النص المفهرس

صفحات 141-160

- ١٤١ -
٧٨ - قال الإمام الحسين بن مسعود : أخبرنا أبو بكر يعقوب بن
أحمد بن محمد بن علي يُعرفُ بالصّيْرَفيّ، نا أبو محمد الحسن بن أحمد
ابن محمد المخلدي ، أنا أحمد بن محمد بن أبي حمزة البَكْفِي ، نا مومى
ابن محمد بن الحكم الشَّطَوي، حدثنا حَفْصُ بن غياثٍ ، عن طلحة بن
يحيى ، عن عائشة بنت طلحة .
عَنْ عَائِشَةَ أُمْ الْمُؤمنينَ رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: أَدْرَكَ
آلّيُ بَّهِ جِنَازَةَ صَيْ مِنْ صِبيانِ الأَنْصَارِ ، فقالت عائشةُ:
◌ُوبَى لَهُ، عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ، فقال وَسُولُ الله ◌ٍِّ:
(( وَمَا يُذْرِيكِ أَنَّ الله خَلَقَ الجنَّةِ، وَخَلَقَ لَا أهْلاً ، وهُمْ في
أضلابِ آبَائِهِم، وخَلَقَ النَّارَ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلاً ، وَهُمْ في
أُحُلابِ آبَائِهِمْ ..
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن أبي بكر بن أبي شيبة،
- فلو كان قد وقع هذا كما قال من قاله، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه.
فإن قيل : إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده ! فالجواب
أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ماجاءت به الرسل من هذا وغيره ،
وهذا جعل حجة مستقلة عليهم ، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من
الإقرار بالتوحيد ، ولهذا قال : ( أن تقولوا ) ، أي : لئلا تقولوا يوم
القيامة: (إنا كنا عن هذا)، أي: التوحيد (غافلين) أو تقولوا: ( إنما أشرك
آباؤنا ... ) الآية. وانظر «شرح العقيدة الطحاوية»: ٢١٠،٢٠٣ طبع المكتب الاسلامي.
(١) (٢٦٦٢) قال النووي رحمه الله أجمع من يعتد به من علماء المسلمين -

- ١٤٢ -
عن وكيع ، عن طلحة بن يحيى ، عن عمته عائشة بنت طلحة .
قال الشيخ رحمه الله: الإيمان بالقَدَر فرضٌ لازمٌ، وهو أن يُعتقد
أن الله تعالى خالقُ أعمال العباد ، خيرِها وشرِّها، كتبها عليهم في
النوح المحفوظ قبل أن خلقهم ، قال الله سبحانه وتعالى: ( واله خلقكم
وما تعملون) [ الصافات: ٩٦]، وقال الله عزّ وجل: (قُلٍ
اللهُ خالِقُ كلّ شيءٍ) [الرعد: ١٦]، وقال عزّ وجل: (إنا
كلَّ شيءٍ خلقناهُ بِقَدَرٍ ) [ القمر: ٤٩] فالإيمان والكفر، والطاعة
والمعصية، كلمُها بقضاء الله وقدره ، وإرادته ومشيئته ، غير أنه يرضى
الإيمان والطاعة ، ووعد عليهما الثواب ، ولا يرضى الكفر والمعصية ،
وأوعد عليها العقاب، قال سبحانه وتعالى: (ويُضِلُّ اللهُ الظالمين
- على أن من مات من أطفال المسلمين، فهو من أهل الجنة ، وتوقف فيه بعضهم.
لهذا الحديث ، والجواب عنه أنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير دليل
أو قال ذلك قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة .
وقال ابن القيم في ((طريق الهجرتين)»: ٣٨٧: وأما أطفال المسلمين فلا يختلف
فبهم أحد ، يعني أنهم في الجنة .
وحكى ابن عبد البر عن جماعة أنهم توقفوا فيهم ، وأن جميع الوادان
تحت المشيئة. قال: وذهب إلى هذا القول جماعة كثيرة من أهل الفقه والحديث ؛
منهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة ، وابن المبارك ، وإسحاق بن راهوية ،
قالوا: وهو شبه مارسم مالك في ((موطأه )) في أبواب القدر، وما أورده من
الأحاديث في ذلك ، وعلى ذلك أكثر أصحابه، وليس عن مالك فيه شيء
منصوص ، إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة
وأطفال المشركين خاصة في المشيئة .

