النص المفهرس
صفحات 101-120
باب
بيع الشجرة المثمرة
٢٠٨٤ - أخبرنا أبو الحسن الغيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، انا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن نافع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَُرَ أَنَّ رَسُولَ الهِ عِهِ قَالَ: مَنْ
بَاعَ نَخْلاَ قَدْ أَبْرَتْ، فَثَمَرُهَا لِلْبَائِعِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ».
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسُف
وأخرجه مُسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
وتأبيرُالنخل ، هو أن الطلع إذا انشق يُوضع فيه شيءٍ من طلع فُحَّل
النّخل ، فيكونُ ذلك لقاحاً وصلاحاً للثمر بإذن الله تعالى، والعمل على هذا
عند أكثر أهل العلم أنه إذا باع نخلة قد أبرّت لا تدخل الثمرةُ في مُطلق بيع
النخلة، إلا أن يبيع الثمرة معها وإن كان عليها طلعٌ لم يتشقق ، فيدخل
في مُطلق البيع ، كالأغصان، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق
وإن كان بعد تشقق الطلع قبل التأبير ، فلا يدخل أيضاً في مُطلق بيعها
كالمؤبر، لأنّ الثمرة قد ظهرت بالتشقق، كما لو باع جارية حاملًا يدخل الحمل
في البيع ، وإن كان يعد انفصال الولد عنها لا يدخل في مُطلق بيع الأم .
(١) ((الموطأ)) ٦١٧/٢ في البيوع: باب ما جاء في ثمر المال يباع أصله،
والبخاري ٣٣٥/٤، ٣٣٦ في البيوع : باب من باع نخلا قد أبرت أو أرضاً
مزروعة أو بإجارة ، وباب بيع النخل بأصله ، وفي الشرب باب الرجل
يكون له ممر ، أو شرب في حائط أو في نخل ، وفي الشروط : باب إذا باع
نخلا قد أبرت، ومسلم (١٥٤٣) في البيوع : باب من باع نخلا عليها ثمر .
- ١٠٢ -
ولو باع نخيله وبعضُ ثمرها مُؤبرٌ، والبعض طلع فالكل يبقى للبائع.
وكرشف الحجاز كالنخل إذا بيعَ أصله ، لأنهُ شجر يحمل سنين،
فإن كان بعد ما تشقق جوزه يبقى للبائع، وإن كان قبل تشققه يدخل
في البيع . أما كرُف ◌ُخراسان فزرع، لأنه لا يبقى أكثر من عام واحد
فإن باعه قبل خروج الجوزق ، أو بعد خروجه قبل أن يتكامل فيه
القطنُ لا يجوزُ إلا بشرط القطع، وإن كان بعد ما تكامل فيه القطن
قبل التشقق ، لا يصحُ البيع، كبيع الجوز في القشرة العُليا ، وإن كان بعد
التشقق يصحُ مطلقاً، ويدخل الجوزق في البيع ، لأنه المقصود من شرائه
بخلاف ثمر النخل بعد النأبير لا يدخل في البيع، لأنَّ الشجرة ثمْ مقصودة
لثمر العام المقبل .
وحكم شجر الورد حكم النخل إن باعه قبل تفتق كمامه ، يدخل في البيع
وإن كان بعد التفتق، لا يدخل في البيع إلا بالشرط ، وإن كان قد تفتق
بَعضُه، فما لم يتفتق ، دخل في البيع ، وما تفق يبقى للبائع بخلاف ثمر
النخل، إذا كان بعضهُ مُؤبراً يَبقى الكل للبائع، لأن ما تفتق من
الورد ، لا يترك إلى إدراك الباقي، أما سائر الثمار إذا بيع شجرها ، فإن
كان بعد انعقاد الثمرة، فالثمرة للبائع ، إلا أن يبيع معها ، وإن
كان قبل انعقادها فللمشتري ، ولا عبرة بخروج النُّور .
وذهب أصحاب الرأي إلى أنه لو باع نخله مطلقاً، لا يدخل الطلع في
البيع إلا بالشرط ، كالزّرع لا يدخل في مُطلق بيع الأرض ، وذهب
بعض أهل العلم إلى أن المؤبرة تدخل في مطلق البيع ، وهو قول ابن
- ١٠٣ -
أبي ليلى . والحديث حجة على من قال : تدخل الثمرةُ المؤبرة في مطلق بيع
الشجرة ، ومفهومه حجة على من قال : لا يدخل الطلع فيه .
ولو باع أرضاً ، فيدخل في مُطلق بيعها كلّ ما هو مثبت فيها التأبيد
كالبناء والأشجار إلا أن يستثنيها لنفسه ، فيبقى له ما استثناه ، ولا يدخل
في البيع ما هو موَع فيها من الكنوز والدَّفائن والمنقولات ، وكذلك
الزرع، لأنها ليست التأبيد ، وإن كان زرعاً يُجزء ما ظهر منه ، ثم
ينبتُ مثل القت والكُراث ونحوها ، فالجزة الظاهرة منها تبقى للبائع ،
وأصلها يدخل في مُطلق بيع الأرض
باب
من باع عبدا وله مال
٢٠٨٥ - أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، أنا أبو العبّاس الأصم ( ح) وأنا أحمد بن عبد الله الصَّالحي
ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الحيري ، أنا أبو العباس
الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا ابن عيينة ، عن ابن شهاب ،
عن سالم
عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَظِيمِ قَالَ: ((مَنْ بَعَ عَبْدَاً وَلَهُ
مَالْ ، قَالْهُ لِلْبَائِعٍ، إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمْتَاعُ ».
٢٠٨٦ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز ؛، أحمد
الخلال ، أنا أبو العباس، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سفيان ، عن
الزهري ، عن سالم
- ١٠٤ -
عَنْ أَبِهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَ طِّ قَالَ: « مَنْ بَاعَ نَخْلاَ بَعْدَ
أَنْ تُؤْبَّرْ، فَتَمَرَّتُها لِلْبَائِعِ إلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ الْمنْتَاعُ،
هذان الحديثان متفقٌ على صحتها(١) أخرجها محمد عن عبد الله بن يوسف
وأخرجه مسلم عن قتيبة ، كلاهما عن الليث ، عن ابن شهاب بهذا الإسناد ،
وأخرجها مُسلم عن يحيى بن يحيى وغيره عن ابن عيينة.
قال الإمام رحمه الله: في هذا الحديث بيانُ أنَّ العبد لا ملك له بجال
وأنَّ السيّد لو مَلْكهُ لا يملكُ، لأنه مملوك، فلا يجوز أن يكون"
مالكاً كالبهائم .
وقولهُ: ((ولهُ مال)) هذه إضافة مجاز، لا إضافة ملك، كما يضاف
السّرج إلى الفرس، والإكاف إلى الحمار، والغنم إلى الرَّاعي يدل عليه
أنه قال: (( فماله البائع)) أضاف المال إليه وإلى البائع في حالة واحدة
ولا يجوز أن يكون الشيء الواحد كله ملكاً لاثنين في حالة واحدة ،
فثبت أن إضافته إلى العبد مجاز ، وإلى المولى حقيقة ، وهذا قول الشافعي
وأصحاب الرأي .
وذهب مالك إلى أنَّ المولى إذا مَلَّك عبدهُ مالاً، فقبل العبد
يملك ، ويُحكى ذلك عن الحسن البصري وعلى المذهبين جميعاً لو باعهُ المولى
وباسمه مال لا يَدخل مَالْهُ في البيع إلا أن يبيعه مَعهُ ، ثم إذا باع المال
مَعدُ ، فعند الشافعي ◌ُشترط أن يكون المالُ الذي باسمه عيناً معلومة
(١) الشافعي ١٦٠/٢، والبخاري ٣٧/٥، ٣٨ في الشرب : باب
الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل، ومسلم ( ١٥٤٣) (٨٠)
- ١٠٥ -
وعندَ مالك يَصح بيع المال معهُ، وإن كان مجهولاً أو ديناً على الغير
لأنه تبعٌ لرقبة العبد ، فهو بمنزلة حمل الشاة ولبنها ، ولو كان كالحمل
واللبن، لدخل في مُطلق بيع الأصل، فلما لم يدخل ثبت أنهُ ليس بتبع
"بل هو مقصودٌ، فيشترط أن يكونَ معلوماً. وقال الحسن والنخعي:
من باع وليدة قد زينت ، فما عليها للمشتري ، إلا أن يستثنيَهُ البائع، ولو
أعتق عبداً ولهُ مال، فالمال يكونُ للمولى، وذهب النخعي إلى أن"
المال للعبد إذا أعتقدُ المولى، وهو قول الزهري ومالك، وإن لم يشترط ،
واحتجوا بما رُوي عن ابن عمر قال: قال رسول الله عِ المِ ((مَن أعتق"
عبداً ولهُ مالٌ، فمالُ العبد لهُ إلا أن يشترِطَ السيدُ)).
وذهب الأكثرون إلى أنّ المال للمولى ، كما في البيع لا يتبعه المال
وحملوا الحديث في العتق على الندب، والاستحباب ، فكما أن العتق كان
إنعاماً منهُ عليه، ومعروفاً اصطنعهُ إليه، ندبه إلى مسامحته فيما بيده من
المال إتماماً للصّنيعة، وقد جرت العادة من السادة بالإحسان إلى مماليكهم
إذا أرادوا إعتاقهم ، والتجافي لهم عمّا في أيديهم أقرب إلى البر ، ولا يجوز
للعبد التسري على مذهب من يقول : لا ملك له ، وعلى مذهب مالك ،
يجوز لهُ التسري إذا ملكهُ المولى جارية، واختلفت الرواية عن ابن عمر
في تسري العبد ، ويُروى عن سعيد بن المسيب ، وُسلمان بن يسار ما يدل*
على جوازه .
باب
النهي عن بيع ما اشتراه قبل القبض
٢٠٨٧ - أخبرنا أبو الحسن الشِّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب عن مالك ، عن نافع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ أَنْ رُسُولَ اللهِ عَ لّ قَالَ: (( مَنِ
أَبتَاعَ طَعَامَاً ، فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف
وأخرجه مُسلم عن القعنبي ويحيى بن يحيى ، كل عن مالك .
وبهذا الإسناد عن مالك عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر
أنّ رسول الله يَ ◌ِّ قال: ((مَن ابتاع طعاماً فلا يَبعهُ حَتَّى يَقبِضْهُ))(٢)
٢٠٨٨ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن نافع
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ أَنْهُ قَالَ : كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللهِ
بَّهِ نَبْتَاعُ الْطَّعَامَ، فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِنَقْلِهِ مِنَ المكَانِ
الَّذِي أَنْتَعْنَا فِيهِ إلى مَكَانٍ سِواهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ .
(١) ((الموطأ) ٦٤٠/٢ في البيوع: باب العينة وما يشبهها، والبخاري.
٢٨٨/٤ في البيوع: باب الكيل على البائع والمعطي ، وباب ما يذكر في بيع
الطعام والحكرة ، وباب بيع الطعام قبل أن يقبض وبيع ماليس عندك ،
ومسلم (١٥٢٦ ) في البيوع : باب بطلان بيع المبيع قبل القبض .
(٢) هو في ((الموطأ)) ٦٤٠/٢ وإسناده صحيح .
- ١٠٧ -
هذا حديث ◌ٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه محمد عن إبراهيم بن المنذر ،
عن أبي ضمرة ، ◌َن موسى بن عقبة، عن نافع، وأخرجهُ مُسلم ،
عن يحيى بن يحيى ، عن مالك .
٢٠٨٩ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائى، أنا عبد العزيز بن
أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح) وأنا أحمد بن عبد الله الصَّالحي
ومحمد بن أحمد العارف ، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري ،
أنا أبو العبّاس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي، أنا ◌ُفيان، عن
عمرو بن دينار ، عن طاووس
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَمَّا الْذي نَهَى عَنْهُ دَّسُولُ الهِ عَلـ
فَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُسْتَوْفَى.
وَقَالَ أَبْنُ عَبَّاسٍ بِرَأيِهِ: وَلا أَحْسِبُ كُلَّ شَيءٍ إِلاَّ مِثْلَهُ.
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (٢) أخرجه محمد عن علي بن عبد الله ،
وأخرجه مسلم عن ابن أبي عمر ، كلاهما عن سفيان .
قال الإمام : اتفق أهلُ العلم على أن من ابتاع طعاماً لا يجوز له بيعُهُ
قبل القبض ، واختلفوا فيما سواه ، فذهب جماعة إلى أنه لا فرق بين
الطعام والسّع والعقار في أن بيع شيءٍ منها لا يجوزُ قبل القبض ، وهو
قول ابن عبّاس، وبه قال الشافعي، ومحمّد بن الحسن . وقال أبو حنيفة
(١) ((الموطأ)) ٦٤١/٢، والبخاري ٢٨٧/٤ في البيوع : باب ما ذكر في
الأسواق ، ومسلم (١٥٢٧).
(٢) الشافعي ١٥٧/٢، والبخاري ٢٩٢/٤ في البيوع، ومسلم
(١٥٢٩ ) .
- ١٠٨ -
وأبو يوسف : يجوز بيع العقار قبل القبض ولا يجوز بيع المنقول ، وقال
مالك : ما عدا المطعوم يجوز بيعهُ قبل القبض وذهب جماعة إلى
أنه يجوز بيعُ ما سوى المكيل والموزون قبل القبض ، وذهب إليه سعيد
ابن المسيِّب، والحسن البصري، والحكم ، وحماد ، وبه قال الأوزاعي
وأحمد ، وإسحاق .
قال الإمامُ: وكما لا يجوزُ بيعُ المبيع قبل القبض لا يجوز إجارته ،
ولا فرق بين أن يبيعه من البائع ، أو من أجنبي في منع الجواز . ولو
كانت أمة ، فزوّجها قبل القبض ، فجائز ، وكذلك لو أعتق ينفذ عتقه
وكان قبضاً ، كما لو أتلفه ، لأن العتق إتلاف .
واختلفوا في جواز الهبة والرَّهن قبل القبض ، فأجازهُ بعضهم لما
٢٠٩٠ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعيمي، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، قال : وقال الحميدي :
نا شُفيان ، نا عمرو
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ◌ِِّ فِي سَفَرِ
فَكَنْتُ عَلى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرْ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي، فَيَتَقَدّمُ أَمامَ
القَوْمِ ، فَيَزْجُرُهُ مُمَرُ ، وَيَرْدُهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ، فَزُجرُهُ مُمَرُ ،
وَيَرْدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيِّ بِّهِ لِعُمَرَ: ((بِعْنِيهِ»، فَقَالَ: هُوَ
لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: ((بِعْنِهِ، فَبَاعَهُ، فَقَالَ النَّبِيِّ ◌َّ
(ُهُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ)).
- ١٠٩ -
هذا حديثٌ صحيحٌ"(١).
وفيه دليلٌ على جواز هبة المبيع قبل القبض ، ثم القبضُ يختلف
باختلاف الأشياء ، فإن كان مما لا ينقل مثل أن اشترى أرضاً أو داراً
أو شجرة ثابتة ، فقبضها أن يُخلي البائع بينها وبين المشتري فارغة بلا حائل
وإن كان منقولاً، فإن كان شيئاً خفيفاً، أخذه بيده، وإن كان حيواناً
ساقه إليه ، وإن كان طعاماً ، اشتراهُ جزافاً ، نقله من مكان الشراء .
قال ابن عمر: رأيتُ النّاس في عهد رسول الله عَ لفلم يَبتاعون جزافاً
- يَعني الطعام - يُضربون أن يَبيعوه في مكانهم حتَّى يُؤوه إلى رحالهِمٍ(٢).
