النص المفهرس
صفحات 121-140
- ١٢١ -
يَوْمَ خَيْبَرَ، قَالَ: فَاْلْتَزَمْتُهُ، فَقِلْتُ: لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَداً
مِنْ هَذَا شَيْئًا، قَالَ: فَالْتَّفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ عَلْهِ مُتَبَسِّمَاً .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن أبي الوليد ، عن
شعبة ، عن حميد .
٢٧٣٣ - أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أنا عبد الغافر بن محمد
أنا محمد بن عيسى، نا إبراهيم بن محمد بن سفيان، نا مسلم بن الحجاج ،
حدثني عمرو الناقد، نا إسماعيل بن مُليّة، عن الجريري، عن أبي
نضرة
عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمْ نَعْدُ أنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ ،
فَوَ قَعْنَا أَصْحَابَ رَ سُولِ اللهِ عَّه فِي تِلْكَ الْبَقْلَةِ الثُّومِ
وَالنَّاسُ جِيَاعُ، فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلاَ شَدِيْدَاً، ثُمَّ رُخْنَا إِلَى
المَسْجِدِ، فَوَجَدَ رَ سُولُ اللهِ عَّهِ الرِّبْحَ، فَقَالَ: (( مَنْ
أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيْئَةِ، فَلَ يَقْرَ بَنَّا فِي المَسْجِدِ »
فُقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّيُّ عَيْهِ، فَقَالَ:
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنّهُ لَيْسَ بِي مِنْ تَخْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ لِ ،
وَلَكِنَّهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا)).
(١) البخاري ١٨١/٦، ١٨٢ في فرض الخمس ، وفي المغازي : باب
غزوة خيبر ، وفي الذبائح والصيد: باب ذبائح أهل الكتاب وشحومها من
أهل الحرب وغيرهم، ومسلم (١٧٧٢) في الجهاد والسير: باب جواز
الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب .
- ١٢٢ -
هذا حديث صحيح (١).
قال الإمام : اتفق أهل العلم على أنه إذا كان في الغنيمة طعامٌ
يجوز للغزاة أكُله قبل القسمة على قدر الحاجة ما داموا في دار الحرب ،
وأنه لا يُخمّسُ في جملة ما يُخمّسُ من الغنيمة، وهو مخصوص بالسنة
كالسلب للمقاتل، ورخص أكثر أهل العلم في علف الدواب ، ورأوه
في معنى الطعام للحاجة إليه . وقال مالك: أرى الإبل ، والبقر ،
والغنم بمنزلة الطعام يأكل منها الناس إذا دخلوا أرض العدو ، وقال
الشافعي : فإن أكل فوق الحاجة، أدى ثمنه في المغنم ، وكذلك إن شرب
شيئاً من الأدوية، والأشربة التي لا تجري مجرى الأقوات ، أو أطعم
صقوره، وبُزاته لحماً منه، أدى قيمته في المغنم، وليست بده على طعام
الغنيمة في دار الحرب بد ملكٍ حقيقة، إنما له يد الارتفاق ، والانتفاع
به قدر الحاجة ، ولا يجوز بيع شيء منه ، كالضيف يأكل الطعام ولا
يبيعُهُ، روي عن أبي سعيد الخدري قال: نهى رسول اله ملخص عن
شراء الغنائم حتى تقسم (٢).
واختلفوا فيما يخرج به من دار الحرب من طعام الغنيمة، فذهب
أكثرهم إلى أنه يَرده إلى الإمام، وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ،
وأصحُ قولي الشافعي ، وقال في موضع : ما كان له حمله لا يجب رده ،
(١) هو في صحيح مسلم ( ٥٦٥) في المساجد: باب نهي من أكل
ثوما او بصلا أو كراثا .
(٢) أخرجه أحمد ٤٢/٣، والترمذي (١٥٦٣) في السير: باب ما جاء
في كراهية بيع المغانم حتى تقسم، وابن ماجة (٢١٩٦) في التجارات :
باب النهي عن شراء ما في بطون الانعام وضروعهياً وإسناده ضعيف ، لكن
يشهد له حديث رويفع بن ثابت الذي سيورده المصنف قريبا .
- ١٢٣ -- .
وهو قول الأوزاعي ، إلا أنه قال: لا يجوز له بيعه، إنما له الأكل ،
وكان مالك يُرِخِّص في القليل كالخبز، واللحم ونحوهما ، قال : لا بأس
أن يأكله في أهله ، وكذلك قال أحمد بن حنبل .
ولا يجوز استعمال متاع الغنيمة قبل القسمة ، ولا ركوب دوابها ،
ولا لبسُ ثيابها إلا لضرورة من برد يشتد عليه فيستدفىء بالثوب ، روي
عن حنش الصنعاني، عن رويفع بن ثابت، عن رسول الله مح لى أنه
قال يوم حنين: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يركب
دابة من في المسلمين حتى إذا أعجفها ردّها فيه ، ومن كان يؤمن بالله
واليوم الآخر ، فلا يلبس ثوباً من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه، رده فيه (١).
فأما في حال قيام الحرب، يجوز استعمال سلاحهم ودوابهم ، "خزّ
عبد الله بن مسعود رأس أبي جهل بسيفه (٢). وقال مالك: إذا كان
شيئاً خفيفاً، فلا بأس أن ترتفق ه آخذُه دون أصحابه.