- ١٤٣ -
ويفعلُ الله ما يَشاء) [ إبراهيم: ٢٧]، وقال الله سبحانه وتعالى :
( وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتّلوا ولكِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ) [البقرة: ٢٥٣]
(ومن يُيِنِ اللهُ فما لهُ من ◌ُكرِمٍ إِنّ اللهَ يَفْعلُ ما يشاءُ) [الحج: ١٨]،
وقال عزّ وجل: (وَمَن يُرِدْ أَنْ يُضِلّهُ يَجْعَلْ مدْرَهُ ضيقاً
حَرَجاً) [ الأنعام: ١٢٥ ].
قال ابن عباس : الحرج: موضع الشجر الملتف لا تصل الراعية إليه ،
فقلب الكافر لا تصل إليه الحكمة، وكلُ ضيّقٍ حَرَجٌ وخرج (١).
وقال الله سبحانه وتعالى: (خَتمَ اللهُ على قلوبهم) [البقرة: ٧]
أي طَبَعَ عليها، فلا تَعقِلُ ولا تعي خيراً، ومعنى الختم: التغطيةُ على
الشيء، والاستيئاق منه حتى لا يدخله شيء. وقال جلّ ذكره :
(وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخِرَةِ حجاباً
مستوراً ) [ الإسراء: ٤٥]، قيل: المستور هاهنا بمعنى السّاتِر (٢).
(١) قال الجوهري: مكان حرج وحرَج، أي: ضيق كثير الشجر
لاتصل إليه الراعية، وقرىء: (يجعل صدره ضيقاً حرجا) و (حرجا) وهو
بمنزلة: الوَحَد والوحد، والفرّد والفرد، والدّنف، والدنف في معنى
واحد . قلت : قرأ نافع وأبو بكر : حرجاً بكسر الراء ، والباقون بفتحها .
(٢) ذكر ابن الجوزي في كتاب ((المقتبس)» أنه سمع الوزير أبا المظفر
يحيى بن محمد بن هبيرة الحنبلي صاحب كتاب: ((الافصاح عن معاني الصحاح))
يقول في قوله تعالى: ( حجاباً مستوراً ) قال : أهل التفسير ، يقولون :
سائراً، والصواب حله على ظاهره ، وأن يكون الحجاب مستوراً عن العيون
فلا يرى ، وذلك أبلغ .

- ١٤٤٠ -
والحجاب: الطبْع. وقال الله سبحانه وتعالى: ( ولا يرضى لعبادِهِ الكُفْرَ )
[ الزمر : ٧ ] .
قال رحمه الله: فالعبدُ له كسْبٌ ، وكسبُه مخلوق يخلقه الله حالة
ما يَكْسِب، والقدر سرٌ من أسرار الله لم يُطْلِعْ عليه ملكاً مقرباً،
ولا نبياً مرسلًا ، لا يجوز الخوض فيه، والبحث عنه بطريق العقل ،
بل يعتقد أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ، فجعلهم فريقين: أهلَ يمين خلقهم
المنعيم فضلاً، وأهلَ شمالٍ خلقَهُم الجحيم عدلاً.
قال الله سبحانه وتعالى: (ولقّد قَرَأْنا لجَهَنَّمَ كثيراً من الجِنّ
والإنْسِ ) [الأعراف: ١٧٩]، وقال اله سبحانه وتعالى: ( أولئك
يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِن الكتاب) [ الأعراف: ٣٧ ]. قال سعيد بن
جَبَيْر: ما قدَّرَ لهم من الخير والشر، ومن الشِّقُوةِ والسعادة، وقال
الله تعالى: ( ما أنتُمْ عليه بقاتنين ) قال مجاهد: بِمُضلِّين ( إلا مَن هو
صالِ الجعيم ) [الصافات: ١٦٢، ١٦٣] إلا من كتب الله أنه
يصلى الجحيم ، وقال الله تعالى: ( كما بدّاكُم تعودون ) قال سعيد
ابن ◌ُجبير: كما كُتيبَ عليكم تكونون (فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم
الضّلالة) [ الأعراف: ٢٩، ٣٠]. وقال سبحانه وتعالى: (إنّا
هدَيناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكراً وإما كفوراً) [ الإنسان: ٣] وقيل
في قوله سبحانه وتعالى: (وهد يناه النّجْدّينِ) [البلد: ١٠] أي :
طريق الخير ، وطريق الشر .
وقال عمر بن عبد العزيز: لو أراد الله أن لا يُعصى لم يُخْلُق إبليسَ
ويُروى هذا مرفوعاً .

