النص المفهرس
صفحات 241-260
تقديره : وهو أنْ يصفَ المدلّسُ شيخَهُ (١) الذي سمعَ ذلك الحديث منه بوصفٍ لا يُعْرَفُ به من اسمٍ ، أو كنيةٍ ، أو نسبةٍ إلى قبيلةٍ ، أو بلدٍ ، أو صنعةٍ أو نحوِ ذلك، كي يُوْعٍِّ الطريقَ إلى معرفةِ السامعِ له ، كقول أبي بكرِ بن مجاهدٍ أحدِ أئمةِ القُرَّاءِ: حدّثنا عبدُ الله ابنُ أبي عبدِ اللهِ ، يريدُ به : عبدَ اللهِ بنَ أبي داود السجستاني ، ونحوَ ذلك. قال ابنُ الصلاحِ : وفيه تضييعٌ للمَرْوِيِّ عنه (٢). قلتُ: وللمَرْوِيِّ أيضاً بأنْ لا يتنبهَ له فيصيرُ بعضُ رواتِهِ مجهولاً . ويختلفُ الحالُ في كراهةِ هذا القسمِ باختلافِ المقْصَدِ(٣) الحاملِ على ذلكَ. فشرُّ ذلكَ: إذا كانَ الحاملُ على ذلكَ (٤) كونَ الَرْوِيِّ عنهُ ضعيفاً ، فيدلّسُهُ حتى لا تظهرَ روايتُهُ عن الضعفاء. وقد يكونُ الحاملُ على ذلكَ كونَ الَرْوِيّ عنه صغيراً في السِّنِّ، أو تأخّرتْ وفاتُهُ، وشاركَهُ فيه مَنْ هو (٥) دونَهُ. وقد يكونُ الحاملُ على ذلك إيهامَ كثرةِ الشيوخِ بأنْ يرويَ عن الشيخِ الواحدِ في مواضعَ ، يُعَرِّفُهُ في موضِعٍ بصفةٍ ، وفي موضعٍ (٦) آخرَ بصفةٍ أخرى يُوهِمُ أنَّهُ غيرُهُ . وثمّنْ يفعلُ ذلك كثيراً الخطيبُ ، فقد كانَ لِجَاً به في تصانيفهِ(٧). ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ حكمَ مَنْ عُرِفَ بهذا القسمِ الثاني من التدليسِ . وقد جزم ابنُ الصََّّاغُ في " العُدَّةِ " بأنَّ مَنْ فعلَ ذلكَ؛ لكونِ مَنْ روى عنهُ غيرَ ثقةٍ عندَ الناسِ ، (١) اعترض البقاعي في النكت الوفية (١٤٣ / ب) على هذا فقال: (( لا يختَصُّ ذلك بشيخه الذي سمع منه بل لو فعل ذلك في شيخ شيخه ومن فوقه إلى آخر السند كان حكمه كذلك فكان ينبغى له أن يقول : أن يصفَ الراوي مسكنًا لئلا ينكسر الوزن)». (٢) علوم الحديث : ٦٨ . (٣) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٣ / ب): ((ويجوز كسر الصاد على إرادة محل القصد)). (٤) كلمة : ((ذلك )) لم ترد في نسخة ق . (٥) كلمة : (( هو )) لم ترد في نسخة ص . (٦) في ع: ((وضع)) وهو خطأ قبيح . (٧) وقد صرّح بذلك ابن الصلاح في علوم الحديث ص ٦٨، وقال في: ٢٩١ - ٢٩٢: (( والخطيب الحافظ يروي في كتبه عن أبي القاسم الأزهري ، وعن عبيد الله ابن أبي الفتح الفارسي، وعن عبيد الله بن أحمد ابن عثمان الصيرفي ، والجميع شخص واحد من مشايخه ، وكذلك يروي عن الحسن بن محمد الخلال، وعن الحسن بن أبي طالب ، وعن أبي محمد الخلال ، والجميع عبارة واحدة ... وله في ذلك الكثير)) . قلنا: ربّما يكون ذلك للتنويع بسبب إكثاره عن شيوخه في مصنفاته، وانظر: النكت الوفية (١٤٣/ب). ٢٤١ وإنّما أرادَ أنْ يُغيِّرَ اسَمَهُ ليقبلوا خبرَهُ، يجبُ أنْ لا يُقبلَ حَبْرُهُ، وإنْ كانَ هو يعتقدُ منهُ (١) الثقةَ فقدْ غَلَطَ في ذلكَ؛ لجوازٍ أَنْ يَعْرِفَ غيرُهُ مِنْ جِرْحِهِ ما لا يَعرِفُهُ هو ، فإنْ (٢) كانَ لصِغَرِ سنِّهِ، فيكونُ ذلكَ روايةً عن مجهولِ، لا يجبُ قبولُ خَبَرِهِ حتَّى يعرفَ مَنْ رَوَى عنهُ. وقوله : ( واستصغاراً )، منصوبٌ (٣) بكانَ المحذوفةِ ، أي : ويكونُ (٤) استصغاراً وإيهاماً (٥) للكثرة ، وقوله : ( وكالخطيبِ ) أي : وكفعلِ الخطيبِ. وقولُه : ( والشافعيُّ أثبتَهُ ) أي : أصلُ التدليسِ لا هذا القسمُ الثاني منه . قالَ ابنُ الصلاحِ: والحكمُ بأنَّهُ لا يُقبلُ من المدلِّسِ حتَّى يُبِّنَ، قد أجراهُ الشافعيُّ ◌َظُهُ، فيمَنْ عرفناهُ دَلْسَ مرّةً (٦) . وثمّنْ حكاهُ عن الشافعيِّ البيهقيُّ في " المدخلِ "(٧). وقولُهُ : ( قلتُ : وشرُّها أخو التسوية ). هذا هو القسمُ الثالثُ من أقسامِ التدليسِ الذي لم يذكرُهُ ابنُ الصلاحِ (٨) - وهو تدليسُ التسويةِ - وصورتُه أنْ يرويَ حديثاً عن شيخٍ ثقةٍ ، وذلكَ الثقةُ يرويه عنْ ضعيفٍ عن ثقةٍ ، فيأتي المدلِّسُ الذي سمعَ الحديثَ من الثقةِ الأولِ ، فُيُسقطُ الذي في السندِ ، ويجعلُ الحديثَ عن شيخِهِ الثقةِ عن الثقةِ الثاني، بلفظٍ محتملٍ ، فيستوي الإسنادُ ، كلُّهُ ثقاتٌ . وهذا شرٌّ أقسامِ التدليسِ ؛ (١) في نسخة ص: ((فيه)). (٢) في نسخة ص : ((وان)) . (٣) كذا في جميع النسخ الخطية بالرفع ، وفي ع وف: ((منصوباً)) وهو خطأ محضٌ . (٤) في نسخة ص: ((وقد يكون)). (٥) في ع وف: (( أو إيهاماً)) . (٦) علوم الحديث ص ٦٨. (وينظر: الرسالة: ٣٧٩ فقرة ١٠٣٣، وجامع التحصيل ص ٩٩). قلنا : لكن غير الشافعي من أهل العلم اغتفر التدليس النادر مع الرواية الواسعة ، قال ابن رجب في شرح العلل (٢ / ٥٨٢ - ٥٨٣): ((ولم يعتبر الشافعي أن يتكرر التدليس من الراوي ، ولا أن يغلب على حديثه بل اعتبر ثبوت تدليسه ، ولو بمرّة واحدة ، واعتبر غيره من أهل الحديث أن يغلب التدليس على حديث الرجل)) . (٧) غير موجود في المطبوع . (٨) انظر: التقييد والإيضاح: ٩٥، والنكت على كتاب ابن الصلاح (٦١٦/٢) والنكت الوفية (١٤٤ / أ). ٢٤٢ لأَنَّ الثقةَ الأولَ قدْ لا يكونُ معروفاً بالتدليسِ ، ويجدُهُ الواقفُ على السندِ كذلكَ بعَدَ التسويةِ قد رواهُ عن ثقةٍ آخرَ فيحْكَمُ له بالصحةِ ، وفي هذا غرورٌ شديدٌ . وَمَنْ يُقِلَ عنه أنَّهُ كان يفعلُ ذلكَ (٢) : بقيّةُ بنُ الوليدِ ، والوليدُ بنُ مسلمٍ . أما بقيةُ ، فقال ابنُ أبي حاتم في كتاب " العلل " (٣): سمعتُ أبي ، وذكرَ الحديثَ الذي رواهُ إسحاقُ بنُ راهويهٍ، عنْ بقيةَ ، حدّثْني أبو وَهْبِ الأسديُّ، عن نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ (٤) حديث: (( لا تحمدوا إسلامَ المرءِ حتى تعرفوا عقدةَ رأيِهِ)). فقال (٥) أبي: هذا الحديثُ له أمرٌ قَلَّ مَنْ يفهمُهُ(٦)، رَوَى هذا الحديثَ عبيدُ الله (٧) بنُ عمرو ، عن إسحاقَ بنِ أبي فروةَ ، عن نافعٍ ، عن ابنٍ عمرَ ، عن النبيِّ لَ﴿ّ. وعبيدُ الله بنُ عمرو كنيته أبو وَهْبٍ وهو أسديٌ (٨). فكناهُ (٩) بقيةُ ونسبَهُ إلى بني أسدٍ لكي (١٠) لا يُفطَنَ له (١١) . حتى إذا تُرِكَ إسحاقُ بنُ أبي فروةً من الوسط لا يُهتدى له . - قال - : وكان بقيّةُ مِن أفعلِ الناسِ لهذا (١٢) . وأمَّ الوليدُ بنُ مسلمٍ فقال أبو مُسْهِرٍ : كانَ الوليدُ بنُ مسلمٍ يحدّثُ بأحاديثِ الأوزاعيِّ عن الكذابينَ ، ثم يدلّسُها عنهم. وقال صالحٌ حَزَرَةُ (١٣) : سمعتُ الهيثمَ بنَ (١) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: ((كذلك)) وهو تحريفٌ قبيحٌ. (٢) علل الحديث ( ٢ / ١٥٤ حديث ١٩٥٧ ). (٣) بعد هذا في نسخة ق: ((عن النبي ◌َ﴿)). (٤) كذا في نسخة ن، وفي نسخة ق: ((وقال))، وفي ع وف: ((قال)) بدون واوٍ . (٥) كذا في النسخ الخطية والمطبوعة، وهكذا نقله شيخ المصنف العلائي في جامع التحصيل: ١٠٣، وفي المطبوع من العلل : (( له علة قلّ من يفهمها )) . (٦) كذا في جميع النسخ الخطية والمطبوع من علل الحديث لابن أبي حاتم، وتحرف في ع وف إلى: ((عبد الله)). (٧) في نسخة س : (( الأسدي)) . (٨) في نسخة ق: ((وكناه )) . (٩) كذا في جميع النسخ الخطية ، وعلل الحديث لابن أبي حاتم ، وفي ع وف: (( كي)) (١٠) في علل الحديث: ((به )). (١١) علل الحديث (٢ / ١٥٤ - ١٥٥ حديث ١٩٥٧ ). (١٢) هذا النص أورده المزي في تهذيب الكمال (٧ / ٤٨٩ الترجمة ٧٣٣٢ )، والذهبي في الميزان (٣٤٨/٤ الترجمة ٩٤٠٥ ). ٢٤٣ خارجةَ يقولُ : قلتُ للوليدِ بنِ مسلمٍ : قد أفسدتَ حديثَ الأوزاعيِّ . قال : كيف ؟ قلتُ : تَروي عن الأوزاعيِّ، عن نافعٍ ، وعن الأوزاعيِّ ، عن الزهريِّ ، وعن الأوزاعيِّ، عن يَحْيَى بِنِ سعيدٍ (١) وغيرُكَ يُدْخَلُ بَيْنَ الأوزاعيِّ وبينَ نافعٍ، عبدَ اللهِ بنَ عامرِ الأسلميَّ(٢) وبينَهُ وبينَ الزهريّ إبراهيمَ (٣) بِنَ مُرَّةَ وَقُرَّةَ (٤)، قَالَ: أُبِّلُ (٥) الأوزاعيَّ أنْ يُروِيَ عن مثلٍ هؤلاءٍ . قلتُ : فإذا رَوَى عن هؤلاءِ - وهم ضُعفاءُ - أحاديثَ مناكيرَ فاسقطتَهُمْ أنتَ وصَّيرتَها من روايةِ الأوزاعيِّ عن الثّقاتِ؛ ضُعِّفَ الأوزاعيُّ(٦)، فلم يلتفِتْ إلى قولي . وذَكَرَ الدارقطُّ عن الوليدِ أيضاً هذا النوعَ مِنَ التدليسِ . قال الخطيبُ: وكانَ الأعمشُ ، والثوريُّ، وبقيّةُ ، يفعلونَ مثلَ هذَا (٧). وقد سَمَّاهُ ابنُ (١) بعد هذا في ع وف: ((الأسلمي)). (٢) كذا في جميع النسخ الخطية وميزان الاعتدال، وفي ع وف: ((الإشبيلي)) وهو تحريفٌ قبيح . (٣) في ع: ((وإبراهيم )) بالواو ، خطأ محض . (٤) في الميزان: ((قُرَّة))، فقط، وفي السير (٢١٥/٩): ((مُرَّة وغيره))، والنص في تهذيب الكمال كما هنا . (٥) كذا في جميع النسخ الخطية وف وميزان الاعتدال، وفي ع: ((أجل)). (٦) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٤ / ب ): ((قد وقع ما خافه الهيثم؛ فإن أحمد سُئل عن الأوزاعي فَقَالَ: رأيٌّ ضعيفٌ وحديثٌ ضعيف)). قُلْنَا: انظر في ذَلِكَ: سير أعلام النبلاء ( ١١٣/٧-١١٤). (٧) الكفاية: ( ٥١٨ ت، ٣٦٤ هـ ) ونصّ قوله: ((وربّما لم يسقط المدلّس اسم شيخه الذي حدّثه؛ لكنه يسقط من بعده في الإسناد رجلاً يكون ضعيفاً في الرواية أو صغير السنّ ويحسّن الحديث لذلك ، وكان سليمان الأعمش ، وسفيان الثوري ، وبقية بن الوليد يفعلون مثل هذا )). قلنا : وهذا من أغرب النقل وأعجبه ، فلم نجد ذلك في ممارستنا لصناعة الحديث . وقول الخطيب، نقنف شيخ المصنف العلائي في " جامع التحصيل " ص ١٠٣، فقال - بعد أن ذكر تدليس التسوية - : (( وقد وقع فيه جماعة من الأئمة الكبار لكن يسيراً كالأعمش وسفيان ، حكاه عنهما الخطيب)) . ونقله كذلك تلميذ المصنف الأبناسي في " الشذا الفياح" (١ / ١٧٤ ). وقد فتشنا في الكتب مراراً فلم نجد سوى ما في تاريخ الدارمي (٩٥٢) فقد قال: ((وسمعت يحيى، وسئل عن الرجل يُلقي الرجل الضعيف من بين ثقتين ، يوصل الحديث ثقة عن ثقة ، ويقول: أنقص من الحديث وأصل ثقة عن ثقة ، يُحسّن الحديث بذلك ؟ فَقَالَ : لا يفعل، لعلّ الحديث عن كذّاب ليس بشيء، فإذا هو قد حسّنه وثبته ، ولكن يحدّث به كما روى . قال عثمان: وكان الأعمش ربّما فعلَ ذلك». ثم وجدنا الحافظ ابن حجر قد غمز الأعمش بالتسوية ، فقد قال معقّباً على قول ابن القطّان في تقوية حديث الأعمش عن عطاء ، عن ابن عمر ، قال : أتى علينا زمان وما يرى أحدٌ منا أنّه أحقّ بالدينار والدرهم ... الحديث، فقد قال ابن القطان في " بيان الوهم والإيهام" ( ٢٩٦/٥ عقيب ٢٤٨٤ ): ((رجاله ثقات)). قال ابن حجر: (( وعندي أنّ إسناد الحديث الذي صحّحه القطّان: معلول؛ لأنّه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يَكُوْن صحيحاً؛ لأنّ الأعمش مدلّس، ولم يذكر سماعه من عطاء،= ٤ ٢٤ القطّان (١) وغيرُ واحدٍ تدليسَ التسويةِ. قال العلائيُّ في " المراسيل": ((وبالجملةِ فهذا النوعُ أفحشُ أنواعِ التدليسِ مطلقاً وشرُّها)) (٢) . الشَّاذُ (٣) فِيهِ الَلاَ فَالشَّافِعِيُّ حقَّقَةْ ١٦١. وَذُو الشُّذُوذ: مَا يُخَالِفُ الثّقَةْ وَلِلْخَلِيلِيْ مُفْرَدُ الرَّاوِي فَقَطْ ١٦٢. والحَاكِمُ (٤) الخِلاَفَ فِيهِ مَا اشْتَرَطْ كالنَّهْي عَنْ بَيْعِ الوَلاَ (٥) وَالهِبَةِ وَرَدَّ مَا قَالاَ بِفَرْدِ الثّقَةِ ١٦٣. تِسْعِينَ فَرْدَاً كُلُّهَا قَوِيٌّ وَقَوْلُ مُسْلِمٍ : رَوَى الزُّهْرِيّ ١٦٤. يَقْرُبُ مِنْ ضَبْطٍ فَفَرْدُهُ حَسَنْ ١٦٥. واخْتَارَ فِيْمَا لَمْ يُخَالِفْ أنَّ مَنْ عَنْهُ فَمِمَّا شَذَّ فَاطْرَحْهُ وَرُدْ ١٦٦. أَوْ بَلَغَ الضَّبْطَ فَصَحِّحْ أَوْ بَعُدْ = وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني ، فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر)). ( تلخيص الحبير ٣ / ٢١ طبعة زكي شعبان و ٣ / ١٩ طبعة اليماني). هكذا قال الحافظ ، مع أنّه عقب على قول عثمان الدارمي السابق بقوله : ((ظاهر هذا تدليس التسوية ، وما علمت أحداً ذكر الأعمش بذلك)). ( لسان الميزان ١ / ١٢ ). أما غمز سفيان الثوري بذلك، فهو قول غريبٌ عجيب ، لم نجد للخطيب فيه سلفاً ولا يصحّ البتة . (١) انظر: النكت الوفية ( ١٤٥ / أ). (٢) جامع التحصيل ص ١٠٤، وتمام كلامه: ((لكنّه قليلٌ بالنسبة إلى ما يوجد عن المدلّسين)). (٣) انظر في الشاذ : معرفة علوم الحديث : ١١٩، وجامع الأصول ١ / ١٧٧، وعلوم الْحَدِيْث: ٦٨، والإرشاد ٢١٣/١، والتقريب: ٦٧، والاقتراح : ١٩٧، والمنهل الروي: ٥٠، والخلاصة: ٦٩، والموقظة: ٤٢، ونظم الفرائد: ٣٦١، واختصار علوم الحديث: ٥٦، والتذكرة: ١٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٧٣، والتقييد والإيضاح: ١٠٠، ونزهة النظر: ٩٧، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢ / ٦٥٢، والمختصر : ١٢٤، وفتح المغيث ١ / ١٨٥، وألفية السيوطي: ٣٩، وتوضيح الأفكار ١ / ٣٧٧، وظفر الأماني : ٣٥٦، وقواعد التحديث : ١٣٠. (٤) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٥ / ب): ((قال شيخنا: أسقط من قول الحاكم قيداً لأبدَّ منه، وهو أنه قال : وينقدح في نفس الناقد أنه غلط ، ولا يقدر على إقامة الدليل على ذلك ويؤيد هذا قوله : وذكر أنه يغاير المعلل فظاهرهُ أنه لا يغايره إلا من هذه الجهة ، وهي كونه لم يُطْلَعْ على علته، وأما الرد فهما مشتركان فيه ، ويوضحه قوله ، والشاذ لم يوقف فيه على علته كذلك ، أي : كالمعلل يعني: بل وقف على علته حدساً ». (٥) بالقصر لضرورة الوزن . ٢٤٥ اختلفَ أهلُ العلمِ بالحديثِ في صفةِ الحديثِ الشاذِ ، فقالَ الشافِعِيُّ : ليسَ الشاذُّ مِنَ الحديثِ أنْ يرويَ الثقةُ ما لا يروي غيرُهُ ، وإنَّما أنْ يرويَ الثقةُ حديثاً يخالفُ ما روى الناسُ (١) ، وحكى أبو يعلى الخليليُّ (٢) عنْ جماعةٍ من أهلِ الحجازِ نحوَ هذا، وقالَ الحاكمُ : ((هوَ الحديثُ الذي ينفردُ بهِ ثقةٌ منَ الثقاتِ ، وليسَ لهُ أصلٌ بمتابعٍ (٣) لذلكَ الثقةِ))(٤). فلمْ يشترطِ الحاكمُ فيهِ مخالفةَ الناسِ ، وذَكَرَ أَنَّهُ يغايرُ المعلِّلَ من حيثُ إِنَّ المعلِّلَ وُقِفَ على علَتِهِ الدالةِ على جهةِ الوهمِ فيهِ ، والشاذُّ لَمْ يُوقفْ فيهِ على علَّتِهِ كذلكَ . وقالَ أبو يعلى الخليليُّ: الذي عليهِ حفَّاظُ الحديثِ: أنَّ الشاذِّ ما ليسَ لهُ إلاَّ إسنادٌ واحدٌ ، يشذُّ بذلكَ شيخٌ ، ثقةً كانَ أو غيرَ ثقةٍ ، فما كانَ عنْ (٥) غيرِ ثقةٍ فمتروكٌ لا يقبلُ ، وما كانَ عنْ ثقةٍ يُتَوقَفُ فيهِ ولا يحتجُّ بِهِ (٦) فَلمْ يشترطِ الخليليُّ في الشاذْ تفردَ الثقةِ ، بلْ مطلقُ (٧) التفردِ . وقولُهُ : وَرَدَّ ، أي : ابنُ الصلاحِ ما قالَ الحاكمُ والخليليُّ بأفراد الثقاتِ الصحيحةِ (٨)، وبقولِ مسلمٍ الآتي ذكرُهُ، فقالَ ابنُ الصلاحِ: ((أمَّا ما (١) أخرجه الحاكم في معرفة علوم الحديث: ١١٩، والخطيب في الكفاية (٢٢٣ ت، ١٤١ هـ )، بسنديهما إلى الإمام الشافعي وأما الخليلي فقد أشرك في هذا التعريف جماعة مع الإمام الشافعي ، فقال : ((وأمّا الشاذ فقد قال الشافعى وجماعة من أهل الحجاز ... )) ( الإرشاد ١ / ١٧٦ ). (٢) الإرشاد ١ / ١٧٦ . (٣) في نسخة س: ((متابع)) . (٤) معرفة علوم الحديث : ١١٩، قلنا: وهذا يخالف صنيعه في مستدركه فقد صحّح عدداً كبيراً من المنفردات بنصه ، انظر على سبيل المثال (١ / ٣٥) من طريق مالك ابن سعير، قال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، مرفوعاً: (( يا أيها الناس، إنما أنا رحمةٌ مهداةٌ))، قال عقبه : (( صحيح على شرطهما ؛ فقد احتجا جميعاً بمالك بن سعير ، والتفرد من الثقات مقبول)). (٥) كذا في النسخ الخطية، والإرشاد، وفي ع وف: ((من)). (٦) الإرشاد ١ / ١٧٦. (٧) في نسخة ص: ((أطلق)). (٨) والذي يبدو لنا أن الخليلي يفرّق بين ثقة مبرز في الحفظ فيحتمل تفرده، وبين ثقة لا يحتمل تفرده فيتوقف فيه ؛ لذلك فقد صحّح حديث مالك في المغفر ( ١ / ١٦٧ - ١٦٨) مع أنّه حكم عليه بتفرد مالك به، إذن فلا داعي للاستدراك عليه ( وانظر ما كتب في أثر علل الحديث ص ٢٨١ وما بعدها ) . ٢٤٦ حكمَ الشافعيُّ عليهِ بالشذوذ ، فلا إشكالَ في أَّهُ شاذٌّ غيرُ مقبولِ ، قالَ: وأمَّا ما حكيناهُ عنْ غيره (١) فيشكِلُ بما ينفردُ بهِ العدلُ الحافظُ الضابطُ ، كحديثِ : ((إنّما الأعمالُ بالنياتٍ)) (٢) ثم ذكرَ مواضعَ التفردِ منهُ، ثم قالَ: وأوضحُ (٣) من ذلكَ في ذلكَ: حديثُ عبدِ اللهِ بنِ دينارٍ ، عَنْ ابن عمرَ أنَّ النبيَّ ﴿ .: ((نهى عنْ بيعِ الولاءِ وهيتِهِ)) (٤) تفرّدَ بهِ عبدُ اللهِ بنُ دينارٍ . وحديثُ مالكٍ (٥) ، عنِ الزُّهريِّ، عنْ أنسٍ أنْ النِيَّ ◌َّ: ((دخلَ مكّةَ وعلى رأسِهِ الِغْفَرُ)) تفرّد بهِ مالكٌ (٦) عنِ الزهريِّ. فكلُّ هذه مُخرجةٌ في (١) يعني بالغير : الحاكم والخليلي . (٢) الجامع الصحيح ١ / ٢ حديث (١). (٣) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٧ / ب): (( أي من التمثيل بحديث الأعمال في ذلك، أي: التمثيل للشذوذ وجه أرجحيته في الوضوح : أن حديث الأعمال وردت له متابعات ، فهو ليس بفرد وإن كانت تلك المتابعات كلها واهية جداً بخلاف حديث بيع الولاء فلم يرد له متابع إلا في قول من أبدل عبد الله بعمرو ، وقد صرحوا بغلطه )) . (٤) تقدم تخريجه في ص : ٢١٤. (٥) الموطأ (١٢٧١ ) رواية يحيى الليثي . وأخرجه الحميدي (١٢١٢)، وابن أبي شيبة ٤٩٢/١٤، وأحمد ٣ / ١٠٩ و١٦٤ و١٨٠ و١٨٥ و٢٢٤ و ٢٣١ و٢٣٢ و٢٤٠، والدارمي (١٩٤٤) و(٢٤٦٠)، والبخاري ٢١/٣ حديث (١٨٤٦) و٨٢/٤ حديث (٣٠٤٤) و٥ / ١٨٨ حديث (٤٢٨٦)، ومسلم ١١١/٤ حديث (١٣٥٧) وأبو داود (٢٦٨٥)، وابن ماجه (٢٨٠٥)، والترمذي (١٦٩٣)، والشمائل (١١٢) بتحقيقنا، والنسائي ٢٠٠/٥ و٢٠١، وابن خزيمة (٣٠٦٣)، والطحاوي في شرح المشكل (٤٥١٩) و (٤٥٢٠ )، وفي شرح المعاني ٢ / ٢٥٨، وأبو يعلى (٣٥٣٩) و (٣٥٤٠) و (٣٥٤٢)، وابن حبان (٣٧١٩) و (٣٧٢١) و (٣٨٠٥) و (٣٠٨٦)، والبيهقي ٧ / ٥٩، و٨ / ٢٠٥، والبغوي (٢٠٠٦). (٦) قال الإمام الترمذي ٣١٤/٣ عقيب (١٦٩٣): ((لا نعرف كبير أحد رواه غير مالك عن الزهري)). وقال ابن عبد البرِّ في التمهيد (٦ / ١٥٩ - ١٦٠): ((هذا حديث انفرد به مالك - رحمه الله - لا يحفظ عن غيره ، ولم يروه أحد عن الزهري سواه من طريق يصح ... ، ولا يثبت أهل العلم بالنقل فيه إسناداً غير حديث مالك)). وقال الخليلي في الإرشاد ١ / ١٦٧: ((وأما الإفراد: فما يتفرد به حافظ، مشهور ، ثقة أو إمام عن الحفّاظ والأئمة، فهو صحيح متفق عليه ... )) ثم ساق هذا الحديث . وذكر ابن الصلاح في علوم الحديث : ٧٠ : أن هذا الحديث تفرّد به مالك ، عن ابن شهاب .= ٢٤٧ الصحيحينِ(١) معَ أنّها (٢) ليسَ لها إلاَّ إسنادٌ واحدٌ تفرَّدَ بهِ ثقةٌ، قالَ : وفي غرائب الصحيحِ أشباهٌ لذلكَ غيرُ قليلةٍ ، قالَ: وَقَدْ قالَ مسلمُ بنُ الحجّاجِ: ((الزُّهْريّ نحوُ تسعينَ حرفاً يَرْوِيِهِ (٣) عنِ النِّ ◌ِّ، لا يُشَارِكُهُ فيها أحدٌ بأسانيدَ جيادٍ)) (٤) قالَ (٥): فهذا (٦) الذي ذكرناهُ وغيرُهُ من مذاهبِ أئمةِ الحديثِ يبينُ لكَ أَنَّهُ ليسَ الأمرُ في ذلكَ على الإطلاقِ الذي أتى بهِ الخليليُّ والحاكمُ، بلِ الأمرُ في ذلكَ على تفصيلِ (٧) تُبَيِّنْهُ فنقولُ: إذا انفردَ الراوي بشيءٍ نُظِرَ فيهِ ، فإنْ كانَ مخالفاً لما رواهُ مَنْ هوَ أولى منهُ بالحفظِ لذلكَ، وأضبطُ ، كانَ ما انفردَ بهِ شاذاً مردوداً ، وإنْ لَمْ يكنْ فيهِ مخالفةٌ لما رواهُ غيرُهُ وإنّما هوَ أمرٌ رواهُ هوَ وَلَمْ يَرْوِهِ غيرُهُ، فَيُنْظَرُ في هذا الراوي المنفرد، فإنْ (٨) كانَ عدلاً = وتعقّبه الحافظ العراقي في التقييد ص ١٠٥ فقال: ((إنّ حديث المغفر قد ورد من عدّة طرق غير طريق مالك من رواية ابن أخي الزهري وأبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أبي عامر ومعمر والأوزاعي كلهم عن الزهري ... )) . وقد تتبع الحافظ ابن حجر في نكته على كتاب ابن الصلاح (٢ / ٦٥٦ وما بعدها ) فأوصلها إلى ثلاثة عشر طريقاً عن الزهري غير طريق مالك ، وتكلّم على كلّ طريق وعزاه إلى مظانه ، وتكلم عليه . ولكن الطرق إلى هؤلاء لا يصحّ منها شيء، كما هو مبين في التعليق على تحفة الأشراف ( حديث ١٥٢٧)، وانظر: النكت الوفية ( ١٤٨ / ب ). (١) صحيح البخاري ٣ / ٢١ حديث (١٨٤٦) و٤ / ٨٢ حديث (٣٠٤٤) و٥ / ١٨٨ حديث (٤٢٨٦) و ٧ / ١٨٨ حديث (٥٨٠٨)، صحيح مسلم ٤ / ١١١ حديث ( ١٣٥٧ ). (٢) في ف وع: ((أنه)) . (٣) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ف وع: (( فرداً مروية))، وفي صحيح مسلم: ((حديثاً يرويه)). (٤) صحيح مسلم ٥ / ٨٢ عقيب ( ١٦٤٧)، وقال البقاعي في النكت الوفية (١٤٨ / ب): ((يتبادر منه قبول نفس المتون ، فلا يُقال يحتمل أن يُراد جودة الأسانيد من الزهري إلى البيع : * بل الظاهر إرادة الجودة في جميع السند من مسلم إلى آخره )). (٥) يعني : ابن الصلاح . (٦) في ف: ((فهذه )) وهو تحريف قبيح . (٧) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٩/أ): ((ليس في هذا التفصيل من الشاذ إلا ما قاله أولاً وهو الذي عرف به الشافعي ، وأما الثاني فهو صحيح غريب، وأما الثالث فهو حَسَنٌ لذاته غريب، وأما الرابع فإنه ضعيف إذا أتى ما يجبره صار حسناً لغيره ، وتسميتهُ له شاذاً نظراً إلى محض التفرد ؛ فهو نظرٌ لغويّ)) . (٨) كلمة : (( فان )) سقطت من ع . ٢٤٨ حافظاً موثوقاً بإتقانهِ وضبطِهِ قُبِلَ ما انفردَ بِهِ وَلَمْ يقدحِ الانفرادُ فيهِ كما سبقَ (١) مِنَ الأمثلةِ، وإنْ لَمْ يكنْ عَمَنْ يُوثَّقُ بحفظهِ وإتقانِهِ لذلكَ الذي (٢) انفرد بهِ، كانَ انفرادُهُ بهِ خارِماً (٣) لهُ مُزَحزِحاً لهُ عنْ حَيِّزٍ (٤) الصحيحِ، ثُمْ (٥) هوَ بعدَ ذلكَ دائرٌ بينَ مراتبَ متفاوتةٍ بحسبِ الحالِ فيهِ ، فإنْ كانَ المنفردُ بهِ غيرَ بعيدٍ من درجةِ الحافظِ الضابطِ المقبولِ تفرّده ، استحسنا حديثَهُ ذلكَ ، ولَمْ نَحَطْهُ إلى قبيلٍ (٦) الحديثِ الضعيفِ، وإن ٥ كانَ بعيداً من ذلكَ رَدَدْنًا ما انفردَ بهِ ، وكانَ من قبيلِ الشَّاذِّ المنكرِ. انتهى (٧). (١) بعد هذا في فى وع: ((فيما مرَّ)). (٢) سقطت من نسخة س . (٣) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٩ / أ): ((أي: للخبر فإنه لو حصل له متابعٌ انجبر فصار صحيحاً لغيره ، فالتفرد هو الذي قصّر به عن درجة الصحيح)) . (٤) كذا في جميع النسخ الخطية، وعلوم الحديث، وتصحف في ع وف إلى: ((جبر)). (٥) تحرف في ع وف إلى: ((نعم))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وهو الموافق لعلوم الحديث. (٦) في ع: ((قبل)) وهو خطأ محض . (٧) علوم الحديث : ٧١ . ولخطورة هذه المسألة وأهميتها في ميزان النقد الحديثي رأينا أنْ تُفصِّلَ في ذلك فنقول : لا يشترط في الخبر التعدّد بل خبر الواحد يكفي إذا استوفى شروطه ، وهو الذي عليه جماهير المسلمين من صدر الإسلام وحتى يوم الناس هذا، وقد شذّ بعضهم فاشترط العدد ، وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن شبه هذا المذهب في النكت ( ١ / ٢٤٣ - ٢٤٧). فالجماهير من أهل العلم لا يشترطون العدد في الرواية بل يعمل بالحديث إن كان راويه عدلاً ضابطاً ، وكان السند متصلاً ، ولم يكن في متن الحديث شذوذ أو علّة؛ لذا قَدْ تواترت النصوص عن الإئمة بعدم وجود ضرر في تفرد الرَّاوِي ( انظر عَلَى سبيل المثال: ميزان الاعتدال ٥٠٤/١ (١٨٩٤) ونصب الراية ٧٤/٣، وهدي الساري: ٣٩٤، والفتح ٥ / ١١ و٤٠٧/٥ والتنكيل ١٠٤/١، وأثر علل الْحَدِيْث: ١٣١) وهذا إذا كان الراوي مبرزاً في الحفظ أما إذا لم يكن كذلك، أو كان قليل الطلب، أو إذا روى عن المشهورين ما لا يعرفه ملازموهم فإن تفرّده عندئذ يوجب النظر والتأني. ونحن حينما ننظر في كتب العلل والتخريج نجد الأئمة النقّاد كثيراً ما يعلون أحاديث الثقات بالتفرد والتفرد بحد ذاته ليس علّة لكنه يكشف عن العلّة بل قد يكون أحياناً من أسباب العلة . فالتفرد إذاً من المسائل الخطيرة المهمّة وأغمضها إذ تتميز بدورها الفعّال في إلقاء الضوء على ما يكمن في أعماق الرواية من علّة ووهم، ولأهمية التفرد في النقد والتعليل نجد المحدّثين قد أفردوا هذا النَّوْع= ٢٤٩ وهذا معنى قولِهِ: (واختارَ)، أي: ابنُ الصلاحِ في الفردِ الذي لم یُخالِفْ . وقولُهُ : ( وَرُدْ)، هو أمرٌّ معطوفٌ على قولِهِ: ( فَاطْرَحْهُ) ، قالَ ابنُ الصَّلاحِ : فخرجَ من ذلكَ أنّ الشاذِّ المردودَ قسمان : أحدُهما : الحديثُ الفردُ المخالفُ . والثاني : الفردُ الذي ليسَ في راويهِ منَ الثقةِ والضبطِ ما يقعُ جابراً لما يوجبُ (١) التفردُ والشذوذُ من النكارةِ والضعفِ (٢)، والله أعلمُ (٣). وسيأتي مثالٌ لقسمي الشَّاذِّ في الباب الذي بعدَهُ . = بالتصنيف بمؤلفات خاصّة . فالتفرد لا يأخذ ضابطاً لردّ روايات الثقات بل له أحوال مختلفة حتى رواية الضعيف لا يردّ ما ينفرد به مطلقاً، بل الجهابذة الفهماء من الأولين يستخرجون منه ما صحّ من حديثه وقد روى الشيخان عمّن في حفظه شيء لما علما أنّ هذا من صحيح حديث الراوي ومثل هذا لا يستطيعه كلُّ أحد . والتفرد إذا كان بالطبقات المتقدّمة كطبقة الصحابة فإنه لا يضرّ ، وكذلك الحلل في طبقة كبار التابعين ، وذلك إذا كان المتفرد عدلاً ضابطاً ، أما إذا كان التفرد في الطبقات المتأخّرة التي من شأنها التعدد والشهرة لا سيما إذا كان عن الرواة المكثرين الذين يكثر تلامذتهم وينقل أحاديثهم جماعة ، فذلك أمر يأخذه النقاد بعين الاعتبار فينظرون علاقة المتفرد بالراوي الذي تفرّد عنه ، وكيف كانت ملازمته له ، وكيف كان يتلقى منه الأحاديث عموماً، وهذا الحديث الذي تفرد به خصوصاً ، وحالة ضبطه لما يرويه عامّة وهذا الحديث خاصة ثم الحكم عليه بعد ذلك بحسب مقتضى نظرهم ، ولم يكونوا يطلقون فيه حكماً مطرّداً بالقبول إذا كان ثقة أو بالردّ إذا كان ضعيفاً، وإنّما يخضع حكمهم عليه لمنهج علمي دقيق يطبقه حذاق النقاد أصحاب البصيرة والخبرة التامّة بصناعة الحديث ؛ وذلك لأنّ الثقة يختلف حاله في الضبط باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يطرأ في كَيْفِيَّة التلقي للأحاديث، أو لعدم توافر الوسائل الَّتِي تمكّنه من ضبط ما سمعه من بَعْض شيوخه. ( وانظر : أثر علل الْحَدِيْث: ١٣١ - ١٣٧). (١) الذي في علوم الحديث: ((يوجبه)) وهو متجه وأشار المحقق إلى أنّ في بعض النسخ: ((يوجب)) بلا هاء . ے (١) علوم الحديث : ٧١ . (٢) لم ترد في نسخة ص . ٢٥٠ الْمُنْكَرُ (١) ١٦٧. وَالْمُنكَرُ: الفَرْدُ كَذَا البَرْدِيجِيِّ(٢) أَطْلَقَ، وَالصَّوَابُ فِي الْتَّخْرِيْجِ فَهْوَ بِمَعْنَاهُ (٣) كَذَا الشَّيْخُ ذَكَرْ ١٦٨. إِجْرَاءُ تَفْصِيْلٍ لَدَى الشُّذُوْذِ مَرْ وَمَالِكٍ (٤) سَمَّى ابْنَ عُثْمَانَ: عُمَرْ ١٦٩. نَحْوَ ((كُلُوا البَلَحَ بِالتَّمْرِ)) الخَبَرْ خَاتَمَهُ عِنْدَ الَخَلاَ وَوَضْعِهْ)) ١٧٠. قُلْتُ : فَمَاذَا؟ بَلْ حَدِيْثُ «نَزْعِهْ قالَ الحافظُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ هارونَ البَرْديجيُّ : المنكرُ هوَ الحديثُ الذي ينفردُ بهِ الرجلُ ، ولا يُعرفُ مثْتُه من غيرِ روايتِهِ ، لا من الوجهِ الذي رواهُ منهُ (٥) ولا من وجهٍ آخرَ . قالَ ابنُ الصلاحِ: فأطلقَ البرديجيُّ ذلكَ ، ولم يفصِّلْ. قالَ : وإطلاقُ الحكمِ على التفرُّدِ بالرَّدٌ ، أو النَّكارةِ ، أو الشُّذوذِ ، موجودٌ في كلامٍ كثيرٍ من أهلِ الحديثِ . قالَ : والصوابُ فيهِ التّفصيلُ الذي بيناهُ آنفاً في شرحِ الشاذِ ، قالَ : وعندَ هذا نقولُ : (١) انظر في ذلك : علوم الحديث : ٧١، والإرشاد ١ / ٢١٩، والتقريب: ٦٩، والإقتراح: ١٩٨، والمنهل الروي: ٥١، والخلاصة: ٧٠، والموقظة: ٤٢، واختصار علوم الحديث: ٥٨، والتذكرة: ١٧، ومحاسن الاصطلاح: ١٨٠، والتقييد والإيضاح: ١٠٥، ونزهة النظر: ٩٨، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢ / ٦٧٤، والمختصر: ١٢٥، وفتح المغيث ١ / ١٩٠، وألفية السيوطي: ٣٩، وتوضيح الأفكار ٢ / ٣، وظفر الأماني: ٣٥٦، وقواعد التحديث: ١٣١. (٢) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٩ / أ): (( ما أطلقه البرديجي موجودٌ في كلام أحمد؛ فإنه يصف بعض ما تفرّد به بعض الثقات بالمنكر ، ويحكم على بعض رجال الصحيحين أنَّ لهم مناكير ، لكن يعلم من استقراء كلامه أنه لابُدَّ مع التفرد من أن ينقدح في النفس أن له علة ، ولا يقوم عليها دليلٌ)). (٣) قارن بالنكت الوفية ( ١٤٩ / ب ). (٤) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٩/ب): (( قوله: ومالك عطفٌ على كلوا البلح أي : نحو كلوا ونحو مالك في تسمية ابن عثمان عُمر ، وهو على حذف مضاف ، أي ونحو تسمية مالك فكأنه قيل ما سمى قال : سمى ابن عثمان ، أو يكون التقدير ونحو مالك في أن سمى فالحاصل أن مراده نحو هذا الحديث ، ونحو هذا السند )). (٥) جاءت في حاشية نسخة ق تعليقة لأحدهم، نصّها : ((قوله: لا من الوجه الذي رواه منه آخر أي: لا يعرف إلا عنه لا بمتابعة تامّة ولا بمتابعة قاصرة، وإلى ذلك أشار بالوجه الآخر. البقاعي - ﴿ -)) . قلنا : هو في النكت الوفية ( ١٤٩ / ب ). ٢٥١ المنكرُ ينقسم قسمينِ على ما ذكرناهُ في الشاذّ، فإنَّهُ بمعناهُ (١). وقولُهُ : ( نحو كُلوا ... ) إلى آخرِ البيتِ هما مثالانِ للمنكرِ الذي هوَ بمعنى الشاذٌ . فالأولُ مثالٌ للفردِ الذي ليسَ في راويهِ من الثقةِ والإتقانِ ما يحتملُ معهُ تفرُّدُهُ ، وهوَ ما رواهُ النسائيُّ (٢) ، وابنُ ماجه (٣) منْ روايةِ أبي زُكَيْرِ يحيى بنِ محمّدٍ بنِ قيسٍ عنْ هِشامٍ بِنِ عُروةَ عنْ أبيهِ عنْ عائشةَ؛ أنَّ رسولَ اللهِ﴿ِ، قالَ (٤): ((كلوا البَلَحَ بالتَّمْرِ، فإنَّ ابنَ آدَمَ إذا أُكلَّهُ غَضِبَ الشيطانُ، ... الحديثَ)) ، قالَ النسائِيُّ (٥) هذا حديثٌ منكرٌ (٦)، قالَ ابنُ الصلاحِ تفرّدَ بهِ أبو زُكيرٍ ، وهوَ شيخٌ صالحٌ (٧) أخرجَ عنه مسلمٌ في كتابِهِ غيرَ أَنَّهُ لَمْ يبلغْ مبلغَ مَنْ يحتملُ تفرُّدُهُ انتهى . (١) علوم الحديث : ٧٢ . قلنا : اصطلاح المنكر على التفرد اصطلاح قديم منقرض استعمله بعض المُحَدِّثين المتقدّمين ، فيمن لم يكن مبرزاً في الحفظ ، قال الحافظ ابن حجر في النكت ( ٢ / ٦٧٤ ): (( أطلق الإمام أحمد والنسائي، وغير واحد من النقاد لفظ المنكر على مجرّد التفرد حيث لا يكون المتفرد في وزن من يحكم لحديثه بالصحة بغير عاضد يعضده )). قلنا: وكذلك أبو داود وأبو زرعة ، انظر : سنن أبي داود (١٩). (٢) السنن الكبرى ٤ / ١٦٦ رقم (٦٧٢٤)، وهو في التحفة (١٧٣٣٤). (٣) السنن (٣٣٣٠)، وأخرجه ابن حبان في المجروحين ٣ / ١٢٠، والعقيلي في الضعفاء ٤ / ٤٢٧، وأبو يعلى (٤٣٩٩)، وابن عدي في الكامل ٧ / ٢٦٩٨ والحاكم ٤ / ٢١، والخطيب في تاريخهـ ٥ /٣٥٣ ، وفي معرفة علوم الحديث ص ١٠٠ - ١٠١، قال أبو حاتم والذهبي: ((منكر))، وكذلك استنكره العقيلي وابن عدي، وقال ابن حبان: ((وهذا الكلام لا أصل له من كلام رسول الله (﴿ّ)) وساقه ابن الجوزي في الموضوعات ٣ / ٢٥ - ٢٦، والسيوطي في اللآليء المصنوعة ٢ / ٢٤٣ - ٢٤٤، وذكر أن البلیة فیه من أبي ز کیر یحی بن محمد بن قيس المدني . (٤) انظر: النكت الوفية ( ١٤٩ / ب ) وما بعدها . (٥) لم نجد كلام النسائي في المطبوع من السنن الكبرى، وهو في تحفة الأشراف (٢٢٤/١٢ رقم ١٧٣٣٤). (٦) يشاع في كتب الموضوعات والرجال إطلاق المنكر على الحديث الموضوع، إشارة إلى نكارة معناه مع ضعف إسناده وبطلان ثبوته ، والله أعلم . (٧) جاءت في حاشية نسخة س تعليقه لأحدهم، نصّها: ((أخذه ابن الصلاح من كلام الخليلي في كتاب الإرشاد)). قلنا: وهو في الإرشاد (١٧٣/١)، وعبارة الخليلي فسّرها الحافظ ابن حجر في النكت (٦٨٠/٢) بقوله: (( وقول الخليلي: إنّه شيخ صالح : أراد به في دينه لا في حديثه؛ لأنّ من عادتهم إذا أرادوا وصف الراوي بالصلاحية في الحديث قيّدوا ذلك ، فقالوا: صالح الحديث ، فإذا أطلقوا الصلاح فإنّما يريدون به الديانة، واللهُ أعلم)). وهوَ كما قال الحافظ ابن حجر، فإن أبا زكير هذا قد ضعّفه ابن معين ، وقال. العقيلي: ((لا يتابع على حديثه)) وقال ابن حبّان في المجروحين (٣ / ١١٩ - ١٢٠): ((كان ممن يقلب الأسانيد ، ويرفع المراسيل من غير تعمد ، فلما كثر ذلك منه صار غير محتج به إلا عند الوفاق )). ٢٥٢ وإنّما أخرجَ (١) لهُ مسلمٌ في المتابعات . والثاني : مثالٌ للفردِ المخالفِ لما رواهُ الثقاتُ ، وهوَ ما رواهُ مالكٌ ، عنِ الزهريّ ، عنْ عليٍّ بنِ حسينٍ، عنْ عمرَ بنِ عثمانَ، عنْ أُسامةَ بنِ زيدٍ ، عَنْ رسولِ اللهِوَ﴿ِ، قالَ: (( لا يَرِثُ المسلمُ الكافرَ، ولا الكافرُ المسلمَ)) (٢). فخالفَ مالكٌ غيرَهُ منَ الثقاتِ في (١) كذا في النسخ الخطية، وفي ع وف: (( خَرَّجَ)) . (٢) الموطّأ (١٤٧٥) ((رواية الليثي)). وقد أخرجه عن مالك أبو مصعب الزهري (٣٠٦١ )، وعبد الله بن مسلمة القعني عند الجوهري ( ٢١٠ )، والمزي في تهذيب الكمال ٢٢ / ١٥٥، وعبد الله بن وهب عند الجوهري (٢١٠ )، والطحاوي في شرح المعاني ٣ / ٢٦٥، ومحمد بن الحسن (٧٢٨)، ومصعب بن عبد الله بن الزبير عند ابن عبد البرِّ في التمهيد ١٦٢/٩، وقد رواه عن الزهري غير مالك جماعة منهم : ١. سفيان بن عيينة عند الحميدي (٥٤١)، وأحمد ٢٠٠/٥، والدارمي (٣٠٠٥) ومسلم ٥ / ٥٩ (١٦١٤ )، وأبو داود ( ٢٩٠٩)، وابن ماجه (٢٧٢٩)، والترمذي (٢١٠٧ )، والنسائي في الكبرى (٦٣٧٦ )، وابن الجارود (٩٥٤)، والطبراني (٤١٢)، والبيهقي ٦ / ٢١٨. ٢. ومحمد بن أبي حفصة عند أحمد ٢٠١/٥، والبخاري ٣٨٧/٥ حديث ٤٢٨٢) والطبراني (٤١٢). ٣. ومعمر بن راشد عند أحمد ٥ / ٢٠٨ و٢٠٩، والدارمي (٣٠٠٢)، والنسائي في الكبرى (٦٣٧٩ )، والطبراني (٤١٢)، والبيهقي ٦ / ٢١٨. ٤. ابن جريج عند عبد الرزاق (٩٨٥٢)، وأحمد ٥ / ٢٠٨، والبخاري ٨ / ١٩٤ حديث (٦٧٦٤ )، والبيهقي ٦ / ٢١٧ . ٥. ويونس عند ابن ماجه (٢٧٣٠ )، والنسائي في الكبرى (٦٣٨٠)، والطحاوي في شرح المشكل ( ٢٥٠٤)، والدار قطني ٤ / ٦٩، والطبراني (٤١٢) والبيهقي ٦ / ٢١٨ . ٦. وهشيم عند الترمذي (٢١٠٧)، والنسائي في الكبرى (٦٣٨٢)، والطبراني (٣٩١). ٧ . وزمعة بن صالح عند الطبراني في الكبير (٤١٢ ). ٨ . عبد الله بن بديل بن ورقاء عند الطبراني (٤١٢ ). ٩ . عقيل بن خالد عند النسائي في الكبرى ( ٦٣٧٨ )، والطبراني ( ٤١٢ ). ١٠ . يزيد بن عبد الله بن الهاد عند النسائي في الكبرى (٦٣٧٧) والطبراني (٤١٢). ١١ . يحيى بن سعيد الأنصاري عند الطبراني (٤١٢) .. ١٢ . سفيان بن حسين عند الطبراني (٤١٢ ). ١٣ . صالح بن كيسان عند الطبراني (٤١٢ ). قال الترمذي بعد أن ساقه من طريق سفيان بن عيينة وهشيم ، عن الزهري ، عن علي ابن حسين ، عن عمرو بن عثمان، به : (( وهذا حديث حسن صحيح ، هكذا رواه معمر وغير واحد عن الزهري نحو هَذَا. وروى مالك عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن عمر بن عثمان ، عن أسامة بن زيد، عن= ٢٥٣ قولهِ : عُمرَ بنِ عُثمانَ ، يعني: بضمِّ العينِ ، وذكرَ مسلمٌ في " التمييز " أنْ كلِّ مَنْ رواهُ مِنْ أصحابِ الزهريّ قالَ فيهِ : عَمْرو بنِ عثمانَ ، يعني : بفتح العينِ ، وذكرَ أنَّ مالكاً كانَ يشيرُ بيدهِ إلى دارٍ عُمَرَ بنِ عثمانَ ، كأنَّهُ علمَ أنَّهم يخالفونَهُ ، وعَمَرٌو وعُمَرُ جميعاً ولدا عثمانَ غيرَ أنَّ هذا الحديثَ إنّما هوَ عن عمرو - بفتحِ العينِ - وحكمَ مسلمٌ وغیرُهُ على مالكٍ بالوهمِ فيهِ ، هكذا مثّلَ ابنُ الصلاحِ (١) بهذا المثالِ ، وفيهِ نظرٌ ، منْ حيثُ إنّ هذا الحديثَ ليسَ بمنكرِ ، ولَمْ يطلقْ عليهِ أحدٌ اسمَ النكارةِ فيما رأيت والمتن ليسَ بمنكرٍ ، ء وغايتهُ أنْ يكونَ السندُ منكراً ، أو شاذاً لمخالفةِ الثقات لمالكٍ في ذلكَ، ولا يلزمَ من م = النبي ◌ُ﴿ّ، نحوه. وحديث مالك وهم، وهِمَ فيه مالك، وقد رواه بعضهم عن مالك فقال: عن عمرو بن عثمان ، وأكثر أصحاب مالك قالوا : عن مالك ، عن عمر بن عثمان ، وعمرو بن عثمان هو مشهور من ولد عثمان، ولا يعرف عمر بن عثمان)) (الترمذي ٣ / ٦١٠ حديث ٢١٠٧ م ). وقال ابن عبد البرِّ : (( هكذا قال مالك : عمر بن عثمان ، وسائر أصحاب ابن شهاب يقولون : عمرو بن عثمان ، وقد رواه ابن بكير عن مالك ، على الشك فقال فيه : عن عمر بن عثمان أو عمرو بن عثمان ، والثابت عن مالك: عمر بن عثمان ، كما روى يحيى، وتابعه القعني وأكثر الرواة ، وقال ابن القاسم فيه: عن عمرو بن عثمان ، وذكر ابن معين ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، أَنَّه قال له : قال لي مالك بن أنس : تراني لا أعرف عمر من عمرو ، هذه دار عمر ، وهذه دار عمرو . أما أهل النسب فلا يختلفون أن لعثمان بن عفان ابناً يسمّى عمر ، وله أيضاً ابن يسمّى عمراً ، وله أيضاً : أبان والوليد وسعيد، وكلهم بنو عثمان بن عفان ، وقد روي الحديث عن عمر وعمرو وأبان ... ومالك يقول فيه : عن ابن شهاب ، عن علي بن حسين ، عن عمر بن عثمان ، عن أسامة ، وقد وافقه الشافعي ويحيى بن سعيد القطّان على ذلك، فقال : هو عمر ، وأبى أن يرجع ، وقال : قد كان لعثمان ابن يقال له عمر، وهذه داره . ومالك لا يكاد يقاس به غيره حفظاً وإتقاناً ؛ لكن الغلط لا يسلم منه أحد ، وأهل الحديث يأبون أن يكون في هذا الإسناد إلا عمرو بالواو ، وقال علي بن المديني، عن سفيان بن عيينة ، أَنَّه قيل له : إنّ مالكاً يقول في حديث : (( لا يرث المسلم الكافر)): عمر بن عثمان ، فقال سفيان: لقد سمعته من الزهري كذا وكذا مرّة ، وتفقدته منه ، فما قال إلا عمرو بن عثمان . وممن تابع ابن عيينة على قوله عمرو بن عثمان: معمر ، وابن جريج، وعُقَيل ، ويونس بن يزيد ، وشعيب بن أبي حمزة ، والأوزاعي ، والجماعة أولى أن يسلم لها ). التمهيد ٩ / ١٦٠ - ١٦٢، وانظر: علل ابن أبي حاتم ( ١٦٣٥)، وتهذيب الكمال ٢٢ / ١٥٥، والتعليق على موطأ مالك رواية الليثي ٢ / ٢١ - ٢٢، وشرح السيوطي ص ١٨١ - ١٨٢. (١) علوم الحديث : ٧٣ - ٧٤ . ٢٥٤ شذوذ السندِ ونكارتِهِ وجودُ ذلكَ الوصفِ في المتنِ فقدْ ذكرَ ابنُ الصلاحِ في نوعِ المعلل (١) : أنَّ العلةَ الواقعةَ في السندِ قدْ تقدحُ في المتنِ، وقدْ لا تقدحُ ومثّلَ ما لا تقدحُ(٢) بما رواهُ يعلى بنُ عُبيدٍ، عنِ الثّوريّ، عنْ عَمرِو بنِ دينارٍ، عنِ ابنِ عُمرَ ، عنِ النِّ ◌َ/، قالَ: ((البِّعَان بالخِيَارِ)) (٣) قالَ: فهذا إسنادٌ معلِّلٌ (٤) غيرُ صحيحٍ، والمتنُ على كلّ حالٍ صحيحٌ (٥) ، قالَ : والعلّةُ في قولهِ عن عَمرِو بنِ دينارٍ، وإنّما هوَ عنْ (٦) عبدِ اللهِ بنِ دينار. انتهى (٧). فحكمَ على المتنِ بالصحةِ معَ الحكمِ بوهمٍ يعلى بنِ عُبيدٍ فيهِ (٨) وإلى ء هذا الإِشارةُ بقولي : ( قلتُ : فماذا)، وإذا قالَ مالكٌ: عُمَرَ بنَ عثمانَ ، فملذا ؟ أي : فما (٩) يلزمُ منهُ من نكارةِ المتنِ . ثم أشرتُ إِلَى مثالٍ صحيحٍ لأحدٍ قسمَيْ المنكرِ ، بقولي : (بَلْ حَدِيْث نزعه ... ) إلى آخره ، أي : بل هذا الحديثُ مثالٌ لهذا القسمِ من المنكر ، وهوَ ما رواهُ أصحابُ السننِ (١) علوم الحديث : ٨٢ - ٨٣ . (٢) ((ومثل ما لا تقدح)) هكذا في جميع النسخ الخطية، وفي ف: ((ومثل ما لا يقدح)) بالياء، وفي ع : (( ومثل لا يقدح .. )) فوقع في العبارة نقص . (٣) هذا الحديث صحيح ، رواه عدد كبير من الصحابة يزيد مجموعهم على عشرين نفساً ، والحديث اعتنى بتخريج طرقه الحافظ الزيلعي في نصب الراية (٤ / ١ - ٤)، والحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير (٣ / ٢٣)، وللمنذري مؤلف في تخريج طرقه، وهو مخطوط محفوظ بدار صدام للمخطوطات ، وانظر تفصيل الروايات والطرق في مسند أبي يعلى ١٠ / ١٩٢ - ١٩٣، وإتحاف المهرة ٨ / ٥٢٨ حديث (٩٨٩٠)، والمسند الجامع ١٠ / ٤٣٧ حديث (٧٧٢٩ )، وكشف الإيهام الترجمة ( ٥٤٧ ) . (٤) عبارة ابن الصلاح : ((فهذا إسنادٌ متصل بنقل العدل عن العدل وهو معلل ... )) .. (٥) جملة: ((والمتن على كل حال صحيح)) سقطت من ع وف ، وهي ثابتة في جميع النسخ الخطية. (٦) كلمة: ((عن )) سقطت من ع . (٧) علوم الحديث ص ٨٣ ، ورواية يعلى بن عبيد الشاذة أخرجها الطبراني في معجمه الكبير (١٣٦٢٩ ) ووقع فيها تحريف في اسم يعلى ، مما دل على سوء هذه الطبعة . (٨) كلمة: ((فيه )) سقطت من ع . (٩) في ع وف: (( فماذا)). ٢٥٥ الأربعةِ من روايةٍ هَمّامٍ بنِ يحيى عنِ ابنِ جريجٍ عن الزُّهريِّ عن أنسٍ، قالَ: كانَ النسيُّ لِ ﴿ (( إذا دَخَلَ الخِلاَءَ وَضَعَ خَاتَمَهُ))، قالَ أبو داودَ بعدَ تخريجِهِ: هذا حديثٌ منكرٌ (١) ، قالَ: وإنّما يُعْرَفُ عنِ ابنِ حُرَيجٍ ، عنْ زيادِ بنِ سعدٍ ، عنِ الزهريّ ، عنْ أنسٍ أَنَّ النِيَّ ◌َ -: (( اتّخذَ خاتماً مِنْ وَرِقٍ، ثم ألقاهُ))، قالَ: والوهمُ فيهِ من هّامٍ، ولَمْ يروِهِ إلاَّ هَّامٌ (٢)، وقالَ النسائيُّ بعدَ تخريجهِ : هذا حديثٌ غيرُ محفوظِ (٣) انتهى. فهمّامُ بنُ يحيى ثقةٌ ، احتجَّ بهِ أهلُ الصحيحِ ، ولكنَّهُ خالفَ الناسَ ، فروى عنِ ابنِ جريجٍ هذا المتنَ بهذا السندِ وإنّما رَوَى الناسُ عنِ ابنِ جريجِ الحديثَ الذي أشارَ إليهِ أبو داودَ ، ولهذا حكمَ عليهِ أبو داودَ بالنكارة ، وأما الترمذيُّ فقالَ فيه : حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ (٤) . (١) انظر النكت الوفية ( ١٥١ / ب ). (٢) سنن أبي داود ١ / ٥ عقيب (١٩). وجاءت في حاشية نسخة ص تعليقه ، نصّها : (( قال الحاكم في المستدرك والبيهقي في سننه : ورواه يحيى بن المتوكل عن ابنٍ جريج، وصحّحه الحاكم على شرط الشيخين فعلى هذا لم ينفرد به همام)). قلنا : متابعة يحيى - هو ابن المتوكل - أخرجها الحاكم (١ / ١٨٧)، والبيهقي (١ / ٩٥)، وضعّف البيهقي هذه المتابعة ، ونازعه العراقي في التقييد ص ١٠٨ ، بأنّ البيهقي ظنّه أبا عَقيل صاحب بهية وهو ضعيف کما في الميزان ( ٤/ ٤٠٤ )، والصواب أنّه باهليٌّ یکنی أبا بكر ، قال فيه ابن معين: لا أعرفه ( سؤالات ابن الجنيد ٨٧٩)، قال ابن حجر في نكته ( ٢ / ٦٧٨): ((أراد جهالة عدالته لا جهالة عينه))، وذكره ابن حبان في ثقاته (٧ / ٦١٢) فقال: ((يخطئ)). وعلى هذا فهو ممن يعتبر به . فلا تصحّ دعوى تفرد همام به . ومما يزيدنا يقيناً أنّ الخطأ في هذا الحديث ليس من همام، أنّ سماع أهل البصرة من ابن جريج لما قدم عليهم فيه خلل من جهة ابن جريج لا من جهتهم، ويحيى وهمام كلاهما بصري (نكت ابن حجر ٦٧٧/٢). والذي يظهر : أن الخلل في هذا الحديث تدليس ابن جريج حيث أسقط الواسطة بينه وبين الزهري ، وهو زياد بن سعد - على ما صرّح به في الرواية الثانية - . فعلته الوحيدة تدليس ابن جريج ، لذا قال الحافظ في نكته ( ٢ / ٦٧٨): ((ولا عّة له عندي إلا تدليس ابن جريج، فإن وجد عنه التصريح بالسماع ، فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي))، ومعلوم عند أهل النقد أنّ تدليس ابن جريج من أقبح التدليس أنظر: تهذيب الكمال ( ٤ / ٥٦٢ ) والتعليق عليه . (٣) السنن الكبرى ٥ / ٤٥٦ عقيب (٩٥٤٢). وقال البقاعي في النكت الوفية (١٥١ / ب ) مفسراً قول النسائى : ((يعني إنه شاذ وهذا هو المعتمد في وصف الحديث )) . (٤) الجامع الكبير ٣ / ٣٥٥ عقيب (١٧٤٦)، والحديث أخرجه أبو داود (١٩)، وابن ماجه (٣٠٣)، والترمذي في الشمائل (٩٣)، والنسائي ٨ / ١٧٨، وفي الكبرى (٩٥٤٢)، وابن حبان (١٤١٣)، والحاكم ١ / ١٨٧، والبيهقي ١ / ٩٤ و ٩٥، والبغوي (١٨٩ ). ٢٥٦ الاعْتِبَارُ (١) وَالْمُتَابَعَاتُ وَالشَّوَاهِدُ (٢) شَارَكَ رَاوٍ غَيْرَهُ فِيْمَا حَمَلْ ١٧١. الاعْتِبَارُ سَبْرُكَ الحَدِيْثَ هَلْ مُعْتَبَرٍ (٣) بِهِ فَتَابِعٌ، وَإِنْ عَنْ شَيْخِهِ فَإِنْ يَكُنْ شُوْرِكَ مِنْ ١٧٢. وَقَدْ يُسَمَّى شَاهِدَاً (٤) ثُمَّ إِذَا ١٧٣. شُورِكَ شَيْخُهُ فَفَوْقُ فَكَذَا وَمَا خَلاَ عَنْ كُلِّ ذَا مَفَارِدُ مَتْنٌ بِمَعْنَاهُ أَتَّى فَالشَّاهِدُ ١٧٤. فَلَفْظَةُ ((الدِّبَاغِ)) مَا أَتَى بِهَا مِثَالُهُ ((لَوْ أَخَذُوا إِهَابَهَا)) ١٧٥. تُوبِعَ (٧) عَمْروٌ فِي الدِّبَاغِ فَاعْتُضِدْ ١٧٦. عَنْ عَمْرٍو الاَّ(٥) ابنُ عُبَيْنَةٍ(٦) وَقَدْ فَكَانَ فِيهِ شَاهِدٌ في البابِ ١٧٧. ثُمَّ وَجَدْنَا ((أَيُّمَا إِهَابٍ)) (١) قلّد الحافظُ العراقي في هذا ابنَ الصلاحِ، وقد انتقد الحافظ ابنُ حجر هذا الصنيع فقال في نكته على ابن الصلاح (٢ / ٦٨١): ((هذه العبارة تُوهم أنّ الاعتبار قسيم للمتابعة والشاهد وليس كذلك، بل الاعتبار هو : الهيئة الحاصلة في الكشف عن المتابعة والشاهد؛ وعلى هَذَا فكان حقّ العبارة أن يَقُوْل : مَعْرِفَة الاعتبار للمتابعة والشاهد )). وانظر بلابد: النكت الوفية للبقاعي (١٥٢ / ب ). (٢) انظر في المتابعات والشواهد : علوم الحديث: ٧٤، وإرشاد طلاب الحقائق ٢٢١/١-٢٢٤، والتقريب: ٧٠، والمنهل الروي : ٥٩، والخلاصة: ٥٧، واختصار علوم الحديث: ٥٩، والتذكرة: ١٩-٢٠، ومحاسن الاصطلاح: ١٨٢، والتقييد والإيضاح: ١٠٩، ونزهة النظر: ٩٩، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٦٨١/٢، والمختصر: ١٤٢، وفتح المغيث ١٥٩/١، وألفية السيوطي: ٥١-٥٢، وتوضيح الأفكار ٢ / ١١، وظفر الأماني: ٣٢٣. (٣) قال البقاعي في النكت الوفية ( ١٥٣ / أ) : (( يعني بأن يكون أهلاً للعَضْدِ بأنْ يكون فيه قوةٌ فلو قال : أهل العضد فهو تابعٌ لكان أوضحَ لأنه يتبادر إلى الذهن أن معنى معتبر به معنى الاعتبار )). (٤) قال البقاعي في النكت الوفية (١٥٣ / أ): ((وهي المتابعة القاصرة ، وأما المتابعة التامة ، وهي متابعة الراوي نفسه عن شيخه فلا يسمى شاهداً لأنها هي المتابعة الحقيقية ، ومتى كانت المشاركة في ذلك الصحابي فهي متابعة سواء كانت باللفظ أو بالمعنى تامةً أو قاصرة )). (٥) بالدرج لضرورة الوزن . (٦) صُرِفَ للوزن . (٧) قال البقاعي في النكت الوفية (١٥٣ / أ): ((هذه متابعة قاصرة، والمتابعة التامة أن يتابع أحدٌ ابن عيينة في الرواية عن عمرو والإتيان بلفظة الدباغ». ٢٥٧ هذه الألفاظُ يتداولها أهلُ الحديثِ بينَهم . فالاعتبارُ : أنْ تأتيَ (١) إلى حديثٍ لبعضِ الرواةِ ، فتعتبرُه (٢) برواياتٍ غيره منَ الرواة بسبرٍ (٣) طُرُقِ الحديثِ لُيُعرفَ هلْ شاركَهُ في ذلكَ الحديثِ راوٍ غيرُهُ فرواهُ عنْ شیخِهِ أُمْ لا ؟ فإِنْ يَكِنْ شاركَهُ أحدٌ ثَمّنْ يُعتبرُ بحديثهِ ، أيْ : يصلحُ أنْ يُخرجَ حديثُه للاعتبارِ بهِ والاستشهاد بهِ ، فيسمَّى حديثُ هَذَا الَّذِي شاركَهُ تابعاً - وسيأتي بيانُ مَنْ يعتبرُ بحديثهِ في مراتبِ الجرحِ والتعديلِ - وإنْ لم تجدْ أحداً تابعَهُ عليهِ عنْ شيخهِ فانظرْ هلْ تابعَ أحدٌ شيخَ شيخِهِ فرواهُ متابعاً لهُ أمْ لاَ ؟ إنْ وجدتَ أحداً تابعَ شيخَ شيخِهِ عليهِ ، فرواهُ كما رواهُ فسمِّهِ أيضاً تابعاً. وقدْ يسمُّونَهُ شاهداً ، وإنْ (٤) لم تجدْ فافعلْ ذلكَ فيمنْ (٥) فوقَهُ إلى آخرِ الإسنادِ حتَّى في الصحابيِّ ، فكلُّ مَنْ وُجِدَ لهُ متابعٌ فسمِّهِ تابعاً. وقدْ يسمُّونَهُ شاهداً ، كما تقدَّمَ ، فإِنْ لَمْ تَجدْ لأحدٍ ◌َمنْ فَوقَهُ متابعاً عليهِ فانظرْ هلْ أتى بمعناهُ حديثٌ آخرُ في البابِ أمْ لا؟ فإنْ أتى بمعناهُ حديثٌ آخرُ فسمٌّ (٦) ذلكَ الحديثَ شاهداً ، وإنْ لَمْ تجدْ حديثاً آخرَ يؤدّي معناهُ، فقد عُدِمَتِ المتابعاتُ والشواهدُ . فالحديثُ إذاً فردٌ . قالَ ابنُ حبَّانَ (٧): وطريقُ الاعتبارِ في الأخبارِ ، مثالُهُ أنْ يرويَ حَمَّدُ بِنُ سَلَمَةَ حديثاً لَمْ يُتابعْ عليهِ، عنْ أُوبَ، عنِ ابنِ سِيرينَ، عنْ أبي هريرةً، عَنِ النِّ ◌َ﴿َ، فَيُنْظرَ (٨): هلْ (١) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: ((يأتي)) وهو خطأ محض . (٢) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: (( فيعتبره )) وهو خطأ محض . (٣) السبر : هو التتبع . (٤) في ع وف: ((فإن)) . (٥) في ع وف: ((فيما)). (٦) في ع: ((قسم )) بالقاف، وهو تصحيف قبيح. (٧) لم نجده بهذا اللفظ عند ابن حبان، وهو في الإحسان (١ / ١١٥) بلفظ: ((وإنّ أمثل للاعتبار مثالاً يستدرك ما وراءه ، وكأنّا جئنا إلى حماد بن سلمة فرأيناه روى خبراً عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن. أبي هريرة، عن النبي (﴿ لم نجد ذلك الخبر ... الخ)) وقد نقل قوله الآنف ابن الصلاح في علوم الحديث ٧٤ - ٧٥، والنووي في الإرشاد (١ / ٢٢١ - ٢٢٢)، وابن جماعة في المنهل : ٥٩. (٨) هذا النظر يقال له : الاعتبار . ٢٥٨ روى ذلكَ ثقةٌ غيرُ أيوبَ، عنِ ابنِ سيرينَ؟ فإنْ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ للخبرِ أصلاً يُرْجَعُ إليهِ ، وإِنْ لَمْ يُوجَدْ ذلكَ ، فِقَةٌ غيرُ ابنِ سيرينَ رواهُ عنْ أبي هريرةَ ، وإلاّ فصحابيٌّ غيرُ أبي هريرةً(١)، رواهُ عنِ النِّل ◌َ﴿ّ. فأيُّ ذلكَ وُجِدَ يُعْلَمُ بِهِ أنَّ للحديثِ أصلاً يرجعُ إليهِ ، وإلاّ فَلاَ (٢) . انتهى. قلتُ: فمثالُ مَا عُدِمَتْ فيهِ المتابعاتُ من هَذَا الوجِهِ (٣) من وجهٍ يثبتُ ما رواهُ الترمذيُّ منْ روايةِ حَمّادِ بنِ سَلَمَةَ ، عنْ أيوبَ ، عنِ ابنِ سيرينَ ، عنْ أبي هريرةَ ، أراهُ رَفَعَهُ: ((احببْ حبيبكَ هوناً مَا، ... الحديثَ)). قالَ الترمذيُّ: حديثٌ غريبٌ لا نعرفُهُ بهذا الإسناد إلاَّ منْ هَذَا الوجِهِ (٤). قلتُ: أيْ من وجهٍ يثبتُ، وقدْ رواهُ الحسنُ بنُ دينارٍ ، وهوَ متروكُ الحديثِ ، عنِ ابنِ سيرينَ ، عنْ أبي هريرةَ ، قالَ ابنُ عَدِيٌّ في " الكاملِ ": (( ولا أعلمُ أحداً قالَ عنِ ابنِ سيرينَ ، عن أبي هريرةً إلَّ الحسنَ بِنَ دينارٍ . ء ومن حديثِ أيوبَ ، عنِ ابنِ سيرينَ ، عنْ أبي هريرةَ ، رواهُ حمادُ بنُ سلمةَ ، ويرويهِ الحسنُ بنُ أبي جعفرٍ (٥)، عنْ أيوبَ، عنِ ابنِ سيرينَ عنْ حُمَيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الحِمْيريّ (٦) ، عنْ عليٍّ مرفوعاً. انتهى (٧) . والحسنُ بنُ أبي جعفرٍ منكرُ الحديثِ ، قالَهُ البخاريُّ (٨). (١) إن افتراق الشاهد والمتابع بالصحابي فقط ، فكلما جاء عن ذلك الصحابي فتابع سواء كان باللفظ أو بالمعنى، أو عن غيره فشاهد كذلك. وقد تطلق المتابعة على الشاهد وبالعكس ، والأمر فيه سهلٌ .. انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح (٤٦٦/٢). (٢) قال البقاعي في النكت الوفية (١٥٤ / أ): ((أي: وإن لم يوجد شيءٌ من ذلك لم يعلم أنَّ للحديث أصلاً يرجع إليه ، وظاهر هذه العبارة مشكل من حيث أنه يوهم أنه لو روي حديث بمثل هؤلاء الرجال لا يقبل إذا لم يوجد له متابع أصلاً)). (٣) أي : من رواية حماد إلى آخره . (٤) الجامع الكبير ٣ / ٥٣٣ عقيب ( ١٩٩٧). وأخرجه أيضاً ابن حبّان في المجروحين ١ / ٣٥١، والبيهقي في الشعب ٥ / ٢٦٠ والخطيب في تاريخه ١١/ ٤٢٧ - ٤٢٨، وأبو الشيخ في الأمثال (١١٤ ). (٥) قال البقاعي في النكت الوفية (١٥٤ / ب ): ((قال شيخنا - يعني : ابن حجر - هذا هو المحفوظ يعني كونه عن عليٍّ، لكن غلط في رفعه ؛ فالمحفوظ أنه من قوله )) . (٦) كذا في جميع النسخ الخطية، وكذا في التقريب (١٥٥٤)، وفي ع وف: ((الحميدي)). (٧) الكامل ٢ / ٧١١ ط دار الفكر و ٣ / ١١٩ الطبعة العلمية، وانظر: المجروحين ١ / ٣٥٢. (٨) التاريخ الكبير ٢ / ٢٨٨ رقم (٢٥٠٠ ). ٢٥٩ وقولُهُ : (مثالُه لو أخذوا إهابها ) ، هذا مثالٌ لما وُجدَ لهُ تابعٌ وشاهدٌ أيضاً . وهوَ مَا روى مسلمٌ (١) والنسائيُّ (٢) من روايةٍ سفيانَ بنِ عُيينةَ، عنْ عَمْرِو بِنِ دينارٍ ، عنْ عطاءٍ ، عَنِ ابنِ عبّاسٍ، أنّ رسولَ اللهَ وَ﴿ه: «مَرَّ بِشَاةَ مَطْرُوحَةٍ أُعْطِيَتْهَا مَوْلاَةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ وَّ: أَلَّ أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ)) ، فلمْ يذكرْ فيهِ (٣) أحدٌ منْ أصحابِ عمرو بنِ دينارٍ : فدبغوهُ ، إلّ ابنُ عيينةَ. وقدْ رواهُ إبراهيمُ بنُ نافعِ المكيُّ(٤) عن عمرٍو، فلمْ يذكرِ(٥) الدِّبَاغَ. وقولُ ابنِ الصلاحِ (٦): ورواهُ ابنُ جريج(٧) عن عمرو ، عنْ عطاءٍ ، ولَمْ يذكرْ فيهِ الدِّباغَ ، يوهمُ موافقةَ روايةٍ (٨) ابنِ جريجٍ لروايةٍ ابنِ عيينةَ في السندِ وليسَ كذلكَ، فإنَّ ابنَ جريجٍ زادَ في السندِ ميمونةَ فجعلهُ من مسندها(٩). وفي روايةِ ابنِ عيينةَ أَنَّهُ من مسندِ ابنِ عبّاسٍ ، فلهذا مَثْلْتُ: بإبراهيمَ بنِ نافعٍ، والله أعلمُ (١٠) . فَنَظَرَنَا هلْ نجدُ أحداً تابعَ شيخَهُ عمرو بنَ دينارٍ على ذكرِ الدباغِ فيهِ ، عنْ عطاءٍ أُمْ لاَ ؟ فوجدنا أسامةَ بنَ زيدٍ الليثيَّ تابعَ عَمْرَاً (١١) عليهِ. ورواهُ الدارقطِيُّ (١٢) والبيهقيُّ (١٣) من طريقِ ابنِ وَهْبٍ ، عنْ أسامةَ ، عنْ عطاءِ بنِ أبي رباحٍ ، عنِ ابنِ عبّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﴿ّ قالَ لأهلِ شاةٍ ماتتْ: (( ألا نزعتُمْ إِهَابَهَا فدبَعْتُمُوهُ، فانتَفَعْتُمْ بِهِ)) . (١) صحيح مسلم ١ / ١٩٠ عقيب ( ٣٦٣). (٢) المجتبى ١٧٢/٧. وكذلك رواه: الحميدي (٤٩١) عن شيخه سفيان بن عيينة مباشرة (٣) كلمة: (( فيه)) لم ترد في نسخة ن . (٤) عند عبد الرزاق ( ١٨٨)، وأحمد ١ / ٢٧٧ . (٥) كذا في جميع النسخ الخطية ، وفي ع وف : ((يذكر فيه)) . (٦) علوم الحديث : ٧٦ . (٧) عند أحمد ١ / ٢٧٧ و٣٦٦. ورواه غيرهما: يعقوب بن عطاء عند أحمد ١ / ٣٧٢، وعبد الملك بن أبي سليمان عند مسلم ١ / ١٩١، ويزيد بن أبي حبيب عند الترمذي ( ١٧٢٧ ). (٨) كلمة : ((رواية )) لم ترد في نسخة ص . (٩) أنظر: النكت الوفية ( ١٥٤ / ب ). (١٠) جملة: ((والله أعلم )) لم ترد في نسخة ق . (١١) كذا في جميع النسخ الخطية، وفى، وفي ع: ((عما))، وهو تحريف . (١٢) سنن الدارقطني ١ / ٤٤. (١٣) السنن الكبرى ١/ ١٦ و٢٣. ٢٦٠