النص المفهرس
صفحات 261-280
- ٢٦١ - قوله: ((وِلهم شطرُ ما يخرج منها)، وروى محمد بن عبد الرحمن، عن نافع، عن ابن عمر قال: (( ولِرسول الله عَلَّمِ شْطرُ ثمرها)) (١). وفيه دليل على أنَّ ربّ الأرض إذا بيِّن حصّة نفسه، أو في المضاربة بين ربُّ المال حصة نفسه ، كان الباقي للعامل ، كما لو بين حصة العامل كان الباقي لربّ الأرض والمال، وقال بعضُ أهل العلم: ذا بيْن حصّة نفسه، لم يكن الباقي للعامل، ولا يصحُّ حتى يبين حصة العامل . واختلف أهلُ العلم في المضارب إذا خالف ربَّ المال ، فرُوي عن ابن عمر أنه قال: الرُّبحُ لربِّ المال، وعن أبي قلابة ونافع: الربح لربّ المال، والعاملُ ضامن للمال ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وكذلك قال أحمد في المودّع إذا اتّجر في مال الوديعة بغير إذن المالك . وقال أصحاب الرأي : الربح للعامل، ويتصدقُ به، والوضيعة" عليه ، وهو ضامن لرأس المال ، وبه قال الأوزاعي ، وقال الشافعي : إن اشترى بعين مال القراض ، فالشراء فاسد ، وإن اسْترى في الذّمة ، فهو للمشتري فإن صرف مال القِراض إليه ، صار ضامناً باب ءَ الإجارة وجواز إجارة الاراضي قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: (إِنَّ خَيْرَ مَنِ أَسْتَأُجَرْتَ القَوِيُّ الأمينُ) [القصص: ٢٦] وَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ إِخِبَاراً عَنْ شُعَيْبٍ (١) هي في مسلم (١٥٥١) (٥)، وأبي داوود (٣٤٠٩)، والنسائي٥٣/٧. - ٢٦٢ - (عَلى أَنْ تَأُجُرَبِ ثَانِيَ حِجَجٍ ) [ القصص: ٢٧] أي: تَكُونَ أَجِيراً لِي، وَيُقَالُ: أَيْ تَجْعَلَ ثَّوَابٍ مِنْ تَزْوِيجِي إِيَّكَ أَبَتِي وَغَيَ غَنَمِي هَذِهِ المدَّةَ، مِنْ قَوْلِهِمْ، أَجرَهُ اللهُ يَأُجْرُهُ، أَيْ: أَثَاَبَهُ، وَيُقَالُ لَِهْرِ الْمَرَأَّةِ: أَجْرٌ، لأنَّهُ عِوَضْ مِنْ بَضْعِها، وَمِنْهُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ( فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) [ البقرة: ١١٢] أي: عِوُضُهُ . وَقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، (لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً) [الكهف: ٧٨] أَيْ: لَأَخَذْتَهُ، يَعْنِي أُجْرَةَ إِقَامَةِ الْجَدَارِ ٢١٨٤ - أخبرنا أبو الحسن الشّرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن ربيعة بن أبي عبد الرَّحمن عَنْ حَنْظَةَ بْنِ فَيْسٍ أَنَّهُ سَأَلَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ، عَنْ كِرَاءِ الأرْضِ، فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ عَّهِ عَنْ كِرَاءِ الأَرْض، قَالَ: أَبالْذَّهِبِ وَالفِضَّةِ؟ قَالَ: أَمَّا بِالْذَهَب وَالفِضَّةِ فَلاَ بأُسَ بِهِ . هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه مسلم، عن يحيى بن يحيى عن مالك ، وأخرجاه من طرق عن ربيعة . (١) ((الموطأ)) ٧١١/٢ في كراء الأرض: باب ما جاء في كراء الأرض، ومسلم (١٥٤٧) في البيوع : باب كراء الأرض بالذهب والورق . - ٢٦٣ - قال الإمام: فيه دليلٌ على جواز إجارة الأراضي ، وذهب عامة ◌ُ أهل العلم إلى جوازها بالدراهم والدنانير ، وغيرها من صُنوف الأموال ، سواء كان مما تنبت الأرض، أو لا تُنبت، إذا كان معلوماً بالعيان، أو بالوصف كما يجوز إجارة غير الأراضي من العبيد والدَوابِ وغيرها. وجملته أن ما جاز بيعُه، جاز أن يُجعل أجرة في الإجارة . ولو استأجر أجيراً ليتعهْد نخيله على أن له ثمرةَ نخلةٍ بعينها ، فإن كان قبل خروج الثمرة لا يجوزُ ، كما لا يجوز بيع المعدوم، وإن كان بعد خروج الثّمرة، يجوز ثم إن كان قبل بدو" الصلاح، فلا يجوز إلا بشرط القطع إلا أن يشترط معهُ النخلة، كما في البيع. وإن استأجرهُ على جزءٍ شائع من الثمرة ثلث أو ربع، فإن كان بعد بدوِّ الصلاح في الثمار يجوزُ ، وإن كان قبلهُ لا يجوز، كما لا يجوز بيعُه، لأنه لا بدّ من شرط القطع في بيع الثمار قبل بدُوَ الصلاح، ولا يمكن قطعُ الجزء الشائع إلا بقطع الكل أما المساقاة، فلا تصحُّ إلا قبل خروج الثمار ، فيكون للعامل جزءٌ مما يحصل بعد عمله ، كما في المضاربة يكون للعامل جزءٌ مما يحصل من الربح بعد عمله ، وقد جاء في الحديث النهي عن قفيز الطحان (١) قيل: هو أن يقول: اطحن هذا بكذا وزيادة قفيز من نفس الطحين (٢)، فذلك غير جائز . (١) أخرجه الدار قطني ٣٠٨/٢، والبيهقي ٣٣٩/٥ من حديث أبي سعيد ، وفي سنده هشام أبو كليب ، قال ابن القطان والذهبي : لا يعرف. وزاد الأخير : وحديثه منكر . (٢) كذا مسره ابن المبارك أحد رواة الحديث ، وقيل : طحن الصبرة لا يعلم مكيلها بقفيز منها . ـاب اسشجار الأحرار قَالَ اللهُسُبْحَانَهُ وَتَعَلَى إِخْبَاراً عَنْ شُعَيْبٍ: (عَلى أَنْ تَأُجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ) [ القصص: ٢٧] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ( إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَويُّ الأمِينُ) وقَالَتْ عَائِشَةُ: اسْتَأجرَ رَّسُولُ اللهِعَّةٍ وَأَبُو بَكْرٍ رَجْلاً مِنْ بَنِي الْدِّيلِ هَادياً خِرِيْتاً وَهُوَ عَلى ◌ِيْنِ كُفَّارٍ فُرْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْه رَاحِلَتَيْهَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرِ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالِ(١). وَفِيهِ دَليلٌ عَلى أَنْ مَنِ اسْتَأُجَرَ أُجِيراً لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ، أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ، جَازَ، وَهُمَا عَلى شرطهما . ٢١٨٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا أحمد بن محمد المكي ، نا عمرو بن يحيى ، عن جده (١) هو في البخاري ٣٦٤/٤، ٣٦٥ في الاجارة: باب استئجار المشركين عند الضرورة وإذا لم يوجد أهل الإسلام . - ٢٦٥ - عَنْ أَبِي هُرِيْرَة، عَنِ النَّبِيِّ نَ ◌ِّ قَالَ: « مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيَّاً إلاَّ رَعَى الْغَمَ)) فَقَالَ أَصْحَابُهُ، وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: (( نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَى عَلى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ،(١). هذا حديثٌ صحيحٌ". قال الإمام : ومن استأجر شيئاً ، فمات أحدُهما ، لا تبطل الإجارة عند أكثر أهل العلم، بل إن مات الآجرُ يترك في يد المستأجر ، وإن مات المستأجرُ ، ففي يد وارثه إلى انقضاء الأجل ، وبه قال ابن سيرين والحسنُ، والحَكَمُ ، وإياس بن معاوية، قال ابن عمر : أعطى النبي وَقَّعِ خيبر بالشطر، وكان ذلك على عهد النبي ◌ٍِّ، وأبي بكر وصدراً من خلافة عمر (٢) ولم يذكر أنّ أبا بكر وعمر جدّدا الإجارة بعد ما قبض النبي صَ لِّ، وهو قول الشافعي ، وذهب أصحاب الرأي إلى أنه تنفسخُ الإجارة . باب إثم من منع أجرة الا جير ٢١٨٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النّعيمي، أنا محمد بن يوسف، نا محمد بن إسماعيل ، نا يوسف بن محمد نا يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن أميّة ، عن سعيد بن أبي سعيد (١) هو في صحيح البخاري ٣٦٣/٤ في أول الاجارة . (٢) علقه البخاري في ((صحيحه)) ٣٧٩/٤، وقوله : ولم يذكر أن أبا بكر ... من كلام البخاري أدرجه في التعليق، وانظر المسند (٤٨٥٤) والبخاري ١٧/٥ و٢٣٩، ٢٤٠ ومسلم ١١٨٧/٣، ١١٨٨. - ٢٦٦ - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ فِيهِ قَال: ((قَالَ اللهُ تَعَالَى ثَلاثَةُ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ ◌َغَدَرَ ، وَرُجُلْ بَاعَ حُرَّاً فَأَكَلَ ثَنَهُ، وَرَّجُلٌ أَسْتَأُجَرَ أَجِيراً ، فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ ». هذا حديثٌ صحيحٌ"(١). وأخبرنا أبو الطيب طاهر بن محمد بن العلاء ، نا أبو معمر المفضل ابن اسماعيل بن أحمد بن ابراهيم الإسماعيلي ، نا جدي أحمد بن إبراهيم ، نا أبو محمد عبد الله بن العباس بن عبيد الله الطيالسي ، نا إبراهيم بن عبد الله الهروي ، نا يحيى بن سليم الطائفي بهذا الإسناد مثله وقال : (( أنا خصمُهم يَومَ القِيامَةِ، وَمَن كُثْتُ خصّمَهُ "خصمتُهُ))(٢). (١) هو في صحيح البخاري ٣٦٨/٤ في الاجارة: باب أثم من منع أجر الأجير ، وفي البيوع : باب أثم من باع حرا ويحيى بن سليم الطائفي مختلف فيه وثقه ابن معين والعجلي وابن سعد ، وقال أبو حاتم : محله الصدق ، ولم يكن بالحافظ ، وقال النسائي : ليس به بأس ، وهو منكر الحديث عن عبيد الله بن عمر ، وقال الساجي : اخطأ في أحاديث رواها عن عبيد الله بن عمر ، وقال يعقوب بن سفيان : كان رجلا صالحاً ، وكتابه لا بأس به ، فإذا حدث من كتابه ، فحديثه حسن ، وإذا حدث حفظاً ، فتعرف وتنكر، وقد مال الحافظ في ((الفتح)) الى تقوية حديثه هذا، لأن الكلام فيه انما وقع في روايته عن عبيد الله بن عمر خاصة ، وهذا الحديث أخرجه البخاري من غير روايته، على أنه ذكر في ((هدي الساري)) ص ٤٥٢ أن للحديث أصلا عنده (أي عند البخاري) من غير هذا الوجه . (٢) وصحح هذه الزيادة ابن خزيمة وابن حبان فيما نقله الحافظ في ((الفتح)). ـابـ أخذ الأجرة على تعليم القرآن والرفيز . ٢١٨٧ - أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا سيدان بن مُضارب أبو محمد الباهلي ، نا أبو معشر يوسف بن يزيد البراء ، حدثني مُبيد الله بن الأخنس أبو مالك ، عن ابن أبي مليكة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ نَفَراً مِنْ أَصْحَابٍ رَسُولِ اللهِ صَّه مَرْوا بماءٍ فِيهِمْ لَدِغْ أَوْ سَلِيمُ(١) ، فَعَرَضَ لَهُمْ رُجُلٌ مِنْ أَهْلِ المَاءِ، فَقَالَ: هَلْ فِيْكُمْ مِنْ رَاقٍ ؟ إنَّ في الماءِ رَجُلاً لَدِيغاً أَوْ سَلِْاَ، فَانْطَقَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَقَرَأَ بِفَائِحَةِ الكِتَابِ عَلى شَاء فَبَأَ، فَجَاءَ بِالشَّاءِ إلى أَصْحَابِهِ، فَكَرِهُوا ذَلِكَ ، وَقَالُوا: أُخَذْتَ عَلى كِتَابِ اللهِ أَجْراً حَتَّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ أَخذَ عَلى كِتَابِ اللهِ أَجْراً، فَقَالَ رَسُولُ الله مَ الِ: ((إِنَّ أَحْقَّ مَا أَخَذّتمَ عَلَيْهِ أَجْرَاً كِتَابُ الهِ» هذا حديثٌ صحيحٌ" (٢). (١) شك من الراوي ، والسليم : هو اللديغ سمي بذلك تفاؤلاً بالسلامة . (٢) هو في صحيح البخاري، ١٦٩/١٠ في الطب: باب الشروط في الرقية بفاتحة الكتاب . - ٢٦٨ - قال الشيخ الإمام : في الحديث دليلٌّ على جواز أخذِ الأجرة على تعليم القرآن، وجواز شرطه، وإليه ذهب غطاء ، والحكم ، وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور، قال الحكم: ما سمعتُ فقيهاً يكرهه . وفيه دليلٌ على جواز الرقية بالقرآن ، وبذكر الله ، وأخذِ الأجرة عليه ، لأن القراءة والفقه من الأفعال المباحة، وفيه إباحة أجر الطيب والمعالج . وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غيرُ مباح ، وهو قول الزهري ، وأبي حنيفة ، وإسحاق ، وقال منصور عن إبراهيم: إنه كره أجر المعلم وقال جابر بن زيد: لا بأس به ما لم يشترط . واحتجوا بما رُوي عن عبادة بن الصامت قال: قلتُ يا رسول الله رجل أهدى إليّ قوساً ممن كنت أعلمُه الكتابَ والقرآن، وليست بمال، فأرمي عليها في سبيل الله؟ قال: ((إنْ كُنْتَ تُحِبُ أن تطوّق طوقاً مِنْ نارٍ فاقبلها))(١). ومن أباحهُ، تأول الحديث على أنهُ كان تبرع به ، ونوى الاحتساب فيه ، ولم يكن قصدُهُ وقتَ التعليم إلى طلب عوض ونفع ، فحذره النبي فى إبطالَ أجره وحسبته، كما لو ردًّ ضالة إنسان حسبة لم يكن لهُ أن يأخذ عليه عوضاً ، فأمّا إذا لم يحتسب، وطلب عليه الأجرة ، فجائز بدليل حديث ابن عباس. وذهب قوم إلى أنهُ لا بأس بأخذ المال ما لم يشرط ، وهو قول الحسن ، وابن سيرين ، والشعبي . (١) أخرجه أبو داوود (٣٤١٦) وابن ماجة (٢١٥٧) وفي سنده الأسود ابن ثعلبة وهو مجهول، لكن تابعه جنادة بن أبي أمية عند أبي داوود (٣٤١٧) من طريق أخرى وسندها جيد ، فيتقوى الحديث ، وله شاهد عند ابن ماجة (٢١٥٨) من حديث أبي بن كعب بنحوه ، فالحديث صحيح . - ٢٦٩ - وقال بعض أهل العلم : أخذُ الأجرة على تعليم القرآن لهُ حالان ، فإذا كان في المسلمين غيرُ ممن يقومُ به، حلّ له أخذُ الأجرة على تعليم القرآن ، لأنه غيرُ متعين عليه ، وإن كان في حال أو موضع لا يقومُ به غيرُهُ، لم يحل لهُ أخذ الأجرة عليه، وتأوَّل على هذا اختلافَ الأخبار فيه . ويستدل بحديث ابن عباس مَن يرى بيع المصاحف، وأخذ الأجرة على كتبتها . واختلف أهل العلم في بيع المصاحف ، قال ابن عمر : بئس التجارة بيعُ المصاحف وكتابتها بالأجر ، ويُروى عنه أنهُ كان يقول: وددت أن الأيديَ تُقطع في بيع المصاحف (١)، وكره بيعها وشراءها علقمة رشريح وابنُ سيرين والنخعي ، وكرهت طائفة بيعها ، ورخصوا في شرائها ، رُوي ذلك عن ابن عبّاس ، وبه قال سعيد بن جبير والحكم، وقال أحمد ابن حنبل : الأمرُ في شرائها أهون، وما أعلم في بيعها رخصة . ورخص أكثرُ الفقهاء في بيعها وشرائها، وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة ، وإليه ذهب سفيان الثوري ، ومالك والشافعي ، وأصحاب الرأي. باب إحياء الموات ٢١٨٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النّعيمي، أنا محمد بن يوسف، ف محمد بن إسماعيل ، نايحيى بن بُكير ا الليث، عن عبيد اله بن أبي جعفر، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عُروة (١) أخرجه عبد الرزاق (١٤٥٢٥) وإسناده صحيح، وانظر الآثار في الجواز والمنع في ((المصنف)) ١١٠/٨، ١١٤، وسنن البيهقي ٠١٧،١٦/٦ - ٢٧٠ - صَلى الله علىـ عَنْ عَائِشَةَ ، عَنِ النّبيِّ قَالَ: (( مَنْ أَعْمَرَ أَرْضَاً لَيْسَتْ لِأَحَدٍ، فَهُوَ أَحقُ، قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ مُمَرُ في خِلاَ فَتِهِ . هذا حديثٌ صحيحٌ"(١). ٢١٨٩ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعبٍ ، عن مالك ، عن هشام بن عروة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيِّ نِّهِ قَالَ: « مَن أَحْيا أَرْضَاً مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقُّ،(٢). قال الإمام : هكذا رواهُ مالك مُرسلًا ، ورواهُ أيوب عن هشام ابن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد، عن النبي محمد اله. والعملُ على هذا (١) هو في صحيح البخاري ١٥/٥ في المزارعة : باب من أحيا أرضا مواتاً، وقوله: ((أعمر)) بفتح الهمزة والميم من الرباعي قال عياض: كذا وقع، والصواب ((عمر)) ثلاثياً قال الله تعالى : ( وعمروها أكثر مما عمروها ) إلا أن يريد أنه جعل فيها عماراً، وقال غيره : قد سمع فيه الرباعي ، يقال : أعمر الله بك منزلك . وقال الحافظ : وذكره الحميدي في ((جمعه)) بلفظ ((من عمر)) من الثلاثي، وكذا هو عند الإسماعيلي من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه . (٢) ((الموطأ)) ٧٤٣/٢ في الأقضية: باب القضاء في عمارة الموات، والرواية الموصولة التي أشار إليها المصنف أخرجها أبو داوود (٣٠٧٣) وسندها قوي، قال الحافظ في ((الفتح)) ١٥/٥ : وفي الباب عن عائشة أخرجه أبو داوود الطيالسي ٢٧٧/١، وعن سمرة عند أبي داوود (٣٠٧٧)، والبيهقي؛ وعن عبنادة وعبد الله بن عمرو عند الطبراني ، وعن أبي أسيد عند يحيى بن آدم في ((الخراج)) رقم (٧٢٦) وفي أسانيدها مقال، لكن يتقوى بعضها ببعض. - ٢٧١ - رسى بعدهم أن من أحيا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي محرَ ◌ّم مواتاً لم يجر عليه ملكُأحد في الإسلام، يملكه، وإن لم يأذن لهُ السلطان فيه ، وهو قولُ أكثر أهل العلم ، روى ذلك عن عمر ، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق . وذهب بعضهم إلى أنهُ يحتاج إلى إذن السُّلطان، وهو قولُ أبي حنيفة ، وخالفهُ صاحباهُ . وقوله: (( ليس لعرق ظالم حق)، هو أن يغصب أرض الغير ، فيغرس فيها أو يزرع ، فلا حق لهُ ، ويقلعَ غراسه وزرعه . قال الإمام: وإحياءُ الموات يكون بالعمارة، وذلك يختلف باختلاف مقصود المحيي من الأرض ، فإن أراد داراً ، فلا يملك حتى يبني حواليه ، ويسقف ، وإن أراد بُستاناً ، فبأن يحوْط ويشق الأنهار ، ويغرس ويرقب له ماء ، وإن أراد الزراعة ، فبأن يجمع التراب محيطاً بها ، ويحرث ويزرع ، ويعتبر في جميع مقاصده عرف الناس . وإذا ملك أرضاً بالإحياء يملك حواليها قدر ما يحتاج إليه العامر للمرافق فلا يملكه غيرُهُ بالإحياء ، ويملكُ ما وراءهُ ، وإن كان قريباً من العامر فإن النبي يَوُِّ أقطع لعبد الله بن مسعود الدورّ بالمدينة وهي بين ظهراني عمارة الأنصار من المنازل والنخيل ، فقال بنو عبد بن زهرة: نَكْبْ عنا ابن أم عبد، فقال لهم رسول الله وَلَى: ((فلِمَ ابْتَعْتَنِي اله إذاً إِنّ اللهَ لا يُقدَّسُ أمّة" لا يُؤْخذُ للضّعِيف فيهم حَقُّه)»(١) قوله نكب عنا ، أي: نحْهِ عنّا، وقوله ◌ُسبحانهُ وتعالى: (إِنْهُم مَنِ الصِّراط لناكِيون) [المؤمنون: ٧٥] أي: عادلون عن القصد، وقوله: ((لا يقدس أمة)) أي : لا يطهرها . (١) أخرجه الشافعي ٢٠٦/٢ عن ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن يحيى بن جعدة وهو مرسل، قال الحافظ في ((التلخيص ) ٦٣/٣ وقد وصله الطبراني في (( الكبير)) من طريق عبد الرحمن بن سلام ، عن سفيان، ب الحمى ٢١٩٠ - أخبرنا أبو حامد أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران ، أنا أبو علي إسماعيل بن محمد الصَّفار أنا أحمد بن منصور الرَّمادي، أنا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَلٍِّ يَقُولُ: ((لَاَ خِى إِلاَّ لِلِهِ وَرَسُولِهِ، قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَقَدْ كَانَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حمَىَ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَخِيهِ لإِبِلِ الصَّدقَةِ . هذا حديثٌ صحيحٌ (١) أخرجه محمد عن يحيى بن بُكير، عن الليث، عن ابن يونس ، عن ابن شهاب . فقال : عن يحيى بن جعدة ، عن هبيرة بن مريم ، عن ابن مسعود ... وإسناده قوي . وله شاهد من حديث أبي سفيان بن الحارث عند البيهقي والخطيب ١٨٨/٤ بلفظ ((إن الله لا يقدس أمة لا يأخذ الضعيف حقه من القوي وهو غير متعتع)) وفي سنده رجل لم يسم الراوي عن أبي سفيان وباقي رجاله ثقات ، فهو حسن لغيره . .(١) هو في ((المصنف)) (١٩٧٥٠) وأخرجه البخاري ٣٤/٥ من طريق يونس عن الزهري وفي آخره عنده : وقال (القائل هو الزهري) : بلغته أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع ، فهو مرسل أو معضل ، وقد وصله أبو داوود (٣٠٨٤) من طريق الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عبدالله بن عباس، - ٢٧٣ - قال الإمام: وكان الحمى جائزاً لرسول الله عَ لَّم الخاص نفسه، لكنه لم يفعل ، إنما حمى النّقيع لمصالح المسلمين للخيل المعدّة نسبيل الله، وما فضل من ◌ُسهمان أهل الصّدقات ، وما فضل من نعم الجزية . وهو موضع معروف بالمدينة ، مستنقع للماء ، ينبتُ فيه الكلا عند نضوبه عنه. قال الشافعي : وهو بلدٌ ليسَ بالواسع الذي إذا حمي ضاقت البلادُ على أهل المواشي حوله، ولا يجوز لأحد من الأئمة بعد رسول الله مؤلفعم أن يحمي لخاص نفسه . واختلفوا في أنه" هل يحمي للمصالح؟ منهم من لم يجوِّزْ، لقوله عليه السلام: ((لا حمى إلا لله ولرسوله))(١) ومنهم من جوَّز ذلك على نحو ما ◌َمى رسولُ الله ◌ِهم لمصالح المسلمين بحيث لا يبينُ ضررُ على من حماه عليه ، وهو قول الأكثرين ، وتأوَّل هؤلاء الحديث على أن يحمي الخاص نفسه، فإن عمر بن الخطاب قد حمى بعد الرَّسول ◌َ بِّهِ كما ٢١٩١ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، نا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم عَنْ أَبِيْهِ أَنَّ ◌ُعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَسْتَعْمَلَ مَوْلَىَ لَهُ، يُقَالُ لَهُ: هُنَيُّ عَلَى الِحِمَى، فَقَالَ لَهُ: يَاهُنَيْ أَّهُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ عن الصعب بن جثامة ... واسناده لابأس به ، وله شاهد عند أحمد (٥٦٥٥) و (٦٤٦٤) وأبي عبيد ص ٢٩٨ من حديث ابن عمر، وسنده ضعيف ، وصححه ابن حبان ( ١٦٤١) من طريق آخر ، وسنده ضعيف أيضا، ووقع فيه ((البقيع)) بدل النقيع وهو تصحيف . (١) هو في ((صحيحه)) ٣٤/٥ في المزارعة: باب لا حمى إلا لله ولرسوله. شرح السنة ج : ٨ - ٢ - ١٨ - ٢٧٤ - وَأَتْقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُجابَةٌ، وَأَدْخِلْ رَبِّ الصُّرَيَِّةِ وَرَبْ الغُنَيْمَةِ ، وَإِيَّيَ وَنَعَمْ أَبْنِ عَوْفٍ وَأَبْنٍ عَفَّانَ، فَإِنّهَا إِنْ تَهْلِكْ مَا شِيَتُهُمَ يَرْجِعَا إِلَى ذَرْعٍ وَعْلٍ ، وَإِنْ رَبَّ الصُرَيْمَةِ وَالغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُ، يَأْتِي بِيَذِهِ فَيَقُولُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. أَتَارِكُهُمْ أَنَا؟! لا أَبالَكَ، فَالماءُ وَالكَلأُ أَيْسَرُ عَلَّ مِنَ الْذَّهُبِ وَالوَرِقِ ، وَانِمُ اللّهِ لَهُمْ لَيَرَوْنَ أَنْ قَدْ ظَلْتُهُمْ إِنّهَا لَبِلَاذْ، فَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّة، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا في الإِسْلاَمِ، وَانِمُ الهِ لَوْلا الْمَالُ لَّذِي أَحِلُ عَلَيْهِ في سَبيلِ اللهِ مَا حَيْتُ عَلَى الْمُسْلِينَ مِنْ بِلاَدِهِمْ شِبْراً (١). وروي أنّ عمر حمى الشّرفَ والرّبذة (٢) وتأوّل الشافعيّ قولَهُ عليه السّلام: ((لا حمى إلا بذه ولرسوله)) على إبطال ما كان يفعلُهُ أهلُ الجاهلية ، قال : كان الرّجل العزيز إذا انتجعَ بلداً مخصباً ، أوفى بكلب على جبل إن كان به ، أو نشْز إن لم يكن به ، ثم استعوى الكلب، وَوقف له من يسمعُ منتهى صوته بالعُواء، فحيث انتهى صوتُه حمادُ من كل ناحية لنفسه، ويرعى مع العامة فيما سواه ، ويمنعُ هذا من (١) ((الموطأ)) ١٠٠٣/٢ في دعوة المظلوم: باب ما يتقى من دعوة المظلوم وأخرجه أبو عبيد في ((الأموال)) ص٢٩٨، والشافعي ٢٠٨/٢ ، والبخاري ١٢٢/٦، ١٢٣ في الجهاد : باب إذا أسلم قوم في دار الحرب ، ولهم مال وأرضون فهي لهم . (٢) ذكره البخارى ٣٥/٥ الزهري بلاغاً، قال الحافظ: وقد روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن نافع ، عن ابن عمر ان عمر حمى الربذة لنعم الصدقة . - ٢٧٥ - غيره لضعفاء ماشيته، فترى أن قول رسول الله زلفى: ((لا حى إلا لله ولرسوله)) لا حمى على هذا المعنى الخاص، وأن قولَهُ: ((لله)) فلله كلُّ محمي وغيره ، ورسولُ الله إنما يحمي لصلاح عامة المسلمين ، لا لما يحمي له غيره من خاصة نفسه. هذا قولُ الشافعي ذكرهُ في كتابه (١). وحاصل المقصود منه أنهُ لا يحمى لأحد إلا على الوجه الذي حماه رسولُ الله بِرَةٍ، وفي بعض الأحاديث ((لا حمى إلا في ثلاث: ثُلُّ البشر، وَطولُ الفرس، وحلقة القوم)) (٢) قال أبو عبيد: ثلة البئر: أن يحتفر الرجلُ بثراً في موضع ليس بملك لأحد ، فلاُ من حوالي البئر من الأرض ما يكونُ ملقى لئلّة البئر، وهو ما يخرج من ترابها لا يدخل فيه عليه أحد. وطولُ الفرس : أن يكون الرجل في العسكر ، فيربط فرسه ، فله من ذلك المكان مستدار لفرسه في طوله يحميه من الناس . وحلقة القوم يعني لا يجلسُ في وسط حَلقتهم ، ويقال : هو أن يتخطى الحلقة ، فإنها حمى لأهلها . باب الاقطاع ٢١٩٢- أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا عبد الله بن محمد نا شُفان (١) ((الأم)) ٢٧٠/٣ ٠(٢) أخرجه يحيى بن آدم في ((الخراج)) (٣٢٤) وعنه البيهقي ١٥٦/٦ من حديث سعد بن أوس العبسي عن بلال بن يحيى العبسي التابعي ، عن النبى صلى الله عليه وسلم مرسلا ، ورجاله ثقات . - ٢٧٦ - عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكِ حِينَ خَرَجَ مَعَهُ إلَى الوَلِيْدِ قَالَ: دَعَا النّبِيِّ يَِّ الأنْصَارَ إلَى أَنْ يُقْطِعَ لَهُمُ البَحْرِيْنِ، فَقَالُوا: لا ، إلاَّ أَنْ تُقْطِعَ لإخوَاِنَا مِنَ الْمُهَاجِرِيْنَ مِثْلَهَا، قَالَ: (( أَمَا لاَ ، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي، فَإِنَّهُ سَتُصِيْبُكُمْ أَثَرَةٌ بَعْدِي )) (١). هذا حديثٌ صحيح . قال الإمام: هذا الحديثُ يدُل على أنه يجوز للإمام أن ينقطع الناس من بلاد العَنوة ما لم يجر عليه ملكُ مسلم ، ومن أقطعهُ السلطانُ أرضاً منها صار أوْلى بها من غيره ، فإذا أحياها وعمرها ، مَلكها ، ولا يملكها قبل الإحياء ، كما لو تحجّر أرضاً كان أولى بها من غيره ، ولا يملكُها إلا بالإحياء ، وكذلك لو أفرخ طائر على شجرة مملوكة لرجل ، كان أولى بالفرخ من غيره ، ولا يملكه حتى يَأخذهُ (١) أخرجه البخاري في «صحيحه)) ٩٠/٧ و٣٦/٥ و٣٧ و١٩٢/٦، وقال الحافظ : والذي يظهر لي أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يخص الأنصار بما يحصل من البحرين ، أما الناجز يوم عرض ذلك عليهم ، فهو الجزية ، لأنهم كانوا صالحوا عليها ، وأما بعد ذلك إذا وقعت الفتوح فخراج الأرض أيضاً ، وقال أيضاً في شرح الرواية الثانية : وتقدم في كتاب الشرب في الكلام على هذا الحديث أن المراد باقطاعها للانصار تخصيصهم بما يتحصل من جزيتها وخراجها لا تمليك رقبتها ، لأن أرض الصلح لا تقسم ولا تقطع . - ٢٧٧ - وروي عن علقمة بن وائل، عن أبيه أنّ النبي ◌ََّمِ أقطعهُ أرضاً بحضرموت (١). وروي عن عمر أنهُ أقطع ، واشترط العمارة ثلاث سنين ، وأقطع عثمان ولم يشترط . قال الخطابي : ويشبه أن يكون إقطاعُه من البحرين ، إنما هو على أحد الوجهين ، إما أن يكونَ من الموات الذي لم يملكه أحد ، فيُتملّك بالإحياء ، وإما أن يكون ذلك من العمارة من حقه في الخمس ، فقد روي أنه افتتح البحرين، وتوك أرضها، ولم يقسمها ، كما فتح أرضَ بني النضير فتر كها ، ولم يقسمها كما قسم خيبر . أما المعادن، فنوعان : نوع منها يكون نفعُه ظاهراً ، كالملح في الجبال والنّفط ، والقار ، والكبريت ، والمومياء ، فهذا النوع لا يُلك بالعمارة ، ولا يجوز للسلطان إقطاعُهُ، والناسُ فيه مَرَعٌ سواء، فهو كالماء والكلا والحجارة في غير الملك ، فإن أتاهُ رجلان ، فإن وسعهما ، عملا فيه ، وإن لم يسعها، كان أسبقهما أولى به ، فيأخذ قدر حاجته ، ثم يدعهُ إلى الثاني ، وإن جاءا معاً ، أفرع بينهما ، والدليل عليه ما ٢١٩٣ - أخبرنا محمد بن الحسن، أنا أبو العبّاس الطحان، أنا أبو أحمد محمد بن قريش ، أنا علي بن عبد العزيز ، أنا أبو ◌ُبيد ، أنا صدقة أنا محمد بن يحيى بن قيس المأربي ، عن أبيه ، عن ثمامة بن شراحيل ، عن ◌ُسمي بن قيس (١) أخرجه أحمد ٣٩٩/٦، والترمذي (١٣٨١)، وأبو داوود (٣٠٥٨) وإسناده حسن، وصححه الترمذي. . - ٢٧٨ - عَنْ شَمِير، عَنْ أَبَيَضَ بْنِ ◌َمالِ الْمَأْرِبِيْ أَنّهُ وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِوَّ، فَاسْتَقْطَعَهُ الْمُلِحَ (١) الَّذِي بِأْرِبَ (٢)، فَأَقْطَعَهُ إِيَّاهُ، فَلِمَّا وَلَّى، قَالَ رَجُلٌ: يَارَسُولَ اللهِ أَتَدْرِي مَاذا أَقْطَعْتَ ؟ إِنَّمَا أَقْطَعْتَ لَهُ الماءَ العِدَّ. قَالَ: فَرَجَعَهُ مِنْهُ، قَالَ: وَسَأَلَهُ مَاذَا يُحْمَىَ مِنَ الأَراكِ؟ قَالَ: «مَالَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الإِبلِ(٣)، فبين بهذا أن المعدِنَ الظاهر لا يجوز إقطاعُه، كالماء العدّ وهو الدَّائم الذي لا ينقطع . وقوله : استقطع ، أي: سأله أن يُقطعه . وقولهُ: (( ما لم تنلهُ أخفاف الإبل)) أراد به أنه إنما يحمي من الأراك ما بعد عن حضرة العمارة، ولا تبلغهُ الإبلُ الرائحة إذا أرسلت في الرعي. وفيه دليلٌّ على أنّ الكلأ والرعي في غير الملك لا يمنع من السَّارحة وليس لأحد أن يستأثر به دون سائر النّاس، فأمّا ما كان في ملك (١) في (ب) ((الملك)) وهو تحريف . (٢) بوزن منزل : بلاد الأزد من اليمن بين حضر موت وصنعاء وفيها بقايا السد المشهور . (٣) حديث حسن بطريقيه وأخرجه أبو داوود (٣٠٦٤)، والترمذي (١٣٨٠)، وابن حبان (١١٤٠) (١٦٤٢)، وأبو عبيد في (الأموال)) (٦٨٤) كلهم من حديث سمي بن قيس ، عن شمير ( ولم يوثقهما غير ابن حبان ) عن أبيض بن حمال ... وأخرجه يحيى بن آدم في ((الخراج)) (٣٤٦) عن يحيى بن قيس المأربي، عن رجل ، عن أبيض بن حمال ... وأخرجه ابن ماجة (٢٤٧٥) والدار قطني ٥١٩/٢، وابن سعد ٣٨٢/٥ من طريق فرج بن سعيد بن علقمة بن سعيد بن أبيض بن حمال ، عن عمه - أي : عم أبيه - ثابت بن سعيد بن أبيض، عن أبيه ، عن جده ... وثابت وأبوه لم يوثقهما غير ابن حبان . - ٢٧٩ - الرجْل من الكلأ والأراك، فمملوك له، ولهُ منعهُ عن غيره كاثر الأسْجار . وفي الحديث دليلٌ على أن الحاكم إذا حكم بشيءٍ ، ثمَّ تبين لهُ أن الحق في خلافه، عليه ردُّه، فإن النّبي ◌ِ ◌ّ وجع عن إقطاعه بعد ما أخبر أنه كالماء العيدّ وروي عن رسول الله عَ لَّم أنه قال: ((المُسْلمون مُشركاءُ في ثلاث: في الماء والكلا والنّار)) (١) والمراد منه الكلأ الذي ينبتُ في الموات، وأما النارُ، قيل: أراد به الحجارة التي توري الذَّار لا يُمنع أحدٌ أن يأخذ منها حجراً إذا كان في مَوات، وأمّا النّار التي أوقدها الرَّجل، فلهُ مَنع الغير منها ، وقيل: لهُ أن يمنع من يأخذ منها جذوة ، ولكن لا يمنع من يستصبح منها مصباحاً ، أو يُدني منها ضغئاً ، لأنهُ لا ينقصُ من عينها شيئاً. والنوع الثاني من المعادن: ما يكون نفعُه باطناً ، لا يُنالُ إلا بمؤنة مثل معادن الذهب والفضة، والحديد والنُّحاس ، وسائر الجواهر يجوز للسلطان إقطاع مثل هذه المعادن ، والدليلُ عليهِ ما روي عن كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جدًّ أن النبي ◌َّ أقطع (١) أخرجه ابن ماجة (٢٤٧٢) في الرهون: باب المسلمون شركاء في ثلاث من حديث ابن عباس ، وفيه عبد الله بن خراش وهو متروك ، ويغني عنه ما أخرجه ابن ماجة أيضاً (٢٤٧٣) من حديث أبي هريرة مر فوعا بلفظ ((ثلاث لا يمنعن الماء والكلأ والنار)) وسنده صحيح، وصححه البوصيري في ((الزوائد)) ورقة ١٧٣ والطبراني بسند حسن فيما قاله الحافظ في ((التلخيص)) ٦٥/٣ من حديث ابن عمر ((المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار)). ولأبي داوود ( ٣٤٧٧ ) من حديث أبي خداش حبان بن زيد الشرعبي ، عن رجل من الصحابة ، قال : غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً أسمعه يقول: ((المسلمون شركاء في ثلاث في الكلا والماء والنار )) ورجاله ثقات . - ٢٨٠ - بلالَ بن الحارث مَعادِن القبلية (١) جلسيها وغوربها وحيث يصلح الزرع من قندْسَ ولم يعطه حق مسلم وكتب له كتاباً (٢) وروي مثله عن عكرمة ، عن ابن عبّاس . ومعادن القبلية : من ناحية الفرع . وقوله: (( جلسيها)) يريد: نجديْها، يقال لنجد: جلسّ . قال الأصمعي: وكلُ مرتفع جلسٌ ، والغورُ: ما انخفض من الأرض . وهل تملك مثلُ هذه المعادن بالإحياء ؟ للشافعي فيه قولان : أحدهما تُملك كالأرض، وكما يجوز إقطاعُها ، فعلى هذا إذا وصل إلى النيل ، ملك كما لو حفر بثراً في موات للملك، لا يملك حتى يصل إلى الماء . والقول الثاني: لا تملك بالإحياء بخلاف الأرض ، لأنها إذا أحبيت مرّة، ثبت إحياؤها، والمعدِنُ يحتاج إلى أن يعمل فيه كلَّ يوم حتى يرتفقَ منهُ ، وقد يجوز إقطاعُ ما لا يملك بالإحياء ، كمقاعد الأسواق ، فعلى هذا إذا ابتدأ رجلٌّ العمل في معدن منها ، كان لهُ مَنْع الغير، وإن كان يسعُ الكل فإذا عطله ، لم يكن لهُ منع الغير عنه ، كما لو حفر بئراً في موات الارتفاق، كان أولى بها من غيره ، أو نزل منزلاً بالبادية ، كان أولى به ، فإذا تركه (١) بفتح القاف والباء: ناحية من ساحل البحر بينها وبين المدينة خمسة أيام . (٢) أخرجه أبو داوود (٣٠٦٢) والحاكم في ((المستدرك)) ٥١٧/٣ وأسناده ضعيف لضعف كثير بن عبد الله ، وأخرجه أبو داوود أيضاً من حديث ابن عباس وإسناده حسن ، وقال أبو عمر : وهو غريب من حديث ابن عباس ليس يرويه غير أبي أويس عن ثور، وأخرج مالك ٢٤٨/١ وأبو داوود (٣٠٦١)، وأبو عبيد (٨٦٣) من حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن غير واحد من علمائهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث المزني معادن القبلية وهي من ناحية الفرع ، فتلك المعادن لا يؤخذ منها الزكاة الى اليوم . واسناده صحيح لكنه مرسل وذكر أبو عمر أن الدراوردي رواه عن ربيعة ، عن الحارث بن بلال المزني عن أبيه وقال : إن إسناد ربيعة فيه صالح حسن .