النص المفهرس

صفحات 41-60

وسألَّهُ ابنُهُ عبدُ اللهِ عمَّنْ طلبَ العلمَ ، تَرَى له أنْ يَلْزَمَ رجلاً عندَهُ عِلْمٌ فيكتبَ عنهُ ؟ أو
تَرَى لَهُ أنْ يَرْحَلَ إلى المواضعِ التي فيها العلمُ فيسمَعَ منهمْ؟ قالَ : يرحلُ ، يكتبُ عن
الكوفِّينَ والبصرِيِّينَ ، وأهلِ المدينةِ ومكَّةَ يُشَامُ (١) الناسَ يسمعُ منهم (٢). وروينا عن ابنِ
مَعِينِ ، قالَ : أربعةٌ لا تُؤْنِسُ منهم رُشْداً منهم رجلٌ يكتبُ في بلدِهِ ، ولا يرحَلُ في طلب
الحديثِ (٣). وقالَ إبراهيمُ بنُ أدهمَ : إنَّ اللهَ يدفعُ البلاءَ عن هذهِ الأمةِ برحلةٍ أصحاب
الحديثِ (٤) . قالَ ابنُ الصلاحِ: ولا يَحْمِلَنَّهُ الحِرْصُ والشَّرَهُ على التَّسَاهُلِ فِي السَّمَاع
والتَّحَمُّل ، والإِخلال بما عليهِ في ذلكَ (٥). وقالَ الخطيبُ: لِيَعْلَمَ الطالبُ أنَّ شهوةَ
السَّمَاعِ لا تنتهي ، والنَّهْمَةَ من الطلبِ لا تَنْقَضِي، والعِلْمُ كالبِحَارِ الْمُتَعَذِّرِ كيلُها ،
والمعادنِ التي لا ينقطعُ نيلُها. فلا ينبغي له أنْ يَشْتَغِلَ في الغُرْبةِ إِلَّ بما يُسْتَحَقُّ (٥) لِأَجْلِهِ
الرحلةُ (٦) .
وقولي : ( حَمْلاً ) تمييزٌ (٧)، أي: ولا تتساهلْ فِي الْحَمْلِ وَالسَّمَاعِ.
(١) يقال: شامَ فلانٌ السحابَ والبرقَ: نظرَ إليه يتحقّق أينَ يكونُ مطرُهُ؟ وشامَ فلانٌ مخايلَ الشيءٍ: تطلّع
إليها مترقباً. والمراد أنّه يتطلّع إلى ما عندهم، ويتطلّعون إلى ما عنده. انظر: اللسان ١٢ / ٣٣٠،
والمعجم الوسيط ١ / ٥٠٤ (شيم)، وحاشية الرحلة في طلب الحديث: ٨٨ ( طبعة عتر).
ووقع في " الرحلة في طلب الحديث" (طبعة السامرائي) - ضمن مجموعة رسائل -: ٤٧: يشافه الناس،
وفي الجامع ٢ / ٢٢٤ : بشام - بالباء الموحدة - وفي تدريب الراوي ٨٥/٢ : يسأم الناس سماعه منهم،
وانظر : حاشية الشذا الفياح ١ / ٤٠٥ .
(٢) رواه الخطيب في الرحلة: ٤٦، وطبعة عتر: ٨٨ (١٢)، وفي الجامع ٢ / ٢٢٤ رقم (١٦٨٣).
(٣) رواه الخطيب في الرحلة: ٤٧ وفي الجامع ٢ / ٢٢٥ رقم (١٦٨٥).
(٤) أخرجه الخطيب في الرحلة ( ١٥ )، وفي شرف أصحاب الحديث : ٥٩.
(٥) علوم الحديث : ٢٢٣.
(٥) في ص : (( تستحق )) .
(٦) الجامع ٢ / ٢٤٥ عقيب ( ١٧٤٠ ).
(٧) في س : ((تميزاً)).
٤١

وَالشَّيْخَ بَجَلْهُ وَلاَ تَفَاقَلِ
٧١٥. وَاعْمَلْ بِمَا تَسْمَعُ فِي الْفَضَائِلِ
٧١٦. عَلَيْهِ تَطْوِيْلاَ بِحَيْثُ يَضْجَرْ
٧١٧. أَو الْحَيَا (١) عَنْ طَلَبٍ وَاجْتَنِبِ
٧١٨. مَا تَسْتَفِيْدُ عَالِياً وَنَازِلاَ
٧١٩. وَمَنْ يَقُلْ إذا كَتَبْتَ قَمِّشِ
٧٢٠. فَلَيْسَ مِنْ ذَا وَالْكِتَابَ تَمِّمٍ
وَإِنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِعَابِهِ
٧٢١.
وَلاَ تَكُنْ يَمْتَعُكَ الْتَّكَبُّرُ
كَثْمَ السَّمَاعِ فَهْوَ لُؤْمٌ وَاكْتُبٍ
لاَ كَثْرَةَ الشُّيُوْخِ صِيْتَاً عَاطِلاً
ثُمَّ إذا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ
سَمَاَعَهُ لاَ تَنْتَخِبِه تَنْدَمِ
لِعَارِفِ أَجَادَ فِي الْتِخَابِهِ
كَانَ مِنَ الْحُفَاظِ مَنْ لَهُ يُعدْ
٧٢٢. أَوْ قَصَّرَ اسْتَعَانَ ذَا حِفْظٍ فَقَدْ
أَوْ هَمْزَتَيْنِ أَوْ بِصَادٍ أَوْ طَا
٧٢٣. وَعَلَّمُوْا فِي الأَصْلِ إِمَّا خَطًّا
ولْيَسْتَعْمِلِ الطالبُ ما سمعَ من الحديثِ في فضائلِ الأعمالِ ، فقد روينا في حديثٍ
عليّ : أنَّ رجلاً قالَ: يا رسولَ اللهِ ، ما يَتْفِيَ عِّي حُجَّةَ الْحَهْلِ؟ قالَ : العِلْمُ. قالَ :
فما يَنْفِيَ عِنِّي حُجَّةَ العِلْمِ؟ قالَ : العَمَلُ (٢) .
وروينا عن بشرِ بنِ الحارثِ (٣)، قالَ: يا أصحابَ الحديثِ ! أُدُّوا زكاةَ هذا
الحديثِ ، اعمَلُوا مِن كُلِّ مائتي حديثٍ بخمسةٍ أحاديثَ (٤) .
(١) بالقصر ؛ لضرورة الوزن .
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة ١١ / ٧٠، وأحمد ٢ / ٨٣ و١٣٠ و١٤٧ و١٥٤، والخطيب في اقتضاء العلم
العمل: ٤. وانظر: فتح الباري ١ / ١٨٠ و٧ / ٤١ و ١٢ / ٣٩٣ و ٤١٧.
(٣) هو الامام العابد والقدوة الزاهد أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي المشهور بـ ( بشر
الحافي ) («تاريخ بغداد ٧ / ٦٩، وسير أعلام النبلاء ١٠ / ٤٧١ وتهذيب التهذيب ١ / ٤٤٤)).
(٤) الجامع لأخلاق الراوي ١ / ١٤٤ (١٨١). وأدب الإملاء والاستملاء: ١١٠.
٤٢

٠٠.
وروينا عن عمرو بنٍ قيسِ الْمُلاَِّيِّ ، قالَ : إِذا بلغَكَ شيءٌ من الخيرِ فَاعْمَلْ بهِ ،
- ولو مرَّةٌ - تكنْ مِنْ أهلِهِ (١) . وروينا عن وكيعِ ، قالَ: إذا أردتَ أنْ تحفظَ الحديثَ
فاعملْ بِهِ (٢) . وروينا عن إبراهيمَ بنِ إسماعيلَ بنِ مُجَمِّعٍ ، قَالَ: كُنَّا نَسْتَعِينُ على حفظِ
الحديثِ بالعملِ (٣) بهِ. وروينا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قالَ: ما كتبتُ حديثاً إلاَّ وقدْ
عملتُ بِهِ، حَتَّى مَرَّ بِي في الحديثِ أنَّ النبيَّمَ﴿ّ: احْتَحَمَ وأَعطى أبا طَيْبَةَ ديْنَاراً (٤)،
فَأَعْطَيْتُ الْحَجَّامَ ديناراً حين احْتَجَمْتُ (٥). وليَبَحِّلِ الطالبُ الشَّيخَ، فقدْ روينا عن
مغيرةَ ، قالَ: كُنَّا نَهَابُ إبراهيمَ ، كما نَهَابُ الأميرَ (٦). وروينا عن البخاريّ قالَ: ما
رأيتُ أحداً أوقرَ للمُحَدِّثِينَ مِن يحيى بنِ معينٍ (٧). وليحذَرْ منَ التثقيلِ عليهِ لئلا يُضْجِرَهُ
ويملَّهُ. قالَ الخطيبُ: وإذا حدَّتَّهُ فيجبُ أنْ يأخذَ منهُ العفوَ ولا يُضْجِرْهُ (٨). قالَ:
والإِضْحَارُ يُغَيِّرُ الأفهامَ، ويفسِدُ الأخلاقَ، ويحيلُ الطِّبَاعَ (٩)، وقد كانَ إسماعيلُ بنُ أبي
خالدٍ مِنْ أحسنِ الناسِ خُلُقاً ، فَلَمْ يزالوا بهِ حتَّى ساءَ خُلُقُهُ (١٠). وروينا عن محَمَّدِ بنِ
سيرينَ: أَنَّهُ سألَهُ رجلٌ عن حديثٍ وقد أرادَ أنْ يقومَ، فقالَ: إِنَّكَ إِنْ كَلِّفْتَني ما لم أُطِقْ،
(١) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء ٥ / ١٠٢.
(٢) انظر الزهد لوكيع ( ٥٣٩).
(٣) الجامع ٢ / ٢٥٩ (١٧٨٩).
(٤) هذا الحديث اتفق على إخراجه الشيخان، البخاري ٣ / ٨٢ (٢١٠٢) و٣ / ١٠٣ (٢٢١٠)
و١٢٢/٣ (٢٢٨١) و٧ / ١٦١ (٥٦٩٦). ومسلم ٣٩/٥ (١٥٧٧). وهو في مسند أحمد
١٠٠/٣ و١٠٧ و١٨٢، وانظر تخريجنا له موسعاً في كتاب " شمائل النبيح " برقم (٣٦٠).
(٥) أورده الذهبي في السِّير ١١ / ٢١٣ وصدَّره بقوله: ((وقال المرُّوذي: قال لي أحمد ... )).
(٦) أسنده الخطيب في الجامع ١ / ١٨٣ رقم (٢٩٣).
(٧) أسنده الخطيب في الجامع ١ / ١٨٢ رقم (٢٩٠).
(٨) الجامع ١ / ٢١٤ عقيب ( ٣٩٧).
(٩) الجامع ١ / ٢١٨ عقيب (٤٠٩ ).
(١٠) الجامع ١ / ٢١٨ رقم (٤١٠ ).
٤٣

