النص المفهرس
صفحات 281-300
- ٢٨١ -
الميراث ، ولو كان معه زوجة ، فأفكرت لم يثبت ، ولو مات عن بنت ،
فأقرت بأخ لها ، لم يثبت، لأنها لا ترتُ جميع المال ، فإن كانت
معتقة أبيها ، ثبت . ولو مات عن ابن ، فأقر بأخ للميت ، فهو يلحق
النسب بالجد ، فإن مات جده بعد أبيه ،يثبت إذا كان هو ممن ورث
جميع تركة الجد ، وإن مات جده قبل أبيه يشترط أن يكون هذا
المقر حائزاً جميع تركة من حاز تركة الجدّ حتى يثبت بقوله النسب .
ولو أقرّ بوارث بحجب المقر، يثبت بقوله النسبُ دون الميراث ، مثل أن
مات عن أخ ، فأقر بابن للميت، يثبت نسب الابن بإقرار الأخ ، ولا
ميراث للان ، لأنه لو ورث، حجب الأخ ، وإقرار المحجوب لا يثبت
به النسب ، ففي إثبات الميراث له نفي نسبه ، فأثبتنا النسب ، ومنعنا
الميراث. هذا كله على مذهب الشافعي، ومعنى قوله .
وذهب أصحاب الرأي إلى أن النسب لا يثبت بقول الواحد ، ولا
يُشترط إقرار من يرث جميع المال، بل يُشترط عدد الشهادة ، فإن
من مات عن بنين وبنات ، فأقر منهم ابنان أو ابن وبنتان يثبت النسب
والميراث ، وإن أنكر الباقون ، والحديث حجة القول الأول .
ولو مات عن بنين، فأقر بعضهم بأخ آخر ، وأنكر الآخرون ،
فلا نسب ولا ميراث المقَرّ به، عند بعض أهل العلم، وهو قول الشافعي
وذهب قوم إلى أنه يدخل في الميراث مثل أن كانا أخوين أقر أحدهما
بأخ ثالث، وأنكر الآخر، لا يثبت النسب بالاتفاق ثم عند أبي
حنيفة يأخذُ المقر به نصف ما في يد المقر، وقال ابن أبي ليلى ، وأبو
يوسف : يأخذ ثلث ما في يد المقر .
ولو مات عن ابنين، فأقر أحدهما بدين على الميت ، وأنكر الآخر ،
- ٢٨٢ -
لا يجب على المقر إلا نصف المقر به على أظهر القولين . وقال في القديم :
يجب عليه جميع الدّين إلا أن تكون حصته من التركة أقل من الدّين،
فلا يلزمه أكثر مما خصه . ولو شهد اثنان من الورثة بدين لانسان على
الميت ، فعلى القول الأول يُقبل، ويثبت في جميع التركة ، وهو قول
الحسن ، والحكم ، ومالك ، وعلى القول الآخر : لا يقبل ، ويكون
كالإقرار ، فيكون من نصيهما، وهو قول إبراهيم النخعي ، وأصحاب الرأي .
وأما أمره -ودة بالاحتجاب عنه بعد الحكم بالاخوة ، فعلى معنى
الاستحباب والتنزه عن الشبهة، لما رأى من شبه الغلام بعتبة ، والاحتراز
عن مواضع الشبه من باب الدين (١). وقوله: ((الولد للفراش)) يعني
لصاحب الفراش وهو الزوج أو مالك الأمة، لأنه يفترشها بالحق ،
وقوله: ((للعاهر الحجر)) فالعاهر: الزاني، يقال: عهو إليها بعهَر:
إذا أتاها للفجور ، والعهر : الزنى ، وقيل: أراد بالحجر الرجم بالحجارة.
(١) قال ابن القيم رحمه الله في (تهذيب السنن)) ١٨٠/٣، ١٨٣:
وأما أمره سودة ــ وهي أخته - بالاحتجاب منه ، فهذا يدل على أصل ،
وهو تبعيض أحكام النسب ، فيكون أخاها في التحريم والميراث وغيره ،
ولا يكون أخاها في المحرمية والخلوة والنظر إليها لمعارضة الشبه بالفراش،
فأعطى الفراش حكمه من ثبوت الحرمة وغيرها ، وأعطى الشبه حكمه من
عدم ثبوت المحرمية لسودة ، وهذا باب من دقيق العلم وسره لا يلحظه
إلا الأئمة المطلعون على أغواره ، المعنيون بالنظر في مآخذ الشرع وأسراره
ومن نبا فهمه عن هذا ، وغلظ عنه طبعه ، فلينظر إلى الولد من الرضاعة
كيف هو ابن في التحريم لافي الميراث ، ولا في النفقة ولا في الولاية ، وهذا
ينفع في مسألة البنت المخلوقة من ماء الزاني ، فإنها بنته في تحريم النكاح
عليه عند الجمهور، وليست بنته في الميراث، ولا في النفقة ولافي المحرمية،
وبالجملة فهذا من أسرار الفقه ، ومراعاة الأوصاف التي تترتب عليها
الأحكام ، وترتيب مقتضى كل وصف عليها ، ومن تأمل الشريعة ، أطلعته
من ذلك على أسرار وحكم تبهر الناظر فيها .