(١) أخرجه أحمد ١٠٨/٤، ١٠٩ وأبو داود (٢٧٠٨) في الجهاد: باب
في الرخصة في السلاح يقال به في المعركة. والدارمي ٢٣٠/٢ في السير:
باب النهي عن ركوب الدابة من المغنم . ولبس الثوب منه من حديث محمد
أن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب. عن أبي مرزوق مولى تجيب، عن
حنش الصنعاني عن رويفع بن ثابت . وإسناده قوي ، فقد صرح ابن
إسحاق بالتحديث عند احمد، وحسنه الحافظ في ((الفتح)» ١٨٢/٦
وصححه ابن حبان (١٦٧٥) من طريق أخرى، ولفظ أحمد : قام فينا
رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين. فقال: ((لايحل لامریء إمن
بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره (يعني إنيان الحبالى من السبا ::
وأن يصيب امرأة ثيبا من السبي حتى يستبرئها (يعني إذا اشتراها ) وأن
بيع مغنما حتى قسم (وفي رواية أخرى: ولا أن يبتاع مغنما حتى يقسم :
وان يركب دابة من فيء المسلمين حتى اذا أعجفها ، ردها فيه ، وأن ليس
نوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه ، رده فيه)).
(٢) هو في ((المسند)) (٣٨٢٤) و(٤٢٤٦) ورجاله ثقات إلا أنه
منقطع، وقصة قتل ابن مسعود لأبي جهل ثابتة في ((الصحيحين)، دون
تعرض للسيف الذي قتله به .
باب
ما يصيب الكفار من مال المسلمين
٢٧٣٤ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليجي ، أنا أحمد بن عبد الله
النعيمي"، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل، قال: وقال ابن
غير: نا عبيد الله ، عن نافع
عَنِ ابْنِ مُمَرَ قَالَ: ذَهَبَتْ فَرَسُ لَهُ، فَأَخَذَهَا العَدُوُ،
فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلِمُونَ، فَرُدْ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللهِ عِلْهُ
وَأَبَقَ عَبْدُ لَهُ، فَلَحِقَ بِالرُّومِ، فَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الْمُسْلُونَ
فَرَدّ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيْدِ بَعْدَ النَّيِّ ◌َِيٍْ .
هذا حديث صحيح(١) فيه دليل على أن الكفار إذا أحرزوا أموال
المستلمين، واستولوا عليها، لا يملكونها ، وإذا استنقذها المسلمون من أيديهم
"ترد" إلى ملاكها ، وهو قول الشافعي ، سواء كان بعد القسمة، أو
قبلها ، وقال الأوزاعي ، والثوري، ومالك : إن أدر كه صاحبه قبل
القسمة ، أخذه، وإن أدركه بعد القسمة ، كان أحق به بالقيمة ، وكذلك
قال أبو حنيفة فيما استولى عليه الكفار بالغلبة. أما العبدُ ، أو الفوس
إذا أبقَ، أو عار إليهم، كان صاحبه أولى به بعد القسمة وقبلها ،
واتفقوا على أنهم لا يملكون بالاستيلاء وقاب أحوار المسلمين، وأمهات
أولادهم ، ويملك المسلمون منهم جميع ذلك .
(١) البخاري ١٢٦/٦ في الجهاد: باب من قسم الغنيمة في غزوه
وسفره تعليقاً ، ووصله أبو داود ( ٢٦٩٩) في الجهاد: باب المال يصيبه
إبـ
اخراج الخمس من الفتية وبيان سهم ذوي القربى
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيء
فَأَنَّ ◌ِثِهِ خُسَهُ) [الأنفال: ٤١] الآية. وَقَالَ النَّيَّ ◌َُِّ
لِوَ قْدٍ عَبْدِ القَيْسِ: (( وَأَنْ تُؤَدُّوا خْسَ مَا غَنِمُمْ (١))).
٢٧٣٥ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد
الله الصالحيّ، ومحمد بن أحمد العارف، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن
الحسن الخيري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ،
أنا مطرف بن مازن ، عن معمر بن راشد ، عن ابن شهاب ، أخبرني
محمد بن ◌ُجُبير بن مُطعم
عَنْ أَبِيْهِ قَالَ: لَمَّا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ عَهُ سَهْمَ ذِي
القُرْ بَى بَيْنَ بِي هَاشِمٍ وَ بَنِي المُطَِّبِ، أَتْتُهُ أَنَا وَ عُثَانُ بْنُ
عَفَّان، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ هَؤْلَاءِ إِخْوَانْتَ مِنْ بَنِي هَاشِم.
لَا تُنْكِرُ فَضْلَهُمْ لِكَانِكَ الَّذِي وَضَعَكَ اللهُ مِنْهُمْ، أَرَأَيَتَّ
إِخْوَانَنَا مِنْ بَنِي الْمُطَّلِّبِ أَعْطَيْتَهُمْ وَتَرَكْتَنَا، أَوْ مَنَعْتَنَا،
العابو من المسلمين، ثم يدركه صاحبه في الغنيمة، وابن ماجة (٢٨٤٧) في
الجهاد: باب ما أحرز العدو، ثم ظهر عليه المسلمون. وإسناده صحيح .
(١) هو في (( الصحیحین )) من حديث ابن عباس.
__ ١٢٦ -
وَإِنَّا قَرَابَتْنَا وَقَرَابَتْهُمْ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ:
((أَمَّا بَنُو هَاشِمٍ وَ بَنُو الْمُظْلِبِ شَيءٍ وَاحِدٌ)) هكَذَا وَشَبَّكَ
بَيْنَ أَصَابِعِهِ (١).
قال الشافعي : فذكرت لمطرف بن مازن أن يوس، وابن إسحاق
رويا حديث ابن شهاب عن ابن المسيِّب قال: حدثنا معمر كما وصفت ،
فلعل ابن شهاب رواه عنهما جميعاً .
٢٧٣٦ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز
ابن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد
اله الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الجيري ،
نا الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا الثقة، عن أين بهاب ،
عن ابن المسيْب
عَنْ جُبِيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ عَيْهِ سَهْمَ
ذِي القُرْ بَى بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي المُطَّلِبِ، وَلَمْ يُعْطِ مِنْهُ
أَحَدَا مِنْ بَنِي عَبْدٍ شَمْسٍ، وَلَا بِنِي نَوْفَلَ شَيْئًاً (٢)
(١) الشافعي ١١١/٢، ١١٢، ومطرف بن مازن ضعيف، وأخرجه
أبو داود (٢٩٨٠) بأطول من هذا من حديث ابن إسحاق، عن الزهري، عن
سعيد بن المسيب ، عن جبير بن مطعم ، وأخرجه هو (٢٩٧٨ ) وابن ماجة
(٢٨٨١) من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب،
عن جبير بن مطعم وإسناده صحيح، وأخرجه النسائي ١٣٠/٧ و١٣١ من
حديث ابن إسحاق ومن حديث يونس بن يزيد ، كلاهما عن الزهري به ..
وأخرجه البخاري ١٧٣/٦، ١٧٤ من حديث الليث عن عقيل عن ابن شهاب.
(٢) الشافعي ١١٢/٢، والبخاري ٣٧١/٧ في المغازي : باب غزوة
خيبر، و ١٧٣/٦ في الجهاد: باب ومن الدليل على أن الخمس للأمام ...
و ٣٨٩ في الأنبياء: باب مناقب قريش .
- ١٢٧ --
هذا حديث صحيح أخرجه محمد عن يحيى بن بكير ، عن الليث ،
عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيِّب أن ◌ُجبير بن مطعم
أخبره .
قوله: (( أما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد)) أراد الحلف
الذي كان بين بني هاشم ، وبني المطلب في الجاهلية ، وذلك أن قريشاً ،
وبني كنانة حالفت على بني هاشم ، وبني المطلب أن لا يُناكجوم ،
ولا يُبايعوهم حتى يُسلْمُوا إليهم النبي عَم. وفي غير هذه الرواية: ((إنا
لم تفترق في جاهلية، ولا في إسلام)»، وكان يحيى بن معين يرويه:
((( إنما بنو هاشم، وبنو المطلب سيُّ واحد)) بالسين غير المعجمة.
أي: مثل سواءٌ، يُقال: هذا سيٌ هذا ، أي: مثله ونظيره .
قال الإمام : اتفق أهل العلم على أن الغنيمة تُخمْس، فالخْمسُ
لأهلها ، كما نطق به القرآن، وأربعة أخماسها للغامين. وقوله سبحانه
وتعالى ( فأن لله خمسه ) ذهب عامة أهل العلم إلى أن ذكر الله فيه
للتبرك به، وإضافة هذا المال إليه لشرفه ، ثم بعد ما أضاف جميع
الخمس إلى نفسه، بيْن مصارفها، وهي الأصناف الخمسة التي ذكر الله
عز وجل، حكي عن أبي العالية الرياحي أنه قال: السهم المضاف إلى
الله تعالى إنما هو الكعبة ، والعامة على أن سهم الله وسهم رسوله واحد .
وفي الحديث دليل على ثبوت سهم ذي القربى من 'خمس الغنيمة،
كما قال الله عز وجل: ( فأن له 'خمسه والرسول ولذي القربى )
واختلف أهل العلم فيه ، فقد روي في حديث الزهري عن سعيد بن
المسيِّب عن جبير بن مُطعم أن أبا بكر لم يكن يُعطي، وكان عمر
وعثمان يعطيانهم (١) . وقد روي عن علي أن أبا بكر قسم لهم . فذهب
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٧٨) وإسناده صحيح.
- ١٢٨ -
جماعة إلى أنه ثابتٌ، وإليه ذهب مالك، والشافعي ، وذهب أصحابُ
الرأي إلى أنه غير ثابت ، وقسموا الغُمس على ثلاثة أصنافٍ : على اليتامى
والمساكين ، وابن السبيل ، وقال بعضهم: يُعطى الفقراء منهم دون
من لا حاجة له .
٢٧٣٧ - أخبرنا أحمد بن عبد اله الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ،
قالا : أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيريء، نا أبو العباس الأصم
( ح ) وأخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي* ،
أنا إبراهيم بن محمد، عن مطر الوراق ورجل لم يُسمّه، كلاهما عن
الحكم بن عتيبة
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: لَقِيْتُ عَلِيّاً عِنْدَ
أَحْجَارِ الزَّيْتِ، فَقُلْتُ لَهُ: بِأَبِي وَأُمِّي مَا فَعَلَ أَبُو بَكْرٍ
وَأُمَرَ فِي حَقُّكُمْ أَهْلَ البَيْتِ مِنَ الْخُمْسِ ؟ فَقَالَ عَلِيُّ: أَمَّا
أَبُو بَكْرٍ: فَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أْخَاسُ ، وَمَا كَانَ، فَقَدْ
أَوْ فَانَاهُ، وَأَمَّا مُمَرُ، فَلَمْ يَزَلْ يُعْطِيْنَا حَتَّى جَاءَهُ مَالُ
السُّوسِ وَالأهوازِ - أَوَ قَالَ: الأهْوَاز، أَوْ قَالَ: فَارِسِ -
شَكَّ الشَّافِعِيُّ، فَقَال فِي حَدِيْثٍ مَطَرٍ، أَوْ فِي حَدِيْثِ الآخر -
فَقَالَ: فِي الْمُسْلِمِينَ خَلَّةٌ، فَإِنْ أَحَبَيُمْ تَرَكْتُمْ حَقَّكُمْ، فَجَعَلْنَاهُ
فِي خَلَّةِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَأْتِيْنَا مَالٌ، فَأُوفِيكُمْ حَقْكُمْ مِنْهُ ،
- ١٢٩ -
فَقَالَ العَبَّاسُ لِعَلِيِّ لَا تطْمِعْهُ فِي حَقِّنَا، فَقُلْتُ لَهُ :
يَا أَبَا الفَضْلِ أَلَسْنَا أَحَقَّ مَنْ أَجَابَ أَمِيْرَ أُؤْمِنِينَ؟ وَرَفَعَ
خَلَّةَ المُسْلِمِينَ ، فَتُوُّفِيَ مُمَرُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ مَالٌ، فَيَقْضِيَنَاهُ.
وَقَال الْحَكَمُ فِي حَدِيْثِ مَطَرٍ وَالآخرِ : إِنَّ عَمَرَ قَالَ : لَكُمْ
حَقُّ ، وَلَا يَبْلُغُ عِلْمِي إِذَا كَثْرَ أَنْ يَكُونَ لَكُمْ كُلُّهُ، فَإِنْ
شِئْتُمْ، أَعْطَيْتُكُمِْ بِقَدْرِ مَا أَرَى لَكُمْ، فَأَبَيْنَا عَلَيْهِ إِلَّا كُلّهُ ،
فَأَبَى أَنْ يُعْطِيَنَا كُلَّهُ (١).
قال الإمام : فيه دليل على أن سهم ذوي القربى ثابت بعد رسول الله
وَ قَمِ خلافاً لما ذهب إليه قومٌ أن النبي مؤلفى كان يُعطيهم لنصرته، وقد
انقطعت تلك النصرة ، فانقطعت العطية، لأن الخلفاء أعطوه بعد النبي
عَّالِ، ولأنهم اعطوه عوضاً عن الصدقة، وتحريم الصدقة عليهم باقٍ ،
فليكن سهمهم باقياً ، ولأنه عطاء باسم القرابة، والقرابة باقية كالميراث ،
وألحقه الشافعي بالميراث ، غير أنه أعطى القريب والبعيد معاً ، فقال :
لا يُفضّل فقيرٌ على غني، ويُعطى الرجل سهمين، والمرأة -هما ،
وقال : في إعطائه العباس بن عبد المطلب - وهو في كثرة ماله يعولُ
عامة بني المطلب - دليلٌ على أنهم استحقوا بالقرابة لا بالحاجة ، كما أعطى
الغنيمة من حضرها لا بالحاجة ، وكذلك من استحق الميراث ، استحقه
بالقرابة لا بالحاجة .
(١) الشافعي ١٢٩/٢ رقم (٤١٦) بترتيب السندي، وإبراهيم بن
محمد شيخ الشافعي متروك . ولأبي داود ( ٢٩٨٤ ) نحوه من حديث
حسين بن ميمون الخندقي عن عبد الله بن عبد الله . عن عبد الرحمن بن أبي
ليلى قال: سمعت علياً ... وحسين بن ميمون لين الحديث. وباقي
رجاله ثقات .
شرح السنة ج ١١ - م ٩
١٠
باب
حكم الفيء
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَمَا أَفَاءَ اللهُ على رَسُولِهِ
مِنْهُمْ نَا أَوْ جَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ) [الحشر: ٦]
يُقَالُ: وَجِيْفُهَا: سُرْ عَتُهَا فِي سَيْرِهَا، وَقَدْ أَوْجَفَهَا رَاكِيُها
إِيَجَافَاً. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: (قُلُوبُ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ)
[ النازعات: ٨] أَيْ: شَدِيْدَةُ الأَضْطِرَابِ.
وَ قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ( مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ
أَهْلِ القُرَى) [الحشر: ٧] الآية، وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:
( كَيْ لَا يَكُونُ دُوْلَةٌ بَيْنَ الْأغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) [الحشر: ٧]
الدُّولَةُ: اسْمٌ لِكُلِّ مَا يُتَدَاوَلُ مِنَ المَالِ ، وَالدُّولَةُ: الانْتِقَالُ
مِنْ حَالِ البُؤْسِ وَالضُّرِّ إِلَى حَالِ الغِبْطَةِ وَالسُّرُورِ. وَقَوْلُهُ
سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (وَتِلْكَ الْأَيْمُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ )
[ آل عمران: ٢٤] يُقَالُ: أَدَالَ اللهُ فَلَاَنَا مِنْ فَلَانٍ، أَيْ:
جَعَلَ لَهُ الدَّولَةَ عَلَيْهِ ، وَالْدَالُ: الظَّافِرُ، وَجْعُ الدُّوْلةِ:
دُوَلُ وَدُوْلَاتٌ .
٢٧٣٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
- ١٣١ -
النعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا إسحاق بن محمد
الفروي ، نا مالك بن أنس ، عن ابن شهاب
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَ ثَانِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ
في أَهْلِي حِيْنَ مَتَعَ النَّهَارُ إذَا رَسُولُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
يَأْتِينِ ، فَقَالَ : أَجِبْ أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتّى
أَدْخُلَ عَى عَمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسُ عَلى رِمَالِ.
