الاستئذان:
جلب من لم يسهم على من اقترف ذنباً، ولم يرد سلامه حتى نتبين توبته ،
وفي الأيمان والنذور: باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة، وفي
الأحكام : باب هل للإمام أن يمنع المجرمين وأهل المعصية من الكلام معه والزيارة
ونحوه ، وأخرجه مسلم رقم ( ٢٧٦٩) في التوبة: باب حديث توبة كعب
ابن مالك وصاحبيه .

- ٢٢٧ -
فأمر بهجرانهم إلى أن أنزل الله توبتهم، وعرف رسول الله يج تعمل براءتهم،
وقد مضت الصحابة والتابعون وأتباعهم، وعلماء السنة على هذا مجمْعِينَ
متفقين على معاداة أهل البدعة ، ومهاجرتهم .
قال ابن عمر في أهل القدر : أخبرهم أني بريء منهم ، وأنهم مني
برآء ، وقال أبو قلابة : لا تجالسوا أصحاب الأهواء ، أوقال : أصحاب
الخصومات ، فإني لا آمن أن يَغْمِسُوكم في ضلالتهم، ويُلَبِّسُوا عليكم
بعضَ ما تعرفون .
وقال رجل من أهل البدع لأيوب السّخْتِيانيّ: يا أبا بكر أسألك
عن كلمة ، فوَّلى وهو يقول بيده : ولا نصف كلمة .
وقال سفيان الثوري : من سمع بدعة ، فلا يَحْكِهَا لجلسائه ، لا يُلقيها
في قلوبهم .
قال الشيخ : ثم هم مع هجرانهم كفُّوا عن إطلاق اسم الكفر
على أحد من أهل القبلة، لأن النبي مَّ جعلهم كلّهم من أمته .
وروي عن جماعة من السلف تكفيرُ من قال بخلق القرآن ، روي
ذلك عن مالك ، وابن عيينة ، وابن المبارك ، والليث بن سعد ، ووكيع
ابن الجراح ، وغيرهم .
وناظر الشافعي حفص الفرد ، وكان الشافعي رضي الله عنه يسميه حفص
المنفرد، فقال حفص: القرآن مخلوق، فقال الشافعي: كفرت
بالله العظيم .

- ٢٢٨ -
وقال محمد بن إسماعيل الجُعْفي البخاري : نظرت في كلام اليهود
والنصارى والمجوس ، فما رأيت قوماً أضل في كفرثم من الجهمية ،
وإني لا ستجهلُ من لا ◌ُكفِّرُهم إلا من لا يعرف كفرَهم، وقال: ما أبالي
صليت خلف الجَهْمِي والرافضي، أم صليت خلف اليهود والنصارى (١).
وأجاز الشافعي شهادة أهل البدع ، والصلاة خلفهم مع الكرامية على
الإطلاق ، فهذا القول منه دليل على أنه إن أطلق على بعضهم اسم الكفر
في موضع أراد به كفراً دون كفر، كما قال الله تعالى: (وَمَن لم
يَحْكُمْ بِمَا أَنزَلَ اللهُ فأولئك هم الكافرونَ) [ المائدة: ٤٤ ].
ومنهم من حمل قول من قال بالتكفير من السلف على مبتدع يأتي
في بدعته ما يخرج به عن الإسلام ، وكان أبو سلمان الخطابي لا يكفر
أهل الأهواء الذين تأوّلوا فأخطؤوا ، وُيجيز شهادتهم ما لم يبلغ من
الخوارج والروافض في مذهبه أن يُكفّر الصحابة ، أو من القدرية أن
يكفّر من خالفه من المسلمين ، فلا يرى الصلاة خلفهم ، ولا يرى أحكام
(١) ذكر ذلك في «خلق أفعال العباد)) ص ٧١، وهو من الغلو والإفراط
الذي لايوافقه عليه جمهور العلماء سلفاً وخلفاً ، وكيف يذهب هذا المذهب مع
أنه قد خرج في ((صحيحه)» أحاديث كثيرة رويت عن الجهمية والخوارج،
وغيرهما من الفرق ، فإذا كان يحكم بكفرم ، فكيف يروي عنهم !! وانظر
كتاب: ((تاريخ الجهمية والمعتزلة)» العلامة جمال الدين القاسمي ، ففيه تحقيق
جيد في هذا الموضوع .

- ٢٢٩ -
قضاتهم جائزة، ورأى السيف واستباحة الدم، فمن بلغ منهم هذا المبلغ،
فلا شهادة له .
وحكى عبدُ اله بن أحمد بن حنبل ، عن أبيه ، فيمن قال بخلق
القرآن : أنه لا يُصلى خلفه الجمعة، ولا غيرها، إلا أنه لا يدع إتيانها ،
فإن صلى أعاد الصلاة .
وقال مالك: من يُبْغِضُ أحداً من أصحاب النبي يَوٍّ وكان في قلبه
عليهم غِلٌ ، فليس له حق في فيىء المسلمين، ثم قرأ قولَ الله سبحانه
وتعالى: ( مَا أفاءَ اللهُ على رسولهِ من أهلِ القُرى) إلى قوله: ( والذين
جاؤوا مِنْ بَعدِيمٍ ... ) الآية [الحشر: ٨،٧].
وُذُكِرِ بين يديه رجل يَنْتَقِصُ أصحابَ رسولِ الله ◌ِفَعٍ ، فقرأ مالك
هذه الآية (ُحَمّدٌ وَُولُ الله والذين معه أسْدَّاءُ على الكفّارِ) إلى قوله:
(لِيَغِيظَ بِهِمُ الكَفَّارَ ) [الفتح: ٢٩] ثم قال: من أصبح من الناس
في قلبه غِلّ على أحد من أصحاب النبي عليه السلام ، فقد أصابته الآية .
وقال سفيان الثوري : من قدّم علياً على أبي بكر وعمر ، فقد
أزرى بالمهاجرين والأنصار ، وأخشى أن لا ينفعه مع ذلك عمل .
وقال مالك : بئس القوم أهل الأهواء لا نسلم عليهم .
وقال الشيخ الإمام : وهذا الهجران ، والتبري ، والمعاداة ، في أهل
البدع والمخالفين في الأصول ، أما الاختلاف في الفروع بين العلماء ،
فاختلافُ رحمة أراد الله أن لا يكون على المؤمنين حرجٌ في الدّين ، فذلك

- ٢٣٠ -
لا يوجب المجران والقطيعة، لأن هذا الاختلاف كان بين أصحاب
رسول الله ومؤثّمل مع كونهم إخواناً مؤتلفين، رُحماءَ بينهم، وتمسكَ بقول
كل فريق منهم طائفةٌ من أهل العلم بعدهم، وكلٌّ في طلب الحقّ،
وسلوك سبيل الرّشْد مشتركون .
قال عونٌ بن عبد الله: ما أُحبُ أن أصحاب النبي عَ لَى لم يختلفوا
فإنهم لو اجتمعوا على شيء، فتركه رجلٌّ ترك السُّنّة، ولو اختلفوا وأخذ
رجل بقول واحدٍ أخذ بالسُّنّة .