- ٢٨٣ -
وقيل : ليس كذلك ، لأنه ليس كل رزان يُرجم ، وإنما يُرجم بعض
الزناة، وهو المحصن ، وإنما معنى الحجر هنا : الحية والحرمان ، يعني :
لاحظ له في النسب ، كقول الرجل لمن خيبه وآيسه من الشيء : ليس
لك غير التراب، وما في بدك إلا الحجر. وقد رُوي عن النبي ◌ِ القِ أنه
قال: ((إن جاء يطلب ثمن الكلب فأملأ كفه تراباً)) (١). وأراد به
الحرمان والخيبة، وقد كان بعض السلف يرى أن يوضع التراب في كفه
جرياً على ظاهر الحديث .
باب
(٢)
القائف
قَالَ الإِمَامْ: سُمِّيَ القَائِفُ قَائِفَاً، لأَنّهُ يَتْبِعُ الآثَارَ، وَمِنْهُ
قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ)
[الاسراء: ٣٦]، أي لا تَتْبَعْ، يُقَالُ: قَفَوْتُهُ أَقْفُوهُ، وَقُقْتُهُ،
أُقْوُفُهُ ، وَقَفَيْتُهُ: إِذَا أَتْبَعْتَ أَثَرَهُ.
٢٣٨١ - أخبرنا عبد الواحد بن أحد المليحي، أنا أح ـ بن عبد الله
(١) أخرجه أبو داوود (٣٤٨٢) في البيوع : باب في اثمان الكلاب
وإسناده قوي .
(٢) هو الذي يعرف السبه، ويميز الأثر، سمي بذلك ، لأنه يقفو
الأشياء ، أي : يتبعها ، فكأنه مقلوب من القافي ، قال الأصمعي : هو الذي
يقفو الأثر ويقتافه قفواً وقيافة، والجمع اللفافة .
- ٢٨٤ -
النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا قتيبة بن سعيد،
نا سفيان ، عن الزهري ، عن 'ُروة
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ عَهِ ذَاتَ
يَوْمٍ، وَهُوَ مَسْرُورٌ، فَقَالَ: ((أَيْ عَائِشَةٌ أَلَمْ تَرَيْ أنَّ ◌ُجَزِّزًاً
الْدِيَّ(١) دَخَلَ عَلَيَّ، فَرَأى أُسَامَةَ وَزَيْداً وَعَلَيْهِما قَطِيفَةُ
قَدْ غَطَّيَا رُؤُوسَهُما، وَبَدَتْ أَقْدَامُها، فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الأَقْدَامَ
بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، ومحمد
ابن رمح ، وقتيبة بن سعيد ، عن ليث ، وقال ابن جريج عن الزهري :
تبرُقُ أساريرُ وجهه: وهي الخطوط التي في الجبهة، واحدها: مرّرٌ
ومِرٌ، وجمعِهِ أمرار وأميرَّةٍ، والأسارير: جمعُ الجمع.
قال الإمام: إذا ادعى رجلان أو أكثر نسبَ مولود مجهول النسب ،
أو اشتركا في وطء امرأة، فأتت بولد لمدة يمكن أن يكون لكل
(١) نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة ، وكانت القيافة
فيهم ، وفي بني أسد ، والعرب تعترف لهم بذلك ، قال الحافظ : وليس
ذلك خاصاً بهم على الصحيح ، فقد أخرج يزيد بن هارون في الفرائض
بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب أن عمر كان قائفاً ، أورده في قصته ،
وعمر قرشي ليس مدلجياً ولا أسدياً لا أسد قريش ، ولا أسد خزيمة .
(٢) أخرجه البخاري ٤٨/١٢ في الفرائض: باب القائف ، ومسلم
(١٤٥٩) في الرضاع: باب العمل بالحاق القائف الولد ، وأخرجه
أصحاب السنن .
- ٢٨٥ -
واحد منهما، فتنازعاه، يرى الولد القائفَ معهم، فأيهم ألحقه القائفُ، حقه ،
فإن أقام الآخر بينة، كان الحكمْ البينة وممن أثبت الحكم بالقافة
عمر بن الخطاب، وابنُ عباس، وأنس بن مالك ، قال حميد : منك
أنس في ابن له، فدعا له القافة، وهو قول عطاء، وإليه ذهب مالك،
والأوزاعي ، والشافعي ، وأحمد ، وعامة أهل الحديث . وذهب أصحاب
الرأي إلى أنه لا حكم لقول القائف، بل إذا ادعى جماعة من الرجال
نسب مولود يلحق بهم جميعاً ، وقال أبو يوسف : يُلحق برجلين وبثلاثة،
ولا يُلحق بأكثر، ولا يُلحق بامرأتين، وقال أبو حنيفة: يلحق
بامرأتين . والحديث حجة لمن حكم بقول القائف ، وذلك أن الناس كانوا
قد ارتابوا في نسب أسامة من زيد ، إذ كان زيدٌ أبيض اللون ، وجاء
أسامة أسود اللون قال أبو داود: سمعت أحمد بن صالح (١) يقول:
كان أسامة أسود شديد السواد مثل القار ، وكان زيد أبيض مثل القطن ،
وكان المنافقون يتكلمون فيها بما يسوء النبي حولفى سماعه، فلما سمع قول
يجزّز فيها، فرح به، ومُرِّي عنه، ولو لم يكن ذلك حقاً ، لكان
لا يظهر عليه السرورُ، بل كان يُنكر عليه، ويمنعه عنه، ويقول له :
لا تقل هذا ، لأنك إن أصبت في شيء ، لم آمن عليك أن تخطىء في
غيره ، فيكون في خطئك قذف محصنة ، ونفي نسب .