سَرِيْرٍ، لَيْسَ بَيْتَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشُ، مُتَّكِىُ عَلى وِسَادَةٍ مِنْ
أَدَمِ، فَسَلَمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسْتُ، فَقَالَ: يَا مَالِ إِنَّهُ قَدْ
قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ قَوْمِكَ أَهْلُ أَبْيَاتٍ ، وَقَدْ أَمَرْتُ فِيْهِمْ بِرَّضْخٍ،
فَاقْبِضْهُ، فَاقْسِمْهُ بَيْتَهُمْ. قُلْتُ: يَا أَمِيْرَ أْمُؤْمِنْنَ لَوْ
أَمَرْتَ بِهِ غَيْرِي؟ قَالَ: أَقْبِضْهُ أَيُّهَا المَرْءِ. فَبَيْنَا أَنَّا
جَالِسٌ عِنْدَهُ، أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَا، فَقَالَ: هَلْ لَكَ في عُثمانَ
وَعَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ عَوْفٍ، وَالزُّبَيْرِ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي
وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِينَ لَهُمْ، فَدَخُلُوا
فَسَلَمُوا وَجَلَسُوا، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَأُ يَسِيرَاً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ لَكَّ
فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَ لَهُمَا، فَدَخِلَا فَسَلَّمَا
فَجَلَسَا، فَقَالَ عَبَّاسُ: يَا أَمِيْرَ اُلُؤْمِنِيْنَ أَقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ
◌َذَا، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيْا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ بَنِي النَّضِيْرِ
- ١٣٢ -
فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمانُ وَأَصْحَابُهُ: يَا أَمِيْرَ الْمُؤْمِنْنَ أَقْضِ بَيْنَهُما
وَأَرِحْ أَحَدَهَمَا مِنَ الآخرِ: قَالَ مُمَرُ رَضِيَ اللهُ عِنْهُ: تَيْدَكُمْ
أَنْشُدُكُمْ بِاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءِ وَالأَرْضُ: هَلْ
تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّهِ قَالَ: ((لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا
صَدَقَةُ)) ؟ يُرِيْدُ رَ سُولُ اللهِ عَِّ نَفْسَهُ. قَالَ الرَّهْطُ:
قَدْ قَالَ ذَلِكَ ، فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ:
أَنْشُدُ كُمُ اللهَ أَتَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَلِ قَدْ قَالَ ذَلِكَ (١)؟،
قَالَ مُمَرْ فَإِّي أَحَدِّ ثُكُمْ مَنْ هَذَا الأَمْرِ: إِنَّ اللهَ قَدْ خَصَّ
رَسُولَهُ فِي هَذَا الفَيءٍ بِشَيءٍ لَمْ يُعْطِ أَحَدَاً غَيْرَهُ، ثُمْ قَرَأَ :
( ومَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ) إِلَى قَوْلِهِ (قَدِيرٌ) فَكانَتْ
هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللهِ لَيْهِ، وَاللهِ مَا اخْتَارَهَا دُونَكُمْ،
وَلَا اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ، قَدْ أَعْطَاكُمُوهُ، وَبَثَّهَا فِيْكُمْ حَتَّى
بَقِيَ مِنْهَا هَذَا الَمالُ، فَكَانَ رَ سُولُ اللهِ عَهِ يُنْفِقُ عَلَى أَهِلِهِ
نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ مِنْ هَذَا الَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ، فَيَجْعَلُهُ
مَجْعَلَ مَالِ اللهِ، فَعَمِلَ رَسُولُ اللهِ عَ ليهِبِذَلِكَ حَيَاتَهُ ،
أَنْشُدُكُمْ بِالله هَلْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ثُمَّ قَالَ
(١) زاد في رواية عفيل عن الزهري: قالا: قد قال ذلك، وهي عند
البخاري ٤/١٢
- ١٣٣ -
لِعَلِّ وَعَبَّاسٍ: أَنْشُدُ كُمَ اللهَ هَلْ تَعْلَمَانِ ذَلِكَ ؟ قَالَ عُمَرُ:
ثُمَّ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ عَِّ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا وَلِيُّ رَ سُولٍ
اللهِ بَّهِ، فَقَبَضها أبُو بَكْرٍ، فَعَمِلَ فِيهَا بِمَا عَمِلَ رَسُولُ اللهِ
◌َّهِ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنَهُ لَصَادِقٌ فِيْهَا، بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ
لِلْحَقِّ، ثُمَّ تَوَّفَّى اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فَكُنْتُ أَنَا وَلِيَّ أَبِي بَكْرِ.
فَقَبَضْتُهَا سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَ تِي أَعْمَلُ فِيْهَا بِا ◌َمِلَ رَسُولُ اللهِ
◌َّ، وَمَا عَمِلَ فِيْهَا أَبُو بَكْرٍ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّ فِيْهَا لَصَادِقٌ
بَارَّ رَاشِدٌ تَارِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُاني تُكَلِّ ◌َنِي وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ ،
وَأَمْرُكُمَا وَاحِدٌ ، جِنْتَفِي يَا عَبَّاسُ تَسْأَلِفِي نَصِيْبَكَ مِنْ أَبْنِ
أَخِيْكَ ، وَجَاءَ فِي هَذَا - يُرِيْدُ عَلِيّاً - يُرِيْدُ نَصِيْبَ امْرَأَتِهِ
مِنْ أَبِيْهَا، فَقُلْتُ لَكُما: إنَّ رَسُولَ اللهِ عَلِ قَالَ:
((لَا نُوْرَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، فَلَمَّا بَدَا لِ أَنْ أَدْ فَعَهُ إلَيْكُما :
و
قُلْتُ: إِنْ شِئْتًا، دَفَعْتُهَا إِلَيْكُما عَلى أَنَّ عَلَيْكُما عَهْدَ اللهِ وَمِيْثَاقَ
لَتَعْمَلَانِ فِيْهَا بِمَا عَمِلَ فِيْهَا رَسُولُ اللهِ عَ ◌ّهِ، وَبِمَا عَمِلَ
فِيْهَا أَبُو بَكْرٍ، وَبما ◌َِلْتُ فِيْهَا مُنْذُ وَلِيْتُهَا، فَقُلْتُما:
ادْفَغْهَا إِلَيْنَا، فَبِذَلِكَ دَ فَعْتُهَا إِلَيْكُها، فَأَنْشُدُكُمِْبِاللهِ
هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْهِما بِذَلِكَ ؟ قَالَ الرَّهْطُ: نَعَمْ، ثُمَّ أَقْبِّلَ
عَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ، فَقَالَ: أَنْشُدُ كُم بِاللهِ هَلْ دَفَعْتُهَا إِلَيْكُما
بِذَلِكَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءَ غَيْرّ
- ١٣٤ -
ذَلِكَ، فَوَ اللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّماءِ وَالأَرْضُ لَا أَقْضِي
فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَإِنْ عَجَزْتُما عَنْهَا، فَادْ فَعَاهَا إِلَيَّ،
فَأَنَا أَكْفِيكُمَهَا .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن عبد الله بن محمد بن
أسماء الضبعي عن جويرية ، عن مالك .
