النص المفهرس
صفحات 141-160
- ١٤١ - السلم في شيءٍ موصوف عام الوجود عند المحل المشروط ، يجوز، وإن لم يكن في ملكه حالة العقد . وفي معنى بيعٍ ما ليس عنده في النساء ، وبيع العبد الآبق ، والطير المنفلت ، وبيع المبيع قبل القبض، وفي معناهُ بيعُ مال غيره بغير إذنه لا يصحُّ ، لأنه غرر ، لأنه لا يدري هل يجيزهُ مالكه أو لا يجيزه وبه قال الشافعي ، وقال جماعة : يكونُ العقد موقوفاً على إجازة المالك فإن أجازه ، نفذ ، وهو قولُ مالك، وأصحاب الرأي ، وأحمد ، وإسحاق واحتجوا بما رُوي عن عروة البارقي قال: دفع إلى رسولُ الله ◌ِ ◌ِفل ديناراً لأسْتري ساة، فاشتريتُ له شاتينٍ فبعتُ إحداهما بدينار، وجئت بالشاة والدّينار إلى النبي ◌َِّ، فذكر لهُ ما كان منْ أمره، فقال: بارك اللهُ لك في صفقة يمينك (١)، فكان يخرج بعد ذلك إلى كناسة الكوفة ، فيربح الربح العظيم . ومَن لم يجوِّز وقف البيع ، تأوّل الحديث على أن وكالته كانت وكالة تفويص وإطلاق، والوكيل المُطلق يتصرّف بالبيع والشراء ويَصح . واختلف أهل العلم أيضاً في إعتاق عبد الغير ، وتطليق زوجته دون إذنه، فذهب قومٌ إلى أنه يتوقفُ على إجازة السيد والزوج، وكذلك لو زوج امرأة مالكة لأمرها دون إذنها ، ينعقدُ موقوفاً على إجازتها وبه قال مالك، وأصحاب الرأي ، وأبطلهُ جماعة ، وبه قال الشافعي ، ورُوي والطيالسي (٢٢٥٧)، وابن ماجة (٢١٨٨) وسنده حسن، وقال الترمذي : حسن صحيح . (١) أخرجه البخاري في ( صحيحه)) ٤٦٤/٦، ٤٦٥ في أحاديث الأنبياء : باب سؤال المشركين أن يريهم النبي صلى الله عليه وسلم ... - ١٤٢ - عن زيد بن أسلم وابن عمر أنها كانا لا يريان ببيع القُطوط بأساً إذا خرجت . قال الأزهري : القطوط الجوائز والأرزاق ، ◌ُميت 'قطوطاً، لأنها كانت تخرج مكتوبة في رقاع وصكاك مقطوعة ، وبيعها عند أكثر أهل العلم لا يجوزُ حتى تصل إلى من كُتبت له، فيملك. وأصل ((القطّ)) الكتابُ يكتب للإنسان فيه شيء يصل إليه، ومنه قولهُ مُسبحانه وتعالى: ( عجّل لنا قِطْنَا ) أي: نصيبنا من العذاب الذي تنذرنا به، وقال أبو عبيدة : القط : الحساب . باب النهي عن بيعنبى في بيعة وعى بيع وسلف ٢١١١ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري ، أنا حاجب بن أحمد الطوسي ، أنا محمد بن يحيى الذهلي نا يزيد بن هارون، أنا محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة عَنْ أَبِي مُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ لَّ عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ ، وَعَنْ لِسَتَيْنِ: أَنْ يَتَىَ أُحَدُكُمْ فِي الْقَّوْبِ لَيْسَ بَيْنَ فَرْجِهِ وَبَيْنَ الْمَاءِ شَيْءٍ، وَعَنِ الْمَاءِ اشْتِمَالِ آلْهُودِ(١) (١) أخرجه الترمذي (١٢٣١)، والنسائي ٢٩٦،٢٩٥/٧، وأخرجه أبو داود (٣٤٦١) بلفظ: (( من باع بيعتين في بيعة ، فله أوكسهما أو الربا وإسناده حسن، وفي الباب عن ابن مسعود عند أحمد (٣٧٢٥) و (٣٧٨٣) وعن عمرو بن شعبب ، عن أبيه عن جده الآتي قريباً ، وقد فسر سفيان ١ - ١٤٣ - هذا حديث حسن صحيح . وفسروا البيعتين في بيعة على وجهين : أحدهما : أن يقول: بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً ، أو بعشرين نسيئة إلى شهر ، فهو فاسد عند أكثر أهل العلم ، لأنه لا يدرى أيهما الثمن ، وجهالة الثمن تمنع صحة العقد ، وقال طاووس : لا بأس به ، فيذهب به على أحدهما ، وبه قال إبراهيم والحكم وحماد . وقال الأوزاعي: لا بأس به ، ولكن لا يفارقه حتى يُباتّه بأحدهما ، فإن فارقه قبل ذلك ، فهو لهُ بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين أمّا إذا باتهُ على أحد الأمرين في المجلس ، فهو صحيح به لا خلاف فيه وما سوى ذلك لغو . والوجه الآخر من تفسير البيعتين في البيعة أن يقول : بعتك جدي هذا بعشرين ديناراً على أن تبيعني جاريتك فهذا فاسد ، لأنه جعل ثمن العبد عشرين ديناراً ، وشرط بيع الجارية وذلك شرط لا يلزم ، وإذا لم يلزم ذلك، بَطل بعض الثمن، فيصيرُ ما يبقى من المبيع في مُقابلة الباقي مجهولاً، ومن هذا الباب لو قال: بعتك هذا الثوب بدينار على أن تعطيني به دراهم لا يصح، أما إذا جمع بين شيئين في صفقة واحدة بأن باع داراً وعبداً بثمن واحد ، فهو جائز وليس هذا من باب البيعتين في بيعة إنما هي صفقة واحدة جمعت شيئين بثمن معلوم . الثوري قوله صلى الله عليه وسلم: ((من باع بيعتين ... )) بقوله فيما نقله عنه عبد الرزاق في ((المصنف)) (١٤٦٣٢) إذا قلت : أبيعك بالنقد إلى كذا ، وبالنسيئة بكذا وكذا ، فذهب به المشتري ، فهو بالخيار في البيعين مالم يكن وقع بيع على أحدهما ، فإن وقع البيع هكذا فهو مكروه ، وهو بيعتان في بيعة ، وهو مردود ، وهو الذي ينهى عنه ، فإن وجدت منامك بعينه أخذته ، وإن كان قد امستهلك فلك أوكس الثمنين وأبعد الأجلين . - ١٤٤ - ٢١١٢ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الحرفي، أنا أبو الحسن الطيفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، نا أحمد بن علي الگشميهني نا علي بن ◌ُحُجر ، نا إسماعيل بن جعفر، نا داوود بن قيس الفراء ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ نَّهَى عَنْ بَيْعَتِيْنِ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدةٍ ، وَعَنْ شِفْ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَعَنْ بَيْعِ وَسَلَفٍ (١) قوله: عن شفّ مالم يضمن. الشّف: الربح، أي: عن ربح مالم يضمن. ورَوى أيُّوب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدًّ، قال : قال رسول الله وَلِقٍ: ((لا يحِلُّ سلفٌ وبيعٌ، ولا شرطان في يعٍ، ولا ربحُ ما لم يُضمن، ولا بيعُ ما ليس عندك)» (٢) قال الإمام رحمه اله: أما نهيهُ عليه السلام عن شيف مالم يضمن، أو عن ربح مالم يضمن: هو أن يبيع ما اشتراهُ قبل أن يقبضه ، فلا يَصِحُ، لأنهُ لم يدخل بالقبض في ضمانه (٣) وأمَّا نهيه عن بيع وسلف: (١) إسناده حسن . (٢) إسناده حسن وقد تقدم تخريجه قريباً ص ١٤٠ التعليق رقم (٢). (٣) قال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) ١٥٣/٥: وأما نهيه صلى الله عليه وسلم عن ربح ما لم يضمن، فهو كما ثبت عنه في حديث عبد الله ابن عمر حيث قال : إني أبيع الإبل بالبقيع بالدراهم وآخذ الدنانير ، وابيع بالدنانير وآخذ الدراهم ، فقال : لا بأس إذا أخذتها بسعر يومها وتفرقتما وليس بينكما شيء فجوز ذلك بشرطين : أحدهما أن يأخذ بسعر يوم الصرف لئلا يربح فيها وليستقر ضمانه ، والثاني: أن لا يتفرقا إلا عن تقابض، لأنه شرط في صحة الصرف ، لئلا يدخله ربا النسيئة ... وقد نص أحمد على ذلك في الاعتياض عن دين العرض غير أنه إنما يعتاض عنه بسعر يومه لئلا يربح فيما لم يضمن. - ١٤٥ - هو أن يقول : أبيعك هذا الثوبَ بعشرة دراهم على أن تُقرضني عشرة دراهم ، والمرادُ بالسّلف: القرضُ، فهذا فاسدٌ، لأنه جعل العشرة ورِفَقَ القرض ثمناً للثوب، فإذا بطل الشرطُ، سقط بعضُ الثمن ، فيكون ما يبقى من المبيع بمقابلة الباقي مجهولاً . وقال أحمد : هو أن يُقرضةُ قرضاً ، ثم يبايعه عليه بيعاً يزدادُ عليه ولو قال : أقرضتُك هذه العشرةَ على أن تبيعني عبدك ، ففاسد ، لأن كلّ قرض جرّ منفعة" فهو رباً. وقد يكون السّ بمعنى السَّم، وذلك مثلُ أن يقول : أبيعُك عبدي هذا بألف على أن تُسلفني مائة في كذا ، أو يُسلم إليه في شيء، ويقول: فإن لم يتهيأ عندك، فهو بيعٌ عليك. وقوله : ((ولا تشرطانٍ في بيع ، فهو أن يقول: بعتك هذا العبد بألف نقداً أو بألفين نسيئة، فمعناهُ معنى البيعتين في بيعة (١)، وقيل: معناه أن (١) قال ابن القيم رحمه الله في ((تهذيب السنن)) ١٤٨/٥: وهذا بعيد من معنى الحديث من وجهين : أحدهما : أنه لا يدخل الربا في هذا العقد ، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((من باع بيعتين في بيعة"، فله أو كسهما أو الربا)). الثاني : أن هذا ليس بصفقتين إنما هو صفقة واحدة بأحد الثمنين، وقد ردده بين الأوليين أو الربا ، ومعلوم أنه إذا أخذ بالثمن الأزيد في هذا العقد لم يكن ربا ، فليس هذا معنى الحديث . وفسر بأن يقول : خذ هذه السلعة بعشرة نقداً ، وآخذها منك بعشرين نسيئة ، وهي مسألة العينة بعينها ، وهو هذا المعنى المطابق للحديث ، فانه إذا كان مقصوده الدراهم العاجلة بالآجلة ، فهو لا يستحق إلا رأس ماله وهو أوكس الثمنين ، فان أخذه أخذ أوكسهما ، وإن أخذ الثمن الأكثر ، فقد أخذ الربا ، فلا محيد له عن أوكس الثمنين أو الربا ، ولا يحتمل الحديث غير هذا المعنى ، وهذا هو بعينه الشرطان في بيع ، فان الشرط يطلق على العقد نفسه ، لأنه ما تشارطا على الوفاء به ، فهو شرح السنة ج ٨ - ٢ - ١٠ - ١٤٦ - يقولُ : أبيعُك ثوبي بكذا وعلي قِصارتُه وخياطتُه ، فهذا أيضاً فاسد ، وكذلك لو باع حنطة على أن يطحنها البائعُ ، أو حمل خطب على أن يحملهُ إلى منزل المشتري ، أو زرعاً على أن يحصده ، فهذا كلهُ فاسد . ولا فرق في مثل هذا بين شرطين ، أو شرط واحد عند أكثر أهل العلم ، لأن العلة في الكل واحدة، وهي أنه إذا قال : بعتُك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تقصُرَهُ ، فإن العشرة التي هي الثمن تنقسم على من الثوب ، وعلى أجرة القصارة، وإذا فد الشرط لا يُدرى كم يبقى من الثوب، وإذا صار الثمن مجهولاً ، بطل البيع . وقال أحمد : إن شرط شرطاً واحداً ، فالعقدُ يصح، مثل أن باع ثوباً على أن يقصُره ، وإن شرط شرطين بأن شرط الخياطة مع القِصارة ، يفسد البيع ، والصحيحٌ أن لا فرق بين الشرط الواحد والشرطين (١). مشروط ، والشرط يطلق على المشروط كثيراً كالضرب يطلق على المضروب، والحلق على المحلوق ، والنسخ على المنسوخ ، فالشرطان كالصفقتين سواء، فشرطان في بيع كصفقتين في صفقة . واذا أردت أن يتضح لك هذا المعنى ، فتأمل نهيه صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر عن بيعتين في بيعة وعن سلف وبيع رواه أحمد ، ونهيه في هذا الحديث عن شرطين في بيع ، وعن سلف وبيع . فجمع السلف والبيع مع الشرطين في البيع ، ومع البيعتين في البيعة وسر ذلك أن كلا الأمرين يؤول الى الربا ، وهو ذريعة إليه. أما البيعتان في بيعة، فظاهر، فانه إذا باعه السلعة الى شهر، ثم اشتراها بما شرطه له كان قد باع بما شرطه له بعشرة نسيئة ، ولهذا المعنى حرم .الله ورسوله العينة. وأما السلف والبيع، فلأنه إذا أقرضه مائة إلى سنة، ثم باعه ما يساوي خمسين بمائة ، فقد جعل هذا البيع ذريعة إلى الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل ، ولولا هذا البيع لما أقرضه ، ولولا عقد القرض لما اشترى ذلك . (١) قال ابن القيم في ((تهذيب السنن)) ١٤٦/٥: لأنه إن كان اشتراط منفعة البائع في المبيع فاسداً فسد الشرط والشرطان ، وإن كان صحيحا ، فأي فرق بين منفعة أو منفعتين أو منافع لا سيما - ١٤٧ - وقد رُوي أن النبي ◌ِ ◌ّمُ نهى عن بيع وشرط(١). ثم هذا النهي لا يعُمُّ جميعَ الشروط ، فإن من الشروط مالا يمنع صحة العقد، ويجبُ الوفاءُ به، كما قال النبي مُر ◌ِّمِ: ((من باع عبداً وله مالٌ فماله البائع إلا أن يَشترط المُبْتَاعُ، ومَن باعَ نخلاً بعد أن تُؤْبَّرَ ، فمرتُها البائع إلا أنْ يَشترطَ المُبْتَاعُ))(٢). وجملةُ ذلك أن كلّ شرط هو من مقتضى البيع ، أو من مصلحة البيع ، فهو جائز، أما مقتضاهُ هو أن يبيعه عبداً على أن يُحسن إليه ، أو داراً على أن يسكنها إن شاء، أو يسكنها غيره ، وأما مصلحة العقد مثلُ أن يبيعَ بثمن ضرب لهُ أجلًا معلوماً، أو شرط أن يرَهَنَ بالثمن داره ، أو يُقيم فلاناً كفيلً بالثمن . فأما ما لا يقتضيه مُطلقُ البيع من الشروط ، ولا هو من مصلحة البيع ، فإنه يُفسدُ البيعَ إِلا شرطَ العتق، وذلك مثلُ أن يشتري سلعة على أن يحملها البائع إلى بيته ، أو ثوباً على أن يخيطه ، أو دابة على أن والمصححون لهذا الشرط قالوا : هو عقد قد جمع بيعا وإجارة وهما معلومان لم يتضمنا غررا ، فكانا صحيحين ، واذا كان كذلك ، فما الموجب لفساد الاجارة على منفعتين وصحتها على منفعة ، وأي فرق بين أن يشترط على بائع الحطب حمله ، أو حمله ونقله ، أو حمله وتكسيره . (١) أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) كما في ((نصب الراية)) ١٧/٤ من حديث عبد الله بن أيوب المقرىء ، عن محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث بن سعيد ، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع وشرط . (٢) أخرجه البخاري ٣٧/٥، ٣٨ في الشرب: باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم ( ١٥٤٣) (٨٠) في البيوع : باب من باع نخلا عليها ثمر من حديث عبد الله بن عمر . - ١٤٨ - يُسيِّمها في بلد كذا، أو في وقتٍ كذا ، وعلى أن لا خسارة عليه في ثمن المبيع، فالعقد فاسدٌ ، لأنهُ شرط يصيرُ به الثمنُ مجهولاً، وكذلك لو باع دارةُ وشرط فيه رضى الجيران، أو رضي فلان ، ففاسد ، لما فيه من الغرر ، لأنه لايدري هل يرضى فلان أو لا . وكذلك لو باعهُ على أن البائع متى ردًّ الثمن، عاد المبيع إليه، أو يردَّه المشتري إليه ، ففاسد . وكذلك لو باعه على أن لا يبيعهُ المشتري، أو على أن يبيعهُ ، أو على أن يهبه ، فلا يصحُ، لأنه حجر عليه فيما هو مقصودُ الملك من إطلاق التّصرف . وقال ابنُ أبي ليلى وأبو ثور: الشرطُ باطلٌّ في هذه المواضع، والبيعُ صحيحٌ ، واحتجا بحديث بريرة أن عائشة اشترتها، وشرط قومُها الولاء لأنفسهم ، فحكم النبي مع الم ببطلان الشرط، وأجاز البيع، وشرطُ الولاء في ذلك الحديث مما لم ينقلهُ أكثرُ الرواة، وشرطُ العنق مخصوص بالسنة أنهُ لا يؤثر في فساد البيع، لأن له من الغلبة والسّراية ما ليس لغيره ألا ترى أنه يسري إلى ملك الغير ، فإن أحد الشريكين إذا أعتق العبد المشترك ، يعتق كله ، ولا تنفذ سائر تصرفاته في نصيب الشريك . ولو باع بشرط البراءة عن العيب ، فاختلف أهلُ العلم فيه ، فذهب الشافعيّ في أظهر أقواله إلى أنه لا يبرأ في غير الحيوان عن شيء من العيوب علم به فكتمهُ أو لم يعلم ، وأما في الحيوان ، فيبرأ من كل داء بباطنه لا يعلمه ، ولا يبرأ عن داء بظاهره، علم به أو لم يَعلم، ولا عمًا بباطنه وهو به عالم ، لما روى مالك عن يحيى بن سعيد ، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر باع غلاماً بثمانمئة درهم بالبراءة ، فقال الذي ابتاعه : بالعبد داءٌ لم تسمّه لي ، فاختصما إلى عثمان ، فقضى عثمان على عبد الله بن عمر أن يحلف: لقد باعهُ بالبراءة، وما به داء يعلمه، فأبى عبد الله أن يحلف - ١٤٩ - وارتجع العبدَ، فباعهُ بعد ذلك بألف وخمسمئة درهم(١). وذهب قومٌ إلى أنه يبرأ عن جميع العُيوب، علم به أو لم يعلم ، في الحيوان وغيره ، وهو قولُ أصحاب الرأي . أمّا إذا باع مطلقاً لا بشرط البراءة ، فحدث به عيبٌ قبل القبض، فله الردُ، وإن حدث به عيبٌ بعد القبض ، فمن ضمان المشتري ، فإن اختلفا ، فقال البائع : حدث في يد المشتري ، وقال المشتري : كان في يد البائع ، فالقولُ قول البائع مع يمينه ، وعلى المشتري البينة . وقال مالك في الرقيق خاصة: يَردُّه إلى ثلاثة أيام بلا بينة ، وفي الجنون والجذام والبرص إلى سنة ، فإذا مَضْت السّنّة ، فقد برىء البائع من العُهدة، وممن ذهب إلى عهدة السنة ابنُ المسيْب، والزهري في كل داء عُضال ، واحتج مالك بما روى الحسن عن عقبة بن عامر أن رسول الله عَ لِّ قال: ((عُهدةُ الرّقيق ثلاثةُ أيَّارٍ))(٢) وضعف أحمد هذا الحديث وقال : لم يسمعِ الحسن من عقبة ، ولا يثبت في العُهدة حديث والله أعلم . (١) ((الموطأ)) ٦١٣/٢ وإسناده صحيح. .. (٢) أخرجه أبو داوود (٣٥٠٦)، وأخرجه ابن ماجة (٢٢٤٤) بهذا اللفظ من حديث الحسن، عن سمرة، وأخرجه عن عقبة بلفظ: ((لا عهدة بعد أربع)) وكلاهما ضعيف . باب شراء العبد بشرط الإعناق ٢١١٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب ، عن مالك ، عن نافع عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ أَنْ عَائِشَةً أُمَّ الْمُؤْمِيْنَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً تَعْتِقُهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: نَبِيعُهَا عَلى أَنْ وَلاَءَهَا لَّا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ عِهِ، فَقَالَ: «لاَ يَمْنَعَنَّك ذَلكَ، إنََّا الوَلاَءِ لِنْ أَعْتَقَ ». هذا حديث ◌ٌ متفقٌ على صحته(١) أخرجهُ محمد عن عبد الله بن يوسف، وأخرجهُ مسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك . ٢١١٤ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه (١) ((الموطأ)) ٧٨١/٢ في العتق والولاء : باب مصير الولاء لمن أعتق، والبخاري ٣١٥/٤ في البيوع: باب إذا اشترط في البيوع شروطاً لا تحل ، وباب البيع والشراء مع النساء ، وفي العتق : باب ما لا يجوز من شروط المكاتب ، وفي الفرائض : باب الولاء لمن أعتق ، وباب إذا أسلم على يديه