سَاءَكَ ما سَرَّكَ مِّي مِنْ خُلُقٍ (١). قالَ ابنُ الصلاحِ: (( يُخْشَى على فاعلِ ذلكَ أنْ يُحْرَمَ
الانتفاعَ))(٢). قلتُ: وقد جَرَّبْتُ (٣) ذلكَ، فإنَّ شيخَنا أبا العباسِ أحمدَ بنَ عبدِ الرحمنِ
الْمِردَاويّ، كانَ كَبِرَ وعَجَزَ عن الإسماعِ حتى كُنَّا نتَألْفُهُ على قراءةِ الشيءِ اليسيرِ، فقرأً
عليهِ بعضُ أصحابِنا فيما بلغني "العُمْدةً" بإجازتِهِ من ابنِ عبدِ الدائمِ وأطالَ عليهِ فأضْحَرَهُ
فكانَ يقولُ لهُ الشيخُ: لا أحْيَاكَ اللهُ أنْ تروِيَها عنِّي، أو نحوَ ذلكَ، فماتَ الطالبُ بعدَ
قليلٍ (٤) ، ولم ينتفعْ بما سَمِعَهُ عليهِ .
وليحذر الطالبُ أنْ يمنعَهُ التَّكَبُّرُ، أو الحياءُ عن طلبِ العلمِ، فقد ذكرَ البخاريُّ (٥)
عن مجاهدٍ قالَ : ((لا ينالُ العلمَ مُسْتَحِيٍ، ولا مُسْتَكبّرٌ ))، وليتجتَّبِ الطالبُ أنْ يظفرَ
بشيخٍ ، أو بسماعٍ لشيخٍ فيكتمَهُ لينفردَ بهِ عن أضرابهِ ، فذلكَ لؤمٌ مِنْ فَاعلهِ ، على أنَّهُ
قد روينا فِعْلَ ذلكَ عن جماعةٍ من الأَئِمَّةِ المتقدِّمينَ ، كشعبةً وسفيانَ الثوريِ ، وهُشيمٍ ،
واللِيثِ، وابنِ حُرْيَجٍ ، وسفيانَ بنِ عُينةَ، وابنٍ لَهِيْعَةً ، وعبدِ الرَّزَّاقِ (٦) ، فاللهُ أعلمُ
بمقاصدِهِم في ذلكَ . وروينا عن مالكٍ قالَ : مِنْ بَرَكَةِ الحديثِ إفادةُ بعضِهم بعضاً ،
(١) الجامع ١ / ٢١٥ رقم (٤٠١ ).
(٢) علوم الحديث : ٢٢٤.
(٣) في نسخة ق: ((خَبْرِتُ)) مجودة الضبط .
(٤) في نسخة ن : ((بعدُ بقليل)).
(٥) صحيح البخاري ١ / ٤٤ عقيب (١٢٩) مجزوماً بهِ. قال الحافظ: (( وصله أبو نعيم في الحلية من
طريق علي بن المديني ، عن ابن عيينة ، عن منصور، عنه ، وهو إسناد صحيح على شرط البخاري)).
الفتح عقيب ( ١٣٠ ) .
قلنا : وهو في سنن الدرامي ( ٥٥٧)، وحلية الأولياء ٣ / ٢٨٧، والفقيه والمتفقه ٢ / ١٤٤. والمدخل
للبيهقي ( ٤١٠ ) .
(٦) نقلها الخطيب في الجامع ٢ / ١٣٩ - ١٤٥ .
٤٤

ونَحُوه عن ابنِ المباركِ (١) ويحيى بن معينٍ (٢). وروينا عن يحيى بن معينٍ ، قالَ: مَنْ بَخِلَ
بالحديثِ، وكَتَّمَ على الناسِ سماعَهُم، لم يُفْلِحْ(٣). وروينا عن إِسْحَاقَ بنِ راهويهِ، قالَ:
قد رأيْنَا أقواماً مَنَعُوا هذا السَّماعَ ، فواللهِ ما أفلحُوا ولا أنجحوا (٤). قالَ الخطيبُ:
(( والذي نَسْتَحِبُّهُ إفادةَ الحديثِ لمنْ لم يسمَعْهُ والدّلالةَ على الشُُّوخِ والتنبيهَ على
رواياتهِم، فإنَّ أَقَلَّ ما في ذلكَ النُّصْحُ للطالبِ، والحفظُ للمطلوب، معَ ما يُكْتَسَبُ (٥)
بهِ من جزيلِ الأجرِ، وجميلِ الذِّكْرٍ))(٦) ، ثُمَّ رَوَى بإسنادهِ إلى ابنٍ عَّاسٍ رَفَعَهُ، قالَ :
إخواني تَنَاصَحُوا في العِلْمِ ولا يَكْتُمْ بعضُكُم بعضاً، فإِنَّ خيانةَ الرجلِ في علمِهِ ، أشدُّ من
خيانتهِ في مالِهِ (٧)، ثُمَّ رَوَى عن الثَّوريّ قالَ: لِيُعِدْ بعضكم بعضاً (٨)، وهذا يدلُّ على أنَّ
ما رُوِيَ عنهُ وعمَّنْ تقدَّمَ ذكرُهُ مِنَ الأَئِمَّةِ ثَمّ يخالفُ ذلكَ محمولٌ على كَتْمِهِ عمَّنْ لَمْ يَرَوْهُ
أهلاً، أو على مَنْ لَمْ يَقْبلِ الصوابَ إذا أُرْشِدَ إليهِ ، أو نحوِ ذلكَ. وقد قالَ الخطيبُ:
(( مَنْ أَدّاهُ - لجهلهِ - فَرْطُ التِيهِ والإعجاب إلى المحاماة عن الخطأِ والمماراة في الصواب،
فهو بذلكَ الوصفِ مذمومٌ مأثومٌ، ومُحْتجِزُ (٩) الفائدةِ عنه غيرُ مؤثَّبٍ ولا مَلُوٍ)) (١٠).
(١) الجامع ٢ / ١٥٠ رقم (١٤٥٢).
(٢) الجامع ٢ / ١٥٠ رقم ( ١٤٥٣).
(٣) الجامع ١ / ٢٤٠ رقم ( ٤٧٧ ).
(٤) نقله ابن الصلاح : ٢٢٤، وانظر: فتح المغيث ٢ / ٣٢٩.
(٥) في ف و ع: (( يكسب)) .
(٦) الجامع ٢ / ١٤٥ .
(٧) هذا الحديث أخرجه الخطيب في تاريخه ٤٣/٣ و٣٥٧/٦ و٣٨٩، وفي الجامع ١٤٩/٢ (١٤٤٩). وابن
الشجري في أماليه ٤٩/١، وابن الجوزي في الموضوعات ٢٣١/١، والطبراني في الكبير (١١٧٠١) من
طريق عكرمة عن ابن عباس ، وهو إسناد تالف لايصح فإن فيه عبد القدوس بن حبيب الكلاعي ، وهو
متهم . ( الميزان ٢ / ٦٤٣ ) .
(٨) الجامع ٢ / ١٥٠ (١٤٥١).
(٩) في ق ون وف وع: ((محتجر)) بالراء .
(١٠) الجامع ٢ / ١٥٤ عقيب ( ١٤٦٧ ).
٤٥

وروينا عن الخليلِ بنِ أحمدَ أَنَّهُ قالَ لأبي عُبيدةً معمرِ بنِ المثنى: لا تَرُدِّنَّ (١) على معجب
خطأً ، فيستفيدَ منكَ علماً ، ويتخذَكَ بهِ عدواً (٢).
ولتكنْ همةُ الطالب تحصيلَ الفائدة ، سواءٌ وقعتْ له بعلوٍّ أُمْ بِنُزولِ ولا يأَنَفْ أنْ
يكتبَ عمَّنْ هو دونَه ما يستفيدُهُ . روينا عن سفيانَ (٣) ووكيعِ قالا: لا يكونُ الرجلُ مِنْ
أهلِ الحديثِ ، حتَّى يكتبَ . وقالَ وكيعٌ : لا يكونُ عالماً حتى يأخذَ عمَّنْ هو فوقَهُ ،
وعمَّنْ هو دونَه، وعمَّنْ هو مثلُهُ (٤). وكانَ ابنُ المبارك يكتبُ عمَّنْ هو (٥) دونَهُ ،
فقيلَ لهُ ، فقالَ : لعلَّ الكلمةَ التي فيها نجاتي لم تَقَعْ لي (٦).
وليحذرِ الطالبُ أنْ تكونَ هِمَّتُهُ تكثيرَ الشيوخِ بحرَّدِ اسمِ الكثرة وصيتِها ، قالَ ابنُ
الصلاحِ : وليسَ بموفّقٍ مَنْ ضَيَّعَ شيئاً من وقتهِ في ذلكَ (٧) .
وروينا عن عفَّنَ أَنَّهُ سمعَ قوماً يقولون: نسخْنَا كُتُبَ فلان، فقالَ : هذا الضربُ
من الناسِ ، لا يُفْلِحُونَ . كُنَّا نأتي هذا فنسمعُ منهُ ما ليسَ عندَ هذا ، ونسمعُ مِنْ هذا ما
ليسَ عندَ هذا، فقدمْنَا الكوفةَ ، فأقمنا أربعةً أشهرِ ، ولو أردْنا أنْ نكتبَ مائةَ ألفِ
حديثٍ ، لكتبناها ، فما كتبْنَا إلا قدرَ خمسةِ آلافٍ حديثٍ ، وما رضينَا مِنْ أحدٍ إلاَّ
بالإِملاء؛ إلاَّ شريكَ فإنَّهُ أَبِى علينا (٨) . قالَ ابنُ الصلاحِ: (( وليسَ من ذلكَ قولُ أبي
(١) في ن: ((لا ترد )) .
(٢) الجامع ٢ / ١٥٤ رقم ( ١٤٦٨).
(٣) الجامع ٢ / ٢١٨ رقم (١٦٦١).
(٤) الجامع ٢ / ٢١٦ رقم (١٦٥٤) و (١٦٥٥ ).
(٥) سقطت من النسخ المطبوعة ونسخة ص وهي من ن وق وس .
(٦) الجامع ٢ / ٢١٩ رقم ( ١٦٦٧).
(٧) علوم الحديث : ٢٢٥ .
(٨) أسنده الرامهرمزي في المحدث الفاصل: ٥٥٩ رقم (٧٦١ ) ومن طريقه الخطيب في الجامع ٢ / ٢٤٤
رقم ( ١٧٤٠ ) .
٤٦

حاتِمِ الرازيّ: إذا كتبتَ فَقَمِّشْ ، وإذا حَدَّثْتَ فَفَتِّشْ)) (١). والتَّقْمِيْشُ والقَمْشُ أيضاً:
جمعُ الشيءٍ من هاهُنا وهاهُنا (٢). وَلَمْ يُبَيِّنِ ابْنُ الصلاحِ ما المرادُ بذلكَ، وكأنَّهُ أرادَ :
اكْتُبِ الفائدةَ ثَمَنْ سمعتَها ولا تُؤخِّرْ ذلكَ حَتَّى تنظرَ فيمَنْ حدَّتْكَ ، أَهُوَ أَهلٌ أنْ يُؤْحَذَ عَنْهُ
أم (٣) لا؟ فربَّما فاتَ ذلكَ ، بموتِ الشيخِ أو سفرِهِ ، أو سفرِكَ. فإذا كانَ وقتُ الروايةِ
عنهُ ، أو وقتُ العملِ بذلكَ ، فَفَتِّشْ حينئذٍ . وقد ترجمَ عليهِ الخطيبُ: باب مَنْ قالَ :
يكتبُ عَنْ كُلِّ أحدٍ (٥) .
ويَحْتَمِلُ : أنَّ مرادَ أبي حاتم استيعابُ الكتابِ المسموعِ، وتركُ انتخابهِ ، أَوْ
استيعابُ ما عندَ الشيخِ وقتَ التحمُّلِ، ويكونُ النظرُ فيهِ حالةَ الروايةِ . وقدْ يكونُ قَصْدُ
المحدِّثِ تكثيرَ طُرُقِ الحديثِ، وجَمْعَ أطرافِهِ ، فيكثرُ لذلكَ شيوخُه ولا بأسَ بذلكَ . فقد
روينا عن أبي حاتم قالَ: لو لَمْ نكْتُبِ الحديثَ من ستينَ وجهاً ما عَقَلْنَاهُ. وقد وُصِفَ
بالإكثارِ من الشيوخِ سفيانُ الثوريُّ، وأبو داودَ الطيالسيُّ ، ويونسُ بنُ محمّدٍ المؤدِّبَّ،
ومحمّدُ بنُ يونسَ الكُدَيميُّ ، وأبو عبدِ الله ابنُ مَنْدَه ، والقاسمُ بنُ داودَ البغداديّ (٦)، روينا
عنهُ قالَ : كتبْتُ عن ستةِ آلافٍ شيخٍ (٧).
وينبغي للطالبِ أنْ يسمعَ ، ويكتبَ ما وقعَ له من كتابٍ ، أو جُزْءٍ على التَّمَامِ ،
ولا يَنتخبْهُ ، فرئما احتاجَ بعدَ ذلكَ إلى روايةِ شيءٍ منهُ لَمْ يَكنْ فيما انتخبَهُ مِنْهُ ، فيندمُ ،
(١) علوم الحديث: ٢٢٥، وقول أبي حاتم أسنده الخطيب في جامعه ٢ / ٢٢٠ رقم (١٦٧٠ ).
(٢) انظر: الصحاح ٣ / ١٠١٦، والتاج ١٧ / ٣٤٠ (قمش ) .
(٣) في نسخة ن : (( أو )).
(٤) سقطت من النسخ المطبوعة .
(٥) الجامع ٢ / ٢٢٠.
(٦) الجامع ٢ / ٢٢١ - ٢٢٢.
(٧) الجامع ٢ / ٢٢٢ رقم (١٦٧٨ ).
٤٧

وقد روينا عن ابنِ المباركِ قالَ: ما انتخبتُ على عالمٍ قَطُّ ، إلاَّ نَدمْتُ (١). وروينا عنهُ
قالَ: ما جاءَ مِن مُنْتَقِ خَيْرٌ قَطُ (٢). وروينا عن يحيى بن معينِ قالَ : صاحبُ الانتخاب
يندمُ ، و صاحبُ النسخِ لا يندُ (٣). وقد فَرَّقَ الخطيبُ (٤) في ذلكَ بَيْنَ أَنْ (٥) يكونَ
الشيخُ عَسِراً (٤)، والطالبُ وارداً غريباً؛ فقالَ: إِذا كَانَ المحدِّثُ مُكْتِراً وفي الروايةِ مُعْسِراً،
فينبغي للطالبِ أن يَبْتَقِي حديثَهُ، وينتخبَهُ، فَيَكْتَبَ عنهُ ما لا يجدُهُ عندَ غيره، ويَتْجَنَّبَ (٧)
الْمُعَادَ من رواياتِهِ قالَ : وهكذا حُكُمُ الواردينَ من الغُرباءِ الذينَ لا يُمكنُهُم طولُ
الإقامةِ والنَّوَاء (٨) . قالَ: وَأَمَّا مَتَى لم يتمَّزْ للطالبِ مُعادُ حديثِهِ من غيرِهِ ، وما يُشَارَكُ في
روايتهِ مِمَّا ينفردُ بهِ ، فالأوْلَى أنْ يكتبَ حديثَهُ عَلَى الاستيعابِ دونَ الانتقاءِ والانتخابِ .
انتهى (٤) . وإليهِ أشرتُ بقولي: (وإنْ يَضِقْ حَالٌ عَنِ اسْتِيْعَابِهٍ ) أي: لعُسْرِ الشيخِ ، أَوْ
الكونِ الشيخِ ، أوِ الطالبِ وارداً غيرَ مُقَيمٍ ، ونحوِ ذلكَ .
وقولي : ( لعارفٍ) أي: بجودة الانتخابِ فقد روينا عن يحيى بنِ مَعِينٍ قالَ: دَفَعَ
إليّ ابنُ وَهْبٍ كتابينٍ عن معاويةَ بنِ صالحٍ خمسمائةٍ أو ستمائةٍ حديثٍ ، فانتقيتُ شرارَها
لم يكنْ لي بها يومئذٍ معرفةٌ (١٠).
(١) الجامع ٢ / ١٥٦ رقم (١٤٧١)، والإلماع : ٢١٨.
(٢) الجامع ٢ / ١٨٧ رقم ( ١٥٦٦ ).
(٣) الجامع ٢ / ١٨٧ رقم (١٥٦٧)، وفيه: ((المشج)) بدل: النسخ، وانظر تعليق المحقق.
(٤) الجامع ٢ / ١٥٥ عقيب ( ١٤٧٠ ).
(٥) (( بين أن)) : سقطتا من النسخ المطبوعة .
(٤) في ف وع: ((عسيراً)) .
(٧) في النسخ المطبوعة: ((ينتخب)) تصحيف قبيح أفسد النص وأحال المعنى .
(٨) التّوَاءُ - بفتح التاء - : الإقامة، يقال: ثَوَى بالمكانِ وفيهِ: أقامَ واستقرَّ، فهو ثارٍ . انظر : اللسان
١٢٥/١٤، والمعجم الوسيط ١ / ١٠٣ (ثوا).
(٩) الجامع ٢ / ١٥٦ عقيب ( ١٤٧٠ ) .
(١٠) الجامع ٢ / ١٥٦ رقم (١٤٧٢).
٤٨