وإذا ادعاه رجلان ، فألحقه القائف بها ، أو لم يكن قئه ، فإن
كان لولد كبيراً ، قيل له: انتسب إلى أيهما شئت، وإن كان صغيراً،
فيوقف حتى يبلغ فينتسب . رُوي أن رجلين تداعيا ولداً، فدعا له عمر
القافة، فقالوا : قد اشتركا فيه ، فقال له عمر: والِ أيهما سْت (٢)،
(١) في (ب) و(ج) : حنبل ، والتصويب من سنن أبي داوود وغيره.
(٢) أخرجه الشافعي بسند صحيح إلى عروة ، لكنه منقطع .
- ٢٨٦ -
وهذا قول الشافعي ، فإن انتسب إلى أحدهما ، ثم وجد القائف ، فألحقه
بالثاني ، كان الحكم لقول القائف، وقال أبو ثور : إذا قال القائف :
هو ابنها يلحق بها يرث منها ويرنانه .
وقد رُوي عن زيد بن أرقم قال: كنت عند النبي ◌ِِّ ، فجاء
رجل من اليمن ، فقال : إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا علياً يختصمون
في ولد ، وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال: إني مُقرِعٌ
بينكم، فمن قرَعَ، فله الولد ، وعليه لصاحبيه ثلثا الدية ، فأقرع
بينهم، فجعل لمن قرع، فضحك النبي {طقمٍ (١).
فذهب إسحاق بن راهوية إلى ظاهر هذا الحديث ، وقال بالقرعة ،
وقال : هو السنة في دعوى الولد ، وكان الشافعي يقول به في القديم ،
وقيل لأحمد بن حنبل في حديث زيد بن أرقم ؟ فقال : حديث القافة
أحبُ إليّ، وقد تكلم بعضهم في إسناد حديث زيد بن أرقم (٢).
(١) أخرجه أبو داوود (٢٢٦٩) و ٢٧٠ ٢) في الطلاق باب من قال
بالقرعة إذا تنازعوا في الولد ، والنسائي ١٨٢/٦ في الطلاق : باب القرعة
في الولد إذا تنازعوا فيه ، وابن ماجة (٢٣٤٨) في الأحكام: باب القضاء
بالقرعة ورجاله ثقات ، وصححه ابن حزم .
(٢) هذا إنما يتجه على الرواية الأولى لأبي داوود، وأحمد ٣٧٣/٤
و ٣٧٤ لأن في سندها الأجلح واسمه يحيى بن عبد الله الكندي ، وهو
مختلف فيه ، والأرجح أنه حسن الحديث ، على أنه لم ينفرد برواية
الحديث ، فقد أخرجه أبو داوود ، والنسائي، وابن ماجة من طريق
سفيان الثوري ، عن صالح بن حي الهمداني ، عن الشعبي ، عن عبدخير،
عن زيد بن أرقم وهذا سند صحيح يقوي الطريق الأولى ويعضدها ،
وإعلاله بالإرسال والوقف لايضر ، لأن الرفع والوصل زيادة وهي من
الثقة مقبولة .
١
باب
نكاح الزانية
٢٣٨٢ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال، فا أبو العباس الأصم (ح) وأخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن
الجيري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ،
عن هارون بن رئاب
عَنْ عِبْدِ اللهِ بنِ عُبَيْدٍ بنِ ◌ُمَيْرٍ، قَالَ: أَتَى رَجُلُ النَّيَّ
بَلْخِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ لِي امْرَأَةً لَا تَرُدُّ يَدَ لا مس.
فَقَالَ النَّبيُّ عَّحِ: ((طَلِّقْهَا)). قَالَ: إِنّي أُحِبُّهَا، قَالَ:
(فَأَمْسِكْهَا إذاً)»(١).
٢٣٨٣ - أخبرنا أبو الفرج المظفر بن إسماعيل التميمي، أنا أبو
(١) الشافعي ٣٦٩/٢، ٣٧٠ مرسلاً وإسناده صحيح ، وأخرجه
النسائي ٦٧/٦ و٦٨ في النكاح : باب تزويج الزانية من حديث عبد الله
ابن عبيد بن عمير ، عن ابن عباس مسنداً ، وقد اختلف في إسناده
وإرساله ، قال النسائي : المرسل أولى بالصواب ، وقال في الوصول :
إنه ليس بثابت ، وعبد الكريم « وهو الذي أسنده )) ليس بالقوي ، قال
الحافظ في ((التلخيص)) ٢٢٥/٣: لكن رواه هو ١٦٩/٦، ١٧٠ باب
ما جاء في الخلع ، وأبو داود (٢٠٤٩) في النكاح : باب النهي عن تزويج
من لم يلد من النساء ، والبيهقي ١٥٤/٧، ١٥٥ من رواية عكرمة ، عن
ابن عباس نحوه ، وإسناده أصح ، وأطلق النووي عليه الصحة .
- ٢٨٨ -
القاسم حمزة بن يوسف السهمي ، أنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ ،
نا الحن بن الفرج ، نا عمرو بن خالد الحرّاني ، نا عبيد الله ، عن عبد
الكريم هو الجزري ، عن أبي الزبير
عَنْ جَابرٍ أنَّ رَجُلاَ أتَى النَّبِيَّ ◌ِ لّهِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ
اللهِ إِنَّ امْرَأْتِي لا تَدْفَعُ يَدَ لا مِسٍ؟! قالَ: ((طَلِّقْهَا))
قالَ : إِنِّي أُحِبُّهَا وَهِيَ جَمِيلةٌ، قالَ: ((اسْتَمْتِعْ بَها (١))).
ويُروى هذا الحديث عن عمارة بن أبي حفصة ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي عَ ل بمعناء.
