النص المفهرس

صفحات 61-80

- ٦١ -
بِينَ أَيدِيكُمْ وأَرُجْلِكُمْ، ولا تَعْضُوا فِي مَعْرُوفٍ، فَنْ وَفَى
مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ على الله، ومَنْ أَصَابَ منْ ذلكَ شيئاً فَعُوقِبَ
في الدنيا، فَهوَ كِفَّارَةٌ(١)، ومَنْ أَصابَ من ذلك شيئاً، ثم ستَرَهُ
اللهُ، فهو إلى الله، إنْ شاءَ عَفَا عَنْهُ، وإنْ شاءَ عاقَبَهُ)) فَبايعناهُ
على ذلك .
هذا حديث متفق على صحته (٢) ، وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى
(١) زاد أحمد (( له)) وكذلك هو البخاري من وجه آخر في باب المشيئة
من كتاب التوحيد .
(٢) البخاري ١ / ٦٠ في الايمان: باب علامة الايمان حب الأنصار، وفي
فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : باب وفود الأنصار إلى النبي
صلى الله عليه وسلم بمكة ، وفي المغازي : باب شهود الملائكة بدراً، وفي
تفسير سورة الممتحنة ، وفي الحدود : باب الحدود كفارة ، وباب توبة
السارق ، وفي الديات : باب قول الله تعالى (ومن أحياها ) وفي الأحكام :
باب بيعة النساء ، وفي التوحيد : باب في المشيئة والارادة (وما تشاءون
إلا أن يشاء الله ) وأخرجه مسلم رقم ( ١٧٠٩) في الحدود : باب الحدود كفارة
لأهلها، والنسائي ٧ / ١٤١، ١٤٢ في البيعة: باب البيعة على الجهاد ،
والدارمي ٢٢٠/٢. وجمهور العلماء على أن الحدود كفارات لهذا الحديث ، ولو
لم يتب المحدود ، وقيل: لابد من التوبة ، وبذلك جزم بعض التابعين ، وهو
قول. المعتزلة، ووافقهم ابن حزم، ومن المفسرين المصنف رحمه الله ، وطائفة يسيرة
واستدلوا باستثناء من تاب في قوله تعالى: ( إلا الذين تابوا من قبل أن
تقدروا عليهم ) والجواب في ذلك أنه في عقوبة الدنيا ، ولذلك قيدت بالقدرة عليه .
ولم ينفره عبادة بن الصامت رضي الله عنه بهذا المعنى كما قال الحافظ
بل روي ذلك عن علي بن أبي طالب ، وهو في الترمذي، وصححه الحاكم ، وفيه -

- ٦٢ -
وأبي بكر بن أبي شيبة ، وغيرهما ، عن سفيان بن عيينة ، عن الزهري .
وعبادة بن الصامت الأنصاري : كنيته أبو الوليد شهد بدراً . وعائد
الله أبو إدريس الخولاني الشامي ، ولد عام حنين .
قوله: ((ولا تأتوا بيهتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم)) قال الخطابي:
يقال: بهت الرجل صاحبه يَبْهَتُ بَهناً وبهتاناً، وهو أن يكذب عليه
الكذب الذي يُبهت من شدة ◌ُنكره، ويتحير فيه ، فيبقى مبهوتاً . والمراد
منه قذف أهل الإحصان ، ويدخل فيه رمي الناس بالعظائم ، وما يلحق
به العار والفضيحة .
وقوله: ((تفترونه بين أيديكم وأرجلكم)) ذكر اليد والرجل مع أنه
لا صنع لهما فيه ، وهو على وجهين. أحدهما : أن معظم أفعال الناس إنما
يُضاف إلى الأيدي والأرجل، لأنها العوامل ، وإن شاركها سائر
الأعضاء ، كما إذا أولاه صاحبُه معروفاً، يقول: صنع فلان عندي
بدأ ، وله عندي يد ، والصنائع : الأيادي ، وقد يعاقب الرجل على
جناية لسانه ، فيقال له : هذا بما كسبت يدك ، واليد لا فعل لها فيه .
فمعنى الحديث : لا تبهتوا الناس افتراء واختلافاً بما لم تعلموه منهم،
فتجنوا عليهم من قِبَل أيديكم وَأرُجُلِكُمْ، أي: قِبَل أنفسكم جناية"
تفضحونهم بها، وهم بُرَآءُ ، واليد والرجل كناية عن الذات .
- « من أصاب ذنباً فعوقب به في الدنيا ، فالله أكرم من أن يثني العقوبة على
عبده في الآخرة » ، وهو عند الطبراني بإسناد حسن من حديث أبي تميمة
الهجيمي، ( وفي «الفتح)) الجهيمي وهو خطأ ) ولأحمد من حديث خزيمة
ابن ثابت بإسناد حسن، ولفظه: ((من أصاب ذنباً أقيم عليه ذلك الذنب ،
فهو كفارة له)»، والطبراني عن ابن عمرو مرفوعاً ((ما عوقب رجل على
ذنب إلا جعله الله كفارة لما أصاب من ذلك الذنب)).

- ٦٣ -
والوجهُ الآخر : أن لا تبهتوا الناس بالعيوب كفاحاً يشاهدُ بعضُكْ
بَعْضاً، كما يقال : فعلت هذا بين يديك ، أي : بحضرتك ، وهذا النوع
أشْد ما يكون من البَهْت .
وقوله سبحانه وتعالى في امتحان النساء ( ولا باتين بيُهْتَانٍ يَفتّرينَهُ
بَيْنَ أَيَدِيمِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ) [الممتحنة: ١٢] يحتمل مع الوجهين
وجهاً ثالثاً، وهو أن تلتقط المرأة لقيطاً، وتقول لزوجها : هذا ولدي
منك ، فتلحق بزوجها ولداً ليس منه : هو البُهتان المفترى بين أيدين
وأرجلهن ، وذلك أن المولود إذا وضعته الأم يسقط بين يديها ورجليها،
وحضانته وتربيته في الصغر تكون بين الأيدي والأرجل ، فأخذّ عليهن
من الشرط أن لا يأتين بكذبٍ وبُهتانٍ من الفعل محله بين الأيدي
والأرجل، وليس المراد منه أن تأتي بولدٍ من الزنا، فتنسبه إلى الزوج ،
لأن شرط النهي عن الزنا ، قد تقدم ذكره .
وقيل : كنى بما بين يديها ورجليها عن الولد ، لأن فرجها بين
الرجلين وبطنها الذي يحمله بين اليدين ، والله أعلم .
٣٠ - قال الشيخ الحسين بن مسعود: أخبرنا عبد الواحد بن أحمد
المَلِيحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعَيْمِي، أنا محمد بن يوسف ، نا محمد
ابن إسماعيل ، نا عليٌ هو ابن عبد الله ، نا سفيان، عن إسماعيل هو
ابن أبي خالدٍ ، عن قيس سمعت جريراً .
باَيَعْتُ رَسُولَ اللهِ عَِّ على شَهادَةِ أَنْ لا إله إلا الله، وأَنَّ

- ٦٤ -
محمداً رَسُولُ الله، وإِقَامِ الصَّلاةِ، وإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، والسَّعِ
والطَّاعَة، والنَّصْحِ لِكَلِّ مُسْلٍ .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي
شيبة ، عن عبد الله بن نمير ، عن إسماعيل بن أبي خالد .
وجرير : هو جرير بن عبد الله البجليء أبو عمرو نزل بالكوفة .
وقيسٌ: هو ابن أبي حازم البجليّ كوفي أبو عبد الله، ويقال:
أبو عبيد الله (٢).
(١) البخاري ٣١١/٤ في البيوع: باب هل يبيع حاضر لباد بغير أجر،
وفي الايمان : باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة لله ولرسوله
ولأئمة المسلمين وعامتهم ، وفي مواقيت الصلاة: باب البيعة على إقامة الصلاة،
وفي الزكاة : باب البيعة على إيتاء الزكاة ، وفي الشروط : باب ما يجوز من الشروط
في الاسلام والأحكام والمبايعة ، وفي الأحكام : باب كيف يبايع الامام الناس ،
وأخرجه مسلم رقم ( ٥٦) في الايمان: باب بيان أن الدين النصيحة، وفي لفظ
للبخاري: ((بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقني
« فيإ استطعت ، والنصح لكل مسلم » ، ورواه ابن حبان من طريق أبي
زرعة بن عمرو بن جرير عن جده ، وزاد فيه : (( فكان جرير إذا اشترى
شيئاً أو باع يقول لصاحبه: ((اعلى أن ما أخذنا منك أحب إلينا مما أعطيناكه
فاختر)) وروى الطبر ني في ترجمته أن غلامه اشترى له فرساً بثلاثمئة درم ،
فلما رآه جاء إلى صاحبه، فقال: ((إن فرسك خير من ثلاثمئة ، فلم يزل
يزيده حتى أعطاه ثمانمئة)» .
(٢) ثقة من الطبقة الثانية مخضرم، ويقال: له رؤية، وهو الذي يقال:
إنه اجتمع له أن يروي عن العشرة ، مات بعد التسعين أو قبلها ، وقد جاوز
المائة وتغير . ذكر ذلك الحافظ في ((التقريب)).

- ٦٥ -
٣١ - قال الشيخ الحسين بن مسعود : أخبرنا أبو علي حسان بن سعيد
ابن حسان المنيعي، أنا أبو طاهر محمد بن محمد بن مخْمِش الزيادي،
نا أبو بكر محمد بن الحسين بن الحسن القطان ، نا أبو الحسن أحمد بن
يوسف السُلَّمِيُ، نا عبد الرزاق، نا مَعْمَر ، عن همام بن مُنّةٍ ،
نا أبو هريرة .
قالَ: قالَ رَسُولُ الله ◌ِّهِ:(« لا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى
يَقُولُوا: لا إله إلا اللهُ، فإذا قَالُوا : لا إله إلا اللهُ ، فقد
عَصَمُوا مِي أموالَهُمْ وأَنْفُسَهُمْ إِلا بِحِقْها، وحِسَابُهُمْ على اللهِ».
هذا حديث متفق على صحته .
وهمّامُ بن ◌ُنَبٍِّ: أخو وهب بن منبهِ الصَّنْعَاني من أهل فارس ،
مات سنة ثنتين وثلاثين ومائة .
ومعمر : هو معمر بن راشد أبو عروة البصري ، سكن اليمن ،
مات في رمضان سنة ثلاث (١) وخمسين ومائة .
٣٢ - قال الشيخ الحسين بن مسعود : أخبرنا أحمد بن عبد الله
الصالحي ، أنا أبو بكر أحمد بن الحسن الخيري ، أنا حاجب بن أحمد
الطُّومي، أنا محمد بن يحيى ، أنا يزيد بن هارون ، حدثنا محمد بن عمرو
عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة .
(١) في التقريب: سنة أربع وخمسين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
شرح السنة : م مـ ٥

- ٦٦ -
قال: قال رَسُولُ اللهِ ﴾: « أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ
حَى يقولُوا: لا إله إلا اللهُ، فإذا قالوا: لا إله إلا اللهُ
◌َصَمُوا مِ دِمَاءَ هُمْ وأموالَهُمْ إِلا بِحَقْها وِحِسَابُهُمْ على اللهِ ».
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجاه من أوجهٍ عن أبي هريرة.
وأبو سلمة: اسمُه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، ويقال: اسمُه
كُثبَتُه . ومحمد بن عمرو: هو ابن علقمة بن وقاص الليثي .
وقوله: ((حتى يقولوا: لا إله إلا الله)) أراد به عبدة الأوثان دون
أهل الكتاب ، لأنهم يقولون : لا إله إلا اله، ثم لا يرفع عنهم السيف
حتى يقرُوا بنبوة محمد عَلَقّ، أو يعطوا الجزية (٢).
(١) البخاري ٢١١/٣ في الزكاة: باب وجوب الزكاة، وفي استتابة المرتدين:
باب قتل من أبى قبول الفرائض ، وفي الاعتصام : باب الاقتداء بسنن رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وعسهم رقم (٢١) في الايمان: باب الأمر بقتال الناس
حتى يقولوا: لا إله إلا الله، وهو في ((الصحيح)) أيضاً من رواية أنس بن مالك،
وجابر بن عبد الله .
(٢) نقل الحافظ في ((الفتح)) ٢٤٧/١٢ عن المصنف: أن الكافر إذا
كان وثنياً أو ثنوياً لايقر بالوحدانية، فإذا قال: لا إله إلا الله، حكم باسلامه،
ثم يجبر على قبول جميع أحكام الاسلام ، ويبرأ من كل دين خالف دين الاسلام .
وأما من كان مقراً بالوحدانية، منكراً النبوة، فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول :
محمد رسول الله ، فإن كان يعتقد أن الرسالة المحمدية للعرب خاصة ، فلابد أن
يقول: إلى جميع الخلق ، فإن كان كفر يجحود واجب، واستباحة محرم ، فيحتاج
أن يرجع عما اعتقده .

- ٦٧ -
وقوله: ((وحسابهم على الله)) معناه: فيما يستسرُّون به دون ما يُخِلُّون
به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر ، فإنهم إذا أخلوا بشيء مما
يلزمهم في الظاهر "يطالبون بموجبه، كما قاتل الصديق رضي الله عنه القوم
على منع الزكاة ، يدل عليه أنه صرح ببعضه في حديث ابن عمر (١).
٣٣ - قال الشيخ الحسين بن مسعود رحمه الله : أخبرنا عبد الواحد
ابن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النُّعيمي ، أنا محمد بن
يوسف، نا محمد بن إسماعيل، نا عبد الله بن محمد ، أنا أبو رَوْح.
"حَرَّمَيُ بنُ "عمارة، نا شعبة، عن واقد بن محمد ، قال : سمعت أبي يحدث
عن ابن عمر .
أَنّ رَسُولَ اللهِِّ قال: « أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ (٢)
حَتَّى يَشْهَدُوا أَن لا إله إلا الله، وَأَنْ نحَداً رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا
الصَّلاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فإِذا فعَلُوا ذلك عَصَمُوا مِي دِمَاءَ هم
وأَمْوَاَلَهُمْ إِلا بِحَقُّ الإِسلاَمِ، وَحِسَابِهِمْ على اللهِ ».
(١) وهو الحديث التالي، وقال النووي رحمه الله في شرح مسلم ٢٠٧/١ :
ولا بد مع هذا من الايمان يجميع ماجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم
كا جاء في رواية أبي هريرة، وهي في صحيح مسلم (٢١) (٣٤) وفيها ...
(( ويؤمنوا بي وبما جئت به)).
(٢) قال الحافظ في ((الفتح)) ٧٢/١: فإن قيل: مقتضي الحديث قتال
كل من امتنع من التوحيد، فكيف ترك قتال مؤدي الجزية والمعاهد ؟ فالجواب
من أوجه .

- ٦٨ -
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن أبي غسان المِسْمَعِي
عن عبد الملك بن الصّبّاح، عن شعبة ، عن واقد بن محمد بن زيد
ابن عبد الله بن عمر .
قال الشيخ الحسين بن مسعود: لم يُذكر في حديث أبي هريرة
(((ويقيموا الصلاة" ويؤتوا الزّ كاة)) (٢) وذكر في حديث ابن عمر،
وفي حديث أنس (٣).
أحدها : دعوى النسخ ، بأن يكون الاذن بأخذ الجزية والمعاهدة متأخراً
عن هذه الأحاديث ، بدليل أنه متأخر عن قوله تعالى: ( اقتلوا المشركين ) .
ثانيها : أن يكون من العام الذي خص منه البعض ، لأن المقصود من
الأمر حصول المطلوب، فإذا تخلف البعض لدليل لم يقدح في العموم .
ثالثها : أن يكون من العام الذي أريد به الخاص ، فيكون المراد بالناس
في قوله: « أقاتل الناس)) أي: المشركين من غير أهل الكتاب ، وبدل
عليه رواية النسائي بلفظ: ((أمرت أن أقاتل المشركين)) .
(١) البخاري ٧٠/١، ٧٢ في الإيمان: باب: (فإن تابوا وأقاموا
الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم)، ومسلم رقم ( ٢٢).
(٢) لكن روايته التي أخرجها مسلم ٥٢/١، وفيها ((ويؤمنوا في وبماجئت
به )» تشمل الصلاة والزكاة وسائر فرائض الاسلام .
(٣) حديث أنس، رواه أبو داود رقم (٢٦٤١) في الجهاد ، باب على
ما يقاتل المشركون، والترمذي رقم (٢٦١١ ) في الإيمان من حديث سعيد بن
يعقوب الطالقاني ، عن ابن المبارك ، عن حميد عن أنس مرفوعاً ، ولفظه :
« أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده
ورسوله ، وأن يستقبلوا قبلتنا ، ويأكلوا ذبيحتنا ، ويصلوا صلاتنا ، فإذا
فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم
ما على المسلمين » وأخرجه أحمد ١٩٩/٣ و٢٢٥ من حديث علي بن إسحاق ، والحسن
ابن يحيى ، عن ابن المبارك، وأخرجه البخاري ٤١٧/١ من حديث نعيم بن حماد عن
ابن المبارك، وسيورده المصنف من طريقه قريباً .

- ٦٩ -
قال الخطابي : إنما اختلفت الألفاظ لاختلاف الأوقات ، فإن فرائض
الدين كانت تُشرع شيئاً بعد شيءٍ، فالحديثُ الأول كان قبل وجوب
هذه الفرائض ، والحديثان الآخران بعد وجوبها .
قال الشيخ الحسين بن مسعود رحمه اله : يعني: لا يلزم الكفُ عنهم
إلا بعد التزامها .
وفي الحديث دليلٌ على أن توبة الزنديق مقبولة" ، وسريرته إلى الله
موكولة"، وهو قول أكثر أهل العلم، وعند مالك وأحمد : لا تقبل
توبةُ الكافر المستسر بكفره .
٣٤ - قال الشيخ الإمام الحسين بن مَسْعُودٍ رحمه الله: أخبرنا
عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعَيْميُ، أنا محمد
ابن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، قال: وقال لي ◌ُنُعَيْمٌ"(١): قال
ابن المبارك ، عن حميد الطويل ، عن أنس بن مالك .
قال: قال رَسُول الله ◌ِّ: (( أُمِرْتُ أَنْ أُقاتِلَ النَّاسَ
حَتَّى يَقُولُوا: لا إله إلا الله، فإذا قَالُوهَا، وَصَلَوْا صَلَاتَنَا،
واستَقْبَلُوا قِبْلَتَنَا، وَذَجُوا ذبيحَتَنَا، فَقَد حَرُمَتْ علينا دِمَاؤُهُمْ
وَأَمْوَ الْهُمْ إِلا بِقِّها، وحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ» .
هذا حديث صحيح (١) .
وُحَمَيْدٌ الطّويل: هو حميد بن أبي مُحميد البصري ، أبو ◌ُبيدَة ،
(١) في البخاري: حدثنا نعيم، قال الحافظ : ووقع في رواية حماد بن
شاكر عن البخاري : قال نعيم بن حماد .
(٢) هو في «صحيح البخاري)) ١ / ٤١٧، في الصلاة باب فضل استقبال.
القبة، وانظر التعليق رقم (٣) في الصفحة ( ٦٨).

- ٧٠ -
أو أبو مُبَيْد، ويقال: هو حميد بن عبد الرّحمن، ويقال: مُحمِدُ بن
◌ِيرُوبَةَ، ويقال: ابن تِيْرٍ، ويقالُ: ابن زادُويّة، ويقال :
ابن داور (١)، ويقال: مات سنة ثلاثٍ وأربعين ومائةٍ، وقد أتت عليه
"خْسٌ وَسَبْعُونَ" سنة".
وفي الحديث دليلٌ على أن أمور الناس في معاملة بعضِهم بَعْضاً إنما
تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها ، وأن من أظهر شعار الدين
أجري عليه حكمهُ، ولم يُكثّفْ عن باطن أمره. ولو وجد مختونٌ
فيما بين قتلى ◌ُغُلْفٍ، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد
المسلمين حكم بإسلامه.
(١) قال الحافظ في ((التقريب)): اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة
أقوال ، وهو ثقة، مات سنة اثنتين ، ويقال : ثلاث وأربعين ومائة ،
وهو قائم يصلي .

باب
علامات النفاق (١)
قال اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: (فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ) [البقرة: ١٠]
أَّي: شَكُّ ونفَاق. وقَالَ اللهُ عَزّ وَجَلَّ فِي مُنافقي الْكُفّار ،
(وإذا قَامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسْالَى يُراؤُونَ النَّاسَ )
[ النساء: ١٤٢]. وَقَالَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالى: ( ولا يَأْتُون الصَّلاةَ
إِلَّ وَهُمْ كُنْالَى، ولا يُنْفِقُونَ إِلَّ وَهُمْ كَارِهُونَ) [ التوبة: ٥٤]
وَقَالَ اللهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى: (مُذَبْذَبينَ بينَ ذَلكَ) [النساء: ١٤٣]
أَي: مَتَرَدِّدِينَ، لا إلى الْمُسْلِمِين، ولا إلى الْكَافِرِينَ ، والمذبذبُ:
المُضْطَرِبُ الذِّي لَا يَبْقَى على حَالَةٍ مُسْتَقِيمَة.
وسُمّي المنافِقِ منافقاً، لأَنْهُ يَستُرُ كُفْرَه، وَيُغَيُِّهُ، فَهُبُهَ
بالذّي يَدْخُلُ الْتَفَقَ ، وهو السََّبُ، فَيَسْتِرُ بِهِ . وقِيل: شُمي
بِهِ مِن نَافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ، فإِنَّ الْيَرْبُوعَ لَهُجُحْرٌ يُقال لَهُ: النَّا فقَّاءُ،
(١) النفاق لغة: مخالفة الباطن الظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان)، فهو
نفاف الكفر، وإلا فهو نفاق العمل ، ويدخل فيه الفعل والتوك ، وتتفاوت
مراقبه .

- ٧٢ -
وَآخَرُ ، يُقالُ لَهُ: الْقَاصِعَاءُ، فإِذا طُلِبَ مِن الْقَاصِعَاءِ قَصَعَ ،
فخرجٍ مِن النَّافِقَاءِ ، كذا المنافِقُ يَخْرُجِ من الإيمانِ مِنْ غير الوَجْهِ
الَّذِي يَدخُل فيه .
٣٥ - قال الشيخ الحسَيْنُ بن مسعودٍ رحمه الله: أخبرنا أبو عبد الله
محمد بن الفضل بن جعفر الخَرَ فِيُ، أخبرنا أبو الحسن عليّ بن عبد الله
الطّيْسَفُوني، أنا أبو عبد الرّحمْن عبد الله بنُ مُحمرَ الجوهري ،
نا أحمد بن عَليّ الكُشْمِيهَنِ ، نا علي بن مُعُجْر، حدثنا إسماعيل بن
جَعْفر بن أبي كثِيرٍ المدَّنِيُ، نا أبو ◌ُهَيْل نافِعُ بنُ مالكٍ بن
أبي عامر ، عن أبيه ، عن أبي هريرة .
أَنَّ رَسُولَ اللهِِّ قال: « آيَةُ الْمُنَافِقِ ثلاث: إذا حَدَّثَ
كَذَبَ ، وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ ، وإذَا اِتُمِنَ خانَ» .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه محمد عن أبي الرّبيع (٢)»
وأخرجه ◌ُمُسْلم عن يحيى بن أثّوبَ ، كلاهما عن إسماعيل بن جَعْفر.
٣٦ - قال الشيخ الحسينُ بن مسعود رحمه الله: أخبرنا أبو طاهر
محمد بن عليّ بن محمد بن بُوْيَّةَ الزَّرّادُ، أنا أبو بكر محمد بن إدريس
(١) البخاري ٨٤،٨٣/١ في الإيمان: باب علامات المنافق، ومسلم (٥٩)
في الإيمان : باب بيان خصال المنافق .
(٢) هو سليمان بن داود العتكي، أبو الربيع الزهراوي البصري، نزيل
بغداد ، ثقة، لم يتكلم فيه أحد بحجة، وأتفق الشيخان على إخراج حديثه .

- ٧٣ -
الجرّجرّائي، وأبو أَخَمْدَ محمد بن أحمدَ المعَلّم المرَويّ، قالا:
أخبرنا أبو الحسّينِ علي بن عيسى بن محمد بن المثّنّى المالييُ، أنا
أبو العبّاسِ الحسنُ بن ◌ُسفيانَ النسوي"، نا إبراهيم بن الحجاج السامي ،
وعبد الأعلى بن حَمّدٍ النّرْسِيُ، قالا: حدثنا حماد بن سلمة ، عن
داود بن أبي عِنْدٍ ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أبي هريرة .
أنَّ رَسُولَ اللهِلهِ قال: ((ثلاثٌ مَنْ كُنَّ فيه، فهو مُنافِقٌ.
زَادَ إِبراهِيمُ: وإنْ صَامَ وَصَلَى وَزَعمَ أَنّهُ مُسْلِمٌ ، قالا جميعاً:
مَنْ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وَعَدَ أخْلَفَ، وإذا انتُمنَ خانَ)).
هذا حديث صحيح، أخرجه ◌ُمُسْلم (١) عن عبد الأعلى بن حمّادٍ
وسعيد بن المُسَيّب : هو سعيد بن المُسبّب بن حَزْنِ القرشي
المخزوميُ، كُنّيتُه أبو محمد، من تابعي المدينة وفقهائها، أدرك من خلافة عمر
ثمان سنين، مات سنة ثلاثٍ وتِسْعِين (٢).
٣٧ - قال الشيخ الحُسَيْنُ بن مَسْعُودٍ رحمه الله: أخبرنا عبد الواحد
ابن أحمدَ المليحي، أنا أحمد بن عبد الله النُّعَيْمي، أنا محمد بن
يُوسُفَ، نا محمد بن إسماعيل، نا قبيصة بن مُقبةَ، نا سفَيَانُ،
عن الأعمش ، عن عبد اله بن مُرَّةَ ، عن مَسْرُوْقٍ ، عن عبد الله
ابن عمرو .
(١) (٥٩) (١١٠) في الإيمان: باب بيان خصال المنافق.
(٢) واتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل، وقال ابن المديني: لا أعلم
في التابعين أوسع علماً منه .

- ٧٤ -
أَنَّ آلِّ فَِّ قال: ((أرَبَعْ مَنْ كُنَّ فيهِ كَانَ مُنَافِقاً
خَالِصَاً، ومَنْ كانتْ فيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ
النَّفَاقِ حَتَّى يَدَعَها ، إذا اثْنُمِنَ خانَ ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ ،
وإذا عاهدَ غَدَرَ ، وإذا خاصَمَ فَجَرَ )) .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجه مسلم عن زهير بن حَرْب،
عن وكيع، عن سفيانَ وقال: ((وإذا وَعَدَ أَخْلَفَ)) ولم يقل:
((وإذا انتُمِنَ خانَ)).
ومسروق: هو ابن الأَجدَع، وهو مسروق (٢) بن عبد الرحمن الحَمْدَانِيُ
الكُوفِيّ أبو عالشَةَ، مَاتَ سنة ثلاث وستين، ويُقال: "سنّةَ ثِنقَين،
وكان أبوه الأجدّعُ شاعراً .
٣٨ - قال الشيخ الإمام الحسين بن مَسْعودٍ رحمه الله: أخبرنا
أحمد بن عبد الله الصَّالِحِيءُ، أنا أبو بكر أحمدُ بنُ الحسّن الخيْريُ،
أنا حاجب بنُ أحمدَ الطومي، فاعبد الرحيم بنُ مُنيْبٍ، فاعَفّان بن مُسلمٍ،
ذا أبو هلالٍ . (ح) وقال الشيخ الحسين بن مَسْعُودٍ: أخبرنا أبو طاهرٍ محمد
ابن عَليّ الزّرّاد، أنا أبو بكر محمد بن إدريس الجَوّجَرّائي، وأبو أحمد
(١) البخاري ١ / ٨٤ في الايمان: باب علامات النفاق، ومسلم رقم
(٥٨ ) في الإيمان.
(٢) في ((طبقات الخواص)»: ١٥٥: سرق وهو صغير، فسمي مسروقاً،
ولقي عمر بن الخطاب ، فقال له : ما اسمك ؟ قال : مسروق بن الأجدع ،
فقال عمر : إن الأجدع شيطان ، بل أنت ابن عبد الرحمن ، فكان يعرف بذلك .

- ٧٥ -
محمد بن أحمد المعَلّم المَرَوي ، قالا : أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى
الماليْني، أنا الحسن بن سفيَانَ النّوي، نا شيبّانُ بنُ أبي تثبية ،
نا أبو هلالٍ ، عن قتادة ، عن أنسٍ.
قال: ((قَلَّمَا خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ فِلّهِ إلاَّ قال:
(( لا إِيمانَ لَنْ لا أَمَانَةَ لهُ، ولا دِينَ لَنْ لاَعَهْدَ لَهُ».
هذا حديث حسن (١) .
قال عمر بن الخطاب: لا يَغُرِّنكْ صَلاةُ امرىءٍ ولا صِيَامُه ،
من شاء صلّى، ومن ماء صَامَ، ولكن لا دِينَ لمن لا أمانةَ لَه.
٣٩ - قال الشيخ الحسين بن مَسْعُودٍ رحمه الله: أخبرنا محمد بن
عبد الله بن أبي تَوْبَةَ، أنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارثِ ،
أنا محمد بن يعقوب الكسائي ، أنا عبد الله بن محمُود ، أنا إبراهيم بن
عبد الله الخلال ، نا عبد الله بن المبارك ، عن عبد الرحمن بن شريح
المعافري، قال: حدثني شراحِيْلُ بن يَزْيد ، عن محمد بن هَديّة،
عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
قال: قال رسول الله عَّةٍ: ((أَكْثَرُ مُنافِقِي أُمَّتِي
قُرَّاؤُهَا)) (٢).
(١) وهو كما قال، بل هو حديث جيد قوي، ورواه الامام أحمد في «المسند»
٣ / ١٣٥ و١٥٤ و ٢١٠ و٢٥١، والبيهقي في («السنن الكبرى))
٢٨٨/٦ وغيرهما .
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد في ((المسند)) رقم (٦٦٣٧) من
حديث عبد الرحمن بن شريح، عن شراحيل بن يزيد ، عن محمد بن هدية، -

- ٧٦ -
قال سفيان الثوريُ: مَا شَبَّهْتُ القَارِىءَ إلا بالدَّرهمَ الزّيف إذا
كسرته خرجَ مَا فِيْهٍ .
قال أبو سليمان الخطابي على قوله: ((آيةِ المنّافِق ثلاث)): هذا
القول إنما خرج على سبيل الإنذار للمرءِ المُسْلم، والتحذير "لهُ أن
يعتَادَ هذه الخصال، فتُقضيّ به إلى النَّفَاق، لا أنّ مَن بَدَّرَتْ منه
هذه الحِصَالُ ، أو فعل شيئاً من ذلك من غير اعتيادٍ أَّنه منافِقٌ .
وروي عن الحسن أنه ذكر له هذا الحديث، فقال: إنّ بني يعقوب
حدثوا فكذّبُوا ، ووعدوا فأخلفوا ، وانتُمِنُوا فخانوا
والنّفاق ضربان. أحدهما: أن يُظهِرَ صَاحِبُهُ الإيمانّ وهو مُسِرّ
الكُفر كالمنافقين على عهد رسول الله عز ◌َّةٍ .
والثاني : ترك المحافظة على حدود أمور الدين مراً، ومراعاتها علناً ،
فهذا يُسمى منافقاً، ولكنه نفاق دون نفاق، كما قال النبي { ل: ((سبابُ
الْمُسْلِمِ فسُوْقٌ وقتاله كفرٌ))، (١) وإنما هو كُفْرٌ دون كفر .
وأما بنو يعقوب ، فكان ذلك الفعل منهم نادراً ، ولم يُصرُّوا عليه ،
- ورواه أيضاً رقم (٦٦٣٤)، من طريق دراج ، عن عبد الرحمن بن جبير
كلاهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً، ومحمد بن هدية تابعي وثقه
العجلي ، ورواه أحمد والطبراني من حديث عقبة بن عامر ، والطبراني وابن
عدي من حديث عصمة بن مالك .
(١) متفق عليه من حديث ابن مسعود .

- ٢٧ -
بل ثابوا وَتحلّلُوا مَمِّنْ جَنّوْا عليه، وسألوا أباهم أن يستغفر لهم،
فلم تتمكن منهم (٧) صفةُ النَّفَاقِ.
وقوله: «أكْثَرُ منافقي أمّي ◌ُقرّاُؤْهَا)) فهو أن يعتاد ترك
الإخلاص في العمل، كما جاء: ((التّاجرُ"فاجرٌ)) (٣)، وأراد: إذا اعتاد
التاجر الكذب في البيع والشراء، لا أن نفس التجارة فجورٌ ، بل هي
أمر مأذون فيه ، مباح في الشرع .
(١) في ( أ) منه .
(٢) حديث حسن أخرجه الترمذي رقم (١٢٢٠) في البيوع باب ماجاء في التجار،
من حديث رفاعة بن رافع، بلفظ: ((إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً
إلا من اتقى الله، وبر وصدق)»، وأخرجه ابن ماجة رقم ( ٢١٤٦) في
التجارات ، وفي سنده إسماعيل بن عبيد بن رفاعة ، ولم يوثقه غير ابن حبان
ومع ذلك فقد قال الترمذي : حديث حسن صحيح ، وصححه ابن حبان
رقم (١٠٩٥)، والحاكم، وأخرج أحمد في («المسند » ٤٢٨/٣ و٤٤٤
من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعاً: (( إن التجار م الفجار))، قالوا :
با رسول الله، أليس قد أحل الله البيع؟ قال: «بلى ولكنهم يحلفون
فيأثمون، ويحدثون فيكذبون)) وقد جود المنذري إسناده، وصححه الحاكم.

الكبائر
قال اللهُ سبحانه وتعالى: (إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)
[ لقمان: ١٣]، وقال جَلَّ ذِكْرُهُ: (وقالوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ
وَلَدَاً . لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إذاً) [ مريم: ٩٠،٨٩]، أَي: مُنْكراً
عَظِيماً، والإدَدُ : الدَّواهي الْعِظَامُ، واحِدَتُها إِدَّةٌ، وقال الله
سُبحانَهُ وتعالى: ( قُلْ تَعالَوْا أَقْلُ مَاحَرَّمَ رْبْكُمْ عَلَيْكُمْ)
[الأنعام: ١٥٢،١٥١] الآيات (١) ... ، وقال الله سبحانَهُ وتَعالى:
(ولا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) [الإسراء: ٣٨,٣١] الآيات (٣) ...
(١) وتمامها: ( ألا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً، ولا نقتلوا أولادكم
من إملاق نحن نرزقكم وإيام ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن
ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون.
ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل
والميزان بالقسط لا نكلف نفساً إلا وسعها ، وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى
وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ) .
(٢) ونصها: ( ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن
قتلهم كان خطأ كبيراً. ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلاً. ولا تقتلوا
النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف -

:
- ٧٩ -
وقال الله عزَّ وَجَلَّ: ( الَّذِينَ يَجْنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَواحِشَ
إلاَّ الَّمَمَ إِنَّ رَبِّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ» [ النجم: ٣٢].
٤٠ - قال الشيخ الحسين بن مسعود رحمَهُ اله: أخبرنا أبو مَنْصُورٍ
محمد بن عبد الملك المظفري السّرّ خْسِيّ بها، أخبرنا أبو سعيد أحمد بن
محمد بن الفضل الفقيه، أنا أبو عليّ الحسن بن أحمد الخاقاني ، نا عباس
الدُّورِي ، نا محَاضِر بن المُورِّع، نا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن
عَلْقَمَة قال : قال عَبدُ اللهِ .
لما نزلت هذه الآية: (الَّذِينَ آمَنُوا ولم يَلْبِسُوا إيمانَهُمْ
بِظُلْمٍ) [ الأنعام: ٨٢] اشتّدَّ ذلكَ على المسلمين، فَقُلْنا؛
أَيْنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟! فقال رَسُولُ اللهِ بِّهِ:
(( أَمْ تَسْمَعُوا الهَ يَقُولُ: (إِنَّ الْرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
[ لقمان: ١٣ ] .
هذا حديث متفق على صحته (١) أخرجاه جميعاً عن إسحاق بن إبراهيم ،
عن عيسى بن يونس ، عن الأعمش ..
- في القتل إنه كان منصوراً . ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى
يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤلاً. وأوفوا الكيل, إذا كلتم وزنوا
بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلاً . ولا تقف ما ليس لك به علم إن
السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلا . ولاتمش في الأرض مرحاً إنك لن
تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً. كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً) .
(١) البخاري ١ / ٨١، ٨٢٠ في الإيمان: باب ظلم دون ظلم، وفي =
٤٪

- ٨٠ -
وَعَلْقَمَةُ: هو علقمةُ بن قيس بن عبد الله النخعي أبو شِبْلٍ، كُوني،
مات سنة إحدى وستين، قال يحيى بن سعيد: هو عَمُ أُمّ إبراهيمَ ،
وعمّ الأسود بن يزيد بن قيس النخّعي .
وإبراهيمُ: هو إبراهيم بن يَزِيدَ النخعي أبو عِمْرانَ الكوفي ، مات
سنة ستّ وتسعين (١).
وممي الشرك ظلماً ، لأن أصل الظلم: هو وضع الشيء في غير
"مَوْضِعِهِ، ومَن أَشرك، فقدَ وَضعَ الرُّبُوبيةَ في غير موضعها، وهو
أعظم الظلم .
= الأنبياء: باب قول الله تعالى: ( واتخذ الله إبراهيم خليلاً ) ، وباب قول الله
تعالى: ( ولقد آتينا لقمان الحكمة أن أشكر الله) وفي تفسير سورة الأنعام :
باب ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ، وفي تفسير سورة لقمان ، وفي استتابة المعائدين
والمرتدين في فاتحته، وباب ماجاء في المتأولين، ومسلم رقم (١٢٤ ) في
الإيمان: باب صدق الإيمان وإخلاصه، ولفظه: ((لما نزلت ( الذين آمنوا
ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ) شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقالوا: أينا لايظلم نفسه !! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ليس
هو كما تظنون، إنما هو كما قال لقمان لابنه: (بابني لا تشرك بالله إن الشرك الظلم
عظيم ) وزاد أبو نعيم في ((مستخرجه)) ((فطابت أنفسنا)).
قال الحافظ في «الفتح» ١٩٦/١، وفي المتن من الفوائد: الحمل على العموم
حتى يرد دليل الخصوص ، وأن النكرة في سياق النفي تعم ، وأن الخاص يقضي على
العام ، والمبين على المجمل ، وأن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع
التعارض ، وأن درجات الظلم تتفاوت، وأن المعاصي لانسمى شركاً ، وأن
من لم يشرك بالله شيئاً فله الأمن وهو مهتد .
(١) وهو فقيه ثقة إلا أنه يرسل كثيراً، ويفعل ذلك اعتماداً على صحته
عن شيوخه، فقد صح عنه أنه قال : ماحدثتكم عن ابن مسعود ، فقد سمعته
عن غير واحد ، وماحدثتكم به وسميت ، فهو عمن سميت .