باب
قواب من دعا إلى هدى أو أعياسة
وإنم من ابتدع بدعة أو دعا اليها
قالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (ادْعُ إِلى سَبِيْلِ رَبُّكَ بِالحِكْمَةِ
والموْعَظَةِ الْحَسَنَةِ ) [ النحل: ١٢٥]، وقالَ اللهُ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالى: (وَأَدْعُ إلى رَبُّكَ إِنَكَ لَعَلَى هُدَى مُسْتَقِيْرٍ)
[ القصص: ٨٧]، وقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (قُلْ هَذهِ سَبِيْلِي
أُذُعُو إلى اللهِ عَلى بَصِيْرَةٍ أَنَا ومَنِ أَتْبَعَنِي) [ يوسف: ١٠٨]،
وقالَ اللهُ تَعَالى: (واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِيْنَ إِمَامَاً) [ الفرقان: ٧٤]،
قالَ : أَكْمَّةٌ نَقْتَدِي ◌ِّنْ قَبْلَنَا، وَقْتَدي بِنَا مَنْ بَعْدَنا.
وقالَ الهُسُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (يَوْمَ نَدُْوا كُلُّ أُنَسٍ بِمَامِهِمْ)
[ الإسراء: ١٧١]، أَي: بِنَبِيِّهِمْ، وقِيْلَ: بِكِتَابِهِمْ،
وَقِيلَ : يإمَامِهِمْ أَلَّذِي أَقْتَدَوْا بِهِ .
وقالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ومِنْ أَوْزَارِ الّذِينَ يُضِلُونَهُمْ بِغَيْرِ
عِلْمٍ) [ النحل: ٢٥]، وقالَ اللهُ تَعَالى: (عَلَتْ نَفْسٌ
مَا قَدَّمَتْ وَأَخرَتْ) [الانفطار: ٥].

- ٢٣٢ -
قالَ عَبْدُ اللهِ بن مَسْعُودٍ: مَاقَدّمَتْ مِنْ خَيْرٍ، ومَا أَخْرَتْ
مِنْ سُنَّةٍ اسْتُنَّ بِا بَعْدَهُ، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرٍ مَنِ اتَّبَعَهُ، أَوْ سَيِئَةٍ
فَعَلَيْهِ مِثْلُ وِزِرٍ مَنْ عَمِلَ بِها.
وكَذَلكَ قَولُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ( يُنَبَّؤُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بما
قَدَّمَ وَأَخَّرَ ) [ القيامة: ١٣].
١٠٩ - قال الشيخ: أخبرنا أبو عبد اله محمد بن الفضل الخر قي،
أنا أبو الحسن الطَّيْسَفُونيّ، أنا عبد الله بن عمر الجوْهَريّ، ثنا أحمد
أبن علي الكُشْمِيهَيُّ، نا علي بن حُجْرٍ ، نا إسماعيل بن جعفر ، عن
العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
أَنَّ رَسُولَ اللهِ عِِّ قالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدَىّ كانَ لَهُ
مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورٍ مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمٍ
شَيْئًاً، ومَنْ دَعَا إلى صَلالَةٍ كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آقَامِ
مَنْ تَبِعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آَامِهِمْ شَيْئاً» .
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن علي بن مُحُجْر.
١١٠ - أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشَيْريّ، أنا الحاكم
أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو محمد عبد الله بن إسحاق البغوي ببغداد ،
أنا أحمد بن الهيثم السَامَري، نا سعيد بن داود الزبيريُ، نا مالك بن
(١) رقم (٢٦٧٤) في العلم: باب من سن سنة حسنة أو سيئة
ومن دعا إلى هدى أو ضلالة .