قوله: ((لا ترديد لامس)) معناه أنها مطاوعة لمن أرادها، ولا ترد
يده (٢). وفي قوله: ((فأمسكها)، دليل على جواز نكاح
الفاجرة وإن كان الاختيار غير ذلك ، وهو قول أهل العلم . وأما قول الله
سبحانه وتعالى: ( والرانيةُ لا ينكِحُها إلا زانٍ أو مشرك وُحُرِّمَ ذلك
على المؤمنين ) [ النور: ٣] فإنما نزلت في امرأة بغيّ من الكفار
(١) رجاله ثقات ، وهو في سنن البيهقي ١٥٥/٧، وحديث ابن
عباس تقدم تخريجه قريباً .
(٢) وهو قول أبي عبيد والخلال والنسائي وابن الأعرابي والخطابي
والغزالي والنووي ، وقيل : معناه التبذير وأنها لا تمنع أحداً طلب منها
شيئاً من مال زوجها وهو قول أحمد والأصمعي ومحمد بن ناصر ، وابن
الجوزي ، ورجح القاضي أبو الطيب الأول بأن السخاء مندوب إليه ، فلا
يكون موجباً لقوله : طلقها، ولأن التبذير إن كان من مالها ، فلها التصرف
فيه ، وإن كان من ماله فعليه حفظه ، ولا يوجب شيئاً من ذلك الأمر
بطلاقها . قيل: والظاهر أن قوله : لاترد يد لامس، أنها لا تمتنع ممن يمد
يده ليتلذذ بلمسها ، ولو كان كنى به عن الجماع ، لعد قاذفاً ، أو أن
زوجها فهم من حالها أنها لا تمتنع ممن أراد منها الفاحشة ، لا أن ذلك
وقع منها .
- ٢٨٦ -
خاصة بقال لهما عناق ، كما رُوي عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن
جده قال : كان رجل يُقال له: مَرْتَد بن أبي موند الغتوي كان يحمل
الأسارى من مكة حتى يأتيَ بهم المدينة، وكان بمكة بغيٌ يقال لها:
عَنَاقُ، وكانت صديقة" له، قال: فأتيتُ النبي ◌ُ المُ ، فقلت: يارسول
الله أنكحُ تَناقاً؟ فأمسك رسولُ الله ◌ِّل، فلم يرُد شيئاً، فنزلت:
( والزانية لا ينكحُها إلا زانٍ أو مشركٌ ) فدعاني، فقرأها عليْ ،
وقال لي: ((لا تنكحها (١))).
وُرُوي عن يحيى بن سعيد ، عن ابن المسيِّب في قوله: ( الزاني
لا ينكِحُ إلا زانية ) قال : هي متسوخة نسختها ( وأنكحوا الأيامى
منكم) [ النور: ٣٢] فهي من أيامى المسلمين (٢).
(١) أخرجه أبو داود (٢٠٥١) في النكاح : باب في قوله تعالى (الزاني
لا ينكح إلا زانية) والنسائي ٦٦/٦، ٦٧ في النكاح : باب تزويج الزانية ،
والترمذي (٣١٧٦) في تفسير سورة النور، والبيهقي ١٥٣/٧، وقال
الترمذي : هذا حديث حسن غريب لانعرفه إلا من هذا الوجه ، وهو كما
قال: وصححه الحاكم ١٦٦/٢، ووافقه الذهبي .
(٢) أخرجه الطبري ٥٩/١٨ عنه من طرق، وهو في سنن الشافعي
٣٤٦/٢ ومن طريقه البيهقي ١٥٤/٧ عن سفيان عن يحيى بن سعيد عنه ،
وذكره ابن كثير في التفسير ٥٧/٦، ونسبة لابن أبي حاتم، وقال: وهكذا
رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب ((الناسخ والمنسوخ)) له عن سعيد بن
المسيب . قلت : وحديث مرثد بن أبي مرئد الغنوي الذي ذكره المصنف
فى سبب نزول الآية يقوي قول من يرى أن الآية محكمة لم تنسخ ، وأن
تحريم زواج الأعفاء من المسلمين بالزواني ، والزناة بالعفيفات ما زال
باقياً مالم تصح التوبة منهما ، وقد ذهب الإمام أحمد رحمه الله فيما
حكاه الحافظ ابن كثير عنه إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على
شرح السنة ج ٩ - ٢ - ١٩
- ٢٩٠ -
ورُوي أن عمر بن الخطاب ضرب رجلا وامرأة في زنى ، وَحَرّص
أن يجمع بينها، فأبى الغلامُ(١). وتحكي عن عبد الله بن مسعود في الرجل
يزني بالمرأة، ثم يتزوجها قال: لا يزالان زانيين (٢) ما اجتمعا. وعن
عائشة قالت : مما زانيان .
وإذا زنى رجل بامرأة ، فلا عدة عليها ، لأن العدة لصيانة ماء
الرجل ، ولا حرمة لماء الزاني بدليل أنه لا يثبت به النسبُ ، ويجوز
لها أن تنكِحَ في الحال ، وعند مالك: لا يجوز حتى تنقضيّ عدتها .
فأما إذا حبلت من الزنى ، فاختلف أهلُ العلم في جواز نكاحها ،
فأجازه بعض أهل العلم ، وهو قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، ومحمد بن
الحسن غير أنه يُكره له الوطء حتى تضع، وذهب جماعة إلى أنه لا يجوز
لها أن تنكح حتى تضع الحمل ، وهو قول سفيان الثوري ، وأبي يوسف ،
وأحمد ، وإسحاق .
