النص المفهرس

صفحات 261-280

- ٢٦١ -
عمرو بن شعيب : كُنْيته أبو إبراهيم .
قوله: ((يتدارؤون)) يريد: يختلفون، ومنه قوله سبحانه وتعالى:
( فادَّارأتُمْ فيها) [ البقرة: ٧٢] أي: تدار أتم وتدافعتم واختلفتم.
وُرُوي عن عبد الله بن عمرو أن النبي ◌ِ ◌ّ قال. ((إنما هلك من
كان قبلَكُمْ باختلافهم في الكتاب)) (١).
ورُوي عن أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبي ◌ِّ قال: )) المِرَاءُ
في القُرآنِ كُفْرٌ)) (٢).
واختلفوا في تأويله، فقيل: معنى المِراء : الشك، كقوله سبحانه وتعالى :
( فلا تكُنْ فِي مِرْيَةٍ ) [ هود: ١٧] أي: في مشكّ، وقيل :
المِراء : هو الجدال المشكّك، وذلك أنه إذا جادل فيه ، أدّاه إلى أن يرتاب
في الآي المتشابهة منه ، فيؤدِّيه ذلك إلى الجحود ، فمَّه كفراً باسم
ما يُخشى من عاقبته إلا من عصمه الله .
وتأوَّله بعضهُم على المراء في قراءته، وهو أن يُنْكِرَ بعض القراءاتِ
(١) أخرجه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٦٦٦) في العلم : باب النهي
عن اتباع متشابه القرآن .
(٢) أخرجه أحمد في ((المسند)) ٢٨٦/٢ و٣٠٠ و٤٢٤ و٤٧٥
و ٥٠٣ و ٥٢٨ ، وأبو داود رقم ( ٤٦٠٣ ) في السنة : باب النهي عن
الجدال في القرآن، وإسناده حسن، وصححه ابن حبان رقم ( ٧٣) والحاكم
٢٢٣/٢، ووافقه الذهبي، وفي الباب عن عمرو بن العاص عند أحمد ٢٠٤/٤
و ٢٠٥، وعن أبي جهيم عنده أيضاً ١٧٠/٤.

- ٢٦٢ -
المروية ، وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرفٍ ، فتوّدهم بالكفر لينتهوا
عن المراء فيها، والتكذيب بها، إذ كلُّها قرآنٌ مُنزلٌ يجب الإيمانُ به.
وكان أبو العالية الرّياحيُ إذا قرأ عنده إنسانٌ لم يقل: ليس هو كذا،
ولكن يقول: أما أنا فأقرأ هكذا ، قال مُشْعيْب بن أبي الخبْحابِ :
فذكرتُ ذلك لإبراهيم، فقال: أرى صاحبك قد سمع أنه من كفربجرف ،
فقد كفر بكُلِّه .
وقيل : إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن من الآي التي فيها ذكر
القدر والوعيد ، وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل ،
وفي معناه الحديث الأول دون ما كان منها في الأحكام ، وأبواب الإباحة
والتحريم، فإن أصحاب رسول الله مَ لَّم قد تنازعوها فيما بينهم، وتحائجوا
بها عند اختلافهم في الأحكام، قال الله عزّ وجلّ (فَإن تَناَ زْعْتُمْ في
شيء فَرُدُوهُ إِلى اللهِ والرّسُوْلِ) [ النساء: ٥٩].
١٢٢ - أنا محمد بن الحسن الميربَنْد كُشائي، أنا أبو العباس أحمد بن محمد
ابن سراج الطحان، أنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان المَرْ وَرُوْذِي،
أنا أبو الحسن علي بن عبد العزيز المكي ، أخبرنا أبو مُبَيْد القاسم بن سلام،
نا حجّاج ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن الحسن يرفعه إلى
التي زلة .
((مَانَزَلَ مِنَ الْقُرآنِ آيَةٌ إلاَّ لَمَا ظَهْرٌ وَبَطْنٌ، وَلِكُلِّ حَرْفٍ
حَدٌّ، وَلِكُلِّ حَدٍ مَطْلَعٌ ، (١) .
(١) هو مرسل وإسناده ضعيف .

- ٢٦٣ -
قال: فقلت : يا أبا سعيد ما المطلع؟ قال: يَطَّلِعُ قوم يعملون به.
قال أبو عبيد : أحسب قول الحسن هذا إنما ذهب إلى قول عبد الله
ابن مسعود فيه: حدثني حجاج، عن مُشْعْبَةً ، عن عمرو بن مرة ،
عن مرّة، عن عبد الله قال: ((مَا مِن حَرفٍ أو آيةٍ إلاَ قَدْ عَمِل
بِهَا قومٌ، أوّلها قومٌ سَيَعمَلُون بها)).
قال الشيخ رحمه الله : هذا حديث مرسل .
وقد يروى هذا عن أبي الأحوص عن عبد الله، عن رسول الله حوله:
(( أَنْزِلَ القُرآنُ على سَبْعَةٍ أَحْرُفٍ، لكلِّ آيَةٍ منها ظهرٌ وَبَطْنٌّ،
ولكلّ حَدٍ مَطْعٌ)) (١).
قوله: ((لكلّ آيةٍ مِنها ظهر وبطن)) اختلفوا في تأويله، فيُروى
عن الحسن أنه مُئل عن ذلك ، فقال : إن العرب تقول : قلبتُ أمري
ظهراً لِبَطْنٍ، ويقال: الظهر لفظ القرآن، والبطن تأويله ، وقيل:
الظهر: ما ◌ُحُدَّثَ فيه عن أقوام أنهم ◌َصَوْا، فعُوقِبوا وأهلِكُوا بمعاصيهم ،
فهو في الظاهر خبرّ، وباطنهُ عِظَةٌ وتحذير أن يَفْعَلَ أحد مثلَ ما فعلوا،
فيحل به ما حل بهم .
(١) أخرجه الطبري رقم (١٠) و (١١) بإسنادين ضعيفين الأول،
لجهالة أحد روائه، والثاني: فيه إبراهيم بن مسلم الهجري ، وهو لين الحديث ،
ورواه ابن حبان في ((صحيحه)) رقم ( ٧٤ ) من طريق آخر بلفظ :
(( أنزل القرآن على سبعة أحرف لكل آية منها ظهر وبطن)» وإسناده قوي ،
وذكره الهيثمي في («مجمع الزوائد)) ١٥٢/٧، ونسبه البزار، وأبي يعلى ،
والطبراني في « الأوسط»، وقال : رجال أحدهما ثقات .

- ٢٦٤ -
وقيل : ظاهره تنزيله الذي يجب الإيمان به ، وباطنه وجوب العمل
به ، وما من آيةٍ إلا وُتوجب الأمرين جميعاً، لأن وجوه القرآن أمرٌ
ونهيٌ، ووعدٌ ووعيدٌ، ومواعظ وأمثال، وخبرُ ما كان وما يكون،
وكلُّ وجه منها يجب الإيمان به ، والتصديقُ له ، والعمل به ، فالعمل
بالأمر إتيانه ، وبالنهي الاجتناب عنه ، وبالوعد الرغبة فيه ، وبالوعيد
الرهبة عنه ، وبالمواعظ الاتعاظ ، وبالأمثال الاعتبار .
وقيل : معنى الظهر والبطن : التلاوة والتفهم ، كأنه يقول : لكل
آية ظاهر، وهو أن يقرأها كما أنزلت، قال الله سبحانه وتعالى: ( وَرَّتلِ
القرآنَ تَرْتِيْلًا) [ المزمل: ٤] وباطن وهو التدبر والتفكر، قال
الله تعالى: (كتابٌ أنزلناه إليْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبْرُوا آيَاتِهِ)
[ ص: ٢٩] ثم التلاوة إنما تأتي بالتعلم والحفظ بالدرس، والتفهم إنما
يكون بصدق النية ، وتعظيم الحرمة ، وطيب الطُّعمة .
وقوله: ((لِكلِّ حَرْقٍ حَدٌ، ولكلّ حَدٍ مَطَْع)) يقول:
لكل حرف حد في التلاوة ينتهي إليه، فلاُيُجَاوُز، وكذلك في
التفسير ، ففي التلاوة لا يجاوزُ المصحف الذي هو الإمامُ، وفي التفسير
لاُيُجاوز المسموعُ.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: ((أيُ أرْضٍ تُقِلّي وأي سماءٍ
"تُظِلُّني إذا قلتُ في القرآن برأيي)) (١).
وروي أنه سئل عن قوله سبحانه وتعالى ( وفاكِهَةٌ وَأَباً )
[عبس: ٣١] ما الأبء؟ فقال: أيُ سماءٍ تظلني، وأي أرض تقلني
إذا قلت في كتاب الله مالا أعلم .
(١) تقدم تخريجه ص ٢٤٤.

رام
- ٢٦٥ -
وروي عن عمر أنه قال: ( وفاكهة" وأباً) قال : ما الأب ؟ ثم
قال ابن الخطاب : إن هذا لهو التكلف .
وقال سعيد بن ◌ُجَبِيرٍ: سألت ابن عباس عن قوله سبحانه وتعالى
( والسماء والطّارِقٍ) [ الطارق: ١] وقوله عز وجل (والمحصناتُ
مِن النّساء ) [ النساء: ٢٤] وعن قوله تعالى (فلا أقسم بالخُنّسٍ)
[ التكوير: ١٥] قال : ما أعلم منه إلا ما تعلم .
وقال ابن سيرين: سألت عَبِيّدة عن آيةٍ، قال: عليك بالسّدَاد (١)،
فقد ذهب الذين يعلمون فيما أُنزل القرآن .
قال إبراهيم : كان أصحابنا يكرهون التفسير ويهابونه .
قوله: ((مَطْعٌ)) المطلع: المصعد، أي: لكل حد مَصْعَدٌ
يُصعد إليه من معرفة علمه، ويُقال: المطلعُ: هو الفهم ، وقد يفتح
الله تعالى على المتدبّر والمتفكر فيه من التأويل والمعاني ما لا يفتحُ على
غيره ، وفوق كلِّ ذي عِلْمٍ عَلِيمٌ" .
قال أبو الدرداء : لا تفقهُ كلّ الفقه حتى ترى القرآن وجوهاً كثيرة ،
قال حمادٌ : قلت لأيوب: ما معنى قول أبي الدرداء؟ ... وقد ذكرناه في
آخر أول الباب (٢).
(١) السداد بالفتح معناه: الإصابة في المنطق، وأن يكون الرجل مسدداً.
(٢) أنظر الصفحة : ٢٠٩.

باب
من روى حديثاً برى أنه كذب
١٢٣ - قال الشيخ الحسين بن مسعود رحمه الله: أخبرنا عبد الواحد بن
أحمد المليحي، أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم البغوي،
حدثنا علي بن الجعد ، أنا مُشْعْبَةُ ، وقيس بن الربيع الأسدي ، عن
حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن أبي شبيب ، عن المغيرة بن شعبة
عَنِ النَّيِّ ◌َ ﴾ قَالَ: (( مَنْ حَدَّثَ بِحَدِ يثٍ وَهُوَ يُرَى (١)
أَنَّهُ كَذِبٌ، فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِ بِينَ » .
هذا حديث صحيح ، أخرجه مسلم (٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة،
عن وكيع ، عن شعبة ، وسفيان عن حبيب .
وميمون بن أبي شبيب قتل في الجماجم (٣) وكان سنة ثلاث وثمانين.
(١) قال النووي: ضبطناه ((يرى)) بضم الباء، بمعنى: ((بطن))
وعن بعضهم جواز فتح الياء .
(٢) ٩/١ في المقدمة .
(٣) موضع قرب الكوفة، وبه كانت الوقعة بين الحجاج بن يوسف
الثقفي ، وعبد الرحمن بن محمد الأشعث التي كسر فيها ابن الأشعث ، وقتل
القراء ، وفي ذلك يقول جرير :
ولم تَشْهَدِ الجَوْنِيْنِ والشّعْبَ ذَا الصَّفَا
وشدَّاتٍ قَيْسٍ يَوْمَ دَيْرِ الجمّاجِم
متحرّضُ يا ابنَ القَيْنِ قيساً لِيجعلُوا
لِقَوْمِك يوماً مِثْلَ يَوْمِ الأرَاقِمَ

- ٢٦٧ -
قال أبو عيسى : سألت أبا محمد عبد الله بن عبد الرحمن ، قلت :
من روى حديثاً وهو يعلم أن إسناده خطأ يكون قد دخل في هذا
الحديث ؟ فقال : لا إنما معنى الحديث إذا روى حديثاً ، ولا يعرف
لذلك الحديث عن النبي مؤتم أصلاً، فأخاف أن يكون قد دخل في
هذا الحديث .
قال مالك : لا يكون الرجل إماماً وهو يحدث بكل ما سمع .

باب
حديث أهل السكتاب
١٢٤ - قال الشيخ الحسين بن مسعود رحمه اله: أخبرنا أبو سعيد عبد الله بن
أحمد الطاهري ، أنا جدّي عبد الصَّمّد البزاز، أنا محمد بن زكريا العُذَافِرِي ،
نا إسحاق الدّبري ، نا عبد الرزاق ، أنا معمر ، عن الزهري ، أخبرني
ابن أبي تمْلَةَ الأنصاري، أن أباه أبا نملة الأنصاري
أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَاهُوَ جَالِسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ عَّهِ جَاءَه
وُجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ، ومُرَّ بِنَازَةٍ، فَقَالَ: يا محمّدُ هَلْ تَتَكَلَّمُ
هَذِهِ الْجِنَازَةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: ((اللهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ
آلْيَهُودِيُ: إِنَّهَا تَتَكَّمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ: مَاحَدَّثَكُمُ
أَهْلُ الكِتَابِ ، فَلا تُصَدَّقُوُمْ، ولا تُكَذِّ بُوهُمْ، وَقُولُوا:
آمَنَّا باللهِ وَكُبِهِ وَرُسُلِهِ، فَإِنْ كانَ باِلاً لَمْ تُصَدِّقُوهُ ، وإِنْ
كَانَ حَقًّاً لَمْ تُكَذَّبُوهُ)) (١).
(١) وأخرجه أحمد في ((المسند)» ١٣٦/٤، وأبو داود رقم (٣٦٤٤)
في العلم: باب رواية حديث أهل الكتاب ، وابن أبي نملة ، وثقه ابن حبان،
وأخرج حديثه في «صحيحه)) رقم ( ١١٠ ) موارد، ويشهد له حديث
أبي هريرة عند البخاري الذي سيذكره المصنف فيتقوى به .

- ٢٦٩ -
وهذا أصل في وجوب التوقف عما يشكل من الأمور والعلوم ،
فلا يُقضى فيه بجواز ولا بُطلان ، وعلى هذا كان السلف ، وقد سئل عثمان
عن الجمع بين الأختين من ملك اليمين ؟ قال : أحلتها آية ، وحرمتها
آية، ولم يقضٍ فيه بشيء ، وقطع علي بتحريمه ، وإليه ذهب عامة الفقهاء.
ولو حدَّثَ عن رسول الله وَمِّ من هو مَتَّهم في حديثه، فلا يُصدق،
ولا يُعمل به ، لأنه دين، ولو حدثه ثقة وفي إسناده رجل مجهول لا يجب
العملُ به ، ولا يكذبه صريحاً ، لأن المجهول قد يكون صالحاً لحديث
أهل الكتاب ، بل يقول : هو ضعيف ليس بقوي وما أشبهه .
١٢٥ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله
النُّعَيْمي ، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد بن إسماعيل ، نا محمد بن بشار ،
نا عثمان بن عمر ، أنا علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي کثیر ، عن أبي سلمة ،
عن أبي هريرة .
قالَ : كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَقْرَ ؤُونَ الْتَوْرَاة بالعِبْرَانِيَّةِ ،
ويُفَسِّرُونَها بالعَرَبِيَّةِ لأَهْلِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ بِّهِ:
((لا تُصَدِّقُوا أَهْلَ الْكِتَابِ، ولا تُكَذْبُوُمْ، و( قُولُوا:
آمَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ) ... الآية. [ البقرة: ١٣٦].
هذا حديث صحيح (١).
(١) البخاري ٨ / ١٢٩ في تفسير سورة البقرة: باب قولوا آمنا بالله
وما أنزل إلينا ، وفي الاعتصام : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم :
لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء .

- ٢٧٠ -
وقال ابن عباس : كيف تسألون أهل الكتاب عن شيءٍ وكتابُ اله
بين أظهركم محضاً لم ◌ُشَبْ، وهو أحدثُ الأخبار بالله عز وجل ، وقد
أخبر الله عن أهل الكتاب أنهم كتبوا كتباً بأيديهم ، فقالوا : هذا من
عند الله، وبدلوها، وحرفوها عن مواضعها (١) .
١٢٦ - أخبرنا محمد بن الحسن ، أنا أبو العباس الطحان ، أنا أبو أحمد محمد
ابن قريش ، أنا علي بن عبد العزيز، أنا أبو ◌ُبيد القاسم بن سلام ، نا
هشام ، أخبرنا مجالِدٌ ، عن الشّعْبي ، عن جابر بن عبد الله
عَنْ آلّيِّ بِِّ حِينَ أَتَاهُ مُمَرُ ، فَقَالَ: إِنَّا نَسْمَعُ أَحَادِيثَ
مِنْ تَهُودُ تُعْجِبْنَا، أَفَتَرَى أَنْ نَكْتُبَ بَعْضَهَا، فَقَالَ: أَمُتَهَوْكُونَ
أَنْتُمْ كَمَا تَوَّكَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ
نَقِيَّةَ، ولَوْ كَانَ مُوسَى حَيَّاً مَا وَسِعَهُ إِلا أُتْبَاعِي» (٢).
(١) أخرجه البخاري بنحوه في «صحيحه)) ٥/ في الشهادات :
باب من أمر بانجاز الوعد ، وفي الاعتصام : باب قول النبي صلى الله عليه
وسلم : لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء ، ونصه : كيف تسألون أهل الكتاب
عن شيء ، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدث
تقرؤونه محضاً لم يشب وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه،
وكتبوا بأيديهم الكتاب ، وقالوا : هو من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً ،
ألا ينهاكم ماجاءكم من العلم عن مسألتهم، لا والله مارأينا منهم رجلاً يسألكم
عن الذي أنزل عليكم .
(٢) حديث حسن، وأخرجه أحمد في ((المسند)) ٣٣٨/٣ و٣٧٨،
ومجالد ضعيف ، وله شاهد بنحوه من حديث عبد الله بن شداد عند أحمد -

- ٢٧١ -
قوله: ((أُمتَّهَوَّكُونَ)) أي: متحيِّرون أنتم في الإسلام، لا تعرفون
دينكم حتى تأخذوه من اليهود والنصارى !!.
وقوله: ((بيضاءَ نقية")) أراد الملّة لذلك جاء بالتأنيث، كقوله
سبحانه وتعالى: (وذلك دِينُ القَيّمة) [ البينة: ٥] أي: تفسير
الملة القَيِّمة الحنيفية .
ورُوي أن كعب الأحبار جاءَ إلى عمر بِمُصْحفٍ ، فقال: يا أميرَ
المؤمنين في هذا الثّوراة ، أفأقرؤها ؟ فقال : إن كنتَ تعلمُ أنها النّوراة
التي أُنزلت" على مومى يوم ◌ُطُور سيناء فاقر أها وإلا فلا .
- ٤٧٠/٣، ٤٧١ وفي سنده جابر الجعفي، وآخر من حديث عمر عند أبي يعلى،
وفيه عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو ضعيف، وانظر («مجمع الزوائد»
١٧٣/١، ١٧٤ .

أب
فضل العلم
قَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (والّذِينَ أُوتُوا الْعِمَ دَرَجَاتٍ)
[ المجادلة: ١١] وقَال اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (وعَلَكَ مَا لَمْ تَكُنْ
تَعْلُ) [النساء: ١١٣]، وقَالَ اللهُ تَعَالى: (تَرْفَعُ دَرَجَاتٍ
مَنْ نَشَاءُ ) [ المجادلة: ١٣ ].
قَالَ مالك: بالعِلْمِ، قِيْلَ لَهُ: مَنْ حَدَّ ثَكَ ؟ قَالَ : زَعَمَ
ذلكَ زَيْدُ بنُ أُسلَم .
وقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ( فَلَوْلاَ نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ
مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّيْنِ ) [ التوبة: ١٢٣].
وقَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ
لا يَعْلَمُونَ) [ الزمر: ٩].
١٢٧ - أخبرنا أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القُشيري، أنا أبو
نُعيم عبد الملك بن الحسن الإسفراييني ، أنا أبو عوانة يعقوبُ بن إسحاق ،
نا الحسن بن علي بن ◌َفَان العامري، نا عبد الله بن ميّر، نا الأعمش،
عن أبي صالح ، عن أبي هريرة

- ٢٧٣ -
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِِّ: (( مَنْ نَفْسَ عَنْ مُؤْمِنٍ
كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةَ مِنْ كُرَّبِ الآخِرَةِ ،
ومَنْ يَسَّرَ عَلى مُغْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ ، واللهُ
في عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقاً
يَبْتَغِي فيهِ عِلْآَ سَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقاً إلى الجنَّةِ، ومَا اجْتَمَعَ
قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ مِنْ مَسَاجِدِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَا رَسُونَهُ
بَيْتَهُمْ إِلَا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِيْنَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَقَّتْ
بِمُ المَلائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيْمَنْ عِنْدَهُ، وَمَنْ بَطَّأَ بهِ
عَمُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ».
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن يحيى بن يحيى ، عن أبي
معاوية ، عن الأعمش .
قوله: ((نَفْسَ عن مُؤمنٍ)) أي: فرج عنه، يُقال: نفْسَ
◌ُنَفِّسُ تنفيساً ونفساً، كما يقال: فَرَّح يُفرِّحُ تفريحاً وفرحاً.
قوله: (بَطّ به عملُه)) بتشديد الطاء، وأبطأ بمعنىّ، وهو
ضد الإسراع .
(١) رقم (٢٦٩٩) في الذكر والدعاء: باب فضل الاجتماع على تلاوة
القرآن وعلى الذكر .
شرح السنة : ٢ - ١٨

- ٢٧٤ -
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو منصور محمد بن محمد
ابن سِمْعَان، فا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار، نائحميد بن
زْجُويَةَ، نا محاضِرُ بن المُورِّع، عن الأعمش رضي الله عنه بهذا
الإسناد مثلَ معناه ، وزاد .
(( وَمَن سَتَرَ على مُسلِيمٍ ستر اللهُ عليه في الدنيا والآخرة)).
وقوله: (( حَقّت بهم الملائكة)) أي : أحاطُوا بهم ، ومنه قوله :
(وَتَرى الملائِكَةَ حافِينَ مِنْ حَوْلِ العَرْشِ) [الزمر: ٢٥ ]
أي : ◌ُدِقِين به، وقوله سبحانه وتعالى: (وَحَفَقْنَاُمما بنَخْلٍ)
[ الكهف: ٣٢] أي: جعلنا النخل ◌ُطيفاً بها .
١٢٨ - أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أبو علي الحسين
ابن أحمد بن إبراهيم السّراجُ ، أنا الحسن بن يعقوب العَدْلُ، نا محمد
ابن عبد الوهاب الفَرّاء ، نا جعفر بن عون، أنا عبد الرحمن بن زيادٍ ،
عن عبد الرحمن بن رافع ، عن عبد الله بن عمرو
أَنَّ رَسُولَ اللهِ عَّلهُ مَرَّ بِمَجْلِسَيْنِ فِي مَسْجِدِهِ، أَحَدُ المَجْلِسَيْنِ
يَدْعُونَ الهَ، ويَرْغَبُونَ إليهِ، والآخَرُ يَتَعَلَُّونَ الْفِقْهَ،
وَيُعَلِّمُونَهُ، قَالَ: (( كِلا الَجْلِسَيْنِ عَلى خَيْرٍ، وأَحَدُهُمَا
أَفْضَلُ مِنْ صَاحِبِهِ، أَمَّ هَوْلَاءِ، فَيَدْعُونَ اللهَ، ويَرْغَبُونَ
إِليهِ، وأَّمَّا هَوْلَاءِ، فَيَتَعَلَّمُونَ الْفِقْهَ، وَيُعَلْمُونَ الْجَاهِلَ ،

- ٢٧٥ -
فَؤلاءَ أَفْضَلُ، وإِنَّا بُعِثْتُ مُعَلَماً، ثُمَّ جَلَسَ فِيْهِمْ (١) .
وأخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي تَوْبَة ، أخبرنا أبو طاهر
محمد بن أحمد بن الحارث، أنا أبو الحسن محمد بن يعقوب الكسائي ،
أنا عبد الله بن محمود ، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال ، نا عبد الله
ابن المبارك، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُمِ بهذا الإسناد ، وقال :
(( أما هؤلاء فيَدْعُونَ الله وَيرغبون إليه، فإن شاءَ أعطاهُم، وإن
سَاءَ منعَهُم)).
قال محمد بن إسماعيل : عبد الرحمن بن رافع التّنُوخيُ سمع عبد الله
ابن عمرو ، في حديثه بعض المناكير .
١٢٩ - أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، نا أبو الطائَيِّب
سهل بن محمد بن سلمان ، أنا أبو علي حامد بن محمد بن عبد الله الهروي ،
أنا محمد بن يُونُس القُرشيء، نا عبد الله بن داود ، نا عاصم بن رجاء
ابن حَيْوَة ، حدثني داود بن جميلٍ ، عن كثير بن قيس قال :
كُنْتُ مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدٍ دِمَشْقَ، فَجَاءَ رَجُلٌ ،
فَقَالَ: يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِّي جِثْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ
فِي حَدِيْثٍ بَلَغَي أَنَّكَ مُحَدِّث ◌َنْ رَسُولِ اللهِِّ . قَالَ:
مَا كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ غَيْرَهُ؟ قالَ: لا، قالَ: ولاِجِئْتَ لِتِجَارَةِ ؟
(١) وأخرجه الدارمي ٩٩/١، وأبو داود الطيالسي ١/ ٣٦ وإسناده
ضعيف ، لضعف عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي .

- ٢٧٦ -
قالَ : لا ، قالَ : ولاِجِئْتَ إلا فيهِ؟ قالَ : نَعَمْ ، قالَ:
فَإِنِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ عَلِّ يَقول :
(مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ عِمْ سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقاً مِنْ ◌ُرُقِ الجَنّةِ،
وإِنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَىَ لِطَالِبِ آلْعِلْمِ، وإِنَّ
اَلْسَّمَاواتِ والأَرْضَ والْحُوتَ فِي الْمَاءِ لَتَدْعُولَهُ، وإِنْ فَضْلَ الْعَالِ
عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلى سَائِرِ الْكَواكِبِ لَيْلَ الْبَدْرِ ، الْعُلَاءُ
◌ُمْ وَةُ الأَنْبِيَاءِ، إنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُؤَدِّنُوا دِينَاراً ولا دِرِهَمَاً،
وإنَّا وَرَُّوا الْعِلْمَ، فَنْ أَخَذَ بِهِ، فَقَدْ أَخَذَ بِحَظٍ وَافِرٍ)(١).
هذا حديث غريب لا ◌ُعرّف إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حَيْوة .
وأبو الدَّرداء: اسمُه ◌ُوَّ يمر بن عامر الأنصاريُ نزّل الشام، ويقال:
اسمه عامر بن مالك ، وُويمر لقبُهُ ، ويقال : عويمر بن زيد بن قيسٍ
ابن أسد بن عامر بن الحارث ، بن خزرج ، توفي قبل خلافة عثمان
(١) حديث حسن، وأخرجه أبو داود (٣٦٤١) في العلم: باب الحث
على طلب العلم، والدارمي ٩٨/١، وأحمد ١٩٦/٥ (ووقع فيه «داود
ابن حميد)» أحد رواته، وهو تحريف من الناسخين ) وابن ماجة رقم (٢٢٣)
في المقدمة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، والترمذي (٢٦٨٤)
في العلم: باب ماجاء في فضل الفقه على العبادة ، وصححه الحاكم ، وابن حبان
رقم ( ٨٨) وحسنه حمزة الكناني، وله شواهد يتقوى بها كما قال الحافظ في
«الفتح» ٠١٦٩/١

- ٢٧٧ -
بسنةٍ (١) يُقال: سنة اثنتين وثلاثين، وقيل: توفي في خلافة معاوية .
قوله: ((وإن الملائكة لتضّعُ أجنحتها)) قيل معناه: أنها تتواضع
لطالب العلم توقيراً لعلمه، كقوله سبحانه وتعالى: (واخْفِضْ هما
جناحَ الذُلِّ منَ الرّحمةِ) [ الإسراء: ٢٤]، وقال الله عزّ وجل:
(واخفِضْ جَناحَكَ لِنِ اتَّبَعَكَ من المؤمنينَ) [الشعراء: ٢١٥] أي:
تواضعْ لهم .
وقيل : معنى وضع الجناح : هو الكفءُ عن الطيران والنُّزول للذكْر ،
كما ذكر في الحديث الأول ((إلا تَزَّلت" عليهم السكينة، وحَفّت بهم
الملائكة)، وكما ◌ُرُوي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله يؤلٍّ :
(((إن الملائكة يَطُوفون في الطُّرُقِ يلْتّمِونَ أهلَ الذكْرِ،
فإذا وجدوا قوماً يَذكُرون الله تنادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجتكم، قال :
فيحُفُّونهم بأجنحتهم إلى السماءِ الدُّنيا ، (٣).
وقيل : معناه: بسطُ الجناح وفرشُها لطالب العلم لتحميله عليها ،
فيُبَلَّغْه حيث يَقْصِدُه من البلاد في طلب العلم .
وقيل : معناه : المعونة ، وتيسيرُ السعي له في طلبه.
قوله: ((وإن السّمواتِ والأرضَ والحوت في الماء لتدعو له)) قال
الشيخ الإمام : أراد أهل السموات والأرض، كقوله سبحانه وتعالى :
( واسألِ القَرْيَةَ ) أي : أهل القرية .
(١) في («التقريب)): مات فى آخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك.
(٢) متفق عليه من حديث أبي هريرة .

- ٢٧٨ -
وفي بعض الروايات ((وإن العالِمَ "ليَسْتُغفِرُ له مَنْ فِي السَّمواتٍ وَمَنْ
في الأرض، والحيتانُ في جوف الماء )».
وقيل: إن الله سبحانه وتعالى أهَمّ الحيتان وغيرها من أنواع الحيوان
الاستغفار للعلماء، لأنهم هم الذين بيّنوا الحكم فيما يحلُ منها وتجرُم
الناس، فأوصَوْا بالإحسان إليها، ونفى الضرر عنها مجازاة لهُم على
حسن صنيعهم.
قال الشيخ الإمام : وفضل العلم على العبادة من حيث إن نفع العلم
يتعدى إلى كافة الخلق، وفيه إحياء الدِّين، وهو تلوُ النبوة .
وُرُوي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ◌ِوَمَ: ((فَضْلُ العَالم
على العابِدِ كفَضْلِي على أدناكُمْ)) (١).
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله عَلَّم: ((فقيهٌ واحدٌ أشْدُ
على الشَّيْطَانِ مِنْ ألفٍ عابدٍ)) (٢).
(١) رواه الترمذي رقم (٢٦٨٦) في العلم: باب ماجاء في فضل الفقه على
العبادة ، وحسنه في بعض النسخ من حديث سلمة بن رجاء عن الوليد بن جميل،
عن القاسم أبي عبد الرحمن ، عن أبي أمامة ، وسلمة بن رجاء صدوق يغرب ،
وقد خالفه يزيد بن هارون عند الدارمي ٨٨/١ - وهو ثقة ثبت - فرواه عن
مكحول مرسلًاً ، وإسناده حسن، وهو عند الدارمي أيضاً ٩٧/١ عن الحسن
مرفوعاً ، وسنده إليه صحيح .
(٢) رواه الترمذي رقم (٢٦٨٣) في العلم، وابن ماجة رقم (٠٢٢)
في المقدمة: باب فضل العلماء ، وإسناده ضعيف، فيه روح بن جناح أبو سعد
الدمشقي ضعيف ، وقد اتهمه ابن حبان .

- ٢٧٩ -
وقوله: ((فمَنْ أخذَ به أخذَ محظٍ وافرٍ)) يعني: من ميراث النبوة.
قال ابن عبّاس: تدارُسُ العِلمِ ساعة من الليل خيرٌ من إحيائها،
وفي رواية : تذاكرُ العلم بعض ليلةِ أحبُ إليَّ من إحيائها .
وقال قتادة : بابٌ من العلم يحفظه الرجل لصلاح نفسه وصلاح
من بعده ، أفضلُ من عبادة حولٍ .
وقال الثوريّ : ليس عملٌ بعد الفرائض أفضلَ من طلب العلم.
وعنه أيضاً : ما أعلم اليوم شيئاً أفضلَ من طلب العلم ، قيل له : ليس لهم
نيّةٌ! قال: طلبُهم له نية" .
وقال الحسن : من طلب العلم يُرِيدُ به ما عند الله ، كان خيراً له
ممّا طَلَعَتْ عليه الشمسُ.
وقال ابن وَهَب : كنت عند مالك قاعداً أسأله ، فرآني أجمع
كتبي لأقومَ، قال مالكٌ: أين ◌ُريدُ ؟ قال: قلت: أبادرُ إلى الصلاة ،
قال : ليس هذا الذي أنت فيه دون ما تذهب اليه اذا صحَّ فيه النيّة ،
أو ما أشبه ذلك .
وقال الزهري : ما ◌ُيِدَ اللهُ بمثلِ الفقه .
وقال سفيان الثوري: ما أعلم عملًا أفضل من طلب العلم وحفظه لمن
أرادَ اللهَ به .
وقال سفيان في تفسير الجماعة : لو أن فقيها على رأس جبل لكان
هو الجماعة .

- ٢٨٠ -
وقال الحسن بن صالح : إن الناس يحتاجون إلى هذا في دينهم ، كما
يحتاجون إلى الطعام والشراب في دنياهم .
قال مطرِّفُ بن عبد الله بن الشِّخَيْر: حظ من علم أحبُ إلي
من حظ من عبادة .
وقال الشافعي : طلبُ العلم أفضلُ من صلاة النافلة .
وفي الحديث استحباب الرحلة في طلب العلم ، وذهب موسى
صلى الله عليه إلى الخَضِيرِ، فقال: هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَنْ تَعَلَّمَنِي مما
عُلَّمْتَ وُنْدَاً (١).
ورَحَلَ جابرٌ بن عبد الله مسيرة شهر إلى عبد الله بن أنيس في
حديث واحد . (٢).
(١) قال البخاري في ((صحيحه)) ١ / ١٥٣: باب ماذكر في ذهاب
موسى في البحر إلى الخضر. عليهما السلام، وقوله تعالى: ( هل أتبعك على أن
تعلمني ) ثم أورد الحديث ...
(٢) ذكر ذلك البخاري في («الصحيح)) ١٥٨/١ تعليقاً ، والحديث
الذي خرج من أجله أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٧٠)، وأحمد في.
((المسند)) ٤٩٥/٣ وغيرهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع
جابر بن عبد الله يقول : بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ، فاشتريت بعيراً ، ثم شددت عليه وحلي ، فسرت إليه شهراً حتى
قدمت عليه الشام ، فإذا عبد الله بن أنيس ، فقلت البواب : قل له : جابر
على الباب ، فقال : ابن عبد الله! قلت : نعم ، فخرج يطأ ثوبه ،
فاعتنقني واعتنقته ، فقلت : حديثاً بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله
صلى الله عليه وسلم في القصاص، فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه،
قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((يحشر الناس يوم القيامة
أو قال: العباد عراة غرلاً بها، قال: قلنا : ومابها ! قال . ليس معهم -