قال الإمام: إن اشتراه مكايلةً أو مُوازنة"، فقبضهُ أن ينقله بالكيل
والوزن ، فإن قبضه جزافاً، فقبضهُ فاسدٌ ، وهو مَضمون عليه ، ولا
ينفذ تصرّفُه فيه حتى يكيل أو يزن عليه البائع ، وكذلك لو اشتراه
كيلاً ، فقبض بالوزن ، أو اسْترى وزناً، فقبض بالكيل، فقبضهُ فاسدٌ .
ولو ابتاع طعاماً كيلاً وقبضه، ثمّ باعه من غيره كيلاً، لم يَجُز
تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانياً ، لما روي عن
(١) هو في صحيح البخاري ٢٨٢/٤ في البيوع: باب إذا اشترى
شيئاً فوهب من ساعته ... ، وفي الهبة : باب من أهدى له هدية وعنده
جلساؤه فهو أحق ، وباب إذا وهب بعيراً لرجل وهو راكبه فهو جائز .
(٢) أخرجه البخاري ٢٩٣/٤ في البيوع: باب من رأى إذا اشترى
طعاماً جزافاً أن لا يبيعه حتى يؤويه إلى رحله والأدب في ذلك ، ومسلم
(١٥٢٧) (٣٨) في البيوع: باب بطلان بيع المبيع قبل القبض وفي الحديث
مشروعية تأديب من يتعاطى العقود الفاسدة ، وإقامة الإمام على الناس
من يراعي أحوالهم في ذلك ، وفيه جواز بيع الصبرة جزافاً سواء علم
البائع قدرها أم لم يعلم .
- ١١٠ -
عثمان أن النبي ◌َ ل قال: ((إذا بِعتَ فكل، وإذا ابتعتَ فاكتل)(١)
وروي عن النبي ◌َتِ أنّه نهى عن بيع الطعام حتى يجريَ فيه الصَّاعان
صاع البائع وصاع المشتري (٢) وبه قال الحسن، وابن سيرين، والشّعبي
وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ، وأصحاب الرأي ، وجوِّز عطاء
بيعه بالكيل الأوّل. وسواء باعه نسيئة أو نقداً، وقال مالك: إن
باعه نقداً يجوز بالكيل الأول ، وإن باعه نسيئة ، فلا يجوز.
وعلى هذا لو أسلم إلى إنسان في طعام ، وقبلَ السَّم عن غيره في مثله
فأمر مَنْ قبيل منه أن يأخذه ممن أسلم إليه لنفسه ، لا يجوز حتى يقبضه
صاحبُ الحق لنفسه، ثم بكيل على من قبيلَ منه ثانياً . أمّا إذا اسْترى
مَوْزوناً وقبضه، ثم باعه وزناً ، جاز للمشتري الثاني أن يأخذه بالوزن
الأول ، لأن الوزن لا يتفاوت ، والكيلُ اجتماد ، وقد يقع التفاوت
(١) علقه البخاري في ((صحيحه)) ٢٨٨/٤ بصيغة التمريض،
ووصله الدار قطني ٢٩٢/٢ من طريق عبيد الله بن المغيرة المصري عن منقذ
مولى ابن سراقة عن عثمان ، ومنقذ مجهول الحال ، لكن له طريق أخرى
أخرجها أحمد ٦٢/١ و ٧٥ من طريق موسى بن وردان ، عن سعيد بن
المسيب ، عن عثمان به وفيه ابن لهيعة وهو سيء الحفظ إلا أنه من قديم
حديثه كما قال الحافظ: فقد أورده ابن عبد الحكم في ((فتوح مصر »
من طريق الليث عنه ، وذكره الهيثمي في ((المجمع)) ٩٨/٤ وقال : إسناده
حسن ، وأخرجه ابن ماجة (٢٢٣٠) بنحوه من حديث عبد الله بن يزيد
المقرىء عن ابن لهيعة ، عن موسى بن وردان عن سعيد بن المسيب ،
عن عثمان ، وسنده قوي ، لأن رواية عبد الله بن يزيد - وهو أحد
العبادلة - عن ابن لهيعة صحيحة .
(٢) أخرجه ابن ماجة ٧٥٠/٢، والدار قطني ٢٩٢/٢ من حديث
جابر وقد ضعف ، ونحوه للبزار من حديث أبي هريرة باسناد حسن .
- ١١١ -
بين الكيلين، فإذا اشترى مكايلة وقبض، ثم باعه ◌ُكايلةٌ يحتاج أن
يكيل ثانياً ، فإن فضل ، يكون الفضل للبائع الثاني ، وإن نقص ، فعليه
إتمامه ، ورُوي عن سماك بن حرب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر
قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيعُ بالدنانير ، وآخذ مكانها الدراهم
وأبيع بالدراهم، وآخذ مكانها الدنانير، فأتيت رسول الله يَ الفيلم ، فذكرت
ذلك لهُ، فقال: ((لا بَأسَ أنْ تأخُذما بِسِعْر يومها ما لم تفترقا
وبينكُما شيءٌ))(١).
هذا حديثٌ لا يعرف مرفوعاً إلا من حديث سماك بن حرب ، عن
سعيد ، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ممن لا يجوز بيعَ ما اشْترى
قبل القبض قالوا : إذا باع شيئاً بدراهم ، أو بدنانير في الذمة يجوزُ أن
يستبدل عنها غيرها ، كما يجوز الاستبدال عن القرض ، وبدل الإتلاف ،
وهو قولُ الشافعي وأحمد وإسحاق .
ويُشترط قبض ما يُستبدل في المجلس، سواء استبدل عنه ما يوافقهُ في
علة الربا أو شيئاً آخر، وكذلك في القرض، وبدل الإتلاف لقوله مواقعٍ:
((ما لم تفترِقا وبَينكما شيء)، وقيل: إذا استبدل شيئاً لا يوافقه في علة
الرِّبا لا يُشترط قبضُهُ في المجلس، وإنما شرط النبي ◌ِّ فل أن يتفرقا ولا شيءٍ
(١) أخرجه أحمد (٥٥٥٩) و (٥٧٧٣) و (٦٢٣٩) وأبو داود (٣٣٥٤)،
والترمذي (١٢٤٢)، والنسائي ١٨٣/٧، وابن ماجة (٢٢٦٢) وصححه
الحاكم ، والدار قطني ٢٩٩/٢ وقال الترمذي والبيهقي ٢٨٤/٥ لم يرفعه
غير سماك. وروى البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي قال : سئل شعبة
عن حديث سماك هذا ، فقال شعبة : سمعت أيوب ، عن نافع ، عن ابن
عمر ولم يرفعه ، وناقتادة ، عن سعيد بن المسيب ، عن ابن عمر ولم
يرفعه ، ونا يحيى بن أبي إسحاق ، عن سالم ، عن ابن عمر ولم يرفعه ،
ورفعه لنا سماك بن حرب وأنا أهابه .
- ١١٢ -
بينهما في اقتضاء أحد النقدين عن الآخر ، لأنه يستبدل منه ما يوافقه في
علة الربا ، والتقابض في بيع أحد النقدين بالآخر شرط ، وذهب بعض
أهل العلم إلى أنه لا يجوز الاستبدال عن الثمن بحال ، كما لا يجوز بيع
المبيع قبل القبض ، وإليه ذهب أبو سلمة بن عبد الرحمن ، وابن شبرمة .
وذهب قومٌ إلى أنه إنما يجوز اقتضاءُ أحد النقدين عن الآخر، فأمّا
إذا اقضى عنها شيئاً آخر ، فلا يجوز ، لأن ◌ُقتضى الدراهم من الدنانير
لا يقصدَّ به الربح ، إنما يقصد به الاقتضاء والتقاص بالطريق الأسهل ،
وإذا استبدل منها شيئاً آخر، يقصد به طلب الربح ، وقد ورد النهيُ عن
ربح مالم يُضمن .
وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز اقتضاءُ أحد النقدين عن الآخر إلا بسعر
اليوم، وهو الأصوبُ، كما جاء في الحديث، وجوزه غيره ، سواء كان
بأغلى من سعر اليوم أو بأرخص ، ورُوي عن سعيد بن المسيِّب ، وسلمان
ابن يسار أنهما كانا ينهيان أن يبيع الرجل حنطة بذهب إلى أجل ، ثم
يشتري بالذهب تمراً قبل أن يقبض الثمن ، وروي عن أبي بكر بن محمد
ابن عمرو بن حزم وابن شهاب مثل ذلك . قال مالك: هذا إذا اشترى
ممن باع منه الحنطة ، فأما إذا اشترى من غيره ، ثم أحالهُ بالثمن على
من راع منه الخطة ، جاز ، فأما إذا ثبت في الذمة بطريق العقد غير النقدين
هل يجور الاستبدال عنه ! نُظِرِ إن ثبت سلماً ، فلا يُجُوز ، لما روي
عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله حاتم: (("مَنْ أسلف" في
شيءٍ فلا يَصرفهُ إلى غيره)) (١) وجوّز مالك بيع المسلم فيه من المسلم
(١) أخرجه أبو داود ( ٣٤٦٨) في البيوع : باب السلف لايحول
وابن ماجة ( ٢٢٨٣) في التجارات : باب من أسلم في شيء فلا يصرفه الى
غيره ، وفي سنده عطية العوفي وهو ضعيف لا يحتج بحديثه .
- ١١٣ -
إليه ، ومن غيره إلا أن يكون طعاماً ، فلم يجوز الاستبدال عنه . وإن ثبت
في الذمة ثماً ، فاختلف أصحاب الشافعي فيه ، فذهب أكثرُهم إلى جواز
الاستبدال عنه ، كأحد النقدين ، إذا ثبت في الذمة ثمناً ، ولم يجوزه بعضهم
كالمسلم فيه وحكم الصداق وبدل الخلع في الذمة كالأثمان على الأصح .
ويحتج بحديث سعيد بن جبير ، عن ابن عمر مَنْ يجوِّز بيع ما
اشتراه قبل القبض سوى الطعام ، لأنه يجوزُ بيع الثمن الذي وقع عليه
العقدُ قبل القبض ، فكذلك يجوز بيعُ المثمن إلا ماخصّهُ السنة وهو الطعام.
ولو باع شيئاً بدراهم ، أو بدنانير بأعيانها ، فإنها تتعين حتى لا يجوز
لبائعها أن يعطيَ غير عينها ، وذهب أصحاب الرأي إلى أنها لاتتعين حتى
يجوز لبانعها أن يُعطي مثلها مكانها ، واتفقوا على أنها تتعين في الغصب
والوديعة ، وما يتعين في الغصب والوديعة يتعين في العقد بالتعيين قياساً
على السلع .
ولو استبدل عن الدين شيئاً مُؤجلًا لا يجوز لما
٢٠٩١ - أخبرنا محمد بن الحسن الميربند كُشائي، أنا أبو العباس أحمد
ابن محمّد بن ميراج الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن مُليان، أنا
أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي ، أنا أبو عبيد القاسم بن سلام ،
حدثني زيد بن الحباب العكليّ، عن موسى بن عبيدة ، عن عبد الله بن دينار
عَنِ أَبْنِ مُمَرَ عَنِ الذَّبِيِّنِِّ أَنْهُ نَهَى عَنِ الكَالِ بِالكَالِء (١).
(١) قال الزيلعي في ((نصب الراية)) ٤٠/٤، رواه ابن أبي شيبة،
وإسحاق بن راهويه ، والبزار في مسانيدهم من حديث موسى بن عبيدة،
عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر . وموسى بن عبيدة قال أحمد بن
شرح السنة : ج ٨ - ٢ ٨
- ١١٤ -
وموسى بن عبيدة بن نشيط الرَّبذي أبو عبد العزيز كان من خيار عباد
اله ، وتكلموا فيه من قبل حفظه .
قال أبو عبيد: الكالىء بالكالىء: هو النّيئة بالنسيئة: بأن يسلم مائة درهم
إلى سنة في كُرطعام ، فإذا انقضت السنة ، قال الذي عليه الطعام للدافع :
ليس عندي طعامٌ ، ولكن بعني هذا الكُر بمائتي درهم إلى شهر ، فهذا
وكلّ ما أشبه هذا نسيئةٌ انتقل إلى نسيئة. ولو قبض الطعام، ثم باعه منه
أو من غيره بنسيئة، لم يكن كالثاً بكالىء . ولو كان لرجل على آخر
حق مؤجل ، فعجّل بعضه ، ووضع عنه الباقي ، يجوز ، ورُوي عن ابن عمر
أنه كره ذلك ، وعن زيد بن ثابت . ولم يجوزه مالك . كما لا يجوز لصاحب
الحق أن يزيدَ في الحق والأجل ، لا يجوز أن ينقُص عن الحق والأجل،
فيكون نقصان الأجل بمقابلة ما نقص من الحق .
حنبل : لاتحل عندي الرواية عنه ، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره وقال
أيضاً : ليس في هذا حديث يصح ، لكن إجماع الناس على أنه لايجوز
بيع دين بدين ، وقال الشافعي : أهل الحديث يوهنون هذا الحديث ،
وقال ابن عدي : والضعف على حديثه بين . وقد رواه الحاكم في
((المستدرك)) ٥٧/٢، والدار قطني ص ٣١٩ من طريق عبد العزيز
الدراوردي عن موسى بن عقبة ، عن نافع ، عن ابن عمر وقال الحاكم :
صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ، وغلطهما البيهقي ، وقال : إنما
هو موسى بن عبيدة الربذي، وقال الحافظ في ((التلخيص) ٢٦/٣
وصححه الحاكم على شرط مسلم فوهم ، فإن راويه موسى بن عبيدة
الربذي لاموسى بن عقبة، ثم نقل عن الدار قطني في ((العلل)) بأن موسى
ابن عبيدة تفرد به وقال : فهذا يدل على أن الوهم في قوله (أي الدار قطني)
موسى بن عقبة - من غيره .
ـاب
بيع المصراة وغيره
٢٠٩٢ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، نا أبو إسحاق
الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج
عَنْ أَبِي ◌ُرَيْرَةَ أَنَّ رُسُولَ اللهِ فِيهِ قَالَ: ((لا تَلَقَّوْا
الرُّكْبَانَ لِلْبَيْعِ، وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بَعْضٍ ، وَلا
تَنَاجَهُوا، وَلاَ يَبِعْ حَاضِرٌ ◌ِبَادٍ، وَلاَ تُصَرُّوا (١) الإِبِلَ
وَالغَّمَ، فَنٍ أَبْتَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ، فَهُوَ بِيْرِ النَّظَرَيْنِ بَعْدَ أَنْ
يَخْلِيَهَا، إِنْ رَضِيها أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ،
(١) بضم أوله وفتح ثانيه بوزن ((تزكوا))، يقال: صرى يصري
كزكي يزكى تزكية ، قال الحافظ : وقيده بعضهم بفتح أوله وضم ثانيه
والأول أصح ، لأنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته ، وليس من
صررت الشيء إذا ربطته ، إذ لو كان منه لقيل : مصرورة أو مصررة ،
ولم يقل مصراة على أنه قد سمع الأمران في كلام العرب قال الأغلب .