ولو زنى رجل بامرأة ، وهي غير زانية بأن كانت نائمة أو مكرهة ،
فلا عدة ، ولا نسب ، ولها المهر ، وإن كانت هي زانية والرجل جاهل ،
فعليها العدة ، ويثبت النسبُ، ولا مهر لها ، لأن بناء العدة والنسب على
حومة الماء . قال إبراهيم النخعي في ولد الزنى : اشْترها للخدمة ، ولا
تشترها لطلب ولدها .
المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستاب ، فإن تابت ، صح العقد عليها
وإلا فلا ، وكذلك لايصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر
المسافح حتى يتوب توبة صحيحة ، لقوله تعالى ( وحرم ذلك على المؤمنين)
وانظر ما كتبه العلامة ابن القيم في ((زاد المعاد)) ١٣/٤
(١) أخرجه الشافعي ٢٨٦/٢، ومن طريقه البيهقي ١٥٥/٧ ورجاله
ثقات .
(٢) في (ب) و(ج) ((زانيان)) والوجه ما أثبت ، وهو في سنن
البيهقي ١٥٦/٧ بلفظ ((همازانيان ما اجتمعا)) وخبر عائشة أخرجه
البيهقي ، ١٥٦/٧ أيضاً .
۔
كتاب العِدة
باب
مقام المطلقة في البيت حتى تنقضي عدتها
قَالَ اللهُ تَعَالَى: (لَاتُخْرِ جُوُهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجنَ
إِلَّ أَنْ يَأْتِيْنَ بِفَاِشَةٍ مُبَيَِّةٍ) [ الطلاق: ١] وَقَالَ اللهُ
عَزَّ وَجَلَّ: (أَسْكِنُوُهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ)
[ الطلاق: ٦]. الوُّجْدُ وَالجِدَةُ في المالِ: السَّعَةُ، وَالَقْدِرَةُ
وَرَجُلٌ وَإِجِدٌ، أَيْ: غَِنِيٌّ، مِنَ الْوُجْدِ وَالجِدَةِ، وَوَجَدَ
الضَّالَةَ وِجْدَانَاً، وَوَجَدَ السُّلْطَانُ عَلَيْهِ وَجْداً وَمَوْجِدَةٌ ،
وَقُلَانُ يَجِدُ بِفُلَاَنَةٍ وَجداً يَعْنِي فِي الحُبِّ.
٢٣٨٤ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد ،
عن القاسم بن محمد ، وسليمان بن يسار ، أنه سمعها يذكرانٍ
أَنَّ يَحْيَى بِنَ سَعِيدٍ بنِ العَاصِ (١) طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحَمَنِ
(١) أي : ابن سعيد بن العاص بن أمية، وكان أبوه أمير المدينة
لمعاوية ، ويحيى هو أخو عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق .
٠
- ٢٩٢ -
ابْنِ الْحَكَمِ البَتَّةَ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمنِ بنُ الحَكَمِ، فَأَرْسَلَتْ
عَائِشَةُ إِلى مَرْوَانَ بنِ الحَكَمِ وُهُوَ أَمِيرُ المدِينَةِ، فَقَالَتْ: أَّقِ
اللهَ يَا مَرْوَانُ ، وَارْدُدِ المَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا، فَقَالَ مَرْوَانُ فِي حَدِيثٍ
سُلَيْنَ بنِ يَسَارٍ: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ غَلَبَنِي، وَقَالَ فِي حَدِيثٍ
القَاسِمِ: أَمَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ:
:َ يَضُرُكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ (١) فَقَالَ مَرْوَانُ : إِنْ
كانَ بِكِ شَرٌّ(٢) فَحَسْبُكِ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الثَّرِّ.
(١) أي : لأنه لاحجة فيه لجواز انتقال المطلقة من منزلها بغير سبب.
(٢) قال الحافظ : أي إن كان عندك أن سبب خروج فاطمة ما وقع
بينها وبين أقارب زوجها من الشر، فهذا السبب موجود ، ولذلك قال :
فحسبك ما بين هذين من الشر ، وهذا مصير من مروان إلى الرجوع عن
رد خبر فاطمة ، فقد كان أنكر ذلك على فاطمة بنت قيس كما أخرجه
النسائي من طريق شعيب عن الزهري ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن
عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان طلق بنت سعيد بن زيد البتة ، وأمها
خرمة بنت قيس ، فأمرتها خالتها فاطمة بنت قيس بالانتقال ، فسمع
بذلك مروان ، فأنكر ، فذكرت أن خالتها أخبرتها أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أفتاها بذلك ، فأرسل مروان قبيصة بن ذؤيب إلى فاطمة
يسألها عن ذلك ، فذكرت الحديث ، وأخرجه مسلم من طريق معمر عن
الزهري دون مافي أوله وزاد ، فقال مروان : لم يسمع هذا الحديث إلا من
امرأة ، فسنأخذ بالعصمة التي وجدنا عليها الناس . فكأن مروان أنكر
الخروج مطلقاً ، ثم رجع إلى الجواز بشرط وجود عارض يقتضي جواز
خروجها من منزل الطلاق .
- ٢٩٣ -
هذا حديث صحيح(١) أخرجه محمد، عن إسماعيل ، عن مالك، وأخرجه
مسلم من طرق عن القاسم بن محمد .
قال رحمه الله: لم يختلف أهلُ العلم في أن المطلقة" الرجعية تستحق
النفقة ، والسكنى ، واختلفوا في المبتوتة ، فقالت طائفة : لا نفقة لها ،
ولا مُكنى إلا أن تكون حاملًا، رُوي ذلك عن ابن عباس، وهو قول
الحسن ، وعطاء بن أبي رباحٍ، والشعبي ، وبه قال أحمد ، وإسحاق .