- ٢٣٣ -
أنسٍ قال: كتبَ إليّ كَثِيرُ بن عبد الله المُزَنيُ يحدّث عن أبيه
عن جدّه ، عن بلال بن الحارث أنه قال :
سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عِِّ يقول: ((مَنْ أَحْيَا سُنَّةٌ مِنْ سُنَّى
قَدْ أُمِيْقَتْ بَعْدِي، فَإِنَّ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلَ مَنْ عَمِلَ بِها مِنَ
النَّاسِ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِ، ومَنِ ابْتَدَعَ بِدْغَةً
لا تُرْضِي اللهَ وَرَسُولَهُ، فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ إِنْمِ مَنْ عَمِلَ بِها مِنَ
النَّاسِ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آثَمِ النَّاسِ شَيْئاً، (٧).
هذا حديث حسنٌ . وبلال بن الحارث المُزّنيُّ: أبو عبد الرحمن
عدادُه في أهل المدينة .
وكثير: هو كثيرُ بن عبد الله بن عمرو بن عوف بن زيد المُزّنيُ مَدَني".
١١١ - قال الشيخ الحسين بن مسعود: أخبرنا أبو سعيد عبد الله
ابن أحمدالطًا مريء، أنا جدّي عبد الصمد بن عبد الرحمن البزَّاز، أنا أبو بكر
محمد بن زكريا العُذَافِرِيُ، أنا إسحاق الدَّبَريّ، نا عبد الرزاق ،
(١) وأخرجه الترمذي رقم ( ٢٦٧٩) في العلم: باب الأخذ بالسنة ،
واجتناب البدعة، وقال: هذا حديث حسن ، قلت : وفي التحسين نظر ،
لان كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني ضعيف، ومنهم من نسبه إلى
الكذب ، ولا إخال ذلك يصح ، فإن الإمام مالك كان رحمه الله ذا بصر
ومعرفة بالرجال ، ولم يكن يروي إلا عن الثقات وأشباههم .
كالبيه في رواية الترمذي: ((ومن ابتدع بدعة ضلالة» ولم ترد زيادة
(« ضلالة) في أصولنا ولا في سنن ابن ماجة رقم (٢١٠).

- ٢٣٤ -
أنا مَعْمَر عن الأعمش، عن عبد اله بن مُرّة، عن مَسْروقٍ ، عن
ابن مسعود قال :
قالَ رَسُولُ اللهِ مِِّ: (( لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمَاً إلا كانَ عَلى
ابنِ آدَمَ الْقَائِلِ كِفْلٌ مِنْ إِنْمِهَا، لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّالْقَتْلَ ».
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عمرو بن خَفْص بن
غياثٍ عن أبيه ، وأخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن أبي
معاوية ، كلٌّ عن الأعمش .
قوله ((كفلٌ))، أي: نصيب. وقال رجلٌ لعبد الله بن مسعود:
عَلَّمْنِي كلماتٍ جوامعَ نوافِعَ، فقال: لا تُشْرِك به شيئاً، وُزُلْ مع
القرآن حيث زال ، ومَن جاءك بالحق ، فاقبل منه وإن كان بعيداً بغيضاً ،
ومن جاءك بالباطل، فاردده عليه وإنْ كان قريباً حبيباً .
(١) البخاري ٦ / ٢٦٢ في الأنبياء: باب خلق آدم صلوات الله عليه
وذريته ، وفي الديات : باب قول الله تعالى: ( ومن أحياها ) وفي الاعتصام:
باب إثم من دعا إلى ضلالة أو سن سنة سيئة ، وأخرجه مسلم رقم ( ١٦٧٧)
في القسامة : باب بيان إثم من من القتل .

يايسب العلم
ـاب
تبليغ حديث الرسول فت الله وحفظ
قالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (مَاآتَيْكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ)
[ الحشر : ٧ ] .
قالَ الصَبْخُ الإِمَامُ: الأَمْرُ عَامُّ فِي حَقِّ أَهْلٍ وَمَانِهِ ، وَمَنْ
جَاءَ بَعْدَهُمْ، ولا وُصُولَ إِلى مَنْ بَعْدَهُمْ إِلا بالتَّبْلِيْغِ.
وقَالَ النَّبِيِّ بِّهِ فِي خُطْبَتِهِ: ((فَلْيُبَلْغِ الشَّامِدُ الْغَائِبَ) (١).
١١٢ - قال الشيخ: أخبرنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الكسائي ،
أنا أبو محمد عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس محمد بن يعقوب
الأصمُ (ح) وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصَّالحي، ومحمد بن أحمد العارف ،
قالا : أنا أبو بكر الخيْري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع،
أنا الشافعي، أنا سفيان بن مُحَيّنة، عن عبد الملك بن محمّيْر، عن
عبد الرحمن بن عبد اله بن مسعود ، عن أبيه .
(١) متفق عليه من حديث أبي بكرة رضي الله عنه .

- ٢٣٦ -
أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَِّ قالَ:
(( نَضَّرَ اللهُ عَبْدَأَ سَمِعَ مَقَالَتِي، فَحَفِظَهَا وَوَعَاهَا وَأَدَّاهَا ،
فَرُبْ حَامِلٍ فِقْهٍ غَيْرُ فَقِيْهٍ ، وَرُبَّ حَامِلٍ فِقْهِ إِلى مَنْ هُوَ
أَفْقَهُ مِنْهُ (١) .
ثَلاثٌ لا يَعِلْ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إخلاصُ الْعَمَلِ للهِ،
وَالْتَصِيْحَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلُؤُومُ تَمَاعَتِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ يُحِطُ
مِنْ وَرَائِهِمْ)) (٢).
قال أبو عيسى : هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.
قال أبو سليمان الخطابيُ: قوله: (("نَضْرَ اللهُ امْرءاً)) معناه:
الدعاء له بالنّضارة، وهي النّعمة والبهجة، ويقال: نضَرّه الله بالتخفيف
والتثقيل، وأجودُهما التخفيف ، وقيل : ليس هذا من ◌ُحُسْن الوجه، إنما
معناه ◌ُحسن الجاه والقدر في الخَلْقِ .
(١) والبخاري في «صحيحه» ٤٥٩/٣ من حديث أبي بكرة في خطبة
النحر «فرب مبلغ أوعى من سامع)» ولأحد «فرب مبلغ أحفظ من سامع)».
(٢) الشافعي ١٤/١ وإسناده صحيح، وأخرجه الترمذي رقم (٢٦٥٩)
في العلم: باب في الحث على تبليغ السماح، وابن ماجة رقم (٢٣٢) في
المقدمة: باب من بلغ علماً دون قوله: ((ثلاث لابغل ... )) وقال الترمذي:
حسن صحيح ، وفي الباب: عن زيد بن ثابت عند أحمد ١٨٣/٥، والترمذي
رقم (٢٦٥٨) وابن ماجة رقم (٢٣٠) والدارمي ٧٥/١ وقد صححه
الحافظ ابن حجر وغيره، وعن جبير بن مطعم عند أحمد ٨١/٤ وابن ماجة
رقم (٢٣١)، والدارمي ٧٤/١ و ٧٥، وعن أبي الدرداء عند الدارمي
٧٥/١ و ٧٦ .

- ٢٣٧ -
قوله: ((لاَ يَغْيِلُّ عليهنَّ)) بفتح الياء، وكسر الغين من الغيِلّ،
وهو الضّغْنُ والحقْدُ ، يُريد: لا يدخله حقْدٌ مُزيله عن الحق ، ويُروى
بضم الياء من الإغلال ، وهو الخيانة .
وفي الحديث: أنه كتب في كتاب صلح الحديبيةِ: ((لا إغلال
ولا إِسْلال)) فالإغلال: الخيانة، والإسلال: السّرِقة، يقال: فلان ◌ُغِلٌ
◌ُيِلٌ، أي: خائن سارقٌ . والسَّةُ: السَّرِقة.
فأما الغاول في الغنيمة وهو الخيانة فيها ليس من هذا ، ◌ُسمى ◌ُغلولاً
لأن الأيدي مغلولة عنها ، أي : منوعة ، يقال من الغلول في الغنيمة: غلّ يَغُلُّ
بضم الغين، قال الله سبحانه وتعالى: ( وما كان لِنَّبِيّ أنْ يَقُلْ)
[ آل عمران: ١٦١] ويُقال من الخيانة في غيرها: أعلّ يُغِلّ،
ويقال من الحقد : غلّ يَغِلُ بكسر الغين .
وفيه إشارة إلى تكرار الحديث للحفظ، قال النّخَعِيُ: إني لأسمع
الحديث ، فأحدّث به الخادم أدُسُهُ به في نفسي ، أي : أُثبتُه ، يُرِيد
أُحدّث به خادمي أستذكر بذلك ..
وفيه دليل على كراهية اختصار الحديث لمن ليس بالمتناهي في الفقه ،
لأنه إذا فعل ذلك ، فقد قطع طريق الاستنباط علىَ مَنْ بعدَه ممن هو
أفقهُ ، وفي ضمنه وُجُوبُ التفقه، والحثّ على استنباط معنى الحديث ،
واستخراجُ المكنون مِنْ مرة.
واختلف أهل العلم في نقل الحديث بالمعنى، فرخّص فيه جماعة"، قال
واثلة بن الأسْفَع: إذا حدثتاكم بالحديث على معناه ، فحسبُكُم ، وإليه

- ٢٣٨ -
ذهب الحسن والشعبي والنّخَعِي، قال أيوب عن ابن سيرين: كنتّ
أسمع الحديث من عشرةٍ، اللفظ مختلفٌ ، والمعنى واحدٌ .
قال مجاهدٌ : انقُصْ من الحديث إن شئتَ ولا تَزِدْ فيه.
قال سفيان الثوري: إن قلت : إني حدّثتُكم كما سمعت فلا
*تُصدَّقوني ، فإنما هو المعنى .
وقال وكيع: إنْ لم يكن المعنى واسعاً، فقد هلك الناس .
وذهب قوم إلى اتّباع اللفظ ، منهم ابن عمر ، وهو قول القاسم بن
محمد ، وابن سيرين ، ورجاء بن حَيْوَة ، ومالك بن أنس ، وابن
مُلّيّة، وعبدُ الوارث، ويَزِيدُ بن ◌ُزَدُيع، وَوُهيب، وبه قال
أحمدٌ ويحيى .
وذهب جماعة من أئمة الحديث. وأهل العلم إلى جواز القراءة ، والعرض
على المحدّث ، ثم الرواية عنه ، وإليه ذهب الحسن والشعبي ، وُروة
وهشام بن ◌ُعروة، وزيد بن أسلم، وعكرمة، والزهري ، وابن
أبي ذئب ، واحتجوا بحديث ضمام بن ثعلبة .
وبيان العرض : أن يدفع كتاباً إلى مُحدّثٍ فيه سماعه، فيتأمله المحدّث
ويعرفُهم فيقول له: هذه رواياتي عن شيوخي، فحدّث بها عنّي (١).
(١) هذا التفسير العرض من المصنف يسمى: عرض المناولة في كتب
المصطلح ، ولا خلاف بين أحد من العلماء في قبول ذلك ، كما قال العراقي ،
وإنما الخلاف في هل : السماع أفضل أم مما سواء ! فذهب بعضهم إلى أن عرض
المناولة المقرون بالإجازة حال محل السماع، وهو كما حكاه الحاكم قول الزهري
وربيعة الرأي، ويحيى بن سعيد الأنصاري ، ومالك بن أنس الإمام في آخرين
من المدنيين ، ومجاهد، وأبو الزبير ، وابن عيينة في جماعة من المكيين ، -

