النص المفهرس

صفحات 221-240

وأنكرَ مسلمٌ في خُطبةِ صحيحِهِ (١) اشتراطَ ذلك ، وادّعى أنَّهُ قولٌ مخترعٌ لم يسبقْ
قائِلُه إليهِ ، وإنّ القولَ الشائعَ المتفقَ عليهِ بين أهلِ العلمِ بالأخبارِ قديماً وحديثاً أنّهُ يكفي في
ذلك أنْ يثبتَ كونُهُما في عصرٍ واحدٍ، وإنْ لم يأتِ في خبرٍ قطَّ أنّهما اجتمعا أو تشافها.
قال ابنُ الصلاحِ: ((وفيما قالَهُ مسلمٌ نظرٌ (٢) . - قال - : وهذا الحكمُ (٣) لا أراهُ
يَستمُّ (٤) بعدَ المتقدّمِينَ فيما وُجِدَ من المصنّفينِ في تصانيفهم مما ذكروهُ عن مشايخهم
قائلين فيه : ذكرَ فلانٌ ، قال فلانٌ ، ونحو ذلك (٥) . أي: فليسَ له حكمُ الاتصالِ ، إلا
إنْ كان له من شيخِهِ إجازةٌ (٦) على ما سيأتي في آخر هذا الباب .
ولم يكتفِ أبو المظفرِ السمعانيّ بثبوتِ اللقاءِ ، بل اشترطَ طولَ الصُّحبةِ بينهما (٧) .
واشترطَ أبو عمرو الدائيُّ(٨) أنْ يكونَ معروفاً بالروايةِ عنه. واشترط أبو الحسنِ القابسيُّ (٦)
(١) الجامع الصحيح (١ / ٢٣ - ٢٦).
(٢) أي لأنهم كثيراً ما يُرسِلون عمن عاصروه ولم يلقوه. النكت الوفية ( ١٣٠ / ب ).
(٣) قال البقاعي في النكت الوفية (١٣١ / أ): (( أي المسألة من أصلها، وهي العنعنة أي لأن المتأخرين
ليس لهم اعتناءٌ بأمرٍ الرواية في الكتب العلمية، إنما جل مقصودهم ابداء الفوائد من غير نظر إلى إسناد)).
(٤) في ع وف: ((يستمد)) خطأ محضٌ، وما أثبت من جميع النسخ الخطية ، وهو الموافق لعلوم الحديث: ٦١.
(٥) علوم الحديث : ٦٠ - ٦١ .
(٦) جاءت في حاشية نسخة ص تعليقة لأحدهم، نصّها: ((ومن الغريب أن أبا العباس القرطبي، وهو من
معاصري ابن الصلاح جعل الحديث المشتمل على الإجازة منقطعاً ابن الملقن)).
(٧) ينظر: قواطع الأدلة ١ / ٣٧٤ ، وانظر: علوم الْحَدِيْث: ٦٠، وإرشاد طلاب الحقائق ١ / ١٨٧.
(٨) نقله عنه ابن الصلاح في علوم الحديث : ٦٠ .
قلنا : في النقل عن أبي عمرو الداني: اضطراب، فهذا الذي حكاه المصنف عنه نقله ابن الصَّلاَح: ٦٠،
في حين أنّه نقل عنه سابقاً في ص ٥٦ أنّ العنعنة تحمل على الاتصال بشرط تحقق اللقاء ولو مرّة . بينما
نقل ابن رُشيد في السنن الأبين: ٣٠ بأنّ مذهبه حمل العنعنة على الاتصال بشرط أن يكون الراوي قد
أدرك من عنعن عنه إدراكاً بيناً ، ونقل عنه في ص ٣٦ ما يدلّ على أنّ مذهبه بأن تحمل العنعنة على
الاتّصال إذا ثبت كون المعنعن والمعنعن عنه كانا في عصرٍ واحدٍ وكان لقاؤهما ممكناً فالله تعالى أعلم .
(٩) حكاه عنه ابن الصلاح في علوم الحديث : ٦٠، وابن رشيد في السنن الأبين: ٣٥، والنووي في ديباجة
شرحه لمسلم ( ٣٠/١)، والإرشاد ( ١ / ١٨٨).
٢٢١

أنْ يُدْرِكَهُ إدراكاً بَيِّنَاً (١) . وهذا داخلٌ فيما تقدّمَ من الشروط ، وبيانُ الإدراك لابدَّ منه .
وذهبَ بعضُهم إلى أنّ الإسنادَ المعنعنَ من قبيلِ المرسلِ والمنقطعِ، حتى يتبينَ اتصالُهُ بغيرِهِ(٢)،
وهذا المرادُ بقولِهِ: ( وقيل (٣) كلُّ ما أتانا منه منقطع(٤))، إلى آخرهِ (٥) .
وقولُهُ : ( وحكمُ أنَّ، حكمُ عَنْ ، فالجلُّ سَوَّوا ) أي : ذهبَ جمهورُ أهلِ العلمِ
إلى التسويةِ بين الروايةِ المعنعنةِ (٦) ، وبين الروايةِ بلفظٍ : أنّ فلاناً قالَ . وهو قولُ مالكٍ
وممنْ حكاهُ عن الجمهورِ ابنُ عبد البِّ في " التمهيدِ " (٧). وأَنَّهُ لا اعتبارَ بالحروف
والألفاظِ ، وإنّما هو باللقاءِ والمجالسةِ والسماعِ والمشاهدةِ يعني: مع السلامةِ من
التدليسِ. ثم حكى ابنُ عبد البرِّ (٨) عن أبي بكرِ البرديجيّ (٩) أنَّ حرف ( أنّ) محمولٌ
على الانقطاعِ حتى يتبينَ السماعُ في ذلك الخبرِ بعينِهِ من جهةٍ أخرى . قال : وعندِي لا
معنى لهذا ، لإجماعِهم على أنَّ الإِسنادَ المتصلَ بالصحابيِّ، سواءٌ قال فيه: قال ، أو أنْ ،
أو عَنْ، أو (١٠) سمعتُ رسول الله لَه، يعني فكلُّهُ (١١) متصِلٌ ..
(١) قال البقاعي في النكت الوفية (١٣١ / أ): ((أي: إدراكاً يمكنه فيه لقاؤه، والسماع منه، وإلا فلا
فائدة في كونه أدركه بالسن ، ثم مات المروي عنه قبل تمييزه؛ وهذا مراد مسلم في اكتفائه بالمعاصرة )).
(٢) حكاه الرامهر مزي ص ٤٥٠ عن بعض المتأخّرين من الفقهاء، ونقله الخطيب في الكفاية ص (٥١٥ ت
٣٦١ هـ ) عن بعض الفقهاء وأهل الحديث .
(٣) سقطت من ع وف .
(٤) سقطت من ع وف .
(٥) قائل هذا القول أبهمه ابن الصلاح والناظم والشارح، وحكاه القاضي أبو محمد الرامهرمزي عن بعض
المتأخّرين من الفقهاء ، وحكاه الحارث المحاسبي - فيما نقله ابن حجر - عن بعض أهل العلم . ينظر :
( المحدّث الفاصل ص ٤٥٠، والكفاية ص ٤٢٠، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢ / ٥٨٤).
(٦) في نسخة ن: ((بالعنعنة)).
(٧) التمهيد ١ / ١٢ - ١٤.
(٨) التمهيد ١ / ٢٦.
(٩) بنحو قول البرديجي قال أحمد بن حنبل، كما في تدريب الراوي (١ / ٢١٧)، وإليه ذهب الطحاوي
في شرح المشكل (١٥ / ٤٦٣ عقيب ٦١٥٨) فقد قال: ((الفرق فيما بين (عن) و ( أن ) في
الحديث : أن معنى (عن ) على السماع حتى يعلم سواه ، وأن معنى ( أن ) على الانقطاع حتى يعلم ما
سواه))، وانظر: النكت على كتاب ابن الصلاح (٢ / ٥٩٥).
(١٠) سقطت من ع .
(١١) في نسخة ص: (( فكل)).
٢٢٢

كَذا لَهُ، وَلَمْ يُصَوِّبْ صَوْبَةْ
١٤٢ . قَالَ : وَمِثْلَهُ رَأَى (ابْنُ شَيْئَةٌ)
رَوَاهُ بِالشَّرْطِ الَّذِي تَقَدَّمَا
١٤٣. قُلْتُ: الصَّوَابُ أنَّ مَنْ أَدْرَك مَا
بـ (قَالَ) أو (عَنْ) أو بـ (أنَّ) فَسَوَا
١٤٤. يُحْكَمْ لَهُ بالوَصْلِ كَفَمَدْ رَوَى
وَقَولِ (يَعْقُوبٍ) عَلَى ذا نَزِّلِ
١٤٥ . وَمَا حَكَى عَنْ (أَحَمَدَ بنِ حنبلٍ)
فاعلُ ((قالَ)) هو : ابنُ الصلاحِ ، فقال: ووجدْتُ مثلَ ما حكاهُ عن البَرْديجي(١)
للحافظِ الفَحْلِ (٢) يعقوبَ بنِ شيبةً (٣) في مسندِهِ الفحلِ ، قال: فإنّهُ ذكرَ ما رواهُ أبو
الزبيرِ ، عن محمدِ ابن الحنفيةِ، عن عمّارٍ، قال (٤): أتيتُ النِيَّمَّ، وهو يُصلِّي (٥)
فسلمتُ عليه ، فردّ عليَّ السلامَ (٦) . وجعلَهُ مسنداً موصولاً. وذكرَ روايةَ قيسِ بنِ سعدٍ
كذلك عن عطاءِ بنِ أبي رباحٍ، عن ابنِ الحنفيةَ: أنَّ عمّاراً مَرَّ بِالنِّ﴿، وهو يصلّي
فجعله مرسلاً من حيثُ كونُّهُ قالَ : إنَّ عمّاراً فعلَ ، ولم يقلْ: عن عمّارٍ ، والله أعلم .
انتهى كلامُ ابنِ الصلاحِ (٧). ولم يقع على مقصودِ يعقوبَ بنِ شيبةَ ، وهو المرادُ بقولِهِ :
( كذا له) أي: لابن الصلاحِ. ( ولم يُصَوِّبْ صوبَهُ ) أي : ولم يعرجْ صوبَ مقصدِهِ ،
وبيانُ ذلك أنَّ ما فعلَهُ يعقوبُ هو صوابٌ من العملِ ، وهو الذي عليه (٨) عملُ الناسِ ،
(١) ينظر في ضبطه: نكت الحافظ ابن حجر (٢ / ٥٩٤ ).
(٢) يصف هذا الرجل بأنه فحلٌ إشارة إلى أنه قد بلغ الغاية من معرفة هذا الفن ، ويصف مسنده بالفحولة
أيضاً إشارة إلى أنه في غاية التحرير ، أفاده البقاعي في النكت الوفية ( ١٣٢ / أ) .
(٣) هو الحافظ العلامة الكبير أبو يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت السدوسي البصري ، نزيل بغداد ،
صاحب المسند المعلل ، كان ذا مالٍ وغنى مع الفقه والتقوى توفّى سنة ( ٢٦٢ هـ ). ( تاريخ بغداد
١٤ / ٢٨١، والمنتظم ٥ / ٤٣، وتذكرة الحفّاظ ٢ / ٥٧٧ ).
(٤) في ع: ((وقال))، خطأ .
(٥) في ع: ((يلي))، خطأ محض .
(٦) أخرجه أحمد ( ٤ / ٢٦٣) من طريق حماد بن سلمة ، عن أبي الزبير. وأخرجه النسائي في الكبرى
( ١١١١ ) من طريق قيس، عن عطاء، عن محمد ، عن عمار بن ياسر ، فذكره .
(٧) علوم الحديث : ٥٨ .
(٨) سقطت من ع وف ، وهي ثابتة في جميع النسخ الخطية .
٢٢٣

وهو لم يجعلْهُ مرسلاً من حيثُ لفظُ: أنَّ، وإنّما جعلَهُ مرسلاً (١) من حيثُ أنّهُ لم يُسنِدْ
حكايةَ القصةِ إلى عمّارٍ، وإلا فلو قالَ: إنّ عمّاراً قال: مررتُ بالنِّ :﴿، لما جعَلَهُ
مرسلاً، فلما أتى به بلفظِ : أنَّ عماراً مرَّ ، كانَ محمدُ بنُ الحنفيةِ هو الحاكي لقصّةٍ لم
يُدركْهَا؛ لاَّهُ لَمْ يُدرِكْ مرورَ عمارٍ بِالنِّ :﴿، فكانَ نَقْلُهُ لِذَلِكَ مرسلاً (٢). ثُمَّ بينتُ
ذَلِكَ بقاعدةٍ يُعرفُ بِهَا المتصلُ من المرسلِ بقولي : ( قلتُ )، وهو من الزوائدِ على ابنِ
الصلاحِ ، إلا حكايةً كلامٍ أحمدَ (٣) ويعقوبَ. وتقريرُ هذه القاعدة : أنَّ الراوي إذا رَوَى
حديثاً فيه قِصّةٌ، أو واقعةٌ، فإن كان أدركَ ما رواهُ، بأنْ (٤) حكى قصةً وقعت بين النبيِّ دِ ﴿.
وبينَ بعضِ الصحابةِ (٥) ، والراوي لذلك صحابيّ أدركَ تلك الواقعةَ، فهي محكومٌ لها
بالاتصالِ ، وإنْ لم يُعلَمْ أَنَّهُ شاهدَها وإنْ لم يدركْ تلك الواقعةَ ، فهو مرسلُ صحابيّ .
وإن كان الراوي تابعياً، فهو منقطعٌ ، وإن روى التابعيُّ عن الصحابيِّ قِصَّةً أدركَ وُقُوعَها،
كان متّصلاً، وإن لم يدركْ وُقُوعَها، وأسندَها إلى الصحابيِّ كانت متّصلةً . وإنْ لم
يدركْهَا ، ولا أسندَ حكايتَها إلى الصحابيِّ فهي منقطعةٌ كروايةِ ابنِ الحنفيةِ الثانيةِ ، عن
عمّارٍ . ولابُدَّ من اعتبارِ السلامةِ من التدليسِ في التابعينَ ، ومَنْ بعدَهم .
وقد حكى أبو عبدِ اللهِ بنُ الموَّاقِ اتفاقَ أهلِ التمييزِ من أهلِ الحديثِ على ذلك في
كتابه " بُغية النُّقاد " عند ذكرٍ حديث (٦) عبد الرحمنِ بنٍ طَرفةَ أنّ جدَّهُ عَرْفجةَ قُطِعَ أَنفُهُ
(١) كلمة (( مرسلاً)) لم ترد في نسخة ص .
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية (١٣٢/أب): ((أي من حيث اللفظ، وإلا فالتحرير أن ما أتى مثل هذه
الصيغة إن كَانَ لم يأتٍ إلا كذلك فهو مرسل، وإن أتى موصولاً من طريق أخرى بعن أو غيرها من الصيغ
فإن الحكم للوصل، فيحكم على تلك الطريق المرسلة بأنها موصولة نظراً إلى ما بان بتلك الطريق الأخرى
وهنا قد وصل من الطريق الأولى فيعقوب إنما حكم على ظاهر لفظ الطريق الثانية ليُعلم منه ما شابهه )) .
(٣) هو الإمام الفقيه الحافظ المبجّل ، أحمد بن محمد بن حنبل ، أبو عبد الله الشيباني المروزي ثم البغدادي ولد
سنة (١٦٤ هـ )، قال الحربي: ((رأيت أحمد كأنّ الله قد جمع له علم الأولين والآخرين))، توفّي سنة
( ٢٤١ هـ). ( تاريخ بغداد ٤ / ٤١٢، وتذكرة الحفاظ ٢ / ٤٣١، وطبقات المفسرين ١ / ٧١).
(٤) في ع وف : (( فان )) خطأ محضٌ .
(٥) في ع وف: ((الصحاب)) خطأ .
(٦) سقطت من ع وف .
٢٢٤

يومَ الكلابِ (١)، ... الحديث (٢). فقال: الحديثُ عندَ أبي داودَ مرسلٌ . وقد نبّهَ ابنُ
· السَّكَنِ على إرسالِه فقال: فذكرَ الحديثَ مرسلاً. قال ابنُ الموَّاقِ: وهو أمرٌ بَيِّنٌ لا
خلاف بين أهل التمييزِ من أهلِ هذا الشأنِ في انقطاعٍ ما يُرْوَى كذلك ، إذا عُلمَ أنَّ
الراويَ لم يدركْ زمانَ القِصَّةِ كما في هذا الحديثِ .
وقولُهُ: ( فَسَوَا)، هو ممدودٌ قُصِرَ لضرورةِ الشعرِ (٣) .
وقولُهُ : ( وما حكى )، أي: ابنُ الصلاح (٤) عن أحمدَ بنِ حنبلٍ ، فإنّهُ حكى قبلَ
هذا عن أحمدَ أنَّ: عَنْ فلانٍ ، وأنّ فلاناً ليسا سواءً .
ء
( وقولِ(*) يعقوب )، هو مجرورٌ بالعطفِ، ويعقوبَ: هو (٦) ابنُ شيبةً. ( على
ذا نَزّلْ) أي: نزلْهُ على هذه القاعدة. أما كلامُ يعقوبَ فقد تقدمَ تنزيُهُ عَلَيْهِ . وأما
(١) انظر: مراصد الاطلاع ( ٣ / ١١٧٣ ).
(٢) هذا الحديث اختلف فيه اختلافا كثيراً:
فأخرجه علي بن الجعد (٣٢٦٤)، وابن أبي شيبة (٨ / ٤٩٩)، وأحمد (٤ / ٣٤٢ و٥ /٢٣)،
وأبو داود (٤٢٣٢ )، وعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند ( ٥ /٢٣)، وأبو يعلى (١٥٠١ و
١٥٠٢)، والطبراني في الكبير (١٧ / ٣٧١) من طريق عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة بن أسعد ،
أنّ جدّه عرفحة بن أسعد أصيب أنفه ... مرسلاً، وهو المحفوظ، كما في تهذيب الكمال ( ١٩٢/١٧ ).
وأخرجه أحمد ( ٥ / ٢٣)، وأبو داود (٤٢٣٣)، والترمذي (١٧٧٠ ) وفي علله (٥٣٣)،
وعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند ( ٥ /٢٣)، والنسائي (٨ /١٦٣ و١٦٤)، والطحاوي
في شرح المعاني (٤ /٢٥٧ و٢٥٨)، وابن حبان (٥٤٦٢)، والطبراني في الكبير
(١٧ / (٣٦٩ و٣٧٠))، والبيهقي (٢/ ٤٢٥) من طريق عبد الرحمن بن طرفة، عن عرفجة بن
أسعد ، قال : أصيب أنفي يوم الكلاب في الجاهلية ... الحديث .
وأخرجه عبد الله بن أحمد في زياداته على المسند ( ٥ /٢٣)، والبيهقي (٢ / ٤٢٥) من طريق
عبد الرحمن بن طرفة بن عرفجة ، عن أبيه ، عن جده .
وأخرجه أبو داود (٤٢٣٤)، والبيهقي ( ٢ / ٤٢٦) من طريق عبد الرحمن بن طرفة بن عرفة بن
أسعد ، عن أبيه ، أن عرفة ... فذكر معناه مرسلاً .
(٣) جمله: ((وقوله: فسوا ... الخ))، لم ترد في نسخة ق وص .
(٤) علوم الحديث : ٥٧ ، ومن قبل ابن الصلاح نقله الخطيب في "الكفاية" : ٥٧٥ .
(٥) في نسخة ق: ((وقولي)).
(٦) لم ترد في نسخة ص .
٢٢٥

كلامُ أحمدَ فإنّ (١) الخطيبَ رَوَاهُ في " الكفاية " (٢) بإسناده إِلَى أبي داودَ قَالَ: سمعتُ
أحمدَ قيلَ لَهُ : إنّ رجلاً قَالَ (٣) عروةَ : أنَّ عائشةَ قالت : يا رسولَ اللهِ ، وعن عروةَ عن
عائشةَ سواءٌ ؟ قال : كيفَ هذا سواءٌ ، ليس هذا بسواءِ . فإنَّما فرّقَ أحمدُ بين اللفظينِ ؛
ء
لأنَّ عروةَ في اللفظِ الأولِ لم يُسنِدْ ذلك إلى عائشةَ ، ولا أدرك القِصَّةَ فكانتْ مرسلةٌ .
وأمَّا اللفظُ الثاني فأسْنَدَ ذلك إليها بالعنعنةِ ، فكانت متصلةً (٤) .
إِجَازَةً وَهْوَ بِوَصْلٍ مَا قَمَنْ
وَكَثُرَ اسْتِعْمَالُ (عَنْ) في ذَا الزَّمَنْ
١٤٦ .
ما تقدّم ذكرُهُ من أَنْ ((عَنْ)) محمولٌ على السماعِ ، هو في الزَّمَنِ المتقدّمِ. وأمّا
في هذه الأزمان، فقال : ابنُ الصلاحِ: كَثُرَ فِي عَصرنا وما قاربَهُ بين المنتسبينَ إلى
الحديثِ استعمالُ ((عَنْ)) في الإِجازةِ فإذا قال أحدُهُم: قرأتُ على فلانٍ، عن فلان ، أو
نحو ذلك. فَظُنَّ بهِ (٥) أنَّهُ رواهُ عنهُ بالإجازة قال: ولا يُخْرِجُه ذلك من قَبِيلِ الاتصالِ
على ما لا يخفى (٦). وهذا معنى قولي: (وهو بوصلٍ ما قَمَنْ ) ، أي: بنوعٍ من الوصلِ ؛
لأَنَّ الإِجازةَ لها حكمُ الاتصالِ لا القطعِ. وقَمَنْ: بفتحِ (٧) الميمٍ لمناسبةِ ما قَلَهُ، وفي الميمِ
لغتان (٨) : الفتحُ، والكسرُ . ومَعناهُ حَقِيقٌ بذلك وجَدِيرٌ به .
(١) في ع وف: ((قال)) خطأ.
(٢) الكفاية : ( ٥٧٥ ت، ٤٠٨ هـ ) .
(٣) بعد هذا في ع وف: ((قول)).
(٤) ينظر : كلام الحافظ ابن حجر في النكت على ابن الصلاح (٢ / ٥٩٠ - ٥٩١) في هذه المسألة.
(٥) قال البقاعي في النكت الوفية (١٣٤ / أ): ((فَظُنَّ به هو فعل أمرٍ؛ وإنما أمر بالظن، ولم يطلق الحكم؛
لأنّ في زمنه لم يكن تقرر الاصطلاح أنّ ذلك للإجازة وإنما كان قد فشا ذلك الاستعمال فيهم ، وأما في
هذا الزمان فمتى وجدنا محدّثاً قال : حدثني فلان مثلاً، عن فلان فإنا نتحقق أن ذلك إجازة ؛ لأن
الاصطلاح تقرر على ذلك)) .
(٦) علوم الحديث : ٥٦ .
(٧) انظر: النكت الوفية (١٣٤ / ب ).
(٨) ينظر: الصحاح (٦ / ٢١٨٤)، واللسان (١٣ / ٣٤٧)، مادة (قمن ).
٢٢٦

تَعَاْرُضُ الْوَصْلِ والإِرْسَاْلِ
أو الرَّفْع وَالْوَقْفِ (١)
وَقِيْلَ: بَلْ إِرْسَالُهُ لِلأَكْثَرِ
١٤٧. وَاَحْكُمْ لِوَصْلٍ ثِقَةٍ فِي الأظْهَرِ
١٤٨. وَنَسبَ الأَوَّلَ لِلْتَّظَّارِ
أنْ صَحَّحُوْهُ ، وَقَضَى (البُخَارِيْ)
مَعْ كَوْنِ مَنْ أَرْسَلَهُ كَالْجَبَلِ
ثُمَّ فَمَا إِرْسَالُ عَدْلِ يَحْفَظُ
١٤٩. بِوَصْلٍ (٢)((لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيْ))
١٥٠. وَقِيْلَ الاكْثَرُ ، وَقِيْلَ : الاحْفَظُ
١٥١. يَقْدَحُ فِي أَهْليَّةِ الوَاصِلِ ، أَوْ
مُسْنَدِهِ عَلَى الأَصَحِّ ، وَرَأَوْا
مِنْ وَاحِدٍ فِي ذَا وَذَا ، كَمَا حَكَوْا
١٥٢. أَنَّ الأَصَحَّ : الْحُكْمُ لِلرَّفْعِ وَلَوْ
إذا اختلفَ الثقاتُ في حديثٍ ، فرواهُ بعضُهم متّصلاً، وبعضُهم مرسلاً. فاختلفَ
أهلُ الحديثِ فيهِ هلِ الحكمُ لَنْ وصلَ ، أو لَنْ أرسلَ ، أو للأكثرِ ، أو للأحفظِ ؟ على
أربعةِ أقوالٍ :
أحدُها : أنَّ الحكمَ لَمنْ وصلَ ، وهو الأظهرُ الصحيحُ (٣) . كما صحّحَهُ
الخطيبُ(٤). وقال ابنُ الصلاحِ (٥) : إنّهُ الصحيحُ في الفقِهِ وأصولِهِ (٦) . وهذا معنى قولِهِ:
( ونَسَبَ ) أي: ابنُ الصلاحِ (٧) الأولَ للتُّظّارِ أنْ صحّحوه (٨) ، فالنُّظارُ هم أهلُ الفقهِ
(١) انظر في ذلك: أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء ص ١٩٩ - ٢٤٦ ففيه بحوث مستفيضة .
(٢) في نسخة أو ج من متن الألفية: ((لوصل)).
(٣) قلنا: هذا من الحافظ العراقي جارٍ على ما اشتهر عند المتأخّرين ، وإلا فقد ظهر لنا من صنيع جهابذة
المحدّثين المتقدّمين أنّ الترجيح لا يندرج تحت قاعدة كلية ، لكن الحال يختلف حسب المرجحات
والقرائن فتارة ترجّح الرواية المرسلة ، وتارة ترجح الرواية الموصولة . ومن المرجحات : مزيد الحفظ ،
وكثرة العدد ، وطول الملازمة للشيخ . وقد يختلفون في ذلك أحياناً فمنهم من يرجح الرواية المرسلة ،
ومنهم من يرجح الرواية الموصولة ، ومنهم من يتوقف . ( وانظر: أثر علل الحديث: ١٩٩ فما بعدها ).
(٤) الكفاية : ( ٥٨٠ - ٥٨١ ت، ٤١١ هـ).
(٥) علوم الحديث : ٦٥ .
(٦) وقد تعقّب الحافظ ابنُ حجر ابنَ الصلاح، في نقله تصحيح الأصوليين والفقهاء. ( النكت ٢ / ٦١٢ ).
(٧) وابن الصلاح مسبوق في هذا فقد نقل الحاكم في المدخل إلى الإكليل: ٢٢ تصحيح الزيادات عن الفقهاء .
(٨) بعد هذا في ع وف: (( أي)) .
٢٢٧

والأصولِ (١). وأنْ هنا مصدريةٌ، أي: تصحيحَهُ . وهو بدلٌ من قولِهِ : (الأول ) أي:
ونَسَبَ تصحيحَ الأولِ للنُّظارِ . وسُئلَ البخاريُّ عن حديثِ: ((لا نكاح إلا بولي)) وهو
حديث (٢) اختلِفَ فيه على أبي إسحاق السَّبِيعِيِّ فرواهُ شُعبةُ والثوريُّ عنه ، عن أبي بُردةَ
عن النبيِّ ﴿ مرسلاً، ورواه إسرائيلُ بنُ يونُسَ في آخرينَ ، عن جدِّهِ أبي إسحاقَ ، عن
أبي بُرْدَةً عن أبي موسى الأشعريّ، عن النبيِّ ◌َثّ متصلاً، فحَكَمَ البخاريُّ لَمَنْ وَصَلَهُ،
وقال : الزيادةُ من الثقةِ مقبولةٌ . هذا (٣) مع أنَّ مَنْ أرسلَهُ شعبةُ وسفيانُ ، وهما جبلان في
الحفظِ والإتقان (٤) .
(١) ينظر: قواطع الأدلة (١ / ٣٦٨ - ٣٦٩)، والمحصول (٢ / ٢٢٩)، وكشف الأسرار (٣ / ٢)،
وجمع الجوامع (٢ / ١٢٦ )، ونسبه النووي إلى المحققين من أهل الحديث (شرح النووي على مسلم
١ / ١٤٥) وفيه نظر شديد: ففي مثل هذه المسألة الخطيرة إنّما يؤخذ قول المحدّثين لا الفقهاء ولا
الأصوليين وما نقله النووي خطأ منه قلّد فيه الخطيب ومن قبله .
٠
(٢) في ع وف: ((حيث )) خطأ .
(٣) كلمة : ((هذا)) سقطت من ع.
(٤) هذا الحديث اختلف في وصله وإرساله ، والراجح وصله - كما يأتي - :
أولاً : تفرّد بإرساله شعبة وسفيان الثوري، واختلف عليهما فيه : فقد رواه عن شعبة موصولاً :
النعمان بن عبد السلام ، عند الحاكم في المستدرك ( ٢ / ١٦٩) عنه وعن سفيان الثوري مقرونين
والبيهقي في الكبرى (٧ / ١٠٩)، ویزید بن زريع، عند البزار في مسنده (٩٤/٢ )، والدارقطني في
سننه (٣ / ٢٢٠) والبيهقي في سننه الكبرى (٧ /١٠٩)، ومالك بن سليمان، عند الخطيب
البغدادي في تاريخ بغداد ( ٢ / ٢١٤) ، عنه وعن إسرائيل، وكذلك رواه عن شعبة موصولاً: محمد
ابن موسى الحرشي ، ومحمد بن حصين كما ذكر الدارقطني في العلل ( ٧ / ٢٠٦ ) ، فهؤلاء خمستهم
(النعمان بن عبد السلام، ويزيد بن زريع ، ومالك بن سليمان ، ومحمد بن موسى ، ومحمد بن حصين)
رووه عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة عن أبي موسى ، مرفوعاً .
ورواه عن شعبة مرسلاً :
يزيد بن زريع ، عند البزار في مسنده ( ٢ / ٩٤)، ووهب بن جرير ، عند الطحاوي في شرح معاني
الآثار (٣ / ٩)، ومحمد بن جعفر - غندر - ، عند الخطيب البغدادي في الكفاية (٥٨٠ ت،
٤١١ هـ)، ومحمد بن المنهال، والحسين المروزي - كما ذكر الدارقطني في العلل ( ٧ / ٢٠٨) . =
٢٢٨

=فهؤلاء خمستهم ( يزيد بن زريع ، ووهب بن جرير ، ومحمد بن جعفر ، ومحمد بن المنهال ، والحسين
المروزي ) رووه عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، مرسلاً .
أما سفيان الثوري فقد اختلف عليه أيضاً : فرواه عنه موصولاً :
النعمان بن عبد السلام ، عند الحاكم في المستدرك (٢ / ١٦٩ - ١٧٠)، وبشر بن منصور، عند
البزار في مسنده ( ٢ / ٩٤)، وابن الجارود في المنتقى (٧٠٤ )، والطحاوي في شرح معاني الآثار
(٩/٣) وجعفر بن عون، عند البزار (٢ / ٩٤ )، ومؤمل بن إسماعيل ، عند الروياني في مسنده (
١ /٣٠٣)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧ / ١٠٩)، وخالد بن عمرو الأموي، عند الخطيب
البغدادي في تاريخ بغداد ( ٦ / ٢٧٩ ).
فهؤلاء خمستهم (النعمان بن عبد السلام، وبشر بن منصور، وجعفر بن عون، ومؤمل بن إسماعيل ، وخالد
ابن عمر ) رووه عن سفيان، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري ، موصولاً .
ورواه عنه مرسلاً :
عبد الرحمن بن مهدي ، عند البزار في مسنده (٢ / ٩٤ )، وأبو عامر العقدي عند الطحاوي في
شرح معاني الآثار (٣ / ٩)، والحسين بن حفص، عند الخطيب البغدادي في الكفاية ( ص ٥٧٩ ت،
٤١١ هـ)، والفضل بن دكين، ووكيع بن الجراح كما ذكر الدارقطني في العلل ( ٧ / ٢٠٨).
فهذان الإِمامان : شعبة وسفيان قد اختلف عليهما فيه كما ترى . وربّما طرق الذين رووه عن سفيان
وشعبة موصولاً ، لا تصحّ إليهم. وكلام الترمذي يؤيده ، فقد قال الإمام الترمذي : (( وقد ذكر بعض
أصحاب سفيان، عن سفيان، عن أبي إسحاق عن أبي بردة، عن أبي موسى، ولا يصحّ)). (جامع
الترمذي عقيب حديث : ١١٠٣ ) .
ثانياً : سفيان الثوري وشعبة - وإن كانا اثنين - إلا أنّ اجتماعهما في هذا الحديث كواحد ؛ لأنّ
سماعهما هَذَا الْحَدِيْثِ كَانَ في مجلس واحد عرضاً ، فَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ: ((ومما يدلّ عَلَى ذَلِكَ ما
حدّثَنَا مَحْمُوْد بن غيلان. قَالَ: حَدَّثْنَا أبو داود ، قَالَ: أَثْبَأَنًا شعبة، قَالَ: سَمِعْتُ سُفيان الثوري
يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة يَقُوْل: قَالَ رَسُوْل الله ◌ُّ: لا نكاح إلا بولي؟ فقال: نعم)).
( جامع الترمذي عقيب حديث ١١٠٢ ) .
ثالثاً : إن الذين رووه عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى موصولاً ، أكثر عدداً، وهم :
١ - إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق ، عند أحمد في المسند (٣٩٤/٤، ٤١٣) والدارمي في سننه
(٢١٨٨)، وأبي داود في سننه (٢٠٨٥)، والترمذي في جامعه (٠١١٠١)، وابن حبّان في
صحيحه ( ٤٠٧١ )، والدارقطني في سننه (٣ / ٢١٨ - ٢١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى ( ٧ /
١٠٧ ) ، والخطيب البغدادي في الكفاية : ٥٧٨ .=
٢٢٩

=٢ - يونس بن أبي إسحاق، عند الترمذي في جامعه (١١٠١)، والبيهقي (٧ / ١٠٩)، والخطيب
البغدادي في الكفاية ( ص ٥٧٨ ت، ٤٠٩ هـ )، وكذلك أخرجه أبو داود في سننه ( ٢٠٨٥ ) من
طريق أبي عبيدة الحداد ، عن يونس وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، ثم قال
أبو داود عقبه : (( هو يونس عن أبي بردة، وإسرائيل عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة)). وسيأتي الكلام
عن رواية أبي داود هذه .
٣ - شريك بن عبد الله النخعي ، عند الدارمي في سننه (٢١٨٩)، والترمذي في جامعه (١١٠١)،
وابن حبان (٤٠٦٦) و (٤٠٧٨)، والبيهقي ( ١٠٨/٧ ).
٧
٤ - أبو عوانة - الوضاح بن عَبْد الله اليشكري - ، رواه من طريقه الطيالسي في مسنده ( ٥٢٣ )،
والترمذي في جامعه (١١٠١)، وابن ماجه في سننه (١٨٨١) والطحاوي في شرح معاني الآثار
(٩/٣)، والحاكم في المستدرك ( ٢ / ١٧١).
٥ - زهير بن معاوية الجعفي ، عند ابن الجارود في المنتقى (٧٠٣ )، والطحاوي في شرح معاني الآثار
(٣ /٩)، وابن حبان في صحيحه (٤٠٦٥)، والحاكم (٢ / ١٧١)، والبيهقي في السنن الكبرى
( ٧ / ١٠٨ ) .
٦ - قيس بن الربيع، عند الحاكم في المستدرك (٢ / ١٧٠)، والبيهقي ( ٧ / ١٠٨)، والخطيب
البغدادي في الكفاية ( ص ٥٧٨ ) .
رابعاً : كان سماع هؤلاء من أبي إسحاق في مجالس متعددة ، قال الترمذي في جامعه (٣ / ٤٠٩ عقب
١١٠٢): ((ورواية هؤلاء الذين رووا عن أبي إسحاق، عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النسي لَ﴾:
(( لا نكاح إلا بولي)) عندي أصحّ؛ لأنّ سماعهم من أبي إسحاق في أوقات مختلفة)). وينظر : العلل
الكبير : ١٥٦ .
خامساً : كانت طريقة تحمل سفيان الثوري وشعبة للحديث عرضاً على أبي إسحاق في حين أنَّ الباقين
تحملوه سماعاً من لفظ أبي إسحاق ، ولاشكّ في ترجيح ما تُحمل سماعاً على ما تحمل عرضاً عند جمهور
المحدثين .
سادساً : إن من الذين رووه متصلاً :
إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق ، وهو أثبت الناس وأتقنهم لحديث جدّه ، ولم يختلف عليه فيه ، أما
سفيان وشعبة وإن كان إليهما المنتهى في الحفظ والإتقان . فطريقة تحملهما للحديث قد عرفتها ، أضف
إليها أنّه قد اختلف عليهما فيه . قال عبد الرحمن بن مهدي : (( إسرائيل يحفظ حديث أبي إسحاق كما
يحفظ سورة الحمد))، رواه عنه الدارقطني في سننه (٣ / ٢٢٠)، والحاكم في المستدرك (١٧٠/٢).
وقال صالح جزرة : ((إسرائيل أتقن في أبي إسحاق خاصّة)). سنن الدارقطني (٣ /٢٢٠). وَقَالَ=
٢٣٠

=عبد الرحمن بن مهدي : (( ما فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق الذي فاتني ، إلا لما اتكلت به
على إسرائيل لأنّه كان يأتي به أتم)). (جامع الترمذي عقب ١١٠٢)، وسنن الدارقطني (٢٢٠/٣).
وقال محمد بن مخلد : قيل لعبد الرحمن - يعني ابن مهدي - : إنّ شعبة وسفيان يوقفانه على أبي بردة ،
فقال : إسرائيل عن أبي إسحاق أحب إليّ من سفيان وشعبة)). سنن الدارقطني (٢٢٠/٣). وقال الإمام
الترمذي : ((إسرائيل هو ثقة ثبت في أبي إسحاق)). (جامع الترمذي عقيب ١١٠٢ ).
سابعاً: في هذا الإسناد علّة أخرى هي عنعنة أبي إسحاق السبيعي فهو مدلس (جامع التحصيل: ١٠٨،
وطبقات المدلسين: ٤٢، وأسماء المدلسين: ١٠٣). ولكن تابعه عليه جماعة فزالت تلك العلّة، قال
الحاكم في المستدرك ( ١٧١/٢): ((وقد وصله عن أبي بردة جماعة غير أبي إسحاق)).
وممن تابعه : ابنه يونس ، عن أبي بردة، أخرجه أحمد في المسند (٤١٣/٤، ٤١٨) وقد سبق أنّ أبا
داود أخرجه عن أبي عبيدة الحداد ، عن يونس وإسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أبي بردة ، عن أبي
موسى ، قال أبو داود ( السنن ٢ / ٢٢٩ عقب ٢٠٨٥): (( هو يونس عن أبي بردة ، وإسرائيل ، عن
أبي إسحاق عن أبي بردة )). يعني أنّ يونسَ يرويه بإسقاط أبي إسحاق، وإسرائيل يذكره ، فجمع
أبي عبيدة لهما على إسناد واحد خطأ .
ورواية أبي عبيدة علّقها الترمذي في جامعه ( عقب ١١٠٢ ) على نحو ما ذكره أبو داود .
قلنا : يونس معروف بالسماع والرواية عن أبيه أبي إسحاق وعن أبي بردة ، فيكون قد سمعه منهما
كليهما ، فكان يرويه مرة هكذا ومرة هكذا . ينظر: العلل الكبير للترمذي (ص ١٥٦)، وصحيح
ابن حبّان (الإحسان: ٦ / ١٥٤، عقب ٤٠٧١) قال الحاكم في المستدرك ( ٢ / ١٧١ - ١٧٢ ) :
(( ولست أعلم بين أئمة هذا العلم خلافاً على عدالة يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي بردة )) .
ثم إنه جاء من حديث عدة من الصحابة قال الحاكم في المستدرك ( ٢ / ١٧٢): ((قد صحت
الروايات فيه عن أزواج النبي ﴿ عائشة وأم سلمة وزينب بنت جحش)) ثم قال: ((وفي الباب عن
علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وعبد الله بن عمر ... )) .
والحديث صحّحه البخاري كما رواه عنه الخطيب فيما سبق ، وروى الحاكم أيضاً تصحيحه عن علي
بن المديني ومحمد بن يحيى الذهلي. المستدرك ( ٢ / ١٧٠).
قلنا : مما سبق تبين أنّ رواية من وصل الحديث أصحّ وأرجح من رواية من أرسله ، وأما زعم من زعم
أنّ الإمام العلم الجهبذ البخاري صحّحه لأنّه زيادة ثقة ، فهو كلام بعيد مجانبٌ لمنهج هذا الإمام وغيره
من أئمة الحديث القائم على أساس اعتبار المرجحات والقرائن في قبول الزيادة وردها . والقول بقبولها
مطلقاً هو رأي ضعيف ظهر عند المتأخّرين ، قال به الخطيب وشهره ولهذا قال الحافظ ابن حجر: (( ومن
تأمل ما ذكرته عرف أنّ الذين صحّحوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة فقط، بل للقرائن=
٢٣١

والقولُ الثاني : أنَّ الحكمَ لَمنْ أرسلَ . وحكاهُ الخطيبُ (١) عن أكثرِ أصحابِ
الحديثِ ، وهذا معنى قولِهِ: ( وقيلَ بل إرسالُه للأكثرِ ). وقولُهُ: ( للأكثرِ)، خبرُ
مبتدأ محذوفٍ ، أي : وقيلَ الحكمُ لإرسالِهِ ، وهذا للأكثرِ ، أي : قولُ الأكثرِ .
والقولُ الثالثُ : أنَّ الحكمَ للأكثر (٢) ، فإنْ كان مَنْ أرسلَهُ أكثرَ ثَمن وصلَهُ،
فالحكمُ للإرسالِ ، وإنْ كانَ من وَصَلَهُ أكثرَ ، فالحكمُ للوصلِ .
والقولُ الرابعُ : أنَّ الحكمَ للأحفظِ ، فإنْ كانَ مَنْ أرسلَ أحفظَ ، فالحكمُ له ، وإن
كان مَنْ وصلَ أحفظَ فالحكمُ له، وهذا معنى قولِهِ (٣): وقيلَ: الأكثرُ، وقيلَ:
الأحفظُ . وكلاهما خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره : وقيلَ : المعتبرُ الأكثرُ ، وقيلَ : الأحفظُ .
وينبني على هذا القولِ الرابعِ - وهو أنَّ الحكمَ للأحفظِ - ما إذا أرسلَ الأحفظُ ،
فهلْ يقدحُ ذلكَ في عدالةِ مَنْ وَصَلَهُ ، وأهلَّتِهِ ، أوْ لاَ؟ فيهِ قولان: أصحُّهُما ، وبه صَدَّرَ
ابنُ الصلاحِ (٤) كلامَهُ أَنَّهُ: لا يَقدَحُ. قالَ: ومنهم مَنْ قَالَ: يَقدَحُ (٥) في مسندِهِ ، وفي
=المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل - الذي وصله - على غيره)). فتح الباري (٢٢٩/٩ طبعة
الكتب العلمية ). فالذي ينظر في صنيع الأئمة السابقين والمختصين في هذا الشأن يراهم لا يقبلونها
مطلقاً ولا يردونها مطلقاً بل مرجع ذلك إلى القرائن والترجيح : فتقبل تارة ، وترد أخرى ، ويتوقف
فيها أحياناً ، قال الحافظ ابن حجر: (( والمنقول عن أئمة الحديث المتقدّمين - كعبد الرحمن بن مهدي ،
ويحيى القطان، وأحمد بن حنبلٍ ، ويحيى بن معين ، وعلي بن المديني ، والبخاري ، وأبي زرعة، وأبي
حاتم، والنسائي ، والدارقطني، وغيرهم - اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها ، ولا يعرف عن
أحد منهم قبول إطلاق الزيادة )» ( نزهة النظر ص ٩٦ ) وانظر : شرح السيوطي: ١٦٩- ١٧٢.
وهذا هو الرأي المختار المتوسط الذي هو بين القبول والرد ، فيكون حكم الزيادة حسب القرائن المحيطة
بها حسب ما يبدو للناقد العارف بعلل الحديث وأسانيده وأحوال الرواة بعد النظر في ذلك أما الجزم
بوجه من الوجوه من غير نظر إلى عمل النقاد فذلك فيه مجازفة . ( وانظر في ذلك بحثاً نافعاً في أثر علل
الحديث: ٢٥٤-٢٦٣، وفيه كلام نفيس لعلامة العراق ومحقق العصر الدكتور هاشم جميل-حفظه الله-).
(١) الكفاية : (٥٨٤ ت، ٤١٣ هـ ) .
(٢) انظر: النكت الوفية ( ١٣٦ / أ).
(٣) لم ترد في نسخة ن .
(٤) علوم الحديث : ٦٤ .
(٥) والصواب : أنه لا يقدح ، فالوهم والنسيان طبيعة الإنسان .
٢٣٢

عدالِتِهِ ، وفي أهليتِهِ . وهذا معنى قولِهِ: ( ثُمَّ فَمَا إِرْسَالُ عَدْلِ يَحْفَظُ ... ) إِلَى آخره .
وقولُهُ: ( أَوْ مُسْتَدِهِ ) أي: وما أسندَهُ من الحديثِ غَيْرِ (١) هَذَا الَّذِي أَرْسَلَهُ مَنْ هُوَ
أحفظُ ؛ لأنَّ هذا بناءٌ على أنَّ الحكمَ للأحفظِ ، وقد أرسل ، فلا (٢) شكَّ في قدحِهِ في
هذا المسنَدِ على هذا القولِ. وقولُهُ: (وَرَأوا أنَّ الأصحِ الحُكْم للرَّفْعِ(٣)). أشارَ بهِ إلى
مسألةِ تعارضِ الرفعِ والوقفِ (٤) . وهو (٥) ما إذا رفعَ بعضُ الثقات حديثاً ، ووقفَهُ بعضُ
الثقاتِ ، فالحكمُ على الأَصَحِّ ، كما قالَ ابنُ الصلاحِ (٦) ، لما زادَهُ الثقةُ من الرفعِ؛ لأَنَّهُ
مثبتٌ ، وغيرُهُ ساكتٌ ، ولو كان نافياً فالمثبتُ مقدّمٌ عليه ؛ لأَنَّهُ عَلِمَ ما خَفِيَ عليهِ .
وقولُهُ : ( وَلَو من وَاحِدٍ فِي ذَا وَذا). أشارَ بهِ إلى ما إذا وقعَ الاختلافُ مِن راوٍ
واحدٍ ثقةٍ في المسألتينِ معاً فوصَلَهُ في وقتٍ وأرسَلَهُ في وقتٍ ، أو رَفَعَهُ في وقتٍ ، ووقَفَهُ
في وقتٍ ، فالحكمُ على الأصَحِّ لوصلِهِ ورْفِهِ، لا لإرْسالِهِ ووقْفِهِ. هكذا صحّحَهُ (٧)
ابنُ الصلاحِ (٨) . وأما الأصوليون (٩) فصححوا أن الاعتبارَ بما وقع منه أكثرُ . فإِنْ وقعَ
وصلُه ، أو رفعُه أكثرَ من إرسالِهِ ، أو وقفهِ ؛ فالحكمُ للوصلِ ، والرفعِ . وإنْ كان
الإرسالُ ، أو الوقفُ أكثرَ ، فالحكمُ له (١٠) .
(١) في ع وف: ((عند)).
(٢) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: (( ولا)).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية لشرح الألفية ومتنها، وفي ع وف: (( لرفع)) .
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: ((الوقف والرفع)) بالتقديم.
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية، وفي ع وف: ((وهي)).
(٦) علوم الحديث : ٦٥ .
(٧) انظر: النكت الوفية للبقاعي (١٣٦ / ب ).
(٨) علوم الحديث : ٦٥ .
(٩) انظر في ذلك: ( المحصول ٢ / ٢٣٥، والإبهاج ٢ / ٣٤٨، ونهاية السول ٣ / ٢٣٠).
(١٠) صنيع المحدّثين السابقين يشعر بأنّه ليس لذلك ضابط، بل قد تترجح الرواية المنقطعة إذا كان رواتها أكثر
أو أحفظ ، وقد تترجح الرواية الموصولة إذا كان رواتها أكثر عدداً أو أشدّ ضبطاً وما إلى ذلك من
المرجحات . ( انظر كلام ابن المبارك في سنن النسائي الكبرى ١ / ٦٣٢ عقيب (٢٠٧٢)، وجامع
الترمذي عقيب (٢٩٩٥) وعلل ابن أبي حاتم ١ / ١٣٨، وأثر علل الحديث ١٧٩ - ١٨٥).
٢٣٣

التَّدْلِيْسُ (١)
١٥٣. تَدلِيْسُ الاسْنَادِ كَمَنْ يُسْقِطُ مَنْ حَدَّثَهُ، وَيَرْتَقِي بـ (عَنْ) وَ (أَنْ)
فِي أَهْلِهِ ، فَالرَّدُّ مُطْلَقَاً ثُقِفْ
١٥٤ . وَقَالَ : يُؤْهِمُ اتِّصَالاً ، وَاخْتُلِفْ
ثِقَاتُهُمْ بِوَصْلِهِ وَصُحِّحَا
١٥٥ . وَالأَكْثَرُوْنَ قَبْلُوْا مَا صَرَّحَا
وَ (كَهُشَيْمٍ) بَعْدَهُ وَفَتِّشِ
١٥٦ . وَفِي الصَّحِيْحِ عِدَّةٌ (كَالاعْمَشِ)
التدليسُ على ثلاثةِ أقسامٍ (٢) ، ذكرَ ابنُ الصلاحِ منها قسمينِ فقطْ :
القسمُ (٣) الأولُ: تدليسُ الإسنادِ : وهو أنْ يُسقطَ اسمَ شيخِهِ الذي سمعَ منه ،
ويرتَّقي إلى شيخ شيخِهِ ، أو مَنْ فوقَهُ ، فَيسندُ (٤) ذلك إليه بلفظٍ لا يقتضي الاتصالَ ، بل
بلفظٍ مُوهمٍ (٥) ، كقولِهِ: عَنْ فلان ، أو أنَّ فلاناً، أو قالَ فلانٌ (٦) ، مُوهِماً بذلك أنّهُ
(١) انظر في التدليس: معرفة علوم الحديث: ١٠٣، والمدخل إلى الإكليل: ٢٠، والكفاية: (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ)،
والتمهيد (١٥/١)، وجامع الأصول (١ / ١٦٧)، وعلوم الحديث: ٦٦، والإرشاد (٢٠٥/١)،
والتقريب: ٦٣، والاقتراح: ٢٠٩، والمنهل الروي: ٧٢، والخلاصة: ٧٤، والموقظة: ٤٧، وجامع التحصيل:
٩٧، واختصار علوم الحديث: ٥٣، والتذكرة: ١٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٦٥، والتقييد
والإيضاح: ٩٥، ونزهة النظر: ١١٣، والنكت على كتاب ابن الصلاح (٢ / ٦١٤)، ومقدمة
طبقات المدلسين : ١٣، والمختصر: ١٣٢، وفتح المغيث (١ / ١٦٩)، وألفية السيوطي: ٣٣ ،
وتوضيح الأفكار ( ١ / ٣٤٦)، وظفر الأماني : ٣٧٣، وقواعد التحديث : ١٣٢.
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية (١٣٧ / أ): (( إنْ أراد أصل التدليس فليس إلا ما ذكر ابن الصلاح من
كونهما اثنين باعتبار إسقاط الراوي أو ذكره وتعمية وصفه وإن أراد الأنواع فهي أكثر من ثلاثة لما يأتي
من تدليس القطع وتدليس العطف )).
(٣) كذا في جميع النسخ الخطية، وسقطت من ع وف .
(٤) في ع وف: (( ويسند)) .
(٥) كذا في جميع النسخ الخطية وف، وتحرف في ع إلى: ((وهم)).
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية (١٣٧ / ب): ((يقتضي أنّ (عن) و( أن) على حدٍّ سواء في هذا
الباب ، وليس كذلك فقد قال الخطيب في الكفاية نقلاً عن أهل الحديث : أن قال لا تحتمل على
السماع أصلاً إلا إذا عُرف من عادة الراوي أنه لا يستعملها إلا في السماع)).
٢٣٤

سمعَ (١) تَمَنْ رواه عنه، وإنّما يكونُ تدليساً إذا كانَ المدلِسُ قد عاصرَ (٢) المرويّ عنه أو
لقيَهُ ولم يسمع منه ، أو سمعَ منه ولم يسمعْ منه ذلكَ الحديثَ الذي دلِّسَهُ عنه. وقد فُهمَ
هذا الشرطُ مِنْ قولِهِ: ( يُؤْهِمُ اتصَّالاً ). وإنّما يقعُ الإِيهامُ مع المعاصرةِ وقد حدَّهُ أبو
الحسنِ ابنُ القطانِ في كتابِهِ (٣) " بيان الوهم والإيهام " : بأنْ يرويَ عمَّنْ قد سَمِعَ منه ما.
لم يسمعْ منهُ، من غيرِ أنْ يذكرَ أنّهُ سمعَهُ منه، قال: والفرقُ بينَهُ وبين الإرسالِ: هو أنّ
الإرسالَ روايتُهُ عمَّنْ لم يسمعْ منه (٤) ، وقد سبقَ (٥) ابنَ القطانِ إلى حدِّه بذلك الحافظُ
أبو بكرٍ أحمدُ بنُ عمرو بنِ عبدِ الخالقِ البزَّارُ (٦)، ذكرَ ذلك في جزءٍ له " في معرفةٍ مَنْ
يُتْرِكُ حديثُهُ ، أو يقبلُ " . أما إذا روى عمَّنْ لم يدركْهُ بلفظٍ موهمٍ فإنّ ذلك ليس بتدليسٍ
على الصحيحِ المشهورِ (٧) . وحكى ابن عبد البرِّ في " التمهيد " (٨) عن قومٍ: أَنَّهُ
(١) في نسخة ن: ((سمعه )) .
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية ( ١٣٨ / ب): ((فيه خلط للمرسل الخفيِّ بالمدلس؛ فإن المرسل الخفي
هو أن يُضيف الشخص إلى من عاصره ولم يلقه حديثاً بلفظٍ موهم للسماع فالصواب في العبارة أن
يُقال: وإنما يكون تدليساً إذا كان المدلس قد لقيَّ المروي عنه فيخرج المعاصر الذي لم يلق ويدخل من
سمع غير ذلك الحديث الذي سمعه الذي دلسه )) .
(٣) في نسخة ن: ((كتاب)).
(٤) بيان الوهم والإيهام ( ٥ / ٤٩٣).
(٥) ومن هفوات محقق: " بيان الوهم والإيهام" أنه قال (١ / ٢٧٢): ((ولم أجد من شاركه في هذا
الأصل ، أو سبقه إليه فيما لدي من كتب المصطلح ، وعليه فلنعد ذلك من نوادره التي يطالعنا بها الفينة .
والأخرى» .
(٦) في نسخة ن: ((البزاز)) بالزاي المعجمة .
(٧) وهذا التفصيل هو الأفضل ، وهو المُرَجَح ، كما في أثر علل الحديث ص ٦٠ ففيها: ((كلمة الإرسال
تدلّ على أربعة معانٍ : الأول : الانقطاع الظاهر ، وهو : أن يروي الراوي عمّن لم يعاصره . والثاني :
تدليس الإسناد ، وهو : أن يروي الراوي عمن لقيه وسمع منه ما لم يسمعه . الثالث : المرسل الخفي :
وهو : أن يروي الراوي عمن عاصره ولم يلقه ، أو لقيه ولم يسمع منه . الرابع: سقوط ما فوق التابعي
. وهذا التقسيم هو الذي يدلّ عليه كلام الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح (٢ / ٦١٤))).
(٨) التمهيد ( ١ / ١٥).
٢٣٥

تدليسٌ، فجعلوا التدليسَ أنْ يُحَدِّثَ الرجلُ عن الرجلِ بما لم يسمعْهُ منه بلفظٍ لا يقتضي
تصريحاً بالسماع ، وإلاّ لكان كذباً. قالَ ابنُ عبد البرِّ : وعلى هذا فما سَلِمَ من التدليسِ
أحدٌ لا مالكٌ ولا غيرُهُ (١).
فقولُهُ : في البيتِ الثاني: (وقال)، معطوفٌ على قولِهِ: ( بـ: عَنْ وأنْ)،
أي : بهذه الألفاظ الثلاثةِ ونحوِها، ومثله أنْ يُسْقِطَ أداةَ الروايةِ ، ويسمّي الشيخَ فقط
فيقولُ: فلانٌ (٢) ، وهذا يفعلُهُ أهلُ الحديثِ كثيراً. قال عليُّ بِنُ خَشْرَمٍ: كُنَّا عند ابنِ
عُيينةً ، فقالَ: الزُّهْرِيُّ ، فقيل له : حدّثَّكُمُ الزهريُّ ؟ فسكتَ . ثُمْ قالَ : الزهريُّ ، فقيل
له : سمعتَهُ من الزهريِّ ؟ فقال: لا لم أسمعْهُ من الزهريِّ ولا ثَمَنْ سِمِعَهُ من الزهريّ ،
حدّثْني عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ ، عن الزهريِّ (٣) . وقد مَثِّلَ ابنُ الصَّلاحِ للقسمِ الأولِ
بهذا المثالِ (٤) . ثم حكى الخلافَ فيمَنْ عُرفَ بهذا، هل يُردُّ حديثُهُ مطلقاً، أو ما لم
يُصرّحْ فيه بالاتصال؟! واعلمْ أنّ ابنَ عبد البرِّ (٥) قد حكى عن أئمةِ الحديثِ أَنَّهُم قالوا:
يُقبلُ تدليسُ ابنٍ عُيِينةَ (٦) ؛ لأَنَّهُ إذا وقفَ أحالَ على ابنِ جُريجٍ ومعمرٍ ونظائرِ هما . وهذا
ما رجّحَهُ ابنُ حبّانَ (٧)، وقال: وهذا (٨) شيءٌ ليس في الدنيا إلاَّ لسفيان بن عيينةً، فإنّهُ
كان يدلّسُ ، ولا يدلِّسُ إلا عن ثقةٍ متقنٍ ، ولا يكادُ يوجدُ لابنِ عيينةَ خبرٌ دلَّسَ فِيهِ ، إلاّ
(١) في التمهيد (١٥/١) بمعناه، ونصّه: ((فما أعلم أحداً من العلماء سلم منه في قديم الدهر، ولا في حديثه)).
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية (١٣٩/ب): ((سماه شيخنا حافظ العصر تدليس القطع فيكون رابعاً)).
(٣) أسند هذه القصة الحاكم في المدخل إلى الإكليل (٢٠-٢١)، والخطيب في الكفاية (٥١٢ ت، ٣٥٩ هـ).
(٤) علوم الحديث : ٦٦ .
(٥) التمهيد (١ / ٣١).
(٦) جاءت في حاشية نسخة ق تعليقة، نصّها: ((أما الإِمام ابن عُيينة فقد اغتفروا تدليسه من غير ردّ)).
٠
قلنا : وقد غمزه بالتدليس الإمام ابن القطّان في " بيان الوهم والإيهام" (٤ / ٣٠٥ عقيب ١٨٦٥)،
وقال الحافظ ابن حجر في التقريب (٢٤٥١): ((كان ربّما دلّس لكن عن الثقات)). قال البقاعي
في النكت الوفية (١٤٠ / أ): ((قوله: يقبل تدليس ابن عيينة، أي: فيكون حكمه حكم مراسيل
سعيد بن المسيب لاشتراكهما في العلة الموجبة للقبول ، وهي : أن التفتيش أبان أنّ الأمر لا يخرج عن
الثقة ؛ فصار ذلك سبباً لوقوع الظن ، وهو كافٍ في التصحيح)) .
(٧) انظر ما كتبه الدكتور خلدون الأحدب في أسباب اختلاف المحدّثين (١ / ٣٠٠).
(٨) في ع وف : ((هذا )) بدون واو .
٢٣٦

وقدْ بَيَّنَ سماعَهُ عن ثقةٍ مثل ثقتِهِ ، ثم مَثْلَ ذلك بمراسيل كبار الصحابةِ (١)، فإِنَّهُم لا
يرسلونَ إلّ عن صحابيّ. وقد سبقَ ابنَ عبدِ البِرِّ إلى ذلك الحافظان: أبو بكر البزّارُ،
وأبو الفتحِ الأزديُّ .
فقالَ البزّارُ في الجزءِ المذكورِ : إِنَّ مَنْ كان يدلّسُ عن الثقاتِ كانَ تدليسُهُ عند أهلِ
العلمِ مقبولاً (٢) . ثم قال: فمَنْ كانت هذه صفتُهُ وَجبَ أنْ يكونَ حديثُهُ مقبولاً وإنْ
كان مدلساً . وهكذا رأيتُهُ في كلام أبي بكرِ الصَّيْرفيّ (٣) من الشافعية (٤) في كتاب
"الدلائلِ" (٥) فقالَ: كلُّ مَنْ ظهرَ تدليسُهُ عن غيرِ الثقاتِ (٦) لَمْ يُقْبِلْ خبرُهُ حَتَّى يقولَ :
حدّثْني ، أو سمعتُ . انتهى . وقولُهُ : ( واختلفَ في أهْلِهِ ) أي : في أهلِ هَذَا القسمِ مِنَ
التدليسِ ، وهم المعروفونَ بهِ . فقيلَ: يُرَدُّ حديثُهم مطلقاً ، سواءٌ بينوا السماعَ، أو لَمْ
يبينوا ، وأنّ التدليسَ نفسَهُ جرحٌ ، حكاهُ ابنُ الصلاحِ (٧) عن فريقٍ من أهلِ الحديثِ
(١) قارن بالنكت الوفية للبقاعي ( ١٤٠ / أ - ب ).
(٢) اعترض البقاعي على هذا الرأي فقال في النكت الوفية (١٤٠ / ب): ((غيرُ مسلم فإن غايته أنْ يكون
كالتوثيق مُبّهماً كأن يقول : حدثني الثقة ، وقد عُرف أنّ ذلك غير مُحدٍّ لاحتمال أن يعرف غيره من
حاله ما خفي عنه )) .
(٣) هو أبو بكر محمد بن عبد الله الصيرفي ، الأصولي الكبير ، كان صاحب فضل وجلالة قدر ، يقال: أنّه
أعلم خلق الله تعالى بالأصول بعد الشافعي ، له مصنفات منها : شرح الرسالة ، وكتاب الإجماع وغيرها
، توفي سنة (٣٣٠ هـ ). (تاريخ بغداد ٥ / ٤٤٩، وطبقات الفقهاء ص ١٢٠، وطبقات الشافعية
الكبرى ٣ / ١٨٦ ) .
(٤) وكذلك نسبه إليه ابن حجر في نكته (٢ / ٦٢٤) إذ قال: ((وبذلك صرّح أبو الفتح الأزدي، وأشار
إليه الفقيه أبو بكر الصيرفي )) .
(٥) هو دلائل الأعلام في شرح رسالة الشافعي ، أفاده البقاعي في النكت الوفية ( ١٤٠ / ب ).
(٦) جاءت في نسخة ص تعليقة، نصها: ((ونقل ابن القطّان أنّ المدلّس الثقة إذا صرح بالسماع فيقبل بلا
خلاف ، فإن عنعن ففيه الخلاف على ما تقدم )).
قلنا : وفيه نظر على ما يأتي ، ثم إن الإمام النووي نقل الاتفاق في شرح صحيح مسلم ( ٢ / ١٩٩ ) في
عدم قبول عنعنة المدلس ، وانظر بلا بد كتابنا " كشف الإيهام " ( ٢٢٧).
(٧) علوم الحديث : ٦٧ .
قلنا : وهذا مذهب ابن حزم الظاهري. ( انظر: الإحكام ١ / ١٤١، وقارن بالعواصم ٨ / ٢٣٦) .
٢٣٧

والفقهاء (١)، وَهُوَ المرادُ بقولِهِ: (فالردُّ مطلقاً ثُقِفْ) أي: وُجدَ (٢) عن بعضِهم.
والصحيحُ (٣) كما قالَ ابنُ الصلاحِ ، التفصيلُ . فإنْ صَرَّحَ بالاتصالِ كقولِهِ : سمعتُ،
وحدّثنا ، وأخبرنا (٤) ، فهو مقبولٌ محتجٌّ (٥) به . وإنْ أتى بلفظٍ محتملٍ فحكمُه حكمُ
المرسلِ (٦) . وإلى هذا ذهبَ الأكثرونَ (٧) كما حكيتُهُ عنهمْ. ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ
ذلكَ عنِ الأكثرينَ . وهذا من الزيادةِ عليه التي لم تُمََّّرْ (٨) بـ: قلتُ. وثمّنْ حكاهُ عن
جمهورِ أئمةِ الحديثِ والفقهِ والأصولِ شيخُنا أبو سعيدٍ العلائيُّ في كتابٍ " المراسيل "(٩)،
وهو قولُ الشافعيِّ ، وعليٍّ بنِ المدينيِّ، ويحيى بنِ معين ، وغيرهم.
(١) هذا القول حكاه القاضي عبد الوهاب في " الملخص" - كما في فتح المغيث ١ / ١٧٤ - وأمّا ابن
السمعاني فشرط فيه ليرد حديثه أن يسأل عن اسم الراوي فيكتمه ( ينظر: قواطع الأدلة ١ / ٣٢٤ ،
والنكت ٢ / ٦٣٢)، وقال العلائي: (( ينبغي أنْ ينْزل قول من جعل التدليس مقتضياً لجرح فاعله
على من أكثر التدليس عن الضعفاء ، وأسقط ذكرهم تغطية لحالهم ، وكذلك من دلّس اسم الضعيف
حتى لا يعرف)) ( جامع التحصيل ١١٤ ).
(٢) انظر: اللسان (٩ / ١٩)، مادة ((ثقف)).
(٣) الذي صحّحه المصنف هو الصحيح ؛ لأنّ التدليس ليس كذباً ، وإنّما هو تحسين لظاهر الإسناد ، وضربٌ
من الإيهام بلفظٍ محتمل فإذا صرح قبلوه ، واحتجوا به ورد ما أتى منه باللفظ المحتمل ، وممن صحّحه
ابن سعد والخطيب وابن عبد البر وابن الصلاح والعلائي وابن حجر والسخاوي وهو قول الجماهير ،
ينظر: الرسالة ص ٣٨٠ الفقرة (١٠٣٥)، طبقات ابن سعد (٧ / ٣١٣)، الكفاية ص
(٥١٥ ت، ٣٦١ هـ) التمهيد (١ / ١٣)، علوم الحديث ص ٦٧، جامع التحصيل ص ١١٢،
فتح المغيث ( ١ / ١٧٥ ).
(٤) كذا في جميع النسخ الخطية ، وفي ع وف: ((وأنبأنا)).
(٥) في ع وف: ((يحتج)) .
(٦) قال الإمام الشافعي في الرسالة (١٠١١ - ١١٣٥): ((وأقبل الحديث: حدّثني فلان عن فلان، إذا لم
يكن مدلساً ... ، ومن عرفناه دلّس مَرَّةً فقد أبان لنا عورته في روايته وليست تلك العورة بالكذب
فَتَرُدُ بها حديثه ، ولا النصيحة في الصدق .
فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق ، فقلنا : لا نقبل مِنْ مدلسٍ حديثاً ، حتى يقول فيه :
حدثني، أو سمعت)). ( ونقله عنه البيهقي في " معرفة السنن والآثار " ١ / ٤٢ ).
(٧) في ع: ((أكثرون)) خطأ .
(٨) في نسخة ن: ((تتميز )).
(٩) جامع التحصيل ص ٩٨ .
٢٣٨

وقد وجدتُ في كلام بعضِهم (١) : أنَّ المدلّسَ إذا لم يُصَرِّحْ بالتحديثِ، لم يُقبلْ
اتفاقاً. وقد حكاهُ البيهقيُّ في " المدخلِ " (٢) عن الشافعيِّ، وسائرِ أهلِ العلمِ بالحديثِ.
وحكايةُ الاتفاق هنا غلطٌ أو هو محمولٌ على اتفاقٍ مَنْ لا يحتجُّ بالمرسلِ . أمّا الذين
يحتجُونَ بالمرسلِ فيحتجونَ بهِ كما اقتضاهُ كلامُ ابنِ الصلاحِ (٣) على أنّ بعضَ مَنْ يحتجُ
بالمرسلِ (٤) لا يقبلُ عنعنةَ المدلسِ . فقد حكى الخطيبُ في " الكفاية" (٥) : أنَّ جُمهورَ
مَنْ يحتجُّ بالمرسلِ يقبلُ خبرَ المدلّسِ .
وقولُهُ : ( وفي (٦) الصحيح ... ) إلى آخرهِ ، أي : وفي الصَّحيحينِ وغيرِهما مِنَ
الكتب الصحيحةِ عدّةُ رواةٍ من المدلّسينَ ، كالأعمشِ ، وهُشيمٍ بِنِ بَشِيرٍ ، وغيرِ هما .
وقولُهُ : ( وفَتَشْ ) أي : وفتشْ (٧) ، في الصحيحِ تجدْ جماعةٌ منهم ، كقتادةً
والسفيانّيْنِ ، وعبدِ الرزاقِ ، والوليدِ بنِ مسلمٍ ، وغيرِهِمْ. وقالَ النوويُّ: إنّ ما في
الصحيحينِ وغيرِهما من الكتبِ الصحيحةِ عن المدلسينَ بـ: عَنْ، محمولٌ عَلَى ثبوتِ
سماعِهِ من جهةٍ أخرى (٨). وَقَالَ الحافظُ أبو محمدٍ عبدُ الكريمِ الحليُّ (٩) في كتاب
" القِدْحِ الْمُعَلَّى"(١٠): قالَ أكثرُ العلماءِ: إِنَّ الَّتِي في الصحيحينِ مُنَزَّلَةٌ بمنزلةِ السماعِ(١١).
(١) جاءت في حاشية نسخة ق وص تعليقة مشتركة بين فيها هذا المبهم، ونصّها: ((هو النووي في
شرح المهذب )). قلنا: وقد نقله عنه المصنف في التقييد والإيضاح ص ٩٩، واللكنوي في " ظفر
الأماني ": ٣٨٩. وقد قال النووي في شرحه على صحيح مسلم (٢ / ١٩٩): ((وقد اتفقوا على
أنّ المدلس لا يحتجّ بعنعنته )) وانظر : المجموع (٤ / ٤٦٦ ).
(٢) لم نجده في المدخل ، ولعله مما سقط من المطبوع .
(٣) علوم الحديث : ٦٧ .
(٤) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤١ / ب ): (( ينبغي حمله على من يدلس بعد القرون الثلاثة، أما من
دلّس منهم، فلا فرق بينه وبين المرسل)) .
(٥) الكفاية ص (٥١٥ ت، ٣٦١ هـ ) .
(٦) في ع و ف : « في )) بدون واو .
(٧) جملة : (( أي: وفتش)) سقطت من ع وف .
(٨) التقريب ص ٦٥ .
(٩) هو قطب الدين أبو علي عبد الكريم بن عبد النور الحلبي ثم المصري الحنفي، توفّي سنة ( ٧٣٥ هـ ).
( تذكرة الحفاظ ٤ / ١٥٠٢ ) .
(١٠) أي: في الاعتراض على المحَلَّى لابن حزم الظاهري، أفاده البقاعي في النكت الوفية ( ١٤٢ / أ).
(١١) وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم من المتأخرين، وقد توقّف في ذلك الإمام صدر الدين ابن المرحّل
، ومن قبله ابن دقيق العيد ، ويومئ إليه كلام المزّي. ( انظر تفصيل ذلك في : نكت الحافظ ابن حجر
على ابن الصلاح ٢ / ٦٣٥ - ٦٣٦ ) .
٢٣٩

وَدُوْنَهُ التَّدْلِيْسُ لِلشِّيُوْخِ
١٥٧. وَذَمَّهُ (شُعْبَةُ) ذُو الرُّسُوْخِ
بِهِ ، وَذَا بِمِقْصِدٍ يَخْتَلِفُ
١٥٨. أنْ يَصِفَ الشَّيْخَ بِمَا لا يُعْرَفُ
وَكـ (الخَطِيْبِ) يُؤْهِمُ اسْتِكْثَارَا
١٥٩. فَشَرُّهُ للضَّعْفِ وَاسْتِصْغَارا
١٦٠. و (الشَّافِعِيْ) أَثْبَتَهُ بِمَرَّه قُلْتُ: وَشَرُّهَا أخُو التَّسْويةْ
أي: وذمّهُ شعبةُ فبالغَ في ذمِّهِ ، وإلّ فَقَدْ ذمّهُ أكثرُ العلماءِ، وَهُوَ مكروهٌ جدّاً ،
فروَى الشافعيُّ عن شعبةَ قالَ : التدليسُ أخو الكذب (١) ، وَقَالَ : لأنْ أزني (٢) أحبُّ إليّ
مِنْ أن أدلسَ (٣) . قَالَ ابنُ الصلاحِ: ((وهذا من شعبةَ إفراطٌ محمولٌ عَلَى المبالغةِ في
الزجرِ عَنْهُ والتنفيرِ (٤) )). وقوله: ( دُوْنَهُ التدليسُ للشيوخِ) أي: ودونَ القسمِ الأولِ.
وهذا هو القسمُ الثاني من أقسامِ التدليسِ .
قالَ ابنُ الصلاحِ (٥): أمرُه أخفُّ (٦) منه (٧)، و ( أنْ) : في أولِ البيتِ الثاني
مصدريةٌ . والجملةُ في موضع رفعٍ على أنّهُ بيانٌ للتدليسِ المذكورِ ، أو خبرُ مبتدأ محذوف
(١) أخرجه ابن عدي في تقدمة الكامل (١ / ١٠٧)، والبيهقي في مناقب الشافعي (٢ /٣٥)،
والخطيب البغدادي في الكفاية ص (٥:٨ ت، ٣٥٥ هـ ).
(٢) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٢ / أ): ((ضبطه بعضهم بالمهملة ثم موحدة مضموم الهمزة قال:
فإن الربا أخف من الزنا ، وقال : وفيه مناسبة ، وهو أن الربا أصله التكثر والزيادة ، ومن دلس فقد كثر
مرويه بذلك الشيخ الذي ارتقى إليه وهم كثرة مشايخه عندما عمَّى أوصافهم )).
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل (١٧٣/١)، وابن عدي في تقدمة الكامل (١٠٧/١)،
والخطيب البغدادي في الكفاية ص (٥٠٨ ت، ٣٥٥ هـ).
(٤) علوم الحديث : ٦٧ .
(٥) علوم الحديث : ٦٨ .
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية (١٤٣ / أ): (( لو قال: الأول أشدُّ من هذا لكان أولى؛ لأنه ليس في
واحدٍ منهما خفة لكن تارة يطلقون أفعل ولا يريدون معناها حقيقة إنما يجعلون ذلك على سبيل الفرض
كحديث : لكان أن يلقى في النار أحبَّ إليه من أن يعود في الكفر ، وليس في الإلقاء في النار شيء من
الحب ، وإنما المعنى لو فُرِضَ أن يكون الكفرُ محبوباً، والنار كذلك لكان الإلقاء في النار أحبَّ إليه)).
(٧) في ع: ((من))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
٢٤٠