- ١٤٥ -
وقال الله سبحانه وتعالى: ( ولو شئْنا لآتبْنا كلّ نفْسٍ مُدّاها
وَلَكِنْ حقّ القولُ منَّ لْأمْلأنَّ جَهَنْمَ من الجِنَّةِ والنّاسِ أجمعين)
[ السجدة: ١٣ ] .
فنسأل الله التوفيق لطيْب المكتسب ، ونعوذ به من سوء المنقلَب
بفضله .
قال طاوس اليمانيُ: اجتنبوا الكلام في القدر ، فان المتكلّمين فيه
يقولون بغير علم.
قال سفيان الثّوري: ما أحبّ اللهُ عبداً فأبغضه، وما أبغضه فأحبه،
وإن الرجل ليعبُدُ الأوثان" وهو عند الله سعيدٌ" .
شرح السنة: ٢ - ١٠

باب
الأمور بمشيئة الله سبحانه وتعالى
قال الله سُبْحَانَهُ وتَعالى: ( مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّ أَنْ يَشَاءُ
اللهُ) [الأنعام: ١١١]، وقال الله عَزَّ وَجَلَّ: (وَمَا تَشَآؤُنَ
إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللهُ) [الإنسان: ٣٠]، وقالَ اللهُ تَعالى:
(وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَيءُ إِنِي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إَلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ)
[ الكهف : ٢٤ ] .
حُكَي عَنْ بَعضِ السَّفِ قال: إذا نَسِيَ الإنسَانُ أَنْ يَقُولَ:
(((إِنْ شَاءَ اللهُ، فَتَوْبَتُهُ: (عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبّ ◌ِأَقْرَبَ مِنْ
هَذا وَشَدَآَ ) [الكهف: ٢٤].
وقوله عَزَّ وَجَلَّ: (أَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلا تُسَبِّحُونَ)
[ القلم: ٢٨]، أَي: تَسْتَثْنُونَ، كما قال في أول الآية:
( ولا يسْتَثْنُونَ) ثُمِّيَ الاستثناءُ تَسبيحاً ، لأَنَ التَّسِْيحَ تَعظيمُ
الله تعالى وَزيُهُ، وفي الاستثناء تَعظِيمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ، والإقْرارُ
بأنهُ لا يشاءُ أَحَدٌ شَيئاً إلا أَنْ يَشَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعالى .

- ١٤٧ -
٧٩ - قال الإمام الحسين بن مسعود : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النُّعَيمِي ، أنا محمد بن يوسف ، حدثنا
محمد بن إسماعيل، نا أبو اليمان، أنا ◌ُشْعَيْبٌ، نا أبو الزّناد ، عن الأعرج
عن أبي هريرة :
قال رَسُولُ اللهِ ◌ّهِ:(( قال سُليمانُ عَ ليهِ: لِأَطُوفَنَّ
الََّةَ على تِسْعِينَ امْرأَةٌ، كُلُهُنَّ تَأْتِي بِفَارِسِ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ
اللهِ، فقالَ لهُ صَاحِبُهُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللهُ، فَلَمْ يَقُلْ : إِنْ
شَاءَ اللهُ، فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جميعاً، فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إلا امْرَأَةٌ
وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشِقُ رَجُلٍ، وَانِمُ الَّذِي نَفْسُ محمّدٍ بِدِهِ
لو قال: إنْ شَاءَ اللهُ، لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فُرسَاناً أَجْمَعُونَ)).
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم ، عن زهير بن حرب
عن "شبابَة، عن وَرْقَاءَ، عن أبي الزّناد .
وقال طاوس عن أبي هريرة: ((لأطرفَنّ الليلة بمائة امرأةٍ، قال
له الملك: ◌ُقُلْ: إِنْ مشاء الله، فلم يَقُلْ وَتَسِيَ)) (٢).
(١) البخاري ٤٦٠/١١ في الأيمان: باب كيف كانت يمين النبي صلى الله
عليه وسلم ، وفي الأنبياء: باب قول الله تعالى: ( ووهبنا لداود سليمان نعم
العبد إنه أواب )، وفي النكاح: باب قول الرجل: لأطوفن الليلة على نسائي
وفي التوحيد: باب في المشيئة والإرادة وماتشاؤن إلا أن يشاء الله، ومسلم
(١٦٥٤) (٢٥) في الأيمان: باب الاستثناء .
(٢) أخرج هذه الرواية البخاري في «صحيحه» ٢٩٦/٩ في النكاح.

- ١٤٨ -
والأعرج: هو أبو داود عبد الرحمن بن مُرُمُز المدنيّ مولى بني
عبد المطلب.
وأبو الزناد: اسمه عبد الله بن ذكوان من أهل المدينة مولى لآل
عثمان ، وقال ابن ◌ُيَيْنّة: كان كُنْفَتّه أبو عبد الرحمن، ولقبه أبو الزناد.
ورُوي عن عمرو بن مَيْمون ، عن أبيه، عن ابن عباس ، قال :
لما بَعَثَ الله تعالى مومى وكلمه، وأنزل عليه التوراة، فقال: ((اللّهُمَّ
إنّك ربٌ عظيمٌ لو شِئْتَ أن تطاعَ لأُطِعتَ، ولو شئتَ أن لا تُعصى
ما مُصيت، وأنت متحِبُ أن تُطاع، وأنت في ذلك تُحصى ، فكيف
هذا ياربّ ؟ فأوحى الله عز وجل إليه: إني لا أسألُ عمَّا أفعّل وهم
يُسألون، فانتهى موسى عليه السلام)) (١).
(١) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣١٦/٤ ونسبه إلى الطبراني
من طريق ميمون بن مهران ، عن ابن عباس، وذكره أيضاً عن ميمون بن
مهران، ونسبه إلى البيهقي في: «الأسماء والصفات)) وابن أبي حاتم .

باب
الأعمال بالخواتيم
٨٠ - قال الإمام الحسين بن مسعود : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المتليحي ، أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، أنا أبو القاسم
عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، نا علي بن الجمّعْد ، نا أبو
غسان وهو محمد بن ◌ُطَرِّفٍ، عن أبي حازمٍ، قال: سمعت سَهلَ
ابنَ سَعْدٍ رضي الله عنه يقول :
قالَ رَسُولُ اللهٍِّ: ((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَىَ
النَّاسُ بِعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ، وإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وإِنْهُ
لَيَعْمَلُ فِما يَرَى الَّاسُ بِعَمَلِ أَهْلِ الَّارِ، وأَنْهُ مِنْ أَهْلِ
الْجَنَّةِ، وإِنَّا الأعْمَالُ بالْحَواتِيمِ،.
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (١) عن ◌ُقَتَّيْبَةَ بن سَعيدٍ، عن
يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن سهل بن سعدٍ الساعديّ
الأنصاريّ: هو أبو العباس المَدَنيُ مات سنة ثمانٍ وثمانين .
وأبو حازم : اسمه سلمة بن دينار الأمرج المدني مولى الأسود بن
سفيانَ المخزوميّ.
(٢) (١١٢) في الإيمان: باب بيان غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ...
وفي أول القدر .
.

باب
وعيد القدرية
٨١ - قال الشيخ الحسين بن مسعود: أخبرنا أبو الحسن علي بن
الحسين بن الحسن القَرْينينيُ(١)، أخبرنا أبو مسلم غالب بن عليّ بن محمد
الرّزي، أنا أبو مَعْشَرٍ يعقوبُ بنُ عبد الجليل بن يَعْقُوب، نا أبو
يزيد حاتم بن محبوبٍ ، نا أحمد بن تَصْرٍ النّيْسَابوري، نا عبد الله بن
الوليد العَدَنيُ، نا الثوري، عن زياد بن إسماعيل السّهْمِي، عن محمد
ابن عبّادِ المخزُوميّ، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
قال: جَاءَ مُشْرِكُو قُرَيشٍ إِلى النَّيِّ بِّهِ يُخَاصِمُونَهُ في
الْقَدَرِ، فَزَلَتْ هَذهِ الآيةُ: (إنَّ الْمُجْرِ مِينَ في ضَلالٍ وَسُعُرٍ)
إلى قَولِهِ: (إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [ القمر: ٤٨، ٤٩].
هذا حديث صحيح أخرجه مسلم (٢) عن أبي كريبٍ ، عن وكيع،
(١) بفتح القاف، وكسر الراء، وسكون الياء، وفتح النون ، وسكون الثانية
وبعدها نون نسبة إلى القرينين ، وهي بليدة على وادي مرو ، يقال لها :
بركديز ، وإنما قيل لها : القرينين ، لأنها كان يقرن بينها وبين مروالروذ ،
فيقال : قرينان .
(٢) (٢٦٥٦) في أوائل القدر .

- ١٥١ -
عن سفيان الثوريّ .
قوله: ((في ضلالٍ وُعرٍ)) قيل: في أمر ◌ُسعِر ، أي :
يُذْهِبُ. وقال الأزهري: في ◌ُجُنون، يقال: ناقة" "مَسعُورة". إذا
كان بها ◌ُجُنونٌ، وقيل: ◌ُعُرٌ: جمع سعير.
٨٢ - قال الإمام الحسين بن مسعود: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن
يوُسف الجَوْينيُ، أنا أبو محمد محمد بن علي بن محمد بن شريك الشافعيء،
أنا عبد الله بن محمد بن مُسْلِم أبو بكر الجُوْرَبَذي، نا يونس بن
عبد الأعلى ، أنا ابن وهب ، قال : أخبرني أبو صَخْرٍ ، عن نافع.
قالَ : بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ عَبْدِ اللهِ بنِ مُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْه
قُعُودٌ، إِذْ جَاءَ إِنْسَانٌ، فقال: إنَّ قُلاَنَآَ يَقْرأُ عَلَيْكَ السَّلامَ
رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، قالَ ابنُ مُمَرَ: إِنَّهُ بَلَغْنِي أَنَّهُ أَحْدَثَ
حَدَثَاً ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ ، فَلا تَقْرَأُ عَلَيْهِ مِ السَّلَامَ سَمِعْتُ
رَ سُولُ الله عَّهِ يقول :
(( يَكُونَ فِي أُمَّتِي مَسْخٌ وَخَسْفُْ، وَهُوَ فِي الزَّنْدَقَةِ
وَالْقَدَرِيَّةِ ، (١) .
(١) إسناده حسن، ورواه أحمد في ((المسند)) ١٠٨/٢ و ١٣٧ بلفظ
« سيكون في أمتي مسخ وقذف ، وهو في الزنديقية والقدرية » وسنده حسن
ورواه الترمذي ( ٢١٥٣) في القدر، وابن ماجة (٤٠٦١ ) في الفتن بلفظ
((يكون في أمتي - أوفي هذه الأمة - مسخ وخسف وقذف ، وذلك في
أهل القدر)) وقال الترمذي : حديث حسن صحيح غريب .

- ١٥٢ -
رُوي عن ابن عمر عن النبي ◌َِّمِ قال: ((القَدَريّةُ تَجوسُ هذه
الأمة، إنْ مَرِضِوا فلا تَعُودُوهم، وإن ماتوا فلا تَشْهَدُوم)) (١).
وُرُوي عن ابن طاوس عن أبيه، قال: "لقي عيسى بن مريم
إبليسَ، فقال: أما عَلِمتَ أنه لا يُصِيبُك إلا ما قُدِّرَ لك ؟ قال:
نعَم، قال إبليس: فأوفٍ بذِرْوَةِ الجَبَل ـ أي: اصعد - فَتَّرَدّ فيه ،
فانظر أتعيش أم لا، فقال: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يُجَرّ بُني
عبدي فإني أفعل ما شئت .
(١) رواه أحمد (٥٥٨٤) و (٦٠٧٧) وفيه عمر بن عبد الله المدني
مولى غفرة ، وهو ضعيف، وكان كثير الارسال ، ورواه أبو داود في «سننه»
(٤٦٩١) والحاكم ٨٥/١ من طريقه عن أبي حازم سلامة بن دينار ، عن ابن
عمر مرفوعاً وهو منقطع ، لأن أبا حازم لم يسمع من ابن عمر ، ورواه
الآجري في «الشريعة)»: ١٩٠ وفيه الحكم بن سعيد السعدي ، قال البخاري :
منكر الحديث ، وقد حسنه بهذه الطرق الأستاذ ناصر الدين الألباني في تعليقه
على «المشكاة)» ١٠٧/١ طبع المكتب الإسلامي .

باب
أطفال المشركين
٨٣ - قال الإمام الحسين بن مسعود رحمه الله : أخبرنا الإمام أبو
علي الحسين بن محمد القاضي ، نا أبو الطيّب سهل بن محمد بن سليمان ،
أنا أبو عمرو إسماعيل بن مُنَجَيْد السُّلَمي، أنا إبراهيم بن عبد الصمد
البَحْري، نا أبو عاصم النّبيلُ، عن ابن أبي ذِئب ، عن ابن شهاب ،
عن عطاء بن يزيد ، عن أبي هريرة :
قالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ◌ِّمٍ عَنْ أَولادِ الْمُشْرِكِينَ قال:
((اللهُ أَعْلَمُ بِا كَانُوا فَاعِلِينَ » .
هذا حديث متفق على صحته .
وابن أبي ذئب : هو محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ذئب القرشي
أبو الحارث مدني .
قال الإمام الحسين بن مسعود : أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ،
أنا أحمد بن عبد الله النُّعَيْمي، أنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن
إسماعيل، نا أبو اليان، أنا مُشْعَيْبٌ ، عن الزهري، قال : أخبرني عطاء
ابن يزيد الليثي أنه سمع أبا هريرة .
يَقُول: سُئِلَ وَسُولُ اللهِهِ عَنْ ذَوَارِيُّ الْرِكِينَ،
قال: ((اللهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ».

- ١٥٤ -
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي الطاهر ، عن
ابن وهب ، عن ابن أبي ذئب ، ويونس عن ابن شهاب .
٨٤ - أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد المنيعي ، أنا أبو طاهر الزّيادي ،
أنا أبو بكر محمد بن الحسين القطان، نا أحمد بن يوسف السُّلَمي ،
نا عبد الرزاق، أنا معمر ، عن حمّام بن منبه ، نا أبو هريرة .
قال: قالَ رَسُولُ اللهِهِ: ((مَنْ يُولَدُ بُولَهُ عَلَى الْفِطْرَةِ
فَأَبَوَاهُ بُهَوْدَانِهِ أَوْ يَنَصْرَانِهِ كَمَا تَنْتِجُونَ الْبَيْمَةَ، هَلْ تَجِدُونَ
فِيها مِنْ جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْتَجْدَهُونَها، .
قَالُوا: يَا وَسُولَ الله أَفَرَأَيْتَ مَنْ يَمَوتُ وهُوَ صَغِيرٌ؟
قال: ((اللّهُ أَعْلَمُ بِا كَانُوا عَامِلِينَ،.
هذا حديث متفق على صحته (٢) أخرجه محمد عن إسحاق ، وأخرجه
مسلم عن محمد بن رافع ، كلاهما عن عبد الرزاق .
أخبرنا أبو الحسن الشّير زي، أنا زاهر بن أحمد ، أنا أبو إسحاق الهاشمي ،
(١) البخاري: ١٩٦/٣ في الجنائز: باب ما قيل في أولاد المشركين،
وفي القدر : باب الله أعلم بما كانوا عاملين، ومسلم ( ٢٦٥٩ ) في القدر : باب
معنى كل مولود يولد على الفطرة .
(٢) البخاري ٤٣٢/١١ في القدر: باب الله أعلم بما كانوا عاملين ، وفي
الجنائز: باب إذا أسلم الصبي فات هل يصلى عليه، وباب ماقيل في أولاد المشركين ،
وفي تفسير سورة الروم، ومسلم ( ٢٦٥٨) (٢٤) في القدر : باب معنى
كل مولود يولد على الفطرة ...

- ١٥٥ -
أنا أبو مُصعَب، عن مالك، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي
هريرة عن النبي ◌َّ بهذا (١).
قال الشيخ رحمه الله : أطفال المشركين لا يحكم لهم يجنةٍ ولا نارٍ ،
بل أمرهم موكول إلى علم الله تعالى فيهم، كما أفتى به الرسول يحملرقم (٢).
(١) هو في «الموطأ)): ٢٤١/١ في الجنائز: باب جامع الجنائز.
(٢) قال ابن القيم رحمه الله: وفي الاستدلال على ماذهبت إليه هذه الفرقة
بهذا الحديث نظر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجب فيهم بالوقف، وإنما
وكل على ما كانوا يعملون لو عاشوا إلى الله سبحانه وتعالى، والمعنى: الله أعلم
بما كانوا يعملون أو عاشوا، فهو سبحانه وتعالى يعلم القابل منهم الهدى ، العامل به
لو عاش، والقابل منهم الكفر، المؤثر له، لكن لابدنى هذا على أنه يجزيهم بمجرد علمه
فيهم بلا عمل يعملونه ، وإنما يدل على أنه يعلم منهم ماهم عاملون بتقدير حياتهم .
قلت : وفي هذه المسألة أقوال أخرى العلماء؛ ذكرها ابن القيم في ((طريق
الهجرتين)»: ٣٨٧، ٤٠١، والحافظ ابن حجر في ((الفتح)» ١٩١/٣ والقول
الصحيح الذي ذهب إليه المحققون من العلماء ، وارتضاه جمع من المفسرين
والمتكلمين هو أنهم في الجنة، واحتجوا بما رواه البخاري في ((صحيحه))
١٢ / ٣٨٤ من حديث سمرة بن جندب قال: كان رسول الله صلى الله عليه
وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ قال: فيقص
عليه ماشاء الله أن يقص، وإنه قال لنا ذات غداة: إني أتاني الليلة آتيان ،
فذكر الحديث ...
وفيه: «وأما الولدان الذين حوله، فكل مولود مات على الفطرة)) فقال
بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين ! فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: ((وأولاد المشركين)».
فهذا الحديث الصحيح صريح في أنهم في الجنة ، ورؤيا الأنبياء وحي .
وفي (( مستخرج البرقاني)» على البخاري من حديث عوف الأعرابي ، عن أبي -