وقالت طائفة : لما السكنى ، والنفقة ، حاملًا کانت أو حائلاً، رُوي
ذلك عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن مسعود ، وبه قال إبراهيم
النخعي ، وإليه ذهب سفيان ، وأصحاب الرأي .
وقالت طائفة : لها السُّكنى بكل حال ، ولا نفقة لها إلا أن
تكون حاملًا ، وُحكي ذلك عن ابن المسيِّب، وبه قال الزهري، وإليه
ذهب مالك ، والليث بن سعد ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ، والشافعي ،
وسئل سعيد بن المسيّب عن المرأة يطلقها زوجها في بيت بالكراء على من
الكراءُ ؟ قال : على زوجها ، فإن لم يكن عند زوجها مال ، فعليها ،
فإن لم يكن عندها ، فعلى الأمير . واحتج من لم يجعل لها السكنى بما
أُوي عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس أن زوجها طلقها ثلاثاً ، فلم
(١) ((الموطأ)) ٥٧٩/٢ في الطلاق: باب ما جاء في عدة المرأة في بيتها
إذا طلقت فيه، والبخاري ٤٢١/٩، ٤٢٢ في الطلاق : باب قصة فاطمة
بنت قيس، وأخرجه مسلم مختصراً (١٤٨١) في الطلاق: باب المطلقة
ثلاثاً لا نفقة لها ولفظه : قال عروة بن الزبير : ألم تري إلى فلانه بنت
الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت ، فقالت : بئسما صنعت ، فقال : ألم
تسمعي إلى قول فاطمة ؟ فقالت : أما إنه لا خير لها في ذكر ذلك .
- ٢٩٤ -
يجعل لها رسولُ الله ◌ِلَ سكنى ولا نفقة، وأمرها أن تعتدّ عند
عمرو بن أم مكتوم الأعمى ، فاعتدت عنده (١).
فأما من جعل لها السكنى ، وهو قولُ الأكثرين، فاختلفوا في سبب
نقل فاطمة ، فرُوي عن عروة أن عائشة نكرت ذلك على فاطمة ،
وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحشٍ (٢) فخيف على ناحيتها، فلذلك.
رخص لهما النبي لة (٣).
وروى القاسم عن عائشة أنها قالت : ما لفاطمة ألا تتقي الله ؟ يعنيه.
في قولها : لا سكنى ولا نفقة (٤)
وقال سعيد بن المسيِّب ، إنما نقلت فاطمة لطولٍ لسانها على أحمائها
روى محمود بن ميمون بن مهران، عن أبيه، عن سعيد بن المسيِّب قال :
فتنت فاطمةُ الناسَ ، كانت السانها ذرابة ، فاستطالت على أحمائها ، فأمرها
(١) أخرجه أحمد ٣٧٣/٦ و٤١٢، ومسلم (١٤٨٠) (٤٢) في
الطلاق : باب المطلقة ثلاثاً لانفقة لها .
٠
(٢) بفتح الواو وسكون الحاء ، أي : خال لا أنيس به .
(٣) أخرجه البخاري ٤٢٢/٩ في النكاح : باب قول الله تعالى
( والمطلقات يتربصن بأنفسهن) ... تعليقاً عن عبد الرحمن بن أبي الزناد
عن هشام عن أبيه ، ووصله أبو داود ((٢٢٩٢) من طريق ابن وهب عن
عبد الرحمن بن أبي الزناد وهو من أثبت الناس في هشام بن عروة . قال
الحافظ : ولرواية ابن أبي الزناد هذه شاهد من رواية أبي أسامة عن
هشام بن عروة ، لكن قال : عن أبيه عن فاطمة بنت قيس قالت : قلت
يا رسول الله: إن زوجي طلقني ثلاثاً، فأخاف أن يقتحم عليّ، فأمرها
فتحولت أخرجها النسائي ٢٠٨/٦.
.(٤) أخرجه البخاري ٤٢٢/٩ في الطلاق: باب قصة فاطمة بنت
بنت قيس ، ومسلم ( ١٤٨١).
- ٢٩٥ -
رسول الله يحب أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم(١). ورُوي هذا عن.
ابن عباس في معنى قوله عز وجل: (ولا يخرجنَ إلا أن يأتين بفاحشة
مبينة) [ الطلاق: ١]. قال ابن عباس: الفاحشة المبينة: أن تبذُؤْ على
أهل زوجها، فإذا بذُؤْت فقد حل إخراجها (٢). وقيل في تفسير الفاحشة
أنها إذا زنت تخرج لإقامة الحد عليها، يُروى ذلك عن ابن مسعود .
وإنكار عائشة وابن المسيِّب على فاطمة بنت قيس من حيث إنها
كتمت السبب الذي أمرها رسولُ الله ◌ِمِ أن تعتد في غير بيت
زوجها، وذكرت أن النبي مَ للم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى ، فيقع
به السامعُ في فتنة يظن أن للمبتوتة أن تعتدّ حيث تشاء .