وإِنْ قَصَّرَ الطالبُ عن معرفة الانتخابِ وجودتهِ ، فقالَ الخطيبُ: (( ينبغي أنْ
يستعينَ ببعضِ حُفّاظِ وقتِهِ على انتقاءِ ما لَهُ غرضٌ في سماعِهِ وكتْبِهِ (١). ثُمَّ ذكرَ من
المعروفينَ بحسنِ الانتقاءِ أبا زُرْعَةَ الرازيَّ ، وأبا عبد الرحمنِ النسائيَّ ، وإبراهيمَ بنَ
أُورمةَ (٢) الأصبهانيّ، وعُبَيْداً العِجْلَ ، وأبا بكرِ الْجِعَابِيَّ، وعمرَ البصريَّ، ومحمَّدَ بن
الْمُظَفِّرِ ، والدَّارقطنيَّ ، وأبا الفتحِ ابنَ أبي الفوارسِ ، وأبا القاسمِ هبةَ اللهِ بنَ الحسنِ
الطبريَّ اللالكائيَّ (٣).
وقولي : ( وَعَلَّمُوا فِي الأَصْلِ ). هذا بيانٌ لما جرتْ به عادةُ الحفّاظِ من تعليمهِم
في أصلِ الشيخِ على ما انتخبوهُ . وفائدتُّهُ لأجلِ المعارضَةِ أو ليُمْسِكَ الشيخُ أصلَهُ ،
أو لاحتمالِ ذهابِ الفرعِ، فينقلَ من الأصلِ ، أو يحدّثَ من الأصلِ بذلكَ المعلِّمِ
عليه .
واختياراتُّهُم لصورةِ العلامة مختلفةٌ، ولا حرجَ في ذلكَ ، فكانَ الدَّارقطِيُّ يعلِّمُ بخطٌّ
عريضٍ ، بالْحُمْرَةِ في الحاشيةِ اليُسرى ، وكانَ اللالكائيُّ يُعلِّمُ على أوَّلِ إسنادِ الحديثِ
بخطٍ صغيرٍ، بالْحُمْرَةِ (٤). وهذا الذي استقرَّ عليهِ عَمَلُ أكثرِ المتأخِّرِينَ وكانَ أبو الفضلِ
عليُّ بِنُ الحسنِ الفَلَكِيُّ يُعلِّمُ بصورةٍ همزتينِ بحبرٍ في الحاشيةِ اليُمنى. وكان أبو الحسنِ عليّ
بنُ أحمدَ النُّعَيْمِيُّ يُعَلِّمُ صاداً ممدودةٌ بِحِبْرٍ في الحاشيةِ اليُمنى ، أيضاً . وكان أبو محمّدٍ
الخلاّلُ يُعَلِّمُ طاءً ممدودةٌ كذلكَ . وكانَ محمَّدُ بنُ طلحةَ النِّعَالِيُّ يُعَلِّمُ بحاءينِ إحداهما إلى
جَنْبِ الأخْرَى كذلكَ (٥).
(١) الجامع ٢ / ١٥٦ عقيب (١٤٧٢).
(٢) في المطبوع من الجامع: ((أرْمَة))، والصواب ما أُثبت، وهو الإمام الحافظ البارع أبو إسحاق الأصبهاني
مفيد الجماعة ببغداد، ثقة حافظ نبيل. انظر: تاريخ بغداد ٦ / ٤٢، السير ١٣ / ١٤٥ - ١٤٦.
(٣) انظر الجامع ٢ / ١٥٦ - ١٥٧ .
(٤) انظر الجامع ٢ / ١٥٩ عقيب (١٤٨٠).
(٥) ما ذكره المصنف في هذه أخذه جميعه من الخطيب في الجامع ٢ / ١٥٨ - ١٥٩ عقيب (١٤٨٠) ولم
ینسبه إليه .
٤٩

٧٢٤. وَلاَ تَكُنْ مُقْتَصِراً أَنْ تَسْمَعَا وَكَتْبَهُ مِنْ دُوْنِ فَهْمٍ نَفَعَا
كَابْنِ الصَّلاَحِ أَوْ كَذَا الْمُخْتَصَرِ
٧٢٥. وَاقْرَأْ كِتَاباً فِي عُلُوْمِ الأَثَرِ
لا يَنْبَغِي للطَّلبِ أَنْ يقتصرَ على سماعِ الحديثِ ، وكَتْبِهِ دونَ معرفتِهِ وَفَهْمِهِ ، وقدْ
روينا عن أبي عاصمِ النَّبْلِ ، قالَ : الروايةُ في الحديثِ بلا درايةٍ ، رِيَاسَةٌ نَذِلَةٌ (١). قالَ
الخطيبُ: هيَ اجتماعُ الطلبةِ على الرَّاوي للسماعِ عندَ عُلُوِّ سِنِّهِ (٢)، قالَ: فإذا تَمَيَّزَ
الطالبُ بَفَهْمِ الحديثِ ، ومعرفتِهِ ، تَعَجَّلَ بَرَكَةَ ذلكَ في شبيبتِهِ (٣). قالَ: ولو لَمْ يَكُنْ في
الاقتصارِ على سماعِ الحديثِ ، وتخليدِهِ الصُّحُفَ ، دونَ الثَّمْيِيزِ بمعرفةٍ صحيحِهِ من فاسدِهِ
والوقوف على اختلافٍ وجوهِهِ ، والتصرفِ في أنواعِ عُلومِهِ ، إلاَّ تَلْقِيبُ المعتزلةِ
القدريةِ (٤) مَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطريقةِ (٥) بالْحَشَوِيَّةِ (٦)؛ لوجبَ على الطالبِ الأَنَفَةُ لنفسِهِ،
ودَفْعُ ذلكَ عنهُ ، وعن أبناءِ جِئْسِهِ(٧). وروينا عن فارسِ بنِ الحسينِ لنفسِهِ (٨).
(١) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل: ٢٥٣ (١٦١). والخطيب في الجامع ١٨١/٢ (١٥٤٩).
(٢) الجامع ٢ / ١٨١ عقيب (١٥٤٩).
(٣) الجامع ٢ / ١٨١ عقيب (١٥٥٠).
(٤) في الجامع ٢ / ١٨٠: ((المعتزلة للقدرية))، وعلَّقَ محقّق الكتاب بقوله: وكذا جاء النص في المخطوطة
والذي يستقيم به أن تكون (( تلقيب المعتزلة والقدرية))، هذا وقد رسمت علامة التضبيب فوق :
(( للقدرية)) انتهى كلامه. وانظر: الشذا الفياح ١ / ٤١٤ .
قلنا : قد ذكر ابن الجوزي في تلبيس إبليس : ٢١ : أن القدرية انقسمت إلى اثنتي عشرة فرقة ، وذكر منها
المعتزلة . ونجد في كتب الفرق : إطلاق القدرية على المعتزلة . انظر مثلاً: تبيين كذب المفتري ٣٦٦/١،
والتبصير في الدين ١ / ٦٣، ومنهاج السنة ٦ / ٣٩٦، وغيرها .
(٥) في ق: (( للطريقة)).
(٦) الْحَشَوِيَّة - بالتحريك وتُسَكَّن - : طائفة من المبتدعة ، تمسّكوا بالظواهر ، وذهبوا إلى التجسيم وغيره ،
سُمُّوا بذلك ؛ نسبة إلى الحشو أو الحشا - أي: الجانب - ؛ لأنّهم رُدّوا إلى حشا حلقة الحسن البصري
- أي : جانبها - . انظر: متن اللغة ٢ / ٩٩، والمعجم الوسيط ١ / ١٧٧ (حشا)، وانظر: بيان
تلبيس الجهمية ١ / ٢٤٢، ومجموعة الفتاوى ٤ / ٥٥ و١٢ / ٩٧.
(٧) الجامع ٢ / ١٨٠ عقيب (١٥٤٨).
(٨) هذه الأبيات رواها ابن الصلاح بإسناده . علوم الحديث : ٢٢٦.
٥

