النص المفهرس
صفحات 61-80
- ٦١ - أسامة بن زيد أن النبي ◌ِّم قال: ((إنما الرّبا في النّسيئةِ))(١) ورُوي أن ابن عباس رجع عن ذلك حين حدثه أبو سعيد الخدريّ أن النبي ◌ُ لّم قال: ((لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل)) وتأوّل الشافعيّ حديث أسامة ((( إِنما الرِّبا في النسيئة)) فقال: يحتمل أن يكون النبي مَفي مئل عن الرّبا في صنفين مختلفين ذهب بورق، أو تمر بجنطة، فقال: ((الرّبا في النسيئة)) فحفظه، فأدى قول النبي ◌َّالتى، ولم يؤد المسألة والله أعلم. ٢٠٥٧ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أخبرنا أبو علي زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي ، أخبرنا أبو مُصعب ، عن مالك ، عن ابن شهاب عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ بْنِ الَحْدََانِ النَّصْرِيِّ أَخْبَرَهُ أَنْهُ الْتَمَسَ صَرْفَاَ بِئِةِ دِينَارٍ قَالَ : فَدَعَانِي طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، فَتَرَاوَضْنَا حَتَّى أَصْطَرَفَ مِنِّي، فَأَخَذَ الذَّهَبَ يُقْلِبُهُ فِي يَدِهِ، قَالَ: حَتَّى يَأْتِي خَازِنِي مِنَ الْغَابَةِ، وَُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسْمَعُ، فَقَالَ مُمَرُ ابْنُ الْخَطَّابِ: وَاللهِ لاَ تُقَارِقُهُ حَتَّى تَأْخُذَ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ مُمَرُ : قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ٍِّ : ((الذَّهَبُ بالوَرَق (٢) رباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالْبُرْ وِباً إلاَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالْتَّمْرُ بِالنَّمْرِ رِباً إِلَّ هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رباً إلاَّ هَاءً وَهَاءً)). (١) أخرجه مسلم (١٥٩٦) (١٠٢) (٢) انظر ((الفتح)) ٣١٦/٤ - ٦٢ - هذا حديث ◌ُتفق على صحته (١) أخرجه محمد عن عبد الله بن يوسف عن مالك ، وأخرجه مسلم عن قتيبة ، عن ليث ، كلاهما عن ابن شهاب . قوله: ((هاءّ وهاءً)) أراد بدأ بيد، كما ذكر في حديث عبادة بن الصامت . معناهُ: هاك وهات، أي : خذ وأعط ، والمرادُ منه إيجابُ التقابضِ في مجلس العقد، يُقالُ: ماء يا رجُلُ، وللاثنين: هاءا بمنزلة ماعا ، وللجمع هاؤوا ، وللمرأة : هائي، وللمرأتين: هاءا، وللجميع: مَأن بمنزلة معن ويقال : هَاؤنَّ مثل هاعن ، ويقال: هاء يا رجلُ م، دود ، مهموز ، وللاثنين هاؤما ، وللجمع هاؤموا ، وللمرأة هاءٍ مكسور بلا ياء ، وللمرأتين هاؤما، وللنسوة هاؤنً، قال اللهُ سبحانه وتعالى: ( هاؤمُ اقرؤوا كتابيه) [ الحاقة: ١٩] أيْ: خذوا كتابي، وانظروا ما فيه لتقفوا على نجاتي ، ومن العرب من يقول: هاك للواحد، وها كما للاثنين ، وها كم للجميع (٢). وفيه دليلٌ على أن التقابض في المجلس شرط في بيع مال الرِّبا يجنسه ولا يختصُ ذلك بالصّرف، لأن ذكر ((هاء وهاء)) في الكل واحد ، وحملها عمر على التقابض قبل التفوق ، وهو راوي الحديث ، فكان أعلم بتفسيره من غيره . ورُوي عن عمر أنه قال: لا تبيعوا الذّهب بالورق ، أحدهما غائب والآخر ناجز، وإن استنظرك إلى أن يلج بيته، فلا تُنظِرْهُ إني أخاف عليكمُ الرَّمَاءَ، والرّمَاءُ: الرّبا (٣). وفي رواية: أخاف عليكم (١) ((الموطأ)) ٦٣٦/٢، ٦٣٧ في البيوع: باب ما جاء في الصرف، والبخاري ٣١٥/٤، ٣١٦ في البيوع: باب الشعير بالشعير، وباب ما يذكر في بيع الطعام والحكرة ، وباب بيع التمر بالتمر، ومسلم (١٥٨٦) في المساقاة : باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقداً . (٢) انظر ((تهذيب اللغة)) ٤٧٨/٦، ٤٧٩. (٣) وهو في ((الموطأ ٦٣٥/٢ في البيوع: باب بيع الذهب بالفضة تيراً وعينا ، وأسناده صحيح . - ٦٣ - الإرماء ، يقال : أرمى على الشيءٍ، وأربا : إذا زاد عليه . ٢٠٥٨ - أخبرنا أبو الحسن الشِّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن موسى بن