- ١٥٦ -
وجملة الأمر أن مرجع العباد في المعاد إلى ما سبق لهم في علم الله
سبحانه وتعالى من السعادة والشقاوة .
- رجاء العطاردي، عن سمرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((كل.
مولود يولد على الفطرة)) فقال الناس : يا رسول الله وأولاد المشركين ! قال:
(( وأولاد المشركين)).
وروى أحمد ٥٨/٥ وأبو داود (٢٥٢١) من طريق حسناء بنت معاوية الصريمية
عن عمها قال: قلت: يا رسول الله من في الجنة؟ قال: ((النبي في الجنة ،
والشهيد في الجنة، والموؤودة في الجنه)» وحسنه الحافظ في ((الفتح)).
وفي القرآن الكريم: ( وماكنا معذبين حتى نبعث رسولاً) ((الاسراء: ١٥)»
وهؤلاء لم تقم عليه حجة الله بالرسل فلا يعذبهم .
وفيه أيضاً: ( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً
يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون) ((القصص : ٥٩))
فإِذا كان سبحانه وتعالى لا يهلك القرى في الدنيا ، ويعذب أهلها إلا بظلمهم ،
فكيف يعذب في الآخرة العذاب الدائم من لم يصدر منه ظلم . ولا يقال:
كما أهلكه في الدنيا تبعاً لأبويه وغيرهم ، فكذلك يدخله النار تبعاً لهم ، لأن
مصائب الدنيا إذا ورهت لا تخص الظالم وحده، بل تصيب الظالم وغيره ،
ويبعثون على نياتهم وأعمالهم كما قال تعالى: ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين
ظلموا منكم خاصة ) ((الأنفال: ٢٥)».
وفي «الصحيح)» من حديث عائشة ((بغزو جيش الكعبة ، فإذا كانوا ببيداء
من الأرض يخسف بأولهم وآخرهم )» قالت: قلت : يا رسول الله كيف
يخسف بأولهم وبآخرهم، وفيهم أسواقهم ومن ليس منهم؟ قال : ((يخسف بأولهم
وبآخرم ثم يبعثون على نياتهم» . فأما عذاب الآخرة ، فلا يكون إِلا الظالمين
خاصة ، ولا يتبعهم فيه من لا ذنب له أصلاً . قالوا : وقد أخبر النبي صلى
الله عليه وسلم: أن كل مولود يولد على الفطرة ( وهي الاسلام ) وإنما بهوده
أو ينصره أبواه، فإذا مات قبل التهويد والتنصير، مات على الفطرة، فكيف -

- ١٥٧ -
وقيل : حكم أطفال المؤمنين والمشركين حكم آبائهم ، وهو المراد من
قوله رَالفم ((الله أعلم بما كانوا عاملين)) يدل عليه ماروي مفسراً عن
عائشة أنها قالت: قلت يا رسول الله ذراري المؤمنين ؟ قال: ((من
آبائهم)) فقلت: يا رسول الله بلا عمل! قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين))
قلت: فذراري المشركين؟ قال: ((من آبائهم)) قلت : بلا عمل !
قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)) (١).
وقال معمر عن قتادة عن الحسن أن سلمان قال: أولاد المشركين
خدَمُ أهل الجنة . قال الحسن : ما تعجبون ! أ کرمهم الله ، وأ کرم بهم.
وقوله: ((مَن يُوَلَد يُولد على الفطرة)) أصل الفطرة في اللغة: ابتداء
الخلقة، قال الله تعالى ( الحمدُ للهِ فاطِرِ السَّمواتِ والأرضِ ) أي :
مبتديها ، يقال: فطر نابُ البعير: إذا طلَع أوّلَ ما نبت .
قال حماد بن سلمة في معنى الحديث : هذا عندنا حيث أخذ الله
- يستحق النار !! وقالوا : النار لايعذب فيها إلا من عمل بعمل أهلها، وهي
دار جزاء ، فمن لم يعص الله طرفة عين كيف يجازى بالنار خالداً مخلداً أبد
الآباد. ولو عذب هؤلاء لكان تعذيبهم إما مع تكليفهم بالإيمان أو بدون تكليف،
والقسمان ممتنعان، أما الأول : فلاستحالة تكليف من لا تمييز له ولا عقل أصلً،
وأما الثاني: فيمتنع أيضاً بالنصوص التي جاءت في القرآن من أن الله لايعذب
أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه.
قال ابن القيم : وهذه حجج كما ترى قوة وكثرة ، ولاسبيل إلى دفعها.
(١) أخرجه أبو داود ( ٤٧١٢ ) في السنة: باب في ذراري المشركين
وسنده صحيح .

- ١٥٨ -
عز وجل عليهم العهدَ في أصلاب آبائهم، فقالت: ( ألستُ بربكم ؟
قالوا : بلى ) .
قال أبو سليمان الخطابي : معنى قول حماد في هذا حسن ، وكأنه
ذهب إلى أنه لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا ، وإنما يعتبر الإيمان
الشرعي المكتسب بالإرادة والفعل، ألا ترى أنه يقول: «فأبواه يهودانه
وينصِّرانه )) يعني في حكم الدنيا ، فهو مع وجود الإيمان الفطري فيه
محكوم له بحكم أبويه الكافرين.
قال الشيخ رحمه الله : معناه : أن الفطرة في هذا الحديث هي العهد
الذي أخذ عليهم بقوله تعالى: ( أَلستُ بربكم قالوا بلى )
[ الأعراف: ١٧٢] وكلٌّ ◌ُقِرٌ بأن له صانعاً مدبراً، وإن عبد ماسواه
ظناً منه أنه ◌ُيُقَرَّبُه إليه، قال الله تعالى: (ولئن سألتَهم مَن خلَقَهُمْ
ليقوُلُنّ الله) [الزخرف: ٨٧] وقالوا - أي: الذين اتخذوا من دونه أولياء -
ماَ نعبُدُهم إلا ليقربونا إلى اللهِ زلفى) [الزمر: ٣] وكل مولود في
العالم على ذلك الإقرار وهو الحنيفية التي وقعت الخلقةُ عليها .
قال النبي عليه السلام: يقول الله تعالى: ((إلي خلقت عبادي جميعاً
حنفاء فاجتَاً لَتْهُمُ الشياطينُ عن دينهم)) (١) وذلك الإقرارُ لا يبتني عليه
(١) قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٨٦٥)
في الجنة وصفة نعيمها وأهلها من حديث عياض المجاشعي مرفوعاً أوله: ((ألا
إن ربي أمرني أن أعلمكم ماجهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال ،
وإني خلقت عبادي ... )»

- ١٥٩ -
ثوابٌ ولا حكم، ألا ترى أن الطفل محكوم بدين أبويه الكافرين }، {فإذا
ملكه مسلم ، حكم له بدين مالكه ، والله أعلم .
قال الإمام رحمه الله: وقد روى بعضهم: ((مَا مِن مولودٍ يُولد
إلا على فِطْرةِ الإسلامِ حتّى يُعرِبَ، فَأَبَواه ◌ُهَوّدّانهِ وينصرانهِ)) (١)
أراد به الفطرة التي يعتقدها أهل الإسلام حيث قالوا : بلى ، ولا يبتني
عليه الحكم كما سبق.
قال الخطابي : وفيه وجه آخر ذهب إليه عبد الله بن المبارك حين
سئل عنه ، فقال في تفسير قوله حين ◌ُسْلَ عن الأطفالِ ، فقال:
((الله أعلم بما كانوا عاملين)) يريد - والله أعلم - أن كل مولود من البشر
إنما يولد على فطرته التي جبل عليها في علم الله تعالى من السعادة أو الشقاوة ،
فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليه ، وعامل في الدنيا بالعمل
المشاكل لفطرته في السعادة والشقاوة .
فمن أمارات الشقاوة للطفل أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين ،
فيحملانه - لشقائه - على اعتقاد دينها ، فينشأ عليه أو يموت قبل أن يعقل ،
فيصف الدين ، فهو محكوم له بحكم والده .
(١) أخرجه أحمد ٣ / ٣٥٣ من حديث الحسن، عن جابر بلفظ: ((كل
مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه ، فإذا أعرب عنه لسانه ، إما
شاكراً وإما كفوراً)) وأخرجه أيضاً ٤٣٥/٣ و٢٤/٤ من حديث الحسن عن
الأسود بن سريع بلفظ . ((كل نسمة تولد على الفطرة حتى بعرب عنها لسانها)»
والحسن مدلس ، وقد عنعن فيها ..

- ١٦٠ -
قال الشيخ رحمه اله : الذي يدل عليهٍ قوله سبحانه وتعالى ( لاتبديل
لخلق الله) أي : لا تبديل لتلك الخلقة التي خلقهم لها من الجنة أو النار
كما جاء في الحديث: ((خَلَقْتُ هَؤلاء للجنّةِ وبعمل أهلِ الجنّةِ
يَعْملون، وخَلَقْتُ هؤلاء للنّار وبَعَمل أَهْلِ النّارِ يَعْمَلونَ)) (١).
قال الخطابي : وفيه وجه ثالث وهو أن يكون معناه: أن كل مولود
من البشر إنما يُولد في مبدإِ الحلقة على الفطرة ، أي: على الجبلّة السليمة ،
والطبع المتهيىء لقبول الدين ، فلو ترك عليها ، لا ستمرّ على لزومها ،
ولم يفارقها إلى غيرها، لأن هذا الدين موجود حسنه في العقول، وبشره
في النفوس، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره لآفة من آفات النشوء
والتقليد، فلو سليم المولودُ من تلك الآفات لم يعتقد غيره ، ثم تمثل
بأولاد اليهود والنصارى واتباعهم لآبائهم ، والميل إلى أديانهم ، فيزولون
بذلك عن الفطرة السليمة ، وعن المحجة المستقيمة .
وليس في هذا ما يوجب حكم الإيمان له إنما هو ثناء على هذا الدين ،
وإخبار عن سر محله من العقول ، وحسن موقعه في النفوس . هذا قول
أبي سليمان في كتابه (٢).
(١) تقدم الحديث بتمامه (٧٧)، وروى أحمد في «المسند» ١٧٦/٤ و٦٨/٥ بسند
صحيح من حديث أبي نضرة عن رجل من أصحاب رسول الله قال : سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله عز وجل قبض بيمينه قبضة
وأخرى باليد الأخرى ، وقال : هذه لهذه ، وهذه لهذه ، ولا أبالي».
(٢) «معالم السنن» وهو فيه ٠٨٣/٧ ٨٨ نقول: وأشهر الأقوال وأصحها أن المراد -