ذَهَبَتْ بُدَّتِهِ الرِّوَآيَةْ
يا طَأْلبَ العلمِ الذِّي
يَةٍ ، بِالرِّوْآيَةِ، وَالدِّرَآيَةْ
كُنْ فِيْ الْرَوْايَةِ ذَا العِنَا
فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَاْيَهْ
وَارْوِ الْقَلِيْلَ وَرَأْعِهِ
وقولي : ( وكتْبَهُ) ، هو منصوبٌ عطفاً على محلّ (أنْ) المصدريةِ، فمحلُّها
نُصِبَ على نزعِ الخافضِ ، أي : مُقْتصراً على سماعِ الحديثِ ، وكَتْبِهِ .
ويَنْبَغِي للطالبِ أنْ يقدِّمَ قراءةً كتابٍ في علومِ الحديثِ حِفْظاً ، أو تَفَهُّماً ، ليعرفَ
مصطلحَ أهلِهِ . قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ثمَّ إنَّ هذا الكتابَ مدخلٌ إلى هذا الشأْنِ، مُفْصِحٌ
عنْ أُصُولِهِ ، وفروعِهِ ، شارحٌ لمصطلحاتِ أهلِهِ ، ومقاصدِهِمْ ، وَمُهْمَّاتِهِمُ التي ينقصُ
المحدّثُ بالجهلِ بها نقصاً فاحِشاً، فهو - إنْ شاءَ الله تعالى - جديرٌ بأَنْ تُقَدّمَ العنايةُ بِهِ)) (١).
وقولي : (أو كَذَا الْمُخْتَصَرِ ) ، إشارةٌ إلى هذهِ الأُرْحُوْزَةِ .
وَالْبَيْهَقِيْ ضَبْطَاً وَفَهْمَاً ثُمَّ ثَنْ
٧٢٦ وَبِالصَّحِيْحَيْنِ ابْدَأَنْ ثُمَّ السُّنَنْ
أَحْمَدَ وَالْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ
٧٢٧. بمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ مُسْنَدٍ
وَالدَّارَقُطْنِي وَالتَّوَارِيْخُ غَدَا
٧٢٨. وَعِلَلٍ، وَخَيْرُهَا لَ حْمَدَا
وَالْجَرْعُ وَالتَّعْدِيْلُ لِلرَّازِيّ
٧٢٩. مِنْ خَيْرِهَا الْكَبِيْرُ لِلْجُعْفِيِّ
وَالأَكْمَلُ الإِكْمَالُ لِلأَمِيْرِ
٧٣٠. وَكُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ الْمَشْهُوْرِ
قالَ الخطيبُ: ((مِنْ أَوْلِ ما يَتْبَغِي أنْ يستعملَهُ الطالبُ شدةُ الحرصِ على السماعِ،
والمسارعةُ إليهِ ، والملازمةُ للشيوخِ(٢). ويبتدئُ بسماعِ الأُمَّهَاتِ من كُتُبِ أهلِ الأَثِرِ ،
والأصولِ الجامعةِ للسُّنَنِ (٣). وأَحقّها بالتقديم الصحيحانِ للبخاري ومسلمٍ (٤) ،
(١) علوم الحديث : ٢٣٠.
(٢) الجامع ٢ / ١٨٢ عقيب (١٥٥٠).
(٣) الجامع ٢ / ١٨٤ عقيب (١٥٦٠).
(٤) الجامع ٢ / ١٨٥ عقيب (١٥٦١).
٥١

وَمَّا (١) يتلو الصحيحين: سننُ أبي داودَ، والنَّسَائِيِّ، والتِّرْمذيِّ، وكتابُ ابنِ خُزيمةً))(٢).
قالَ ابنُ الصلاحِ: ((ضبطاً لِمُشْكِلِهَا، وفَهْماً لخفيِّ معانيها. قالَ: ولا يُخْدَعَنَّ (٣) عن
كتابٍ " السننِ الكبيرِ " للبيهقيِّ، فإنَّا لا نعلمُ مِثْلَهُ في بابِهِ. ثُمَّ لسائرِ ما تَمَسُّ حاجةٌ
صاحبِ الحديثِ إليهِ من كُتُبِ المسانيدِ ، كـ " مسندٍ أحَمدَ " ، ومن كتبِ الجوامعِ
المصنَّفَةِ في الأحكام . و " موطأ مالكٍ " هو المقدَّمُ منها))(٤). وقالَ الخطيبُ - بعدَ أنْ
ذكرَ الكتبَ الخمسةَ -: ثُمَّ كُتُبُ المسانيدِ الكبارِ ، مثلُ مسندٍ أحمدَ ، وابنِ راهويهِ ،
وأبي بكرِ بنِ أبي شيبةَ ، وأبي خيثمةَ ، وعبدٍ بنِ حُميدٍ ، وأحمدَ بنِ سنانٍ ، والحسنِ بنِ
سُفْيَانَ ، وأبي يَعْلَى، وما يوجدُ من مسندٍ يعقوبَ بنِ شيبةَ، وإسماعيلَ القاضي، ومحمّدٍ بنِ
أيوبَ الرازيّ. ثُمَّ الكُتُبُ المصنَّفَةُ (٥)، مثلُ كتبِ ابنِ جُرِيجٍ ، وابنٍ أَبِي عَرُوبةَ ، وابنٍ
المباركِ، وابنٍ عُيينةَ، وهُشيٍ، وابنٍ وَهَبٍ ، والوليدِ بنِ مسلمٍ، ووكيعٍ، وعبدِ الوهابِ بنِ
عطاء، وعبدِ الرزاقِ ، وسعيدِ بنِ منصورٍ ، وغيرِهم (٦). قالَ: وأما " موطّأُ مالكٍ" ،
فهو المقَدَّمُ في هذا النوعِ ، ويجبُ أنْ يُبتدأُ بذكره على كُلِّ كتابٍ لغيرِهِ)) (٧). ثُمَّ الكتبُ
المتعلّقةُ بِعِلَلِ الحديثِ ، فمنها كتابُ أحمدَ بنِ حنبلٍ ، وابنِ المدينىِّ ، وابنٍ أبي حاتِمٍ ، وأبي
عليِّ النَّيْسابوريّ، والدارقطنيِّ، و" التمييزُ " لمسلمٍ ، ثُمَّ تواريخُ المحدِّثينَ ، مثلُ: كتابٍ
ابنِ مَعِيْنٍ - روايةُ عبَّاسٍ، وروايةُ المفضَّلِ الغَلاّبِيِّ (٨)، وروايةُ الحسينِ بنِ حَبَّانَ -،
وتاريخٍ خليفةَ ، وأبي حسَّانَ الزَِّادِيِّ، ويعقوبَ الفَسَويِّ، وابنٍ أبي خيثمةَ، وأبي زُرْعةَ
(١) في النسخ المطبوعة: ((ما)).
(٢) الجامع ٢ / ١٨٥ عقيب (١٥٦٣).
(٣) في: وف وع: ((تخدعن))، وفي س: (( ولا تحدث)) ، والمثبت من ق ون ومثله في علوم الحديث .
(٤) علوم الحديث : ٢٢٧ .
(٥) في الجامع ٢ / ١٨٦ بعد هذا: ((في الأحكام)).
(٦) الجامع ١٨٥/٢-١٨٦ عقيب (١٥٦٣) بتصرف .
(٧) الجامع ٢ / ١٨٦ عقيب (١٥٦٣) بتصرف.
(٨) في النسخ المطبوعة: (( العلائي)) خطأ محض .
٥٢

الدمشقيِّ ، وَحنبلِ بنِ إسحاقَ ، والسَّرَّاجِ. و"الجرح والتعديلُ" لابنِ أبي حاتِمٍ . قالَ :
وَيُرْبِي (١) على هذِهِ الكُتُبِ كُلِّها، تاريخُ محمدِ بنِ إسماعيلَ البخاريِّ (٢)، يريدُ: "
التأريخَ الكبيرَ ". وله ثلاثةُ (٣) تواريخَ. وإلى هذا أشرتُ بقولي: (مِنْ خَيْرِهَا الكَبِيْرُ
للجُعْفِيِّ) أي: البخاريّ. وقالَ ابنُ الصلاحِ: ((إنَّ مِنْ أُجودِ العِلَلِ، كتابَ أحمدَ ،
والدَّار قطنيِّ ، ومن أفضلِ التواريخِ ، " تاريخَ البخاريّ الكبيرَ" ، وكتابَ ابنِ أبي حاتِمٍ .
ثُمَّ (٤) قالَ: ومِنْ كُتُبِ الضبطِ لُشْكِلِ الأسماءِ ، قالَ: ومِنْ أكملِهَا كتابُ الإكمالِ ،
لأبي نصرٍ بنٍ ماكولا)) (٥).
بِهِ وَالاثْقَانَ (٦) اصْحَبَنْ وَبَادِرِ
٧٣١. وَاَحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيْجِ ثُمَّ ذَاكِرٍ
تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وَهْوَ (٧) في التَّصْنِيْفِ
٧٣٢. إذا تَأَهَّلْتَ إلى التَّأْلِيْفِ
أَوْ مُسْنَداً تُفْرِدُهُ صِحَابَا
٧٣٣. طَرِيْقَتَانِ جَمْعُهُ أبوابَا
يَعْقُوْبُ أَعْلَى (٨) رُثْبَةٌ وَمَا كَمَلْ
٧٣٤. وَجَمْعُهُ مُعَلَّلاً كَمَا فَعَلْ
لِيَكُنْ تَحَفِظُ الطالبِ للحديثِ على التَّدريجِ قليلاً قليلاً، ولا يأخذُ نفسَهُ بما لا
يطيقُهُ. ففي الحديثِ الصحيحِ: (( خُذُوا مِنَ الأعمالِ مَا تُطِيْقُونَ)) (٩). وروينا عن
الثوريِّ قالَ : كنتُ آتي الأعمشَ، ومنصوراً، فأسمعُ أربعةَ أحاديثَ أو خمسةٌ ، ثُمَّ
(١) أي: يزيد على هذه الكتب كلها. فتح الباقي ٢ / ٢٤١ .
(٢) انظر الجامع ٢ / ١٨٦ - ١٨٧ عقيب (١٥٦٤) بتصرف .
(٣) في ن وس: ((ثلاث)).
(٤) سقطت من النسخ المطبوعة .
(٥) علوم الحديث : ٢٢٧ وقد ذكره بالمعنى .
(٦) بدرج همزة ( الإتقان ) لضرورة الوزن .
(٧) في (أ): ((وهي)).
(٨) في (ب) و (جـ): ((أعلا)).
(٩) أخرجه البخاري ٣ / ٥٠ من حديث عائشة مطولاً .
٥٣

انصرفُ كراهيةَ أنْ تَكْثُرَ (١)، وتَفَلَّتْ (٢). وروينا نحو ذلكَ عن شعبةَ ، وابنٍ عُلَيَّةً ،
ومَعْمَرٍ (٣). وروينا عن الزهريِّ قالَ: مَنْ طلبَ العلمَ جملةٌ، فاتَّهُ جملةٌ ، وإنما يُدْرَكُ العلمَ
حديثٌ وحديثان (٤). وقالَ أيضاً فيما رويناهُ عنه: إنَّ هذا العلمَ إنْ أخذتَهُ بالمكَاثَرَةِ لهُ (٥)
غَلَبَكَ، ولكنْ خُذْهُ معَ الأَيَّامِ ، واللْيَالي أخذاً رفيقاً ، تَظْفَرُ بِهِ (٦).
وَمّا يعينُ على دوامِ الحفظِ المذاكرةُ. روينا عن عليٍّ بنِ أبي طالب ◌َّ قالَ:
تذاكروا هذا الحديثَ، إِلاَ تَفْعَلوا، يَدْرُسْ (٧). وروينا عن ابن مسعودٍ قالَّ: تذاكروا
الحديثَ، فإنَّ حياتَهُ مذاكرتُهُ (٨). وروينا نحوَه عن أبي سعيد الخدريّ (٩)، وابنِ عِبَّاسٍ(١٠).
ء
وروينا عن الخليلِ بنِ أحمدَ قالَ: ذَاكِرْ (١١) بعلمكَ، تَذْكُرْ ما عندكَ، وتَسْتَفِدْ (١٢) ما
ليسَ عِنْدَكَ (١٣). وروينا عن عبدِ اللهِ ابنِ المعتزِّ ، قالَ: مَنْ أكثرَ مذاكرةَ العلماءِ ، لم
يَنْسَ ما عَلِمَ ، واستفادَ ما لم يَعْلَمْ (١٤). وليكنِ المحدِّثُ مصاحباً للإتقان ، فقد روينا
عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْديٌّ قالَ: الحفظُ الإتقانُ (١). وإذا تأهَّلَ المحدِّثُ للتأليفِ والتخريجِ،
(١) في ع وف: (( يكثر)) .
(٢) الجامع ١ / ٢٣٢ رقم ( ٤٤٨ ).
(٣) انظر: الجامع ١ / ٢٣١ - ٢٣٢ رقم (٤٤٧) و (٤٤٩) و (٤٥٠).
(٤) الجامع ١ / ٢٣٢ رقم (٤٥٠ ).
(٥) سقطت من النسخ المطبوعة، وعبارة الجامع: ((بالمكابرة له))، بالباء الموحدة .
(٦) الجامع ١ / ٢٣٢ رقم (٤٥٢).
(٧) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل : ٥٤٥ رقم (٧٢١)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم ١٠٨/١،
والخطيب في الجامع ١ / ٢٣٦ رقم (٤٦٥) و ( ٤٦٦).
(٨) رواه الرامهرمزي في المحدث الفاصل : ٥٤٦ رقم ( ٧٢٦ ).
(٩) المحدث الفاصل : ٥٤٥ رقم (٧٢٢)، والجامع ١ / ٢٣٧ رقم (٤٦٨).
(١٠) المحدث الفاصل: ٥٤٧ (٧٢٨) و (٧٢٩)، والجامع ١ / ٢٣٧ (٤٦٧).
(١١) في ع وف: ((تذاكر)).
(١٢) في ن: ((تستفيد))، وفي س: ((يستفيد )).
(١٣) الجامع ٢ / ٢٧٣ رقم (١٨٣٤).
(١٤) الجامع ٢ / ٢٧٦ رقم (١٨٤١ ).
(١) الجامع ٢ / ١٣ رقم (١٠٣٧).
٥٤

واستعدَّ لذلكَ ، فليبادرْ إليهِ . فقد قالَ الخطيبُ: قَلَّمَا يتمهَّرُ في علمِ الحديثِ ويقِفُ على
غوامضِهِ ، وَيَستبينُ (٢) الْخَفِيَّ مِنْ فوائدِهِ ؛ إلاَّ مَنْ جَمَعَ متفرِّقَهُ، وَأَلْفَ مُتَشَتُهُ، وضمَّ
بعضَهُ إلى بَعْضٍ ، واشتغلَ بتصنيفِ أبوابِهِ ، وترتيبٍ أصنافِهِ فإنّ ذلكَ الفِعِلَ مما يُقوِّي
النَّفْسَ ، ويُثَبِّتُ الحِفْظَ ، وَيُذْكي القلبَ، ويَشْحَذُ الطَّبْعَ، ويبسطُ اللسانَ ، ويجيدُ البيانَ ،
ويكشِفُ الْمُشْتَبَةَ ، ويوضحُ الْمُلْتَبِسَ، ويُكْسِبُ أيضاً حَمِيْلَ الذِّكْرِ ، ويُخلِّدُهُ إلى آخرِ
الدهرِ (٣) ، كما قالَ الشاعرُ :
يَمُوْتُ قَوْمٌ فَيُحْبِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ وَالْحَهْلُ يُلْحِقُ أَحْيَاءٌ (٤) بِأَمْوَات (٥)
قالَ: وكانَ بعضُ شيوخِنا يقولُ: مَنْ أرادَ الفائدةَ فَلْيَكْسِرْ (٦) قلمَ الَّسْخِ،
وليأخُذْ قلمَ التَّخْرِيجِ. وروينا عن الحافظِ أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ عليٍّ بنِ عبدِ اللهِ الصُّوريّ،
قالَ : رأيتُ عبدَ الغنيِّ بنَ سعيدٍ الحافظَ في المنامِ ، فقالَ لي: يا أبا عبدِ الله، خَرِّجْ
وصنِّفْ قبلَ أنْ يُحَالَ بينكَ وبينَهُ ، هذا أنا قدْ تَراني قد حِيْلَ بيني وبينَ ذلكَ (٧).
ثمّ إنَّ للعلماءِ في تصنيفِ الحديثِ ، وجمعهِ ، طريقتينِ .
إحداهما : تصنيفُهُ على الأبوابِ على أحكامِ الفقهِ وغيرِها ، كالكتب الستةِ ،
والموطّأ ، وبقيةِ المصنفاتِ .
والثانيةُ: تصنيفُهُ على مسانيدِ الصحابةِ ، كُلُّ مُسْنَدٍ على حدَةٍ ، كما تقدَّمَ .
(٢) في ق: ((وليستبين)).
(٣) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٢٨٠ عقيب (١٨٥٢).
(٤) في نسخة ق وص: ((أمواتا))، وكذا في الجامع، وفي تدريب الراوي ٩١/٢: ((كأموات)) مكان
(( بأموات )) .
(٥) الجامع لأخلاق الراوي ٢ / ٢٨٠ رقم ( ١٨٥٣).
(٦) في مطبوعة ع: ((فليكثر)) وهو تصحيف .
(٧) الجامع ٢ / ٢٨٣ رقم (١٨٦١ ).
٥٥