أبي تميم ، عن سعيد بن يسار عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَظِّمِ قَالَ: ((الدُّنَارُ بِالدِّينَارِ وَالدَّرْهُ بِالدِّرْهَمِ لاَ فَضْلَ بَيْتَهُما،. هذا حديث صحيحٌ(١) أخرجه مسلم عن أبي الطاهر ، عن عبد الله ابن وهب ، عن مالك . ٢٠٥٩ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك، عن مُحميد بن قيس المكي عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُنْتُ أَطُوفُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُمَرَ ، فَجَاءَهُ صَائِعٌ، فَقَالَ : يَا أَبا عَبْدِ الرَّحْمنِ إِنِّي أَصُوغُ الذّهَبَ ثُمَّ أَبِيعُ الشَّيءَ مِنْ ذَلِكَ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ، فَأَسْتَفْضِلُ في ذَلِكَ قَدْرَ عَمَلِ يَدِي؟ فَنَهَاءُ ، فَجَعَلَ الصَّائِعُ يُرَدُّدُ عَلَيْهِ الْأَةَ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: الدِّينَارُ بِالدينارِ، وَالدِّرْهُمُ بالدِّرْهَمِ لاَ فَضْلَ بَيْنَهُمَ هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إَلَيْنَا، وَعَهْدُنَا إلَيْكُمْ(٢). (١) هو في ((الموطأ)) ٦٣٢/٢، ومسلم (١٥٨٨) (٨٥) وأخرجه الشافعي في ((الرسالة)) فقرة (٥٩) واسناده صحيح . (٢) هو في ((الموطأ)) ٦٣٣/٢، وأخرجه الشافعي في ((الرسالة)) (٧٦٠) واسناده صحيح . - ٦٤ - ٢٠٦٠ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُمُصعب ، عن مالك ، عن زيد بن أسلم عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنْ مُعَاوِيَةَ بَاعَ سِقايَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ لَهُ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِعٍَّ يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِهَذَا بَأْساً، فَقَالَ أَبُو الدَّرْداءِ : مَنْ يَعْذُرِي مِنْ مُعَاوِيَةً أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ نَّهِ، وَيُخْبِرُفِي عَن رَأيِهِ لاَ أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِها، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلى عُمَرَ فَذَكَرَ ذَلكَ لَهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنِ الْخَطَّاب إلى مُعاوِيَةَ: لاَ تَبِعْ ذلكَ إلاَّ مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَزْناً بِوَزْنٍ (١) . ٢.٩١ - أخبرنا أبو الحسن الشيرزي أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُمُصعب ، عن مالك ، عن نافع عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخَذْرِيِّ أَنْ رَّسُولَ اللهِنَِّ قَالَ: ((لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلاَّ مِثْلاَ يِمِثْلٍ ، وَلَا تُشِفُوا بَعْضَهَا عَلى بَعْضٍ (١ ( ((الموطأ)) ٦٣٤/٢، وأخرجه الشافعي في ((الرسالة)) فقرة (١٢٢٨) وإسناده صحيح، وقال الزرقاني في شرح الموطأ ١١٥/٣ : قال أبو عمر : لا أعلم أن هذه القصة عرضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من هذا الوجه ، وإنما هي محفوظة لمعاوية مع عبادة بن الصامت ، والطرق بذلك متواترة عنهما . - ٦٥ - وَلَا تَبِيعُوا الْوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلاَّ مِثْاً بِثْلٍ ، وَلَا نُشِفُوا بَعْضَهَا عَلىَ بَعْضٍ، وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِباً بِنَاجِزٍ» . هذا حديث متفقٌ على صحته (١) أخرجهُ محمد عن عبد الله بن يوسف وأخرجه مُسلم عن يحيى بن يحيى ، كلاهما عن مالك . قوله: ((لا تُشِفوا)) أي: لا تُفضلوا، يُقال: أشْف، أي : أفضل ومْفَ يشِفُ ، أي: فضل، وفي الحديث : نهي عن شْفٌّ ما لم يُضمن(٢) أي: ربح ما لم يُضمن ، والشّف: النُّقصان أيضاً وهو من الأضداد، والناجز: الحاضر، يُقال: نجرّ ينجُزْ نجزاً: إذا حضر، وأنجز الوعد أي : أحضرهُ . وفي الحديث بيان تحريم الفضل والنّساء في الصرف عند اتفاق الجنس . وفي الحديث دليل على أنه لو باع ◌ُحُلِياً من ذهب بذهب لا يجوز إلا متساويين في الوزن ، ولا يجوز طلبُ الفضل الصنعة، لأنه يكون بيعُ ذهب بذهب مع الفضل . قال الإمام : وفيه دليلٌ على أنه لو باع مالَ الربا بجنسه ومعهما، أو (١) ((الموطأ)) ٦٣٢/٢، ٦٣٣، والبخاري ٣١٧/٤، ٣١٨ في البيوع: باب بيع الفضة بالفضة ، وباب بيع الدينار بالدينار نساء ، ومسلم (١٥٨٤) في المساقاة : باب الربا . (٢) أخرجه ابن ماجة (٢١٨٩) في التجارات : باب النهي عن بيع ما ليس عندك ، وعن ربح ما لم يضمن عن ليث ، عن عطاء ، عن عتاب بن أسيد قال : لما بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم الى مكة نهاه عن شف ما لم يضمن. قال البوصيري في ((الزوائد)) ورقة١٥٥ مصورة المكتب : إسناده ضعيف ، وليث هو ابن أبي سليم ضعفه الجمهور ، وعطاء هو ابن أبي رباح لم يدرك عتابا، وله شاهد في (( السنن الأربعة)) من حديث عبد الله ابن عمرو ، حكيم بن حزام . شرح السنة : ج ٨ - ٢ ٥ - ٦٦ - مع أحدهما شيء آخر ، مثل أن باع درهماً وديناراً بدينارين أو بدرهمين ، أو باع درهماً وثوباً بدرهمين ، أو بدرهم وثوب ، لا يجوز ، لأن اختلاف الجنس في أحد شقي الصفقة يوجبُ توزيع ما في مقابلتها عليها باعتبار القيمة وعند التوزيع يظهر الفضل، أو يوجبُ الجهل بالتماثل حالة العقد ، والجهلُ بالتمائل في بيع مال الربا بجنسه بمنزلة يقين التفاضل في إفساد البيع ، وإلى هذا ذهب بعضُ أصحاب النبي ◌ِّل ، وهذا قول شريح ، وابن سيرين ، وإبراهيم النخعي ، وإليه ذهب ابن المُبارك، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق . والدّليل عليه ما رُوي عن فضالة بن عبيد، قال: أتى رسولُ الله ◌ِ لَّه وهو بخير بقلادة فيها خرز وذهبٌ ابتاعها رجل بسبعة دنانير ، أو تسعة دنانير، فقال النبي ◌َِّ: ((لا تباع حتّى تُفْصِّل)» وفي رواية: فأمر النبيُ مَ ◌ّ بالذهب الذي في القلادة، فتُرعَ وحده، ثم قال: ((الذهب بِالذَّهب وزناً بوزنٍ )) هذا حديث صحيح أخرجه مسلم في ((جامعه))(١) . وقوله: ((حتَّى تفصْل)) ويروى: ((حتى تُميِّز)) أراد به التمييز بين الخرز والذهب في العقد ، لا تمييز عين المبيع بعضه عن بعض . وجوزه بعض أصحاب النبي ◌ِِّ ، وهو قولُ أصحاب الرأي إذا كان الذهبُ الذي هو الثمن أكثر من الذهب الذي مع السلعة ، وجعلوا الفضل في مقابلة غير الجنس ، فإن كان الذهب الذي هو الثمن أقل أو مثله لم يجز . وذهب مالكٌ إلى نحو من هذا، إلا أنه حدَّ الكثرة بالثلثين ، وقال حماد بن أبي سُليمان: يجوز سواء كان الثمن أقل، أو أكثر وهذا الذي (١) (١٥٩١) في المساقاة: باب بيع القلادة فيها خرز وذهب، وأخرجه أبو داود ( ٣٣٥١ ) في البيوع : باب في حلية السيف تباع بالدراهم . - ٦٧ - ذكروه خلافَ قضية العقود، فإن العلماء اتفقوا على أنه لو باع مشقصً من رُبع مشفوعاً وثوباً بمائة ، وقيمةُ الشّقْص مثلاً قيمةُ الثوب أنّ الشفيع يأخذ الشّقص بثلي المائة ، فعلى قضيةِ هذا يلزمُ من جوز بيع مال الربا يجنسه مع غيره أن يقول: لو باع شقصاً مشفوعاً، وصاع بُر بصاعي بُر، وقيمة الشّقْصِ قيمة الصَّاع يأخذ الشفيع الشَّقْص بثلي الصاعين، وحينئذ يبقى صاع بمقابلة ثلثي صاع ، وبالاتفاق لو باع صاع بر بثلثي صاع يكون البيعُ فاسداً . فأما إذا باع فضة وسلعة بذهب ، فجائز عند أكثر الفقهاء وهو أصحُّ قولي الشافعي ، وله قول آخر : إنه لا يجوز لما فيه من اختلاف الحكم من حيث إنّ التقابُضَ فيما يقابل الفضة من الذهب شرط ، وفيا يقابل السلعة ليس بشرط . وكذلك كل صفقة جمعت مختلفي الحكم بأن جمع بين بيع وسلم ، أو بيع عين وإجارة ، فله في صحتها قولان : أصحّها : الجواز . وحكي عن مالك أنه قال : لا يجوز بيعُ دراهم وسلعة بدينار إلا أن تكونَ الدواهم بسيرة"، وهذا لا وجه له، والله أعلم . ولو باع مُدّ عجوة ومُدَّ صيحاني بمدي عجوةٍ ، أو مدّي صيحاني ، أو بُمُد عجوة ومُد صيحاني، أو راطَلَ مائة دينارٍ عُثْقٍ مروانية ، ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينارٍ من ضرب وسط ، لا يجوز وإن كان الوزنُ واحداً، هذا قول مالك والشافعي وجماعة، لما ذكرنا أنّ اختلاف النوع في أحد شقي العقد يوجبُ توزيع" مافي مُقابلته عليه باعتبار القيمة وعند التوزيع ربما يظهر الفضل . باب كريم بيع مال الربا بجنسه جزافاً ٢٠٦٢ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العباس الأصم ( ح ) وأخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي ، ومحمد بن أحمد العارف ، قالا: أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الجيري ، نا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أنا سعيد، عن ابن جريج ، عن أبي الزبير أنه أخبره عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنْهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: نَى رَسُولُ الهِ وَّهِ عَنْ بَيْعِ الصُّبْرَةِ مِنَ الثَّمْرِ لاَ نُعلَمُ مَكِيلَتُها بِالكَيْلِ اُلْسَمَى مِن التمرِ . هذا حديث صحيح(١) أخرجه مُسلم عن أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح ، عن ابن وهب ، عن ابن جريج . قال الإمام رحمه الله : لا يجوز بيعُ مال الربا بجنسه جُزافاً للجهل بالتماثل حالة العقد ، فلو قال : بعثُك صُبرتي هذه من الحنطة بما يقابلها من صُبُرتك، أو ديناري بما يُوازنه من دينارك ، جاز إذا تقابضا في المجلس والفضلُ من الدينار الكبير، والصُّبرة الكبيرة لبائعها، فإذا اختلف الجنسُ، يجوز بيع بعضه ببعض جزافاً، لأن الفضل بينهما غير حرام . (١) الشافعي ١٨٣/٢، وصحيح مسلم (١٥٣٠) في البيوع : باب تحريم بيع صبرة التمر المجهولة القدر بتمر . ـاب المكيال والميزان ٢٠٦٣ - أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسن، أنا أبو العباس أحمد ابن محمد بن سراج الطحان ، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سلمان المروروذي ، أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي ، أنا أبو عبيد القاسم ابن سلام ، حدَّثني أبو المنذر إسماعيل بن عمر ، عن سفيان ، عن حنظلة عن طاووس عَنِ أَبْنِ مُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّبِّهِ قال: ((الْكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَالِيزَانُ مِْزَانُ أَهْلِ مَكَّةً)) (١). قال الإمام : الحديثُ فيما يتعلق بالكيل والوزن من حُقُوق الله سبحانه وتعالى، كالزكاة والكفارات ونحوها حتى لا تجب الزكاة في الدراهم حتى تبلغ مائتي درهم بوزن مكة ، كلُّ عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل ، والصاع في صدقة الفطر صاع أهل المدينة ، كلُّ صاع خمسة أرطال وثلث (٢). فأمّا في المعاملات ، فإطلاق ذكر الوزن والكيل محمولٌ على عرف أهل البلد الذي تجري المعاملة فيه ، ولا يجوز بيع مال الربا بجنسه إلا متساويين (١) وأخرجه أبو داود (٣٣٤٠) في البيوع: باب في قول النبي صلى الله عليه وسلم المكيال مكيال المدينة ، والنسائي ٥٤/٥ في الزكاة : باب كم الصاع و ٢٨٤/٧ في البيوع : باب الرجحان في الوزن ، وإسناده صحيح ، وصححه ابن حبان (١١٠٥) من حديث ابن عباس . (٢) في (ب) إلا ثلث ، وهو خطأ. - ٧٠ - في معيار الشرع، فإن كان مكيلًا يشترط المساواة في الكيل ، وإن كان موزوناً، ففي الوزن، ثم كلّ ما كان موزوناً على عهد رسول الله مز قه فيُعتبر فيه المساواة في الوزن، وما كان مكيلاً على عهد رسول الله حمد الله فيشترط فيه المساواةُ في الكيل ، ولا يُنظر إلى ما أحدث الناس من بعد . ويجوز السلمُ في المكيل وزناً ، وفي الموزون كيلًا. ولو سمّى عشرة مكاييل وفي البلد مكاييل مختلفة لا يصحّ حتى يقيد بواحدة منها، والقفيز والمكوك (١) والمدّ والصاع كلها كيل، والأواقي وزنٌ، وكذلك الأرطال إلا أن يُريد بالأرطال المكابيل ، فيكون كيلاً . (١) القفيز : ثمانية مكاكيك، والمكوك: مكيال معروف لأهل العراق، والجمع مكاكيك ومكاكي على البدل كراهية التُضعيف ، وهو صاع ونصف . باب الاحتيال للخلاص عن الريا ٢٠٦٤ - أخبرنا أبو الحسن الشَّيرزي، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشميّ، أنا أبو مُصعب، عن مالك، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف ، عن سعيد بن المسيِّب عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ بَِّ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ عَةِ: ((أَكُلُ تَمْرِ خَيْبَرَ "هَكَذا؟)) فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَارَ سُولَ اللهِ إِنَّا لَنْأُخِذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِِّ:(( فَلاَ تَفْعَلْ بعِ الْجُمْعَ بِالدّراهِمِ، ثُمْ أَبْتَعْ بِالدَّراِ جَنِيبًا)). هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن قتيبة وغيره ، وأخرجه مُسلم عن يحيى بن يحيى ، كلٌّ عن مالك . الجنيبُ : نوع من التمر وهو أجودُ تمورهم، والجمع: الدَّقّل، ويُقال هو أخلاط رديئة من التمر ، قال الأصمعي : الجمع كل لونٍ من النخل لا يُعرف اسمه ، يقال: كثر الجمعُ في أرض بني فلان. (١) ((الموطأ)) ٦٢٣/٢ في البيوع: باب مايكره من بيع التمر، والبخاري ٣٣٣/٤، ٣٣٤ في البيوع: باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه ، وفي الوكالة : باب الوكالة في الصرف والميزان ، وفي المغازي : باب استعمال النبي صلى الله عليه وسلم على أهل خيبر ، وفي الاعتصام : باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول من غير علم فحكمه مردود ، ومسلم (١٥٩٣) (٩٥) في المساقاة: باب بيع الطعام مثلا بمثل . - ٧٢ - قال الإمام : وهذا قولُ أهل العلم أن من أراد أن يُبدل شيئاً من مال الربا يجنه ، ويأخذ فضلًا ، فلا يجوز حتى يبيعه بغير جنسه ، ويقبض ما اشتراه ، ثم يبيعه منه بأكثر مما دفع إليه . قال الشافعي رضي الله عنه: فلا بأسَ أن يبيع الرّجل السلعة إلى أجل ، ويشتريها من المشتري بأقل بنقد وعرض إلى أجل . وذهب أصحاب الرأي إلى أنه لو اشتراه بأقل مما باع ، أو بأطول من أجله لا يجوز، وكره هذا ابن عباس ، ويُسمى هذا عينة من العين ، والعين : المالُ الحاضر ، فالمشتري يشتري السلعة ليبيعها بمال حاضر يصل إليه من فوره ، واحتج من لم يجوز ذلك بأن امرأة أتت عائشة ، فسألتها عن عبد باعته من زيد بن أرقم بثمانمئة نسيئة إلى العطاء ، ثم اشترته منه بستمئة نقداً ، فقالت عائشة : بئس ما اشتريتِ ، وبئس ما ابتعتٍ ، أخبري زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله عَز ◌ِّ إلا أن يتوب" (١). قال الشافعي : ولو كان هذا ثابتاً ، فقد تكونُ عائشة عابت البيمع إلى العطاء ، لأنه أجل غير معلوم ، ثم قال : وزيد صحابي وإذا اختلفوا فمذهبنا القياس ، وهو مع زيد . وقال مالك في رجل يبيع الجارية بمائة دينار إلى أجل ، ثم يشتريها بأكثر من ذلك الثمن إلى أبعد من ذلك الأجل : إن ذلك لا يصح ، وقال لأنّ سلعته رجعت إليه بعينها ، وصار كأنه باع مائة بأكثر إلى أجل . قال الإمام : وعند الشافعي جائز . (١) أخرجه الدار قطني ٣١١/٢، والبيهقي ٣٣٠/٥، وفي سنده العالية قال الدار قطني: مجهولة، ورده ابن التركماني في ((الجوهر النقي)) بقوله : العالية معروفة روى عنها زوجها وابنها وهما إمامان ، وذكرها ابن حبان في الثقات ، وذهب إلى حديثها هذا الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة وأصحابه ومالك وابن حنبل والحسن بن صالح. وذكر الزيلعي في ((نصب الراية)) أن صاحب ((التنقيح)) جود إسناده . باب مع الحيوان بالحيوانين ٢٠٦٥ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أنا أبو العبّاس الأصم ( ح) وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر الجيري ، أنا أبو العباس الأصم ، أنا الربيع ، أنا الشافعي ، أخبرنا الثقة ، عن اللّيث ، عن أبي الزبير عَنْ جَابِرٍ قَال: جَاءَ عَبْدٌ، فَبَايَعَ رَسُولَ اللهِيٍّ عَلى الهِجْرَةِ وَلَمْ يَسْمَعْ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ ، فَقالَ النَّبِيِّ مِلَهُ:((بِعْهُ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَلَمْ يُبَابِعْ أَحَداً بَعْدَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ أَعَبْدٌُهُوَ أَوْ ◌ُحُرٍّ (١) . هذا الحديث صحيح أخرجه مُسلم عن يحيى بن يحيى عن الليث. وُحكي عن الربيع أنه قال : كان الشافعي إذا قال : أخبرني من لا أتهم يريد إبراهيم بن أبي يحيى، وإذا قال: أخبرني الثقة يريد يحيى ابن حسانٍ . والعمل على هذا عند أهل العلم كلِّهم أنه يجوز بيعُ حيوان (١) الشافعي ١٨٥/٢، ومسلم (١٦٠٢) في المساقاة: باب جواز بيع الحيوان بالحيوان ، وأخرجه بنحوه أبو داود ( ٣٣٥٨ ) ، والترمذي (١٢٣٩)، والنسائي ٢٩٢/٧، ٢٩٣ وفيه عنعنة أبي الزبير. - ٧٤ - بحيوانين نقداً، سواء كان الجنسُ واحداً أو مختلفاً . اسْترى رافع بن خديج بعيراً ببعيرين ، فأعطاه أحدهما ، وقال : آتيك بالآخر غداً إن شاء الله. وعند سعيد بن المسيب : إن كانا ماكولي اللحم، لا يجوز إذا كان الشراءُ للذبح ، وإن كان الجنس مختلفاً . واختلفوا في بيع الحيوان بالحيوان ، أو بالحيوانين نسيئة، فمنعه جماعة من أصحاب النبي مؤلّى يُروى فيه عن ابن عبّاس، وهو قول عطاء بن أبي رباح ، وإليه ذهب سُفيان الثوري، وأصحابُ الرأي ، وأحمد ابن حنبل، واحتجوا بما روي عن الحسن عن سمرة أن النبي محمد له نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، ورخص فيه بعضُ أصحاب النبي ◌ُ ◌ّ رُوي ذلك عن علي وابن عمر ، وإليه ذهب سعيد بن المسيب ، وابن سيرين ، والزهري وهو قول الشافعي وإسحاق ، سواء كان الجنس واحداً أو مختلفاً، مأكولَ اللحم ، أو غيرَ مأكول اللحم ، وسواء باع واحداً بواحد ، أو باثنين فأكثر . وقال مالك رحمه الله : إن كان الجنسُ مختلفاً يجوز ، وإن كان متفقاً ، فلا . واحتج من جوز ذلك بما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله مَلثم أمره أن يُجهّز جيشاً، فنفدت الإبلُ، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة ، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة (١). ورُوي أن علي بن أبي طالب باع جملًا يُقال له : عُصيفير بعشرين بعيراً (١) أخرجه أحمد رقم (٧٠٢٥)، وأبو داود (٣٣٥٧) ، والحاكم في ((المستدرك)) ٥٦/٢، ٥٧ وفي سنده جهالة واضطراب لكن أخرجه الدار قطني ص ٣١٨ من طريق ابن وهب ، أخبرني ابن جريج أن عمرو بن شعيب ، أخبره عن أبيه ، عن جده ... وأخرجه البيهقي ٢٨٧/٥، ٢٨٨ من طريق الدار قطني وصححه ، وأشار إليه الحافظ في ((الفتح)) ٣٤٧/٤ - ٧٥ - إلى أجل(١). وعن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة مضمونةً عليه يوفيها صاحبها بالرَّبذة (٢). وأما حديث الحسن عن سمرة (٣) فاختلف أهلُ الحديث في اتصاله ، وفي سماع الحسن عن سمرة ، قال يحيى بن معين : حديث الحسن عن سمرة صحيفة ، وأوَّلهُ بعضهم وحملهُ على بيع الحيوان بالحيوان نسيئة من الطرفين فيكون من باب الكالىء بالكانىء ، وحديث عبد الله بن عمرو دليلٌ على جواز السلم في الحيوان، وهو قول أكثر أهل العلم، ولم يجوزه أصحابُ الرأي، ودليلٌ على أن الجنس بانفراده لا يجرم النّساء، وعندهم مُحرمة حتى لم يجوزوا إسلام ثوب في ثوب ، ولا إسلام شيء في جنسه ، وبه قال مالك ، وجوزه الآخرون في غير مال الربا ، قال أبو الزناد : كنت أبيعُ قبطية بقبطيتين إلى أجل ، فسألت عنه ابن المسيِّب ؟ فقال : لا بأس به . (١) هو في ((الموطأ)) ٦٥٢/٢، ومسند الشافعي ١٨٤/٢، ومصنف عبد الرزاق (١٤١٤٢)، وفيه انقطاع، لأن الحسن بن محمد بن علي لم يسمع من جده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وقد روي عنه ما يعارض هذا ، فقد روى عبد الرزاق (١٤١٤٤ ) من طريق ابن المسيب عن علي أنه كره بعيراً ببعيرين نسيئة : (٢) أخرجه مالك ٦٥٢/٢، والشافعي ١٨٤/٢ وإسناده صحيح . (٣) أخرجه أبو داود (٣٣٥٦) والنسائي ٢٩٢/٧، والترمذي (١٢٣٧) وابن ماجة (٢٢٧٠) بلفظ : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة . وفيه عنعنة الحسن ، وفي الباب عن ابن عباس أخرجه عبد الرزاق ( ١٤١٣٣)، والدار قطني٣١٩/٢، والطحاوي ٢٢٩/٢ وصححه ابن حبان ( ١١١٣)، وقال البزار : ليس في الباب أجل إسناداً من هذا ، وعن جابر بن عبد الله أخرجه الترمذي ( ١٢٣٨ ) وابن ماجة ( ٢٢٧١ ) : وقال الترمذي : حسن صحيح مع أن فيه الحجاج بن أرطاة وهو وإن كان صدوقاً كثير الخطأ ومدلس ، وأبا الزبير ، وقد عنعنا وعن ابن عمر أخرجه الطحاوي ٢٢٩/٢، وسنده حسن في الشواهد . باب بيع اللحم بالحيوان ٢٠٦٦ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مُصعب ، عن مالك، عن زيد بن أسلم عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَِّ نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوانِ (١). وبهذا الإسناد عن مالك عن داوود بن الحصين أنه سمع سعيد بن المسبِّب يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية بيعُ اللحم بالشاة والشاتين . ٢٠٦٧ - أخبرنا عبد الوهّاب بن محمد الكسائي ، أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، نا أبو العباس الأصم ( ح) وأنا أحمد بن عبد الله الصالحي ومحمد بن أحمد العارف ، قالا : أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الجيري ، نا أبو العبّاس الأصم، أنا الرَّبيع، أنا الشافعي، أنا مُسلم بن خالد عن ابن جريج عَنِ القَاسِمِ بْن أَبِي بَزَّةَ قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فَوَجَدْتُ جَزُوراً قَدْ جُزَّنَتْ أَجْزَاءَ ، كُلُّ ◌ُجُزْءٍ مِنْهَا بِعَنَاقٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَبْتَاعَ مِنْهَا جُزْءاً، فَقَالَ لِي رَجُلُ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ: (١) ((الموطأ)) ٦٥٥/٢، وقال ابن عبد البر: لا أعلمه يتصل من وجه ثابت . - ٧٧ - إِنَّ رَسُولَ اللهِِّ ◌َهَى أَنْ يُباعَ حَيُّ بِيْتٍ، قَالَ: فَسَألتُ عَنْ ذَلِكَ الرَّجْلِ، فَأُخْبِرْتُ عَنْهُ خَيْراً (١). قال الإمام : حديثُ ابن المسيب وإن كان مُرسلًا، لكنه يتقوى بعمل الصحابة ، واستحسن الشافعي مُرسل ابن المسيب ، واختلف أهل العلم في بيع اللحم بالحيوان ، فذهب جماعة من الصحابة إلى تحريمه ، رُوي عن ابن عباس أنّ جزوراً نُحيرت على عهد أبي بكر الصّديق، فجاء رجُل بعناقٍ ، فقال: أعطوني جزءاً بهذا العناق ، فقال أبو بكر : لا يصلحُ هذا (٢) . وكان القاسم بن محمد ، وابن المسيِّب ، وعروة بن الزبير ، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلً وآجلاً ، وقال أبو الزناد : كل من أدركتهُ من الناس ينهون عن بيع اللحم بالحيوان ، وهذا قولُ الشافعي ، سواء كان اللحم من جنس ذاك الحيوان، أو من غير جنسه، وسواء كان الحيوانُ مما يؤكل لحمه ، أو لا يؤكل. وذهب جماعة إلى إباحة بيع اللحم بالحيوان ، واختار المزني جوازه إذا لم يثبت الحديث، وكان فيه قولٌ متقدم ممن يكون بقوله اختلاف لأن الحيوان ليس مال الربا بدليل أنه يجوزُ بيع حيوان بحيوانين ، فبيع اللحم بالحيوان بيع مال الربا بما لا ربا فيه ، فيجوزُ ذلك في القياس إلا أن يثبت الحديثُ، فنأخذَ به، وندعَ القياس. (١) هو في ((مسند الشافعي)) ١٨٣/٢، ١٨٤، واسناده ضعيف، لضعف مسلم بن خالد ، وتدليس ابن جريج . (٢) أخرجه الشافعي (٤٨٥) بترتيب السندي عن إبراهيم بن أبي يحيى ، عن صالح مولى التوامة ، عن ابن عباس بنحوه ، وإسناده ضعيف ، لضعف ابراهيم بن أبي يحيى ، واختلاط صالح مولى التوأمة . باب بيع الرطب بالتمر ٢٠٦٨ - أخبرنا أبو الحسن الشّيرزي ، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو ◌ُصعب ، عن مالك ، عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن ◌ُسفيان أن زيداً أبا عياش أخبرهُ أَنْهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنِ البَيْضاء بالسُّلْتِ، فَقَالَ: أَيْتُمَا أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الْبَيْضَاءُ، فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ رَّسُولَ اللهِ بِّهِ سُئِلَ عَنْ شِراءِ الْتَّمْرِ بِالرُّطَبِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ بِّهِ: « أَيَنْقُصُ الْرُّطَبُ إِذا يَبِسَّ ؟» فَقَالوا: نَعَمْ ، فَتَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ) (١) . قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسن صحيح . والبيضاءُ: نوع من البُّر أبيض اللون، وفيه رخاوة يكون ببلاد مصر ، والسُّلت: نوع آخر غير البُّر ، وقال بعضهم: البيضاء: الرَّطب من السُّت، وهذا أليق بمعنى الحديث بدليل أنه شبه بالرطب مع التمر ، ولو اختلف الجنس لم يصح (١) ((الموطأ)) ٦٢٤/٢، وأخرجه الشافعي في ((الرسالة)) فقرة (٩٠٧) وأبو داود ( ٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي ٢٦٨/٧ ، ٢٦٩ وابن ماجة ( ٢٢٦٤ ) وزيد أبو عياش ذكره ابن حبان في الثقات ، وصحح الترمذي وابن خزيمة وابن حبان حديثه هذا وقال فيه الدار قطني : ثقة: وله شاهد مرسل جيد عند البيهقي في (( السنن)) ٢٩٥/٥ من حديث عبد الله بن أبي سلمة . - ٧٩ - التشبيه، والسُّلت: حبّ لا قشر عليه. وقوله عليه السّلام: أينقص الرطبُ إذا يبس ؟ سؤالُ تقرير لينبهم به على علة الحكم، لا سؤالُ استفهام، لأنّ انتقاص الرطب بالجفاف مما لا يخفى على عاقل . وهذا الحديثُ أصلٌ في أنه لا يجوز بيعُ شيء من المطعوم بجنسه ، وأحدُهما رطبٌ، والآخر يابسّ، مثل بيع الرطب بالتمر، وبيع العنب بالزبيب ، واللحم الرَّطب بالقديد ، وهذا قولُ أكثر أهل العلم ، وإليه ذهب مالك ، والشافعي ، وأحمد ، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن ، وجوزه أبو حنيفة وحده . وأما بيعُ الرُطب بالرُّطب ، وبيع العنب بالعنب ، فلم يجوزه الشافعي رحمه الله، لأنّ النبي ◌َ الِ قال: ((أينقصُ الرطب إذا يبس)) فاعتبر التفاوت الذي يظهر بينهما في المتعقب عند جفاف الرُطب في منع العقد ، فكذلك لا يجوز بيع الرطب بالوطب ، لأنها في المتعقب مجهولا المثل تمراً، وجوِّزهُ الآخرون، وكذلك لا يجوز بيعُ اللحم باللحم ، وهما رَطبان، فإن كانا قديدين يجوز، كما يجوز بيع التمر بالتمر ، والزبيب بالزبيب . ولا يجوزُ بيعُ مطعوم مطبوخ بجنسه مطبوخاً ، ولا نيئاً ، ويجوز بيع التمر الحديث بالعتيق ، والبُر الحديث بالعتيق إلا أن يكونَ في الحديث نُدوّة لو زالت، لظهر النقصان في الكيل ، فلا يجوز كبيع الرطب بالتمر ، وجوز الشافعي بيعَ عصير العنب بعصير العنب وخله بخله ، فإن كان في أحد الخلين، أو فيها مائة، لم يجز، وكذلك جوز بيع اللبن باللّن، والدُّهن بالدُّهن متساويين في الكيل - ٨٠ - فإن اختلف الجنس مثل أن باع عصير العنب بعصير الرطب ، ولبن الشّأة بلين البقر، أو دُهن السِّمسم بدهن الجوز ، يجوز متفاضلاً وجزافاً بدأ بيد، وكذلك لحم البقر بلحم الشاة على أظهر القولين ، وفيه قولٌ آخر : إن اللحم جنس واحد ، فلا يجوز بيع لحم الشاة بلحم الإبل والبقر إلا على الصِّفة التى يجوز بيع لحم الشاة بلحم الشاة ؛ وكذلك: لا يجوز بيعُ أصل شيء فيه الربا بفرعه، مثل بيع اللبن بكل ما يتخذ منهُ من زبد وسمن ومخيض ، وبيع العنب بكل ما يُتخذ منه من عصير وخل ودبس، وبيع السّمسم بما يتخذ منهُ من ◌ُهن وكسبٍ (١)، وكذلك لا يجوز بيعُ الحنطة بالدقيق، ولا بالخبز ولا بالسْويق، ولا بيع الدقيق بالدقيق ، ولا الخبز بالخبز . وجوز مالك بيع الحنطة بالدقيق مثلاً بمثل، وهو قول أحمد وإسحاق قالا : لا بأس ببيع الدقيق بالبُو وزناً بوزن . وقال مالك: لا بأس بالخبز إذا تحرى أن يكون مثلاً بمثل وإن لم يوزن ، وجوز الأوزاعي بيع الخبز بالخبز وهو قول أبي ثور . (١) الكسب ، بضم الكاف : عصارة الدهن.