قال أبو داود السجستاني حين روى هذا الحديثَ في «سننه (٢) )):
إنما سألاه أن يُصِيِّرها بينهما نصفين، فقال عمر: لا أوقعُ عليها اسم
القَسْمِ. قال أبو سليمان الخطابي: ما أحن ما قال أبو داود ، والذي
يدلُ من نفس الحديث على ما قال أبو داود قول عمر رضي الله عنه :
((إِما جئتُاني وكلِمَتُكُما واحدة، وأمر كما واحد)، فهذا يُسيِّين أنها
إنما اختصما إليه في رأي حدث لهما في أسباب الولاية والحفظ ، فرأى كل
واحد منهما التفرد ، ولا يجوز عليها أن يكونا طالباه بأن يجعله ميراثاً
بينها، ويَردُّه ملكاً بعد أن كانا سلّمَاهُ في أيام أبي بكر، وكيف
(١) البخاري ١٤١/٦، ١٤٤ في فرض الخمس ، وفي المغازي . باب
حديث بني النضير ، ومخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم إليهم في دية
الرجلين ، وفي تفسير سورة الحشر : باب قوله تعالى (( ما أفاء الله على
رسوله ) وفي النفقات : باب حبس الرجل قوت سنة على أهله . وفي
الفرائض: باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ((لانورث ما تركنا صدقة))
وفي الاعتصام : باب مايكره من التعمق والتنازع في العلم والغلو في الدين
والبدع . وأخرجه مسلم (١٧٥٧، (٤٩) في الجهاد : باب حكم الفىء.
وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٧٢).
(٢) رقم (٢٩٦٣) في الخراج والفيء: باب في صففايا رسول الله صلى
الله عليه وسلم من الأموال .
- ١٣٥ -
يجوز ذلك وعمر ◌ُناشِدهما الله هل تعلمان أن رسول الله صلى الم قال:
((لا نورَثُ ما تركنا صدقة" ؟)) فيعترفان به، والقوم الحضور يشهدون.
على رسول الله عَلِّ بذلك، وكل هذه الأمور تؤكد ما قاله
أبو داود رحمه الله (١).
قال الإمام : ويدل عليه ما روى عمرو بن دينار ، عن الزهري ، عن
مالك بن أوس في هذا الحديث أن عمر قال : أتريدان أن أدفع إلى كلِّ
واحد منكما نصفاً ؟ قال الإمام : وإنما منعهما عمر القسمة احتياطاً لأمر
الصدقة ، لأن القسمة من سبيل الأموال المملوكة ، القابلة لأنواع التصرف ،
فلو قسمها بينهم ، لم يأمن إذا اختلفت الأيدي فيها أن يتملّكها بعد
علي والعباس من ليس له بصيرُها في العلم ، ولا تقيْتُهما في الدين ،
فكان الأولى تركها جملة على حالتها . وقد روي أن علياً رضي الله عنه
غلب عليها العباس، فكان يليها أيام حياته، ثم كانت بعده في يد
الحسن بن علي ، ثم في يد الحسين بن علي ، ثم في يد علي بن الحسين ،
والحسن بن الحسن ، كلاهما كانا يتداولانها، ثم بيد زيد بن الحسن (٢).
قوله في الحديث: ((حين مَتَعَ النهار)) أي : ارتفع ، والماتع :
(١) قال الحافظ في ((الفتح)) ١٤٥/٦: لكن في رواية النسائي وعمر
ابن شبة من طريق أبي البختري ما يدل على أنهما أراد أن يقسم بينهما
على سبيل الميراث ، ولفظه في آخره : ثم جئتماني الآن تختصمان
يقول هذا : أريد نصيبي من ابن أخي، ويقول هذا: أريد نصيبي من امرأتي،
والله لا أقضي لكما إلا بذلك ، وكذا وقع عند النسائي من طريق عكرمة بن
خالد، عن مالك بن أوس نحوه .
(٢) أخرجه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٩٧٧٢)، والبخاري في
((صحيحه)) ٢٥٩/٧ في المغازي في آخر غزوة بني النضير ، والبيهقي.
٢٩٨/٦ وقائل ذلك هو الزهري انظر ((الفتح)) ١٤٥/٦.
- ١٣٦ -
الطويل، يُقال: أمتع الله بك ، أي : أطال مدة الانتفاع بك .
وقوله سبحانه وتعالى: ( أفرأيتَ إِن مَتْعْناهُم سنين) [الشعراء: ٢٠٥]
أي: عَمْرناهم سنين. وقوله: ((هو جالس على رمال سرير)) أي :
ما يُرمل وينسج به من شريطٍ ونحوه .
وقوله : ((يا مالٍ)) يُريد يا مالك، فرخّم ، كقولهم الحارث:
يا حارٍ، وقرىءَ (ونادوا يامالٍ ليقضٍ علينا ربك (١)) [ الزخرف: ٧٧ ].
وقوله: (("تيدَّكُم)) يريد: على رِسِلِكُم، وأصله من التؤدة ،
يقول: الزموا تؤدّتّكم، وكان أصلها: تأد، تأداً، فكأنه قال: تأدَ كُم
فأبدل الياء من الهمزة .
وفي قول عمر: ((إن الله قد خصّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم
"يُعطِ أحداً)) دليل على أن أربعة أخماس الفيء كانت لرسول الله عز ◌َّه
خاصة في حياته ، واختلفوا في مصرفها من بعده ، فذهب بعضُ أهل
العلم إلى أنها للأئمة بعده، وكذلك سهُه من الخُمس، لما رُوي عن
أبي الطُّفيل قال أبو بكر: سمعتُ رسول الله عَلَه يقول: ((إِن الله
إذا أطعم نبياً طعمة"، فهي الذي يقوم من بعده (٢))).
والشافعي فيها قولان ، أحدهما : أنها المقاتِلة يُقسم كلها فيهم ، لأن
النبي مَ الِ إنما كان يأخذها لما له من الرعب ، والهيبة في قلب العدو ، والمقاتلة
!! في ((زاد المسير)) ٣٢٩/٧: وقرأ علي بن أبي طالب رضي الله
عنه وابن مسعود وابن يعمر ( با مان، يغير كاف مع كسر اللام . قال
الزجاج: وهذا يسميه النحويون الترخيم . ولكني أكرهها لمخالفة المصحف.
٢٠. أخرجه المروزي في ((مسند أبي بكر)) رقم (٧٨) طبع المكتب
الإسلامي . وانظر تخريجه هناك .
- ١٣٧ -
هم القائمون مقامه في إرهاب العدو وإخافتهم . والقول الثاني : أنها لمصالح
المسلمين ، ويبدأُ بالمقاتلة أولاً يُعطون منها كفايتهم، ثم بالأهم فالأهم من
المصالح، لأن النبي ◌َ ◌ّ كان يأخذها لفضيلته التي خصّهُ الله تعالى بها،
وليس لأحد من الأئمة تلك الفضيلةُ، كما كان له الصفيُّ من الغنيمة وهو
أن يصطفيّ من رأس الغنيمة قبل أن تخمّس شيئاً: عبداً، أو جارية،
أو فرساً ، أو صيفاً أو غيرها، وليس ذلك لأحد من الأئمة . قالت
عائشة : كانت صفية من الصّفي (١).
ومن خصائصه أنه كان يُسهم له من الغنيمة كسهم رجل ممن شهد
الوقعة ، سواءٌ حضرها ، أو غاب عنها ، وقال مالك : أربعة أخماس
الفيء للمصالح، وكذلك كان في زمان النبي حوله، ولم يكن النبي عز
ملكٌ .
٢٧٣٩ - أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن أحمد الطاهري، أنا جَدِّي
عبد الصمد بن عبد الرحمن البزاز ، أخبرنا محمد بن زكريا العُذافِري
أنا إسحاق الدَّبَريء، نا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهريِّ
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الحَدَ ثَانِ أَنْهُ سَمِعَ عَمَرَ بْنَ
الخَطَّبِ يَقُولُ: مَا عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُسْلِمٌ إِلَّ لَهُ فِي هَذَا
الفَيءِ حَقُ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أْاُنُكُمْ (٢)
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٩٤) في الخراج والامارة : باب ما جاء في.
سهم الصفي ، وإسناده قوي ، وصححه ابن حبان ( ٢٢٤٧).
(٢) ((المصنف)) (٢٠٠٣٩) وإسناده صحيح، وأخرجه أبو عبيد في
((الأموال)) رقم (٥٢٤) من حديث عبد الله بن عمر العمري، عن
- ١٣٨ -
٠ ٢٧٤ - وأخبرنا أبو سعيد الطاهري، أنا جَدِّي عبد الصمد البزاز ،
أنا محمد بن زكريا العُذافري ، أنا إسحاق الدَّبري ، نا عبد الرزاق ،
أنا معمر ، عن أيوب ، عن عكرمة بن خالد
عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ، قَالَ: قَرَأَ مُمَرُ بْنُ
الْخَطَّابِ ( إِنَّ الصَّدَ قَاتُ) حَتَّى بَلَغَ (عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [التوبة: ٦]
فَقَالَ: هَذِهِ لِهُؤْلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ (وَاعْلَمُوا أَّا غَنِمْتُمْ مِنْ شَىءٍ فَأَنَّ
لِهِ خُسَهُ) حَتَّى بَلَغَ ( وَابْنِ السَّبَيْلِ) [الأنفال: ٤١] ثُمَّ قَالَ: هَذِهِ
لِمُؤْلَاءِ، ثُمَّ قَرَأَ ( مَا أَفَاءَ اللهُ على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القُرَى )
حَتَّى بَلَغَ ( والَّذِيْنَ جَاؤُوا مِنْ بَعْدِ هِمْ )[الحشر: ٧، ١٠] ثُمْ قَالَ :
هَذِهِ اسْتَوْعَبَتِ المسْلِمِيْنَ عَامَّةَ، فَلَئِنْ عِشْتُ فَلْيَأْتِيَنَّ الرَّاعِي
وَهُوَ بِسَرْوِ حِمْيَرَ (١) نَصْبُهُ مِنْهَا لَمْ يَعْرَقْ فِيْهَا جَبْنُهُ(٢).