- ٢٣٩ -
وقال عاصم الأحولُ: عرضتُ على الشعبي أحاديثَ الفقه فأجازها لي .
وقال مَطرِّفُ بنُ عبد الله: صَحبْتُ مالكاً سبع عشرة سنة؛ فما
رأيتُه قرأ ((الموطأ)) على أحدٍ، وسمعته يأبى على من يقول: لا يجزئه إلا
السّماع، ويقول: كيف لا يُجزئكَ هذا في الحديث، ويُجزئك في
القرآن ، والقرآن أعظم ؟!
وقال ابن أبي ◌ُأُوَيْس: سُئل مالكٌ عن حديثه أسْمَاعٌ هو،
فقال : منه سَماعٌ، ومنه "َرضٌ ؛ وليس العرضُ بأدنى عندنا
من الساع .
وذهب جماعة من الفقهاء إلى أن العرض (١) ليس بسماع ، وهو قول
الأوزاعي والثوري، وابن المبارك ؛ والشافعي وأحمد ، وإسحاق ، لقول النبي
عِلَّمَ: ((نَضْرَ اللهُ امرءاً مَمِعَ مَقَالَتي)).
- وعلقمة، وإبراهيم النخعي ، وشعبة في جماعة من الكوفيين ، وقتادة ،
وأبو العالية ، وأبو المتوكل التاجي في طائفة من البصريين ، وابن وهب ،
وابن القاسم في طائفة من المصريين ، وآخرين من الشاميين والخراسانيين ،
ورأى الحاكم طائفة من مشايخه على ذلك ، وقال أبو عمرو بن الصلاح :
والصحيح أنها منحطة عن السماع والقراءة ، وهو قول الثوري والأوزاعي ،
وابن المبارك ، وأبي حنيفة، والشافعي، والبويطي ، والمزني : صاحبيه ، وأحد ،
وإسحاق ، ويحيى بن يحيى، وقال الحاكم: وعليه عبدا أمتنا، وإليه ذهبوا ،
وإليه نذهب .
(١) يعني عرض المناولة، وقوله: ((ليس بسماع)) يريد أنه لايساوي
السماع كما تقدم .

- ٢٤٠ -
وقال ◌ِمِ: ((تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ)) (١).
واختلفوا في القراءة على المُحَدِّث ، هل هو إخبار أم لا ؟ قال
أبو عاصم عن مالك ، وسفيان: القراءة على العالم وقرأته سواءٌ .
وقال سفيان بن عيينة : إذا قرىء على المحدث ، فلا بأس أن يقول :
حدثني (٢)، وكان عنده ((حدثنا))، و((أخبرنا))، و((أنبأنا))،
ومَبمعتُ)) واحداً .
واحتج مالك بالصّك (٣) يُقرأ على القومِ فيقولون: أَسْهَدَنا فلانٌ [ ويقرأ
ذلك قراءة عليهم ] (٤)، ويُقرأ على المقرىء، فيقول: أقْرَ أني فلانٌ.
وَجَوّزوا المناوَلَةَ، وكتابَ أهل العلم بالعلم إلى البلدان رآه عبد الله
ابن عمر ، ويحيى بن سعيد ، ومالك جائزاً .
قال شعبة: كتب إليّ منصورٌ بحديثٍ، ثم لقيتُه بعد ذلك،
٠
(١) رواه أحمد رقم (٢٩٤٧) وأبو داود رقم (٣٦٥٩) في العلم:
باب فضل نشر العلم، وإسناده صحيح، وصححه ابن حبان رقم (٦١)،
والحاكم ٩٥/١، وأقره الذهبي، وحسنه العلائي.
وهو خبر بمعنى الأمر ، أي : لتسمعوا مني الحديث ، وتبلغوه عني ،
وليسمعه من بعدي منكم ، وهكذا أداءاً للأمانة ، وإبلاغاً للرسالة .
(٢) ذكره عنه البخاري في ((صحيحه)) ١٥٨/١.
(٣) هو الكتاب فارسي معرب، والمراد هنا: المكتوب الذي يكتب فيه
إقرار المقر، لأنه إذا قرىء عليه، فقال: نعم، ساغت الشهادة عليه به، وإن لم يتلفظ
هو بما فيه، فكذلك إذا قرىء على العالم فأقر به ، صح أن يروى عنه.
(٤) زيادة لم ترد في الأصول، وأثبتها من صحيح البخاري .