ماء الشباب عنفوان سنبته
رب غلام قد صرى في فقرته
وقال مالك بن نويرة :
فقلت لقومي هذه صدقاتكم
مصررة أخلافها لم تجرد
- ١١٦ -
هذا حديث متفق على صحته(١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف،
وأخرجه مُسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
قال الإمام: هذا حديثٌ يتضمن فوائد وأحكاما . فأما قوله:
(( لا تلقوا الركبان)) فصورته: أن يقع الخبرُ بقدوم عيرٍ تحملُ المتاع
فيتلقاها وجُل يشتري منهم شيئاً قبل أن يقدمُوا السوق ، ويعرفوا سعر
البلد بأرخص، فهذا منهيٌ عنه، لما فيه من الخديعة ، وذهب إلى كراهيته
أكثرٌ أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم ، روي فيه عن علي ، وابن عباس
وابن مسعود، وابن عمر ، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق ،
ولم يقل أحدٌ منهمُ بفساد البيع ، غير أن الشافعي أثبت البائع الخيار إذا
قدم السُّوق ، وعرف سعرَ البلد ، لما روي عن ابن سيرين عن أبي هريرة
أن النبي ◌َوَِّ ((نهى أنْ يُتلقى الجلبُ، فإنْ تلقاهُ إنسانٌ، فابتاعه فصاحب
السَّلعة فيها بالخيار إذا وردَ السُّوقَ))(٢).
وقال أبو سعيد الإصطخري (٣) إنما يكونُ له الخيارُ اذا كان المتلقي
(١) ( الموطأ، ٦٨٣/٣، ٦٨٤ في البيوع: باب ماينهى عنه من
المساومة والمبايعة، والبخاري ٣٠٩/٤، في البيوع: باب النهي للبائع
ألا يحفل الإبل والبة والغنم وكل محفلة، ومسلم (١٥١٥) (١١) في
البيوع : باب تحر سمع الرجل على بيع أخيه وسومه على سومه .
(٢) أخرجه " .. داود (٣٤٣٧) في البيوع: باب في التلقي وإسناده
صحيح ، وصح.
نعيمة، وأخرجه مسلم في صحيحه ( ١٥١٩)
(١٧) بلفظ: ((لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى
سيده السوق ، فهو بالخيار)).
(٣) تسر الهمزة كما قاله السمعاني وغيره ، وقيل بفتحها ،
نسبة الى اصطخر وهي من بلاد فارس وأسمه الحسن بن أحمد بن
يزيد بن عيسى الفقيه الشافعي ، ومن أصحاب الوجوه في المذهب ،
والبصر فيه ، ولي قضاء قم ، ثم حسبة بغداد ، واستقضاه المقتدر على
- ١١٧ -
قد ابتاعه بأقل من سعر البلد ، فإن ابتاعه بسعر البلد أو أكثر ، فلا
خيار له، وهذا هو الأقيس ، وبعضهُم أثبت لهُ الخيار على كل حال .
ولم يكره أصحاب الرأي التلقي (١) ولا جعلوا لصاحب السلعة الخيار إذا
قدم السوق ، والحديث حجة عليهم .
قوله: ((ولا يَبيع بعضكم على بيع بعض)) يُروى: ((ولا يبع))
على سبيل النهي وهو أن يشتري رجل شيئاً وهما في مجلس العقد لم يتفرقا
وخيارهما باق ، فيأتي الرجل ، ويعرض على المشتري سلعة" مثل ما اشترى
أو أجود بمثل ثمنها أو أرخص ، أو يجيء الى البائع ، فيطلبُ ما باعه
بأكثر من ثمنه الذي باعه من الأول حتى يندم ، فيفسخ العقد ، فيكون
البيع بمعنى الاشتراء ، كما قال عليه السلام: ((لا يخطب على خطبة أخيه))
والمراد منه طلب ما طلبه أخوه ، كذلك هذا ثم هذا الطالب إن كان
قصدُهُ ردّ عقدهما، ولا يريدُ شراءه، يكون عاصياً ، سواء كان عالماً
بالحديث أو لم يكن ، وان قصد غبطة أحدهما ، فلا يعصي إلا أن يكون
عالماً بالحديث .
٢٠٩٣ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو
إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن نافع
سجستان . قال ابن الجوزي : له كتاب في القضاء لم يصنف مثله ، وقال
أبو إسحاق المروزي : دخلت بغداد ، فلم يكن بها من يستحق أن أدرس
عليه إلا أبو العباس بن سريج وأبو سعيد الإصطخري . ولد سنة أربع
وأربعين ومائتين ، وتوفي سنة ثمان وعشرين وثلاثمئة. أنظر ((تهذيب
الأسماء واللغات)) ٢٣٩٠٢٣٧/٢ .
(١) الذي في كتب الحنفية يكره التلقي في حالتين : أن يضر بأهل
البلد ، وأن يلتبس السعر على الواردين .
- ١١٨ -
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ أَنْ رَسُولَ الهِهِ قَالَ: ((لاَ بِيعْ
بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بَعْضٍ، وَقَالَ: لَا يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلى
خِطْبَةٍ أَخِيْهِ ،
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسُفُ
وأخرجهُ مُسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك .
٢٠٩٤ - أخبرنا حسَانُ بن سعيد المنيعي، أنا أبو طاهر الزّيادي ،
أنا محمّد بن الحسين القطان، نا أحمد بن يوسف السلمي ، نا عبد الرزاق
أنا معمر ، عن همام بن منبه قال :
نَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رُسُولُ اللهِ عَلَّهُ: « لاَ يَيِعْ
أُحَدُكُمْ عَلى بَيْعِ أَخِيهِ ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلى خِطْبَةِ أَخِيْهِ ،
هذا حديثٌ صحيحٌ .