زيد بن أسلم عن أبيه قال : قال عمر: ما أحد من المسلمين إلا له في هذا المال
حق أعطيه أو منعه ، وعبد الله بن عمر العمري ضعيف ، وباقي رجاله ثقات،
وأخرجه يحيى بن آدم في ((الخراج)) (١٠٥) من حديث هشام بن سعد ، عن
زيد بن أسلم ، عن أبيه عن عمر ، وأسناده حسن ، وأخرجه الشافعي
١١١/٢ من حديث سفيان عن عمرو بن دينار، عن الزهري .
(١) قال البكري: سرو حمير: أعلا بلاد حمير، وفي ((معجم البلدان)):
السرو من الجبل : مارتفع عن مجرى السيل ، والحدر عن غلظ الجبل ،
ومنه سرو حمير لمنازلهم وهو النعف والخيف .
(٢) إسناده صحيح وهو في ((المصنف)) (٢٠٠٤٠) وأخرجه بنحوه
أبو عبيد في ((الأموال)) رقم (٤١) و (٥٣٥) من حديث إسماعيل بن
إبراهيم ، عن أيوب ، عن عكرمة بن خالد ، عن مالك ، وبعض الحديث عن
أيوب عن الزهري عن مالك بن أوس عن عمر، وإسناده صحيح .
- ١٣٩ -
وعن مالك بن أوس بن الحدثان قال: ذكر عمر بن الخطاب رضي
الله عنه يوماً الفيءَ، فقال: ما أنا أحقّ بهذا الفيءٍ منكم، وما أحدٌ
مينا أحقّ به من أحدٍ إلا أنّا على منازلنا من كتاب الله عز وجل ،
وقسْمِ رسول اله ◌ٍِّ، والرُجلُ وقدُمُهُ، والرجلِ وبلاؤهُ، والرجل
وعيالُهُ، والرجل وحاجتهُ (١).
قال رحمه الله: اختلف أهل العلم في تخميس الفيء ، والفيء : ما
صار إلى المسلمين من أموال الكفار من غير إيجافٍ خيلٍ ولا ركابٍ ، فذهب
الشافعي إلى أنه مُخِمَّسُ، ويخِمْسِ خُمْسُهُ على خمسة أقسام، كُخُمس الغنيمة،
ويُصرفُ أربعة أخماسه إلى المقاقلة، أو إلى المصالح، واحتج بقول الله
سبحانه وتعالى: ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول
ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ) [الحشر: ٧] وكان يذهب إلى
أن ذكر الله في أول الآية على سبيل التبرك بالافتتاح باسمه، كما قال في
آية الغنيمة ( فأن لله خمسه والرسول) [الأنفال: ٤٢] وهو قول جماعة من
أهل التفسير ، قال عطاء بن أبي رباح والشعبي: سهم الله وسهم رسوله
واحد ، وقال قتادة : ( فأن لله خمسه ) هو الله، ثم بَيْن مصارفها .
وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الفيء لا يخَمَّس، بل مَصرِفُ
جميعها واحد ، وإليه كان يذهب عمر رضي الله عنه . قال الزهري :
قال عمر : ( وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل،
ولا ركابٍ ) هذه لرسول الله ◌َلتم خاصة قرىّ عربية "قدَكُ وكذا
وكذا: ( ما أفاء اللهُ على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى.
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٥٠) في الخراج والامارة، ورجاله ثقات .
- ١٤٠ -
واليتامى والمساكين وابن السبيل) و( للفقراء المهاجرين الذين أُخرِجُوا مِن
ديارهم وأموالهم) و( والذين تبَوَؤا الدارَ والإيمانَ من قبليهم) و(الذين
جاؤوا من بعدهم) [الحشر: ٧، ١٠] فاستوعبت هذه الآية الناس، فلم يبق أحد
من المسلمين إلا له فيها حقّ، إلا بعض من تملكون من أرقّاتِكُم (١).
فذهب عمر إلى أن هذه الآيات منسوقة" بعضها على بعض ، وأن
جملة الفيءٍ لجميع المسلمين يصرفها الإمام إلى مصالحهم على ما يراه من
الترتيب ، وهو قول أكثر أهل الفتوى .
أما العبيد ، فقد رُوي عن أبي بكر أنه كان يُعطي الأحرار والعبيد .
ورَوَينا عن عمر قوله: (( إلا ما ملكت أيمانكم)) فهو يُتأول على
وجهين ، أحدهما : ما ذهب إليه أبو ◌ُبيد أن الاستثناء يرجعُ إلى مماليك
بأعيانها كانوا شهدوا بدراً، وروى بإسناده عن مخلدٍ الغفاريّ: أن مملوكين
أو ثلاثة لبني غِفارٍ شهدوا بدراً، فكان عمر يُعطي كلَّ رجل منهم في
كلِّ سنة ثلاثة آلاف درهم. قال: فأحسِبُ أنه أراد هؤلاء الماليك (٢).
وقال غيره : بل أراد جميع الماليك ، وقال أحمد وإسحاق : الفيءُ
الفقير والغني، إلا العبيد، لأن النبي مؤتمر أعطى العباس من مال
البحرين وهو غني ، وذكر الشافعي في قسمة الفيء قال : ينبغي للإمام
أن يحصيَ جميع من في البلدان من المقاتلة، وهم من قد احتلم ، أو
استكمل خمس عشرة سنة من الرجال ، ويحصي الذرية ، وهم من دون
(١) أخرجه أبو داود (٢٩٦٦، في الخراج: باب في صفايا رسول الله
صلى الله عليه وسلم وهو منقطع، لأن الزهري لم يسمع من عمر .
(٢) الأموال ص ٢٤٣.