وباب، ما يرث النساء من الولاء، ومسلم (١٥٠٤) في العتق : باب إنما الولاء لمن أعتق . - ١٥١ - عِنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ بِّهِ أَنْهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِّي كاتَبْتُ أَهْلِي عَلى تَسْعِ أَوَاقٍ في ◌ُلُّ عَامٍ أوفيَّةٌ ، فَأَعِنِينِ ، فَقَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّمَا لَهُمْ عَدَدْتُهَا لَهُمْ، وَيَكُونَ لَِ وَلأُؤْكِ، قَالَتْ: فَذَهَبَتْ بَرِيرَةٌ إلى أَهْلِهَا، فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللهِِّ جَالِسْ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، فَأَبَوْا إِلا أَنْ يَكُونَ الْوَلاَءِ لَهُمْ. فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِِّ فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ◌َّ: (( خُذِيْهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ، فَإِنَّا الْوَلاَءِ لِمَنْ أَعْتَقَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ فِي النَّاسِ فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: ((أَمَّا بَعْدُ، فَا بَالُ رِجَالِ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطَا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطِ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَهُوَ بَاطِلْ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، وَإِنَّمَا الْوَلاَءِ لَنْ أَعْتَقَ ) . هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجهُ محمد عن عبد الله بن يوسف (١). ((الموطأ)) ٧٨٠/٢، ٠٧٨١ والبخاري ٣١٥/٤ وهو عنده في - ١٥٢ - عن مالك، وأخرجهُ عن عبيد بن إسماعيل ، وأخرجهُ مسلم عن أبي كريب كلاهما عن أبي أسامة ، عن هشام بن عروة . وقولها: إن أحبّ أهلك أن أعدّها لهم. إنما ذكرت بلفظ العدّ، لأن أهل المدينة كانوا يتعاملون بالدراهم عدداً وقت مقدم رسول الله عَ لّه إلى أن أرشدهم النبيُ مَّق إلى الوزن، وجعل العيارَ وزنَ أهل مكة . قال الإمام في هذا الحديث فوائد ، منها جوازُ بيع رقبة المكاتب واختلف فيه أهلُ العلم ، فذهب قومٌ إلى أنه يجوزُ بيع رقبته، لأنّ ملكه لم يَزْل بالكتابة بدليل أن حكمه حكمُ الماليك في الشهادات والحدود والجنايات، وأنه لا يستحق السّهم إذا حضر القتال، وإلى هذا ذهب إبراهيم النخعي ، وهو قول مالك وأحمد ، واتفقو على أنه إذا بيع لا ينفسخُ عقد الكتابة حتى لو أدَّى المكاتبُ النجوم إلى المشتري، عتق ، وولاؤهُ البائع الذي كاتبه . وقال الأوزاعي : يكرهُ بيعُ المكاتب قبل العجز للخدمة ، ولا بأس أن يباع للعتق . " وذهب قومٌ إلى أنه لا يجوز بيعُ المكاتب، وهو قول الشافعي ، وأصحاب الرأي ، وتأوَّل الشافعي حديث بريرة على أنها بيعت برضاها فكان ذلك فسخاً للكتابة منها . وذهب قومٌ إلى أنهم باعوا نجومَ كتابتها ، واختلفوا في جوازه ، فأجازه قومٌ ، وبه قال مالك ، واحتجوا بقول عائشة: إن أحبَ أهلُك أن المساجد والعتق والهبة والشروط والطلاق والأيمان والنذور ، والفرائض ومسلم (١٥٠٤) (٨٠). - ١٥٣ - عدّها لهم، وفي رواية: ((إن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك))(١) وذهب الأكثرون إلى أن بيع نجوم الكتابة لا يجوز ، لأنها غيرُ مستقرة بدليل أن للمكاتب أن يُعجِّز نفسه، فيسقطها عن نفسه، فهو كبيع المسلم فيه قبل القبض (٢) لا يجوز. والمراد من قولها: أعُدما لهم أو أقضي عنك. هو الثمن الذي تُعطيهم على البيع عوضاً عن الرقبة بدليل ما روى القاسم عن عائشة أنَّ النبي يُولِثم قال: ((اشتربها وأعتقيها) (٣)، واستدل الشافعي بهذا الحديث على جواز بيع الرقبة بشرط العتق، وموضع هذا الدّليل ليس بالبيِّن في صريح لفظ الحديث ، وإنما هو ◌ُستنبط منه ، وذلك أن القوم لا يشترطون الولاء إلا وقد تقدمهُ شرط العتق ، وفي رواية من روى: ((اشتريا وأعتقيها)) وروى ابن شهاب عن عروة ، عن عائشة (( ابتاعي وأعْتِقِي)) ٤١) بيانُ هذا المعنى. واختلف أهلُ العلم في شراء العبد بشرط العتق ، فذهب الشافعي في أظهر قوليه - وهو قوله الجديدُ - إلى أنّ الشراء صحيحٌ ، والشرط لازم وقال النخعي: كلُّ شرط في البيع بهدِمُهُ البيعُ إلا شرط العتاق ، وكل شرط في النكاح يهدِمُه النكاح إلا الطلاقَ . وذهب جماعة إلى أن البيع صحيح ، والشرط باطل ، قالهُ الشافعي في القديم ، وهو مذهب ابن أبي ليلى ، وأبي ثور ، وكذلك مذهبهم في سائر الشروط الفاسدة ، وذهب قومٌ إلى أن البيع فاسدٌ، وهو قول أصحاب الرأي ، ثم إنهم حكموا (١) هي في الصحيح . (٢) في (ب) ((البيع)) وهو خطأ. (٣) أخرجها مسلم (١٥٠٤) (١٠). (٤) أخرجها مسلم أيضاً (٥٠٤) (٦) . - ١٥٤ - بالملك للمشتري في البيوع الفاسدة إذا اتصل بها القبضُ ، وأوجبوا على المشتري القيمة إذا هلك المقبوض في يده، أو أعتقهُ إلا فيما اشتراهُ بشرط العشق فإن أبا حنيفة قال: إذا قبضهُ المشتري، وأعتقه، تمتق ، وعليه الثمن وعند صاحبيه تجبُ القيمة ، وهو الأقيس على مذاهبهم ، فأمّا إذا باع بشرط العتق ، وشرطَ الولاء لنفسه، فالبيعُ باطل عند الأكثرين ، وهو أظهر قولي الشافعي، وقال في القديم: البيع صحيح ، والشرط باطل وهو قول ابن أبي ليلى وأبي ثور ، واحتجوا عليه بحديث بريرة أن أهلها باعوها وشرطوا لأنفسهم الولاء، ثم أجاز النبي مواقع البيع، وحكم ببطلان الشرط وقاسوا عليه سائر الشروط الفاسدة في أنها لا تمنع صحة العقد ، والصّحيح أنَّ شرط الولاء لم يكن في البيع ، لكن القوم وغيوا في بيعها للعتق وطمِيعُوا في ولائها لجهلهم بالحكم في أن الولاء لا يكون إلا للمعتق ، فلما ◌ُقِد البيعُ، وزال ملكهُم عنها، واعتقتها عائشة، بَيْن لهم النبي ◌ِ ◌ّل حكمّ الشرع أن الولاء لا يكون لغير المعتق. فإن قيل: كيف وقد رُوي في الحديث أن النبي ◌َّ قال لها: ((ُخذبها واسْترطي لهُم الولاء)) ؟ قلنا: هذه اللفظة تفرد بها هشام لم بُوافقهُ عليها أحدٌ من الرواة (١)، فإن ابن شهاب روى عن عروة عن عائشة أن النبي مُؤلثم قال لها: ((ابتاعي وأعْتِقِي، فإنّا الولاءُ لِنْ أعتقَ ))، وقالت عمرةُ عن عائشة: ((ابتاعيها وأعتقها، فإنما الولاء لمن أعتق (٣))) وقال القاسم عن عائشة: ((اشتريها وأعتقيها، فإنّا الولاء لمِن (١) قد بسط الحافظ في ((الفتح)) ١٣٩/٥ الكلام على هذه اللفظة فانظره فيه . (٢) أخرجه البخاري ٤٥٨/١ في المساجد : باب ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد . - ١٥٥ - أعتق)) ولم يذكر أحدٌ منهُم ((اشترطي لهم الولاء)) قال الشافعي: وهذا أولى به، لأنهُ لا يجوزُ في صفة النبي ◌ِّ وفي مكانه من الله أن يُنكر على الناس شوطاً باطلاً ، ويأمر أهله بإجابتهم الى باطل وهو على أهله في الله أشد ، وعليهم أغلظ . وقيل: لو صحت هذه اللفظةُ، كانت ◌ُتأولة على معنى: لا تبالي ولا تعبئي بما يقولون، فإن الولاء لا يكون الا لمعتق ، لا أنه أطلق لها الإذن في اشتراط الولاء ، بدليل ماروى عبد الواحد بن أيمن ، عن أبيه ، عن عائشة، عن النبي ◌ِفَم أنه قال: ((اشتريها وأعتقيها ودعهم يشترطوا مَا شاؤوا))(١) فأشار إلى أنَّ ذلك الكلام لغو من جهتهم لا يُلتفت إليه الى أن يبيّن لهم الحكم بعده . وتأوّل المزني قوله: ((اشترطي لهم الولاء ))، فقال: معناهُ اسْترطي عليهم الولاء، كما قال الله سبحانه وتعالى: ( أولئك لهم اللعنه) [الرعد: ٢٥] أي: عليهم اللعنة، وقال جل ذكره ( وان أسأتم فلها) [الاسراء: ٧] أي : عليها (٢) . وتأوّل بعضُهم قوله: ((اشْترطي لهم الولاء)) على معنى الوعيد الذي ظاهره الأمر ، وباطنه النهيُ، كقوله عز وجل: (اعملوا ماشئتم) [فصلت: ٤٠] وقوله: ((ما بالُ رجالٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله)) يريد أنها ليست على حكم كتاب الله، وعلى مُوجب قضاياهُ، ولم يُرد أنه ليس (١) أخرجه البخاري ١٤٤/٥ في آخر كتاب العتق . (٢) قال النووي: هو تأويل ضعيف، لأنه عليه الصلاة والسلام أنكر الاشتراط، ولو كانت بمعنى ((على)) لم ينكره ، وضعفه أيضاً ابن دقيق العيد . - ١٥٦ - في كتاب الله مذكوراً نصاً ، فإن ذكر الولاء غيرُ موجود في كتاب الله نصاً، ولكن الكتاب أمر بطاعة الرسول مواقع، وأعلم أن سنته بيان له، وقد جعل الرسول بولقلم الولاءَ لمن اعتق، فكان ذلك الحكم مضافاً إلى الكتاب على هذا المعنى . والله أعلم . ـاب من باع دابة واستشنى لنفسه ظهرها ٢:١٥ - أخبرنا أحمد بن عبد الله الصّالحي، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الحيري ، أنا حاجب بن أحمد الطومي ، نا محمد بن حماد الأبيوزدي نا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن سالم بن أبي الجعد عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ آلْبِيْ لِِّ فِي سَفَرٍ، وَكُنْتُ عَلى بَعِيرٍ لِي، فَاعْتَلَّ، فَلَحِقَتِي رُسُولُ اللهُِّ فِي آخِرِ النَّاسِ، فَقَالَ: ((مَالَكَ يَا جَابِرُ؟، فَقُلْتُ: إِعْتَلَّ بَعِيرِي، فَأَخَذَ بِيَدِيٍ، ثُمَّ زَجَرَهُ ، فَا زِلْتُ فِي أُوَّلِ النَّاسِ يَزْ رَأْسُهُ حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنَ الْمَّدِينَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إنّي أُحِبُ أَنْ تَأْذَنَ لِيَ - الْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ - أَنْ أَعْجَلَ إلى أَهْلِ قَالَ: وَتَزَوَّجْتَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: « بِكْرأَ أَوْ نَيْباً)) قُلْتُ: لاَ بَلْ قَيْبُ، قَالَ: (( فَلَأَ بِكْراً تُلاَعِبُكَ وَتُلاَءِيُهَا ، - ١٥٧ - قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ عَبْدَ اللهِ هَلَكَ، وَتَرَّكَ عَليَّ جْوَارِيَ فَكَرِهِتُ أَنْ أَضْمَّ إِلَيْهِنَّ مِثْلَهُنَّ قَالَ: لاَ تَأْتِ أَهْلَكَ طَرُوقاً ، قَالَ: مَا فَعَلَ جَمَلُكَ؟ قُلْتُ: هُوَ ذَا، قَالَ: بَعْنِيْهِ، قُلْتُ: لاَ ، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ: بَلْ بِعْنِيهِ، قُلْتُ: فَاشْتَّرِ يَا رَسْلَ اللهِ، قَالَ : أَخَذْتُهُ مِنْكَ بِوُقِيَّةٍ. أَرْكَيْهُ، فَإِذَا جِئْتَ الْمَدِينَةَ فَأْتِنَا بِهِ ، فَلَمَا قَدِمَ رَسُولُ اللهِِّ الْمَدِينَةَ، قَال ◌ِبِلالٍ : زِنْ لَهُ أُوِيَّةً، وَزِدْهُ قِرَاطاً، قُلْتُ: هَذَا الْقَيْرَاطُ الْذِي زَائِنِي رَسُولُ اللهِ لَّهِ لاَ يْفَارِ قُنِي أَبَداً، فَجَعَلْتُهُ فِي كِيْسٍ، فَلَم يُزَّلُ عِنْدِي حَتَّى جَاءَ أَهْلُ الْشَّامِ يَوْمَ الْخْرَّةِ، فَأَخَذُوهُ فِيَا أَخَذُوا هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه محمد من أوجُه عن جابر (١) البخاري ٢٦٩/٤ في البيوع: باب شراء الدواب والحمير ، وفي المساجد : باب الصلاة إذا قدم من سفر ، وفي الوكالة : باب إذا وكل رجل رجلا أن يعطي شيئاً ولم يبين كم يعطي فأعطى على ما يتعارفه الناس ، وفي الاستقراض : باب من اشتری بالدین وليس عنده ثمنه ، وباب حسن القضاء ، وفي المظالم : باب من عقل بعيره على البلاط أو باب المسجد ، وفي الهبة : باب الهبة المقبوضة وغير المقبوضة ، وفي الشروط : باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى ، جاز ، وفي الجهاد : باب من ضرب دابة غيره في الغزو ، وباب استئذان الرجل الإمام ، وباب الصلاة إذا قدم من سفر ، وفي النكاح : باب تزويج الثيبات ، وباب طلب الولد لم وباب تستحد المغيبة وتمتشط ، وفي النفقات : باب عون المرأة زوجها في ولده ، وفي الدعوات : باب الدعاء للمتزوج، ومسلم ١٢٢١/٣ (٧١٥) (١١١) في المساقاة : باب بيع البعير واستثناء ركوبه. - ١٥٨ - وأخرجه مُسلم عن عثمان بن أبي شيبة ، عن جرير ، عن الأعمش . قال الإمام: وفي قوله: ((زِنْ لهُ)) دليل على أنّ من اشترى شيئاً يكون وزنُ الثمن على المشتري ، لأنه من باب تسليم الثمن ، قياسُ هذا أن من باع مكيلاً ، أو موزوناً ، فالكيلُ والوزن يكون على البائع ، وكذلك ذرعُ المذروع ، أمّا إذا اشترى زرعاً، أو ثمراً على شجر، فالجداد والحصاد يكون على المشتري ، لأنه من باب القبض قال الإمام: وفيه دليل على أنه لو قال : أخذتُ هذا منك بكذا ، فقال الآخر : دفعتُ أو أعطيتُ، أو هو لك بكذا، فقال: قبلتُ كان بيعاً، وفيه دليل على جواز هبة المشاع، لأن زيادة القيراط هبة غير متميزة من جملة الثمن . ٢١١٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النَّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا أبو نعيم ، نا زكريا قال : سَمِعْتُ عَامِراً يَقُولُ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ أَنْهُ كَانَ يَسِيرُ عَلى ◌َلٍ لَهُ قَدْ أَعْيَا، فَّ النَّبِيُّ بٍِّ، فَضَرَّبَهُ، فَدَعَا لَهُ، فَسَارَ بِسَيْرٍ لَيْسَ يَسِيْرُ مِثْلَهُ، ثُمْ قَالَ: « بِعْنِهِ بِوُقِيَّةٍ ،، قُلْتُ : لاَ، ثُمْ قَالَ: بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ، فَبِعْتَهُ، فَاسْتَشْتُ ◌ُمْلاَتَهُ إِلى أَهْلِيٍ، فَلَمَا قَدِمِنَا، أَتَيْتُهُ بِالْجَمَلِ، وَنَقَدَنِي ثَمْنَهُ ، ثُمَّ انْصَرَّفْتُ، فَأَرْسَلَ عَلَى أَثْرِي قَالَ: ((مَاكُنْتُ لَآخُذَ جمَلَكَ فَخُذْ جَمَلَكَ ذَلِكَ، فَهُوَ مَالكَ ». - ١٥٩ - هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن غير ، عن أبيه ، عن زكريا . واختلف أهل العلم فيمن باع دابته ، واستثنى لنفسه ظهرها مدة ، أو داراً ، واستثنى لنفسه "سكناها مُدة، فذهب قومٌ إلى أن البيع صحيحٌ والشرط لازم، وهو قولُ الأوزاعي وابن ◌ُشبرْمة وأحمد وإسحاق ، وقال مالك : إن استثنى مدّة قريبة يجوزُ ، واحتجوا بحديث جابر . وذهب جماعة إلى أن البيع فاسدٌ ، وهو قول الشافعي ، وأصحاب الرأي، لما روي عن جابر أن النبي مَ الله نهى عن الشُّنيا(٣). وأما قصة جابر ، وبيعُهُ الجمل ، فلهُ تأويلان: أحدهما : أنه لم يكن استثنى ظهرهُ في البيع شرطاً، بل أعاره النبيُ مَ للعمل بعد البيع، كما روينا في حديث سالم بن أبي الجعد أنه قال: ((أخذتُهُ مِنك بوُقِيَّةٍ اركبهُ))(٣) وروى شعبة عن المغيرة، عن الشعبي، عن جابر قال: بعث النبي ◌ُللّ جملاً وأفقرني ظهرهُ إلى المدينة (٤). والإفقارُ في كلام العرب: إعارةُ الظهر (١) البخاري ٢٢٩/٥، ٢٣٢ في الشروط: باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى جاز، ومسلم ١٢٢١/٣ (٧١٥) (١٠٩). (٢) أخرجه مسلم (١٥٣٦) (٨٥) في البيوع: باب النهي عن المحاقلة والمزابنة ، وأخرجه أصحاب السنن وإسناده صحيح ، وقد أجاب عنه المجيزون بأنه جاء في نفس الحديث ((ألا أن يعلم)) فعلم أن المراد النهي إنما وقع عما كان مجهولا . (٣) أخرجه النسائي ٢٩٩،٢٩٨/٧ ورجاله ثقات . (٤) ذكره الخطابي في ((معالم السنن)) ١٥٠/٥ من طريق ابن خزيمة عن يحيى بن محمد بن السكن ، عن يحيى بن كثير أبي غسان العنبري ، عن مصعبة ، عن المغيرة بن مقسم ، عن الشعبي ، عن جابر ، وعلقه البخاري في ((صحيحه)) ٢٣٢/٥، عن أبي الزبير ، عن جابر. وقال الحافظ : ووصله البيهقي ٣٣٧/٥ من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي الزبير به . - ١٦٠ - للركوب، ومنه اسْتق فقار الظهر . وقال عطاء بن أبي رباح عن جابر إن النبي ◌ِفَعِ قال: ((قدْ أخذتُهُ، ولكَ ظهره إلى المدينة)) (١)، ويشبه أن يكون إنما رواه من رواه بلفظ الشرط ، لأنه إذا وعدهً الإفقار والإعارة ، كان ذلك أمراً لا يشك في الوفاء به ، فعبّر عنه بالشرط الذي لا خلف فيه (٢). والتأويل الثاني : أنه لم يكن جرى بينهما حقيقةُ بيع ، فإنه لم يوجد هناك تسليم ولا قبض، وإنما أراد النبي ◌َّمِ أن ينفعهُ بشيء، فاتخذ بيعّ الجمل ذريعة إلى ذلك بدليل أنه قال له حين أعطاهُ الثمن: ((ما كُنْتُ لآخُذَ جملكَ، فَخُدْ جَمَلكَ فَهُوَ مالِكَ)) (٣). قال الإمام: ((ولو أكرى دابة"، أو داراً من إنسان، ثم باعها يصح البيعُ على أصح قولي الشافعي ، ومنفعتها مُدة الإجارة للمكتري ، لأنها كانت مُستحقة له ، فلا يتناولها البيع بخلاف ما لو استئناها لنفسه ، فهو كما لو باع جارية، واستثنى لنفسه منفعة بضعها لا يصح البيع. ولو باع (١) هي إحدى روايات البخاري التي أخرجها في الوكالة . (٢) قال البخاري في ((صحيحه: والاشتراط أكثر وأصح عندي وقال الحافظ في ((الفتح)) ٢٣٣/٥: الذين ذكروه بصيغة الاشتراط أكثر عدداً من الذين خالفوهم ، وهذا وجه من وجوه الترجيح فيكون أصح ، ويترجح أيضا بأن الذين رووه بصيغة الاشتراط معهم زيادة وهم حفاظ فتكون حجة، وليست روايةمن لم يذكر الاشتراط منافيه لرواية من ذكره، لأن قوله ((لك ظهره)) و((أفقرناك ظهره))، ((وتبلغ عليه)) لا يمنع وقوع الاشتراط قبل ذلك . (٣) وقد جنح إلى هذا التأويل الطحاوي مع تصحيح الاشتراط ، ورده القرطبي بأنه دعوى مجردة وتغيير وتحريف لا تأويل . قال : وكيف يصنع قائله في قوله ((بعته منك بأوقية)) بعد المساومة، وقوله: ((قد أخذته)) وغير ذلك من الألفاظ المنصوصة في ذلك .