وروينا عن الدارقطنيٌّ، قالَ: أوَّلُ مَنْ صنَّفَ مُسنداً وَتَنَبَّعَهُ نُعَيمُ بنُ حَمَّاد (١). قالَ
الخطيبُ: ((وقد صنَّفَ أسدُ بنُ موسى مُسْنَداً ، وكانَ أكبرَ مِنْ نُعَيمِ سِناً ، وأقدمَ سماعاً ،
فيحتملُ أنْ يكونَ نُعَيمٌ سبقَهُ في حداثِهِ))(٢). قالَ الخطيبُ: ((فإنْ شاءَ رَّبَ أسماءَ
الصحابةِ على حروفِ الْمُعْجَمِ ، وإنْ شاءَ على القبائلِ ، فيبدأُ ببني هاشمٍ ثُمَّ الأقربِ
فالأقرب إلى رسولِ اللهِ وَ﴿ه في النَّسَبِ. وإنْ شاءَ على قَدَرِ سَوَابقِ الصَّحَابةِ في الإسلامِ.
قالَ: وهذه الطريقةُ أحبُّ إلينا. فيبدأُ بالعَشَرةِ، ثُمَّ بالمقدَّمِينَ مِنْ أهلِ بَدْرٍ (٢) ، ويَتْلُوهُم
أهلُ الْحُدَيْبيَّةِ (٤)، ثُمَّ مَنْ أسلمَ وهاجرَ بينَ الْحُدَّيِّيَّةِ والفتحِ، ثُمَّ مَنْ أُسلمَ يومَ الفتحِ ، ثُمَّ
الأصاغرِ الأسنانِ، كالسائبِ بنِ يزيدَ ، وأبي الطُّفَيْلِ(٥). قالَ ابنُ الصلاحِ: (( ثُمَّ بالنساءِ،
قالَ: وهذا أحسنُ ، والأَوَّلُ أسهلُ)(٦). قالَ الخطيبُ: ((يُسْتحبُّ أنْ يصنّفَ الْمُسْنَدَ
مُعَلّلاً ، فإنّ معرفةَ العللِ أجلُّ أنواعِ الحديثِ))(٧). وروينا عن عبدِ الرحمنِ بنِ مَهْديٍّ ،
قالَ: لإِنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حديثٍ هو عندي ، أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أكتبَ عشرينَ حديثاً ليسَ
عندي (٨). وقد جمعَ يعقوبُ بنُ شيبةَ مُسْنَداً مُعَلَّلاً . قالَ الأزهريُّ: ولم يُصَنِّفْ يعقوبُ
المسندَ كُلُّهُ. قالَ: وسمِعْتُ الشيوخَ يقولونَ: لم يُتَمَّمْ مسندٌ معلِّلٌ قَطُ. قالَ: وَقِيْلَ لِي :
إنّ نسخةً بمسندٍ أبي هُريرةَ شُوهِدَتْ بمصرَ ، فكانتْ مائتي جزءٍ ، قَالَ: ولَزِمَهُ على ما
(١) الجامع ٢ / ٢٩٠ رقم (١٨٨٩).
(٢) الجامع ٢ / ٢٩٠ عقيب (١٨٨٩) وقد تصرف المؤلف بالنص .
(٣) الجامع ٢ / ٢٩٢ عقيب (١٨٩٠ ) بتصرف .
(٤) الجامع ٢ / ٢٩٢ عقيب (١٨٩١) بتصرف والحديبية : - بتشديد الياء الثانية وتخفيفها - . انظر:
مراصد الاطلاع ٣٨٦/١ ، وتاج العروس ٢٤٦/٢ ( حدب ).
(٥) الجامع ٢ / ٢٩٣ عقيب (١٨٩٢) بتصرف .
(٦) علوم الحديث : ٢٢٩ .
(٧) الجامع ٢ / ٢٩٤ عقيب (١٨٩٦).
(٨) علل الحديث لابن أبي حاتم ١ / ٩، وقد نقله الحاكم في معرفة علوم الحديث: ١١٢، والخطيب في
الجامع ٢ / ٢٩٥ رقم (١٩٠٠)، وابن رجب في شرح العلل ١ / ٤٧٠.
٥٦

خرَّجَ من المسندِ عشرةُ آلاف دينار (١). قالَ الخطيبُ: (( والذي ظهرَ ليعقوبَ مسندُ
العشرةِ وابنِ مسعودٍ، وعمَّارٍ، وعتبةَ بنِ غزوانَ، والعبَّاسِ، وبعضِ الموالي. هَذَا الذي رأينا
من مُسْندِهِ )) (٢). وإلى هذا أشرتُ بقولي: (وما كَمَلْ) وهيَ مِنَ الزوائدِ على ابنِ الصَّلاح.
تَوَاجِماً أَوْ طُرُقاً وَقَدْ رَأَوْا
٧٣٥. وَجَمَعُوْا أبواباً اوْ شُيُوخاً اوْ (٣)
كَذَاكَ الاخْرَاجُ (٤) بِلاَ تَحْرِيْرِ
٧٣٦. كَرَاهَةَ الْجَمْعِ لِذِي تَقْصِيْرِ
وثَّا جَرَتْ عادةُ أهلِ الحديثِ أنْ يخصُّوهُ بالجمعِ والتأليفِ ؛ الأبوابُ ، والشُّيُوخُ ،
والتَّرَاجِمُ ، والطّرقُ، فأمَّا جمعُ الأبوابِ ، فَهُوَ إفرادُ بابٍ واحدٍ بالتَّصنيفِ ، ككتاب
" رفع اليدينِ " ، وبابِ " القراءة خلفَ الإِمام" ، أفردَهُما البخاريِّ بالتصنيفِ. وباب
" التصديقِ بالنظرِ اللهِ تعالى " أفردَّهُ الآجُرِّيُّ (٥). وباب " النّةِ " ، أفردَهُ ابنُ أبي الدنيا .
وبابِ " القضاءِ باليمينِ مع الشاهدِ" ، أفردَهُ الدَّار قطُّ. وبابِ " القنوت " أفردَهُ ابنُ
مَنْدَه . وباب " البسملةِ " ، أفردَهُ ابنُ عبدِ البِّ . وغيرِهِ وغيرِ ذلكَ. وأمَّ جمعُ الشيوخِ،
فهو جمعُ حديثِ شيوخٍ مخصوصينَ ، كُلِّ واحدٍ منهم على انفرادِهِ ، كجمعِ " حديثٍ
الأعمشِ " للإسماعيليِّ، وحديثِ " الفُضَيلِ بنِ عياضٍ " للنسائيِّ، وحديثِ " محمدٍ بنِ
جُحَادَةَ " (٦) الطَّبرانيّ، وغيرِ ذلكَ، وقد ذكرَ الخطيبُ ثَمَنْ يُجْمَعُ حديثُهُ: إسماعيلَ بنَ
أبي خالدٍ، وأيوبَ بنَ أبي تميمةَ، وبيانَ بنَ بشرٍ، والحسنَ بنَ صَالحِ بنِ حيِّ، وحَمَّادَ بنَ زیدٍ
وداودَ بنَ أبي هندٍ، وربيعةَ بنَ أبي عبد الرحمنِ، وزائدةً، وزهيراً، وزيادَ بنَ سعدٍ، وسفيانَ
الثوريِّ، وسفيانَ بنَ عُيينةَ، وسُليمانَ بنَ إسحاقَ الشيبانيّ، وسليمانَ بِنَ طَرْحَانَ (٧)
وسليمانَ بِنَ مِهْرَانَ الأعمشَ، وشُعبةَ، وصفوانَ بنَ سُلَيمٍ، وطلحةَ بنَ مُصَرِّفٍ، وعبدَ الله
(١) تاريخ بغداد ١٤ / ٢٨١ بتصرف وتقديم وتأخير .
(٢) تاريخ بغداد ١٤ / ٢٨١ .
(٣) بدرج همزتي ( أو ) في هذا الشطر ؛ لضرورة الوزن .
(٤) بدرج همزة ( الإخراج ) ؛ لضرورة الوزن .
(٥) طبع بتحقيق محمد غياث .
(٦) في مطبوعة ف: ((حجادة)) بتقديم المهملة على المعجمة مصحف .
(٧) في النسخ المطبوعة: ((طرحان)) بالحاء المهملة مصحف .
٥٧

ابنَ عَوْنٍ. وعبدَ الرحمنِ بنَ عمرو الأوزاعيَّ، وعبيدَ (١) اللهِ بنَ عمرَ العُمَريَّ، وأبا
حَصين عثمانَ بنَ عاصمِ الكوفيَّ ، وعمرو بنَ دينارِ المكيَّ، ومالكَ بنَ أَنَسٍ، ومحمَّدَ بنَ
جُحَادَةٌ (٢)، ومحمدَ بنَ سُوقَةً، ومحمدَ بنَ مسلمٍ بنِ شهابٍ، ومحمدَ بنَ واسعٍ، ومِسْعَرَ بنَ
كِدَامٍ ، ومَطَرَ بنَ طَهْمانَ ، وهِشَامَ بنَ سعدٍ ، ويحيى بنَ سعيدٍ الأنصاريّ ، ويونسَ بنَ
عُبَيْدِ البصريّ (٣). وروينا عن عثمانَ بنِ سعيدٍ الدارميَّ، قالَ: يقالَ: مَنْ لم يَجمْعْ
حديثَ هؤلاءِ الخمسةِ ، فهو مُفْلِسٌ في الحديثِ : سُفيانُ، وشُعبةُ، ومالكٌ، وحَمَّادُ بنُ
زيدٍ ، وابنُ عُينةَ ، وهم أصولُ الدينِ (٤).
وأمَّا جمعُ التراجمِ فهو جمعُ ما جاءَ بترجمةٍ واحدةٍ من الحديثِ، كمالكٍ، عن نافعِ ،
عن ابنِ عمرَ، وسُهَيلِ بنِ أبي صالحٍ ، عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ ، وهشامٍ بِنِ عُروةَ ، عن
أبيه ، عن عائشةَ ، وأيوبَ ، عن ابنِ سِيرِينَ ، عن أبي هُريرةَ ، ونحوِ ذلكَ .
وأمَّا جمعُ الطرقِ ، فهو جمعُ طرقِ حديثٍ واحدٍ ، كطرقِ حديثِ " قبضِ العلمِ"
للطُّوسيِّ ، وطرقٍ حديثِ " مَنْ كذبَ عليَّ متعمداً " للطبرانيّ، وطرقٍ حديثِ " طلبُ
العلم فريضةٌ ". ونحوِ ذلكَ. وقد أدخلَ الخطيبُ (٥) هذا القسمَ في جمعِ الأبوابِ، وأفردَهُ
ابنُ الصلاحِ بالذِّكْرِ (٦)، وهو واضحٌ؛ لأنَّ هذا جمعُ طرقِ حديثٍ واحدٍ، وذلكَ (٧) جمعُ
باب وفيهِ أحاديثُ مختلفةٌ ، والله أعلمُ .
وكَرِهُوا الجمعَ والتأليفَ لمنْ هو قاصرٌ عن جودَةِ التأليفِ . روينا عن عليٍّ بنِ
المدينيِّ، قالَ : إذا رأيتَ المحدِّثَ أوَّلَ ما يكتبُ الحديثَّ يجمعُ حديثَ " الغُسْلِ"،
وحديثَ " مَنْ كذبَ عليَّ " ، فاكتبْ على قَفَاهُ: لا يُفْلِحُ (٨). وكذلكَ كَرِهُوا إخراج
التصنيفِ إلى الناسِ قبلَ تهذيِهِ ، وتَحَرِيرِهِ ، وإعادةِ النَّظَرِ فيهِ ، وتكريرِهِ .
(١) في ص: ((عبد الله)) مكبّراً .
(٢) في النسخ المطبوعة: ((حجادة)).
(٣) الجامع ٢ / ٢٩٧ - ٢٩٨ رقم (١٩٠٦ - ١٩٠٨) وتصرف المصنف في ذلك كثيراً .
(٤) الجامع ٢ / ٢٩٧ رقم (١٩٠٧ ).
(٥) في الجامع ٢ / ٣٠٠ باب جمع الأبواب .
(٦) علوم الحديث : ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٧) في ق: ((وذاك)).
(٨) الجامع ٢ / ٣٠١ رقم (١٩١٢ ).
٥٨

الْعَالِي وَالنَّازِلُ (١)
٧٣٧. وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَقَدْ فَضَّلَ بَعْضٌ التُّرُوْلَ وَهْوَ رَدّ
قُرْبٌ مِنَ الرَّسُوْلِ وَهْوَ الأَفْضَلُ
٧٣٨. وَقَسَّمُوْهُ خَمْسَةً فَالأَوَّلُ
٧٣٩. إنْ صَحَّ الاسْنَادُ(٢) وَقِسْمُ القُرْب
إلى إِمَامٍ وَعُلُوِّ نِسْبِي
يَنْزِلُ مَثْنٌ مِنْ طَرِيْقِهَا أُخِذْ
٧٤٠. بنسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ إِذْ
روينا عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، قالَ: طلبُ الإسنادِ العالِي سُنَّةٌ عمَّنْ سلفَ (٣). وروينا
عن محمدِ بنِ أسلمَ الطوسيِّ ، قالَ: قُرْبُ الإِسنادِ قُرْبٌ، أو قُرْبَةٌ إلى الله عزَّ وجلَّ (٤).
وقالَ الحاكمُ : (( وفي طلب الإِسناد العالي سُنَّةٌ صحيحةٌ ، فذكرَ حديثَ أنسٍ في مجيءٍ
الأَعْرَابِيِّ، وقولهِ: يا محمدُ ، أَتَانا رَسُولُكَ فَزَعَمَ كذا ، ... الحديثَ (٥). قالَ : ولو كانَ
طلبُ العُلُوِّ في الإسنادِ غيرَ مستحَبٌّ لأنكرَ عليهِ سؤالَهُ عمَّا أخبرَهُ رسولُهُ عنهُ، ولأَمَرَهُ
بالاقتصارِ على ما أخبرَهُ الرسولُ عنهُ))(٦). ولم يحكِ الحاكمُ خلافاً في تفضيلِ العُلُوِّ،
(١) انظر في ذلك :
معرفة علوم الحديث: ٥-١٤، والجامع لأخلاق الراوي ١١٥/١ وما بعدها، وجامع الأصول ١١٠/١-
١١٥، والإرشاد: ٥٢٩-٥٣٧، والتقريب: ١٥٠-١٥٢، والاقتراح ص ٣٠١ - ٣٠٨، واختصار علوم
الحديث: ١٥٩-١٦٤، والشذا الفياح ٤١٩/٢-٤٣٤، المقنع ٤٢١/٢ - ٤٢٦، ونزهة النظر: ١٥٦،
وفتح المغيث ٣/٣-٢٦، وتدريب الراوي ٢ / ١٥٩ - ١٧٢، وتوضيح الأفكار ٣٩٥/٢-٤٠١.
(٢) بدرج همزة ( الإسناد ) ؛ لضرورة الوزن .
(٣) الجامع ١ / ١٢٣ رقم ( ١١٧ ).
(٤) الجامع ١ / ١٢٣ رقم (١١٥).
(٥) وهو حديث ضمام بن ثعلبة: أخرجه أحمد ٣ / ١٤٣ و١٦٨ و١٩٣، وعبد بن حميد (١٢٨٥)،
والدارمي (٦٥٦)، والبخاري ٢٤/١ ومسلم ٣٢/١، وأبو داود (٤٨٦)، وابن ماجه (١٤٠٢ )،
والترمذي (٦١٩)، والنسائي ٤ / ١٢١ و١٢٢، وابن خزيمة ( ٢٣٥٨)، وابن حبان (١٥٤ )،
وأبو عوانة ١ / ٣، وابن منده (١٣٠)، والبيهقي ٤ / ٣٢٥، والبغوي (٣) و (٤).
(٦) معرفة علوم الحديث : ٦ بتصرف .
٥٩

وحكاهُ ابنُ خَلَّد (١، ثُمَّ الخطيبُ (٢) ، فحكيا عن بعض أهلِ النَّظَرِ: أنَّ التَّتَزُّلَ في
الإسناد أفضلُ؛ لأَنَّهُ يجِبُ عَلَى الرَّاوِي أَنْ يجتهدَ في مَتْنِ الحديثِ ، وتأويلِهِ ، وفي الناقلِ
وتَعديلِهِ ، وكلَّما زادَ الاجتهادُ زادَ صاحبُهُ ثواباً. قالَ ابنُ خَلَّ: ((وهذا مذهبُ مَنْ
يزعُمُ أَنَّ الخبرَ أقوى مِنَ القياسِ)) (٣). قالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهذا مذهبٌ ضعيفُ
الحجَّةِ ))(٤). قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ : لأنَّ كثرةَ المشقةِ ليستْ مطلوبةً لنفسها، قالَ:
(( ومراعاةُ المعنى المقصودِ من الروايةِ، وَهُوَ الصحةُ أَوْلَى))(٥). قلتُ: وهذا بمثابةٍ مَنْ
يَقْصِدُ المسجدَ لصلاة الجماعةِ ، فيسلُكُ طريقةً بعيدةً لتكتير (٦) الخُطَا، وإِنْ أَدَّاهُ سلوكُها
إلى فواتِ الجماعةِ التي هي المقصودُ. وذلكَ أنَّ المقصودَ من الحديثِ التَّوَصُّلُ إلى صحَّتِهِ
وَبُعْدُ الوَهَمِ . وكلَّما كثُرَ رجالُ الإِسنادِ تطرَّقَ إليهِ احتمالُ الخطأ والخلَلِ، وكلَّما قَصُرَ
السندُ كانَ أسلمَ . اللَّهُمَّ إلاَّ أنْ يكونَ رحالُ السندِ النازل، أوثقَ، أو أحفظَ ، أو أفقهَ ،
ونحوَ ذلكَ ، على ما سيأتي في آخرِ هذا الفصلِ .
ثُمّ العلوُّ في الإسنادِ على خمسةِ أقسامٍ ، كما قَسَّمَهُ أبو الفضلِ محمدُ بنُ طاهرٍ في
جزء لَهُ (٧) ، أفردَهُ لذلكَ (٨) ، وتبعَهُ ابنُ الصَّلاحِ (٩) على كونِها خمسةَ أقسامٍ ، وإِنِ
اختلفَ كلامُهُمَا فِي مَاهِيَّةِ (١٠) بعضِ الأقسامِ ، كما سيأتي .
(١) المحدث الفاصل : ٢١٦ رقم (١٠٧ ).
(٢) في الجامع ١ / ١١٦ عقيب ( ٩٧ ).
(٣) المحدث الفاصل : ٢١٦ رقم (١٠٦).
(٤) علوم الحديث: ٢٣٨ وفيه: ((ضعيفٌ ضعيفُ الحجة)).
(٥) الاقتراح : ٣٠٣ .
(٦) في ع وف: (( لتكثر)) .
(٧) أسماه : " العلو والنُّزُول" ، وقد طبع ، فانظر : ص ٥٧ منه .
(٨) في ف وع: ((بذلك)).
(٩) علوم الحديث : ٢٣١ .
(١٠) مَاهِيَّة الشيءِ: كنهُهُ وحقيقتُهُ؛ أخذت من النسبة إِلَى ما هُوَ أو ما هِيَ. انظر: المعجم الوسيط
٢ / ٨٩٢ ( موه ) .
٦٠