ويجوز للمعتدة الانتقالُ عن بيت العدة عند الضرورة ، بأن
خافت هدماً ، أو غرقاً ، أو حريقاً ، وإن لم يكن بها ضرورة ، وأرادت
الخروج لشغل ، فإن كانت رجعية ، فلا يجوز، وإن كانت بائنة فيجوز
بالنهار ، ولا يجوز بالليل ، لما روي عن أبي الزبير ، عن جابر قال :
◌ُطلقت خالتي ثلاثاً، فخرجتْ تَجُدُ نخلاً لها، فلقيها رجل فتهاها، فأتتٍ
النبيِّ يََّ، فذكرت ذلك له، فقال النبي ◌َّمَ: ((اخرُجِي فَجْدِّي
(١) أخرجه الشافعي ٤١٥/٢، ٤١٦، ومن طريقه البيهقي ٤٧٤/٧٪
وأخرجه أبو داود (٢٢٩٦) من حديث جعفر بن برقان ، عن ميمون بن
مهران عن سعيد ...
(٢) أخرجه الطبري ١٣٢/٢٨، والبيهقي ٤٣١/٧، وذكره
السيوطي في ((الدر المنثور)) ٢٣١/٦، وزاد في نسبته إلى عبد الرزاق ،
وسعيد بن منصور ، وأبن راهويه ، وعبد بن حميد ،،وابن مردويه .
- ٢٩٦ -
نخلكٍ لعلّكِ أن تصَدَّقي منه أو تفعلي خيراً)) (١)، والنخل لا يُجَدُ في
غالب العرف إلا بالنهار ، وقد نهي عن جداد الليل ، وهذا قول ابن عمر
قال : لا تبيتُ المتوفى عنها زوجها ولا المبتوتة إلا في بيتها . وإلى هذا
ذهبَ الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا تخرج المبتوتة ليلا ولا نهاراً،
كالرجعية، وتخرج المتوفى عنها زوجها نهاراً إن شاءت ، وقال عروة
ابن الزبير في المرأة البدوية يتوفى عنها زوجها : إنها تنتوي حيث ينتوي
أهلها(٢). قال رحمه الله: وهذا قول أهل العلم، قال الشافعي : لأن سكنى
أهل البادية سكنى مقام غبطة وظعن غبطة .
المبتورة لا نفقة لها الا أن تكون حاملا
لِقَولِ اللهِ تَعَالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتٍ حَمْلٍ فَأَنْفِقو
عَلَيْهِنٌ ) [ الطلاق: ٦] .
٢٣٨٥ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الماضي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن يزيد
مولى الأسود بن سفيان ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن
(١) أخرجه أبو داود (٢٢٩٧) في الطلاق : باب في المبتوتة تخرج
بالنهار ورجاله ثقات، وأخرجه مسلم بنحوه (١٤٨٣) في الطلاق أيضاً :
باب جواز خروج المعتدة البائنة والمتوفى عنها زوجها في النهار لحاجتها
وقد صرح أبو الزبير عنده بسماعه من جابر ، فانتفت شبهة تدليسه .
(٢) أخرجه مالك ٥٩٢/٢ وعته الشافعي ٤١٠/٢.
- ٢٩٧ -
عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ أَبَا عَمْرو بنِ حَفْصٍ طَلَّقَها البَنَّةَ
وَهُوَ غَائِبٌ بالشَّامِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِبْلُهُ بِشَعِيْرٍ فَسَخِطَتْهُ،
فَقَالَ: وَاللهِ مَالَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيءٍ، فَجَاءَتْ رَسولَ اللهِ عُِّ ،
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ لَمَا: لِبْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةُ ، وَأَمَرَهَا
أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيِكٍ ، ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا
أَصْحَابِي، فَاعْتَدِّي عِنْدَ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى
تَضَعِينَ ثِيَابَكِ عِنْدَهُ، فَإِذَا حَلَّلْتِ ، فَآَذِ نِينِي ، قَالَتْ: فَلَمَّا
حَلَلْتُ ، ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بِنَ أَبِي سُفْيَانَ وَأَبا جَهْمٍ خَطَبَاني،
فَقَالَ رَّسُولُ اللهِّهِ: ((أَمَّا أَبُو جَهْمٍ، فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ
عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ، فَصُعْلُوكُ لَا مَالَ لَهُ، انكِحِي أَسَامَةَ بنَ
زَيْدٍ، قَالَتْ: فَكَرِهِتُهُ، ثُمَّ قَالَ: ((أنْكِحِي أَسَامَةٍ)) فَنَكَحْتُهُ،
فَجَعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً ، واْغْتَبَطْتُ بِهِ (١) .
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى ، عن مالك ،
ورواه أبو بكر بن أبي الجهم بن صُخير العدوي عن فاطمة ، وقال :
(((وأما أبو جهم، فرجلٌ ضرّاب للنساء)) (٢).
(١) ((الموطأ)) ٥٨٠/٢، ٥٨١ في الطلاق: باب ماجاء في نفقة
المطلقة ، ومسلم ( ١٤٨٠) في الطلاق : باب المطلقة ثلاثاً لا نفقة لها ،
والشافعي في الرسالة فقرة (٨٥٦).
(٢) هذه الرواية أخرجها مسط م في ((صحيحه)) ( ١٤٨٠) (٤٧).
- ٢٩٨ -
قال الإمام : في هذا الحديث أنواعٌ من الفقه ، منها أن المطلقة
ثلاثاً، أو المختلعة لا تستحق نفقة العدة إلا أن تكون حاملًا ، ولما
السكنى، لقول الله عزَّ وجل: (أسكنوُهُنّ من حيثُ سَكَنتُم
من وُجدِ كُمْ ) إلى قوله: (وإن كُنَّ أولاتٍ حملٍ فأنقِقوا عليهِنَّ).
[ الطلاق: ٢] وإنما سقط ◌ُكنى فاطمة لبذاءة لسانها. ومعنى البتة
المذكورة في الحديث: هو الثلاث. وقد رُوي أنها كانت آخرَ تطليقة
بقيتْ لها من الثلاث . وفيه جوازُ التعريض للمرأة بالخطبة في العدة عن
الغير، لأن قوله لها: ((فإذا حَالتِ فآذنيني)، تعريض بالخطبة وأتفق
أهلُ العلم على أن التصريح بالخطبة لا يجوز في عِدّة الغير ، أما التعريض
بالخطبة ، فيجوز في عدة الوفاة، قال الله سبحانه وتعالى وتقدس :
( ولا جناحَ عليكُمْ فيا عرضتْم به من خطبة النساء ) [البقرة: ٢٣٥]،
أما المعتدة عن فرقة الحياة ، نظر إن كانت ممن لا يحيل لمن بانت منه
نكاحها كالمطلقة ثلاثاً، والمبانة باللّعان والرضاع ، يجوز خطبتها تعريضاً كالمعتدة.
عن الوفاة، وإن كانت ممن يحلُ للزوج نكاحها كالمختلعة ، والمفسوخة
نكاحها ، فيجوز لزوجها خطبتها تصريحاً ، وتعريضاً ، وهل يجوز للغير
تعريضاً ؟ فيه قولان : أحدهما يجوز كالمطلقة ثلاثاً، والثاني : لا يجوز ،
لأنه يجوز لصاحب العدة مُعاودتُها، كالرجعية لا يجوز للغير تعريضها.
بالخطبة بالاتفاق ، والتعريض بالخطبة : أن يعرض لها بما بدلها به على
إرادته خطبتها من غير تصريح، وتجيبه المرأةُ بمثل ذلك ، مثل أن يقول :
إذا حلاتٍ فَأَذِنِين، ◌ُبّ راغب فيك، ◌ُبّ حريص عليك، من يجدُ
مثلك . قال القاسم: يقول: إنك عليّ الكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله
١٠٠
- ٢٩٩ -
سائق إليك خيراً ونحو ذلك من القول (١). وقال عطاء : يعرض،
ولا يبوح ، يقول: إن لي حاجة، أبشري وأنت محمد اله نافقة ،
وتقول هي : قد أسمع ما تقول ، ولا تعيد شيئاً، ولا يواعد وليّها بغير
علمها ، وإن واعدت رجلاً في عدتها، ثم نكحها بعد ، لم يفرت بينهما ،
وقال ابن عباس في قوله سبحانه وتعالى: ( فيما عرضتُم به ) [ البقرة:
٢٣٥] يقول: إني أريد التزويج، ولوددٍتُ أنه ييسر لي امرأة"
صالحة (٢). وقال الحسن: ( لا تواعدوهنّ مراً) الزنى.
قال الشافعي : والتعريض عند أهل العلم جائز سراً وعلانية على أن
السر الذي نهي عنه الجماع . قال أبو عبيد: السر: الإفصاح بالنكاح ،
يقال للمجامعة: سو، وللزنى سر ، ولفرجي الرجل والمرأة سر .
وفي الحديث دليل على أن المال معتبر في الكفاءة ، ودليل على
جواز تزويج المرأة برضاها من غير كفءٍ ، فإن فاطمة كانت قرشية
زوّجها من أسامة ؛ وهو من الموالي .
وفيه دليل على جواز الخطبة على خطبة الغير إذا لم تكن المرأة قد
أذنت للأول ور كنت إليه ، فإن أذنت في رجل، وركنت إليه ،
فليس للغير أن يخطب على خطبته ، والنهي في هذا الموضع .
وفيه دليل على أن المشير إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض مافيه
من العيوب على وجه النصيحة لها ، والإرشاد إلى ما فيه حظها، لم يكن
غيبة موجبة للإثم .
(١) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ٥٢٤/٢، وسنده صحيح.
(٢) أخرجه البخاري ١٥٤/٩ في النكاح : باب قول الله عزوجل
( ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء).
- ٣٠٠ -
وقوله: ((لا يضع عصاه عن عاتقه)) يُتأول على وجهين، أحدهما
الضرب بها، والتأديب ، والآخر : كثرة السفر والظعن عن الوطن ،
يقال : رفع الرجل عصاه: إذا سار، ووضع عصاه: إذا نزل وأقام .
قال الإمام: والأول أولاهما (١) لما روينا في حديث أبي بكر بن أبي
جهم، ((أما أبو جهم، فرجل ضراب للنساء)).
وفيه دليل على إباحة تأديب النساء ، ولو كان غير جائز ، لم يذكر
ذلك من فعله إلا مقروناً بالنهي عنه، والإنكار له. وفي قوله: ((وأما
معاوية فصعلوك)) دليل على أن الرجل إذا لم يجد نفقة أهله ، وطلبت
فراقه ، فرق بينها .
وفيه أيضاً باب من الرخصة ، ومذهبٌ لحمل الكلام على سعة المجاز
وذلك أنه قال: (( وأما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه ، وأما معاوية
فصعلوك لا مال له )) وقد كان لا محالة يضعها في حال من الأحوال
وقد كان لمعاوية مال وإن قل .
بـ
سكنى الخوفى عنها زوجها
٢٣٨٦ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا
أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو ◌ُصعبٍ ، عن مالك ، عن سعد بن إسحاق
ابن كعب بن عجرة
عَنْ عَّتِهِ زَيْنَبَ بِنْتِ كَعْبٍ أَنَّ الفُرَيْمَةَ بِنْتَ مَالِكِ بنِ
(١) ورجحه النووي رحمه الله أيضاً، وقوله بما استدل به
المصنف من وروده صريحاً في الحديث .