٢٠٩٥ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الحر في ، أنا أبو الحسن
علي بن عبد اله الطّسفوني، أنا عبد الله بن عمر الجوهري، نا أحمد
ابن علي الكُشمِيهنى ، نا علي بن حجر، نا إسماعيل بن جعفر، نا العلاء
ابن عبد الرحمن ، عن أبيه
(١) ((الموطأ)) ٦٨٣/٢، والبخاري ٤١٣/٤ في البيوع: باب النهي عن
تلقي الركبان ، وباب لا يبيع على بيع أخيه ، ولا يسوم على سوم أخيه
حتى يأذن أو يترك ، وفي النكاح : باب لايخطب على خطبة أخيه حتى
ينكح أو يدع، ومسلم ( ١٤١٢) في البيوع : باب تحريم بيع الرجل على
بيع أخيه .
- ١١٩ -
عَنْ أَبِي مُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قَالَ: ((لاَ يَسْمِ الْمُتْلِمُ
عَلى سَوْمٍ أَخِيْهِ ، وَلاَ يَخْطُبْ عَلى خِطْبَتِهِ ،
هذا حديثٌ صحيحٌ أخرجهُ مسلم (١) عن علي بن مُحجر.
وصورة السّوم على سوم الآخر: أن يأخذ الرّجل شيئاً ليشتريه بثمن
رضي به مالكُهُ ، فجاء آخر ، وزاد عليه يُرِيد شراءه ، فأما إذا لم يكن
قد رضِي به المالك ، أو كان الشيء ◌ُطاف به فيمن يَزيد ، وبعضُ الناس
يزيد في ثمنه على بعض ، فذلك غير داخل في النهي ، والدليلُ عليه ما روي
عن أنس أنّ رسول الله ◌ُ ل باع حلساً وقدحاً وقال: ((من يشتري
هذا الجِلْس والقدح؟)) فقال رجلٌ: أخذتها بدرهم، فقال النبي معر ◌ّه
(من يزيدُ على درهمٍ؟)) فأعطاهُ رجُلٌ درهمين فباعها منه (٢).
وقال عطاء : أدركت الناس لا يرون بأساً ببيع المغانم فيمن يزيد .
وكذلك الخطبة على خطبة الآخر ، وهو أن يخطب الرجُل امرأة ،
فأجابته أو أجابهُ ولِيُّها إذا لم تكن المرأة ممن يعتبرُ إذنْها ، فليس
للغير أن يخطب على خطبته، فإن لم يوجد منها، ولا مِن وليها إجابةٌ
في حق الأول، بل ردَّه أو سكت عن جوابه ، فيجوز للغير أن
(١) ١٤١٣ (٥٤) في النكاح : باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه.
(٢) أخرجه أبو داود (١٦٤١) في الزكاة: باب ماتجوز فيه المسألة.
والترمذي (١٢١٨) في البيوع: باب ما جاء في بيع من يزيد ، وابن ماجة
(٢١٩٨) وحسنه الترمذي، وقال : لانعرفه إلا من حديث الأخضر بن
عجلان · عن أبي بكر الحنفي عنه . وقال الحافظ في ((التلخيص)) ١٥/٣:
أعله ابن القطان بجهل حال أبي بكر الحنفي ، ونقل عن البخاري أنه قال :
لا يصح حديثه .
٠٠
- ١٢٠ -
يخطبها ، فإن فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله إن مُعاوية وأبا
جهم خطباني قال: ((انكحي أسامة)) (١) وإنما أمرها بنكاح أسامة،
لأنه لم يكن وقع الركونُ منها إلى من خطبها .
وفي الحديثِ دليل على أنَّ الخاطب إذا كان كافراً، جاز أن يخطب على
خطبته ، لقطع الله الأخوة بين المسلمين وبين الكفار .
٢٠٩٦ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله
النَّعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نامكي بن إبراهيم ، نا
ابن جريج ، قال: سمعتُنافعاً يُحدِّث
عَنِ أَبْنِ مُمَرَ كَانَ يَقُولُ: نَهَى النَّبِيِّ بِِّ أَنْ يَبِيعَ
بَعْضُكُمْ عَلى بَيْعِ بَعْضٍ، وَلَا يَخْبُ الرَّجلُ عَلى خِطْبَةٍ
أَخِيهِ حَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ، أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبْ.
هذا حديثٌ متفقٌ على صحته (٢) أخرجه مسلم عن زهير بن حرب،
عن يحيى القطان، عن عبيد الله، عن نافع وليس فيه ((حتى يترك
الخاطب)) بل قال: ((إلا أن يأذن له)).
وعند أصحاب الرأي المراد بالبيع على بيع أخيه : هو السّوم ، لأن عندهم
خيار المكان لا يثبت في البيع ، ولا يتصوّر بعد التواجب بيع الغير عليه .
وقوله في حديث أبي هريرة: ((ولا تناجشوا)) فالنجش : هو أن
يرى الرجل السلعة تباع، فيزيد في ثمنها، وهو لا يريد شراءها، بل يُريد
بذلك ترغيب السوَّام فيها ، ليزيدوا في ثمنها ، والتّناجش : أن يفعل هذا
(١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) في الطلاق : باب، المطلقة ثلاثاً لانفقة لها.
(٢) البخاري ١٧٠/٩ في النكاح، ومسلم (١٤١٢) (٥٠) في النكاح: باب
تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك .