النص المفهرس

صفحات 161-180

وقولُهُ : ( إذ تابعوا محمدَ بنَ عمرٍو). ذكرهُ (١) بعد قولِهِ : ( كمتنِ ((لولا أنْ
أشقَّ))). ليعلمَ أنَّ التمثيلَ ليس لُطْلَقِ هذا الحديثِ، ولكنْ بقيدِ كونِهِ من روايةٍ مُحَمَّدٍ بنِ
عمرو. ولستُ أريدُ بالمتابعةِ كونَّهُ رواهُ عن أبي سلمةَ عن أبي هُرَيْرَة غيرُ محمدِ بنِ عمرٍو؛
ولكنَّ متابعةَ شيخِهِ أبي سلمةَ عليه عن أبي هريرةَ فقد تابعَ أبا سلمةً عليه عن أبي هريرةً ،
عبدُ الرحمن بنُ هرمزِ الأعرجُ (٢)، وسعيد المقبريُّ (٣)، وأبوه: أبو سعيدٍ (٤)، وعطاءٌ
مولى أُمِّ صُبَيَّةَ (٥) ، وحميدُ بنُ عبدِ الرحمن (٦) ، وأبو زرعة بنُ عمرو بنِ جريرٍ، وهو
متفقٌ عليه من طريقِ الأعْرَجِ (٧) . والمتابعةُ قَدْ يُراد بها متابعةُ الشيخ ، وقد يُراد بها متابعةٌ
شيخِ الشيخِ (٨) ، كما سيأتي الكلامُ عليهِ في فصلِ المتابعاتِ والشواهدِ .
= والحاكم في المستدرك (١ / ١٤٦)، والبيهقي (١ / ٣٦) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري،
عن أبي هريرة. وأخرجه أحمد (٤٠٠/٢)، والبخاري ٥/٢ (٨٨٧)، ومسلم ١٥٢/١ (٢٥٢)،
وغيرهم من طريق عبد الرحمن الأعرج ، عن أبي هريرة .
(١) لم ترد في نسخة ص ، وهي ثابتة في بقية النسخ .
(٢) تقدم تخريجها .
(٣) تقدم تخريجها .
(٤) روايته عند النسائي في الكبرى (٣٠٣٨) و (٣٠٣٩ ).
(٥) هكذا مجوّدة الضبط في نسخة س وق وفي ف وع ونسخة ن وص: ((أم حبيبة)) بالحاء المهملة،
وهو خطأ؛ وما أثبتناه هو الصواب كما في تحفة الأشراف (١٠ / ٢٨٠ حديث ١٤٢٤٣)، وهو
الموافق لتهذيب الكمال ، وفروعه، والحديث في السنن الكبرى للنسائي (٣٠٤٠)، وفي مسند أحمد
(١ / ١٢٠)، والدارمي (١٤٩٢)، والطحاوي في شرح المعاني (١ /٤٣)، والبيهقي في الكبرى
(١ /٤٣)، وفي النسائي: ((عطاء مولى أم سلمة)) وهو تحريف آخر. والحديث ساقه على الصواب
المزّي في تهذيب الكمال (٥ / ١٨١ - ١٨٢)، وَقَالَ البقاعي (٧١ / ب): أم صُبيبة - بالصاد
المهملة والياء الموحدة مصغر - وربّما وقع في بعض النسخ غير ذلك وهو خطأ ، قال بعض أصحابنا :
كان في الشرح الكبير مولى أم حبيبة يعني : بحاء مهملة مفتوحة وموحدتين ثم أصلحه بخطه صبية
- بالصاد المهملة - وعلّم تحت الصاد بصاد صغيرة وشدّد التحتانية فعل ذلك في موضعين ووقع له
موضع ثالث صبية سالماً عن الإصلاح. أ.هـ .
(٦) في نسخة ق: ((وحميد مولى ابن عبد الرحمن))، وضبب عليها الناسخ، وهو خطأ وروايته تقدم تخريجها.
(٧) صحيح البخاري (٥/٢ حديث ٨٨٧ و١٠٥/٩ حديث ٧٢٣٩)، وصحيح مسلم ١٥١/١ (٢٥٢).
(٨) المتابع: هو الحديث المشارك لحديث آخر في اللفظ والمعنى مع الاتحاد في الصحابي ، فإن كانت المشاركة
من أول السند تسمى : ( متابعة تامة ) ، وإن كانت المشاركة لا من أول السند ، تسمى ( متابعة
قاصرة ). ( ضوء القمر: ٣٩، واختصار علوم الحديث: ٥٩، والخلاصة: ٥٧ - ٥٨، والنكت
٦٨٢/٢، وأثر علل الحديث : ٣٤ هامش ٢ ).
١٦١

جَمْعُ (أبِي دَاوُدَ) أَيْ في السَُّنِ
٦٥. قَالَ: وَمِنْ مَظِئَّةٍ لِلحَسَنِ
ما صَحَّ أوْ قَارَبَ أوْ يَحْكِيْهِ
فإنَّهُ قَالَ : ذَكَرْتُ فِيْهِ
٦٦.
وَحَيْثُ لاَ فَصَالِحٌ خَرَّجْتُهُ
وَهَا بِهِ وَهْنٌ شَدِيْدٌ قُلْتُهُ
٦٧.
عَلَيْهِ عِنْدَهُ لَهُ الْحُسْنُ ثَبَتْ
فَمَا بِهِ وَلَمْ يُصَخَّحْ وَسَكَتْ
٦٨.
٦٩. و(ابْنُ رُشَيْدٍ) قَالَ -وَهْوَ مُتَّجة- قَدْ يَبْلُغُ الصِّحَّةَ عِنْدَ مُخْرِجِهْ
أي : قال ابنُ الصَّلاحِ: ومن مظانِّه (١) - أي : الحسنِ - سننُ (٢) أبي داودَ
السجستانيّ - رحمهُ الله تعالى -. رُوينا عنه أَنَّهُ قالَ: ذكرتُ فيه الصحيحَ وما يُشْبِهُهُ (٣)
ويقارِبُهُ (٤) . قال: وروينا عنه أيضاً ما مَعْنَاهُ أَنَّهُ يذكُرُ فِي كُلِّ باب أصحَّ ما عرفَهُ في ذلكَ
(١) قال في الصحاح: مَظِنَّهُ الشيء: مَوضِعُهُ ومْلَفُهُ الذي يُظَنُّ كونُه فيه، والجمع: المَظَانُ، وقال في اللسان:
المظانَّ جمع مَظِنَّة - بكسر الظاء - وهي موضع الشيء ومَعْدِنه ، مَفعِلةٌ من الظن بمعنى: العلم . انظر :
الصحاح ٦ / ٢١٦٠، واللسان ١٣ / ٢٧٤ مادة ( ظنن ).
(٢) بعد هذا في ف وع: ((أي)) ، ولا ذكر لها في النسخ الخطية .
(٣) قال الأبناسي في الشذا الفياح (١١٧/١): ((قول أبي داود: ((وما يشبهه)) يعني في الصحة، (( وما
يقاربه )) يعني فيها أيضاً)). وقد فسّر زكريا الأنصاري في فتح الباقي: (( ما يشبهه)) فقال: ((لعل
مراده به الحسن لذاته))، وفسّر: (( ما يقاربه)) بقوله: (( لعل مراده به الحسن لغيره )) .
(٤) في نسخة ق : ((وما يقاربه)) ، وضبب عليها ناسخها .
وهذا النصّ الذي يذكر في كتب المصطلح بلفظ: ((ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه وما يقاربه))، لم
نجده في رسالة أبي داود إلى أهل مكة المطبوع مع مقدّمة عون المعبود (١ / ٥٣)، وكذا في المطبوع
مع بذل المجهود (١ / ٣٥)، ولا في المطبوعة بتحقيق الدكتور محمد لطفي الصباغ. على الرغم من
تضافر العديد من كتب المصطلح على نسبته إلى الرسالة . ( ينظر: التقييد والإيضاح: ٥٥، وفتح
المغيث ٧٧/١، وكشف الظنون ٢ / ١٠٠٥)، وقد رواه عنه الخطيب في تاريخ بغداد (٥٧/٩ )،
من طريق ابن داسة ، عنه ، من غير عزو إلى رسالته ، والذي يدّل عليه صنيع الحازمي في شروط الأئمة
الخمسة : ( ٦٧ - ٦٨ )، أنّ هذا المقطع ليس في رسالة أبي داود، فإنّه نقل بسنده نصاً من الرسالة،
ثم قال عقبه : (( وقد روينا عن أبي بكر بن داسة أنّه قال: سمعت أبا داود يقول : ... فذكره)). وهذا
هو مقصد ابن الصلاح في علوم الحديث : ٣٣، فإنه قال: (( وروينا عنه أنه قال: ذكرت فيه
الصحيح ... )). ثم قال: (( وروينا عنه أيضاً ما معناه: أنه يذكر في كل باب أصحّ ما عرفه)). وهذا
النقل الثاني عن رسالة أبي داود إلى أهل مكّة (٣٥/١)، فكأنه يشير إلى أنّ الأول ليس في الرسالة .
فرحمه الله ما أنبل قصده وأدق مسلكه . وينظر ما كتبه محقق النفح الشذي ( ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ ).
١٦٢

الباب . وقال : ما كان في كتابي من حديثٍ فيه وَهْنٌ شديدٌ فقد بينتُهُ (١) ، وما لم أذكرْ
فيه شيئاً فهو صالحٌ وبعضُها أصحُّ من بعضٍ (٢) . قال ابنُ الصلاحِ: ((فعلى هذا ما
وجدناه في كتابهِ مذكوراً مطلقاً ، وليس في واحدٍ من الصحيحينِ ، ولا نَصَّ على صحتِهِ
أحدٌ ◌َّنْ يُميِّزُ بين الصحيحِ والحسنِ عرفناه بأنَّهُ من الحسَنِ عند أبي داودَ (٣) . وقد يكونُ
في ذلك ما ليسَ بحسَنٍ عند غيرِهِ ، ولا مندرجٍ (٤) فيما حقّقنا ضبطَ الحسنِ به)) (٥) . ثم
ذكرَ كلامَ ابنِ منده في شرطِ أبي داودَ ، والنسائيِّ. وقد ذكرتُّهُ بعد هذا بسبعةِ أبيات (٦).
وقد اعترضَ أبو عبد الله محمدُ بنُ عمرٍ (٧) بنِ محمدٍ (٨) الفِهريُّ الأندلسيُّ المعروفُ بابن
رُشَيد ، على كلامِ ابنِ الصَّلَاحِ بأنْ قال: ((ليس يلزمُ أنْ يُستفادَ من كونِ الحديثِ لم
(١) بعد هذا في رسالة أبي داود المطبوعة مع بذل المجهود (١ / ٣٥): ((منه ما لا يصحّ سنده)).
(٢) رسالة أبي داود إلى أهل مكّة، مطبوعة مع بذل المجهود (١ / ٣٥).
(٣) فيه نظر ، بل هو خطأ محض ! لعدّة أمور ، يطول المقام في سردها ، منها: اختلاف روايات السنن ، ففي
بعض الروايات من أقوال أبي داود ما ليس في الأخرى ثمّ إنّ أبا داود قد يضعّف الحديث بالراوي فإذا
جاء هذا الراوي بحديث آخر يسكت أحياناً ؛ لأنّه تقدم الكلام عليه عنده ، ثم إنّ أبا عبيد الآجري في
سؤالاته ينقل كثيراً من تضعيف أبي داود لبعض الأحاديث ، وهو قد سكت عنها في سننه. وقد أطال
الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح (١ / ٤٣٢ - ٤٤٥) في بحث هذه المسألة ، وذكر أمثلة
كثيرة من الأحاديث الضعيفة التي سكت عنها أبو داود .
فينبغي التنبيه على : أنّ سكوت أبي داود لا يستفيد منه كل أحد ، فقد قال الحافظ ابن حجر في النكت
(١ / ٤٣٩): (( فلا ينبغي للناقد أن يقلّده في السكوت على أحاديثهم ويتابعه في الاحتجاج بهم، بل
طريقه أن ينظر هل لذلك الحديث متابع فيعتضد به ، أو هو غريب فيتوقف فيه ؟)) .
(٤) في نسخة: ون وع وف: ((مندرجاً)) وما أثبتناه من نسخة ق وس، وهو الموافق لعلوم الحديث: ٣٣ .
(٥) علوم الحديث : ٣٣ .
(٦) قال البقاعي في النكت الوفية ( ٧٣ / ب ): ((ضرب الشيخ في شرحه الكبير على أبيات وجعل بدلها
بيوت ، وما أدري لِمَ صنع ذلك ؟ ثم رأيت عن شيخنا برهان الدين أنها كانت في هذا الشرح الصغير.
أيضاً بيوت فأصلحها بعد قراءته له عليه أبيات ؛ وكأنه لكون السبعة عدداً قليلاً كما تقدم وأفعال من
جموع القلة)). وانظر عن جموع القلة: شرح ابن عقيل (٢ / ٤٥٢).
(٧) في ع وف: ((عمرو))، وهو خطأ، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية ، وهو الموافق لما في الكتب
المترجمة له ، وابن رشيد ، قال ابن حجر فيه: ((طلب الحديث فمهر فيه))، ولد سنة ( ٦٥٧ هـ)،
وتوفي سنة (٧٢١ هـ). (الدرر الكامنة ١١١/٤، وطبقات الحفاظ: ٥٢٨، وطبقات المفسرين ١٩/٢).
(٨) جملة: ((بن محمد ))، لم ترد في نسخة ص .
١٦٣

ينصَّ عليه أبو داودَ بضَعْفٍ ، ولا نَصَّ عليهِ غيرُهُ بصحةٍ أنَّ الحديثَ عند أبي داودَ حسنٌ .
إذْ قد يكونُ عنده صحيحاً ، وإنْ لم يكن عندَ غيرِهِ كذلك. وقال (١) أبو الفتح اليعمريّ:
(( وهذا تعقّبٌ حسنٌ)) (٢) . انتهى. وهذا معنى قولِهِ: (وهو مُتَّجِهْ)، وهي جملةٌ
معترضةٌ . ومعمولُ القولِ قد يبلغُ إلى آخرهِ . وقد يُجابُ عن اعتراضِ ابنِ رُشيد : بأنَّ
ابنَ الصلاحِ إنَّما ذكرَ ما لنا أنْ نعرفَ الحديثَ به عندَهُ والاحتياطُ أنْ لا يرتفعَ به إلى
درجةِ الصِّحَّةِ، وإنْ جازَ أنْ يبلغَها عند أبي داودَ ؛ لأنّ عبارتَهُ: فهو صالحٌ ، أي
للاحتجاجِ به . فإنْ كان أبو داودَ يَرى الحسنَ رتبةً بين الصحيح والضعيفِ، فالاحتياطُ
ما قالَهُ ابنُ الصلاحِ، وإنْ كان رأيُهُ كالمتقدّمين أنَّهُ ينقسمُ إلى صحيحِ وضعيفٍ ، فما
سكت عنه فهو صحيحٌ ، والاحتياطُ أنْ يُقْالَ صالحٌ (٣) كما عَبَّرَ هو عن نفسِهِ .
قَوْلُ (٤) (أبِي دَاوُدَ) يَحْكي (مُسْلِما)
٧٠ .. وَلِلإِمَامِ (الْيَعْمُرِيِّ) إنَّما
تُوجَدُ عِنْدَ (مَالِكٍ ) وَالنُّبَلا
٧١! حَيْثُ يَقُوْلُ : جُمْلَةُ الصَّحِيْحِ لا
إلى ( يَزِيْدَ بنِ أبِي زِيَادٍ )
٧٢. فَاحْتَاجَ أَنْ يَنْزِلَ فِي الإسْنَادِ
قَدْ فَاتَهُ ، أَدْرَكَ بِاسْمِ الصِّدْقِ
٧٣. وَنَحْوه ، وإِنْ يَكُنْ ذُو السَّبْقِ
بِمَا قَضَى عَلَيْهِ بِالتَّحَكُمِ
٧٤. هَلَّ قَضَى عَلَى كِتَابِ (مُسْلِمٍ )
أي: وللإمامِ أبي الفتحِ محمّدٍ بن محمدِ بنِ محمدِ بنِ سَيِّدِ النّاسِ الْيَعْمُريّ تعقّبٌ (٥)
على كلامٍ ابنِ الصَّلاحِ، فقالَ في شرح الترمذيِّ (٦) : لم يَرْسُمْ أبو داود شيئاً بالحسنِ .
(١) في نسخة ق وص وس: ((قال)) بلا واو، وما أثبتناه من بقية النسخ.
(٢) النفح الشذي ١ / ٢١٨ .
(٣) هكذا قال باعتبار أن لفظة: ((صالح))، لفظة عامة تشمل ما هو صالح للاحتجاج وما هو صالح
للاعتبار . والذي يبدو لنا أنه لا يستفاد شيء من سكوت أبي دواد لما سبق التنبيه عليه .
(٤) في نسخة ب من متن الألفية: ((جَمْعُ))، وما أثبتناه من شروح الألفية وبقية نسخ المتن .
(٥) في ع: ((تعقيب))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية.
(٦) النفح الشذي ( ١ / ٢٠٨).
١٦٤

وعملُه في ذلك (١) شبية بعملِ مسلم ، الذي لا ينبغي أنْ يحملَ (٢) كلامَهُ على غيرِهِ أَنّه
اجتنبَ الضعيفَ الواهيَ ، وأتى بالقسمينِ الأولِ والثاني ، وحديثُ من مَثِّلَ به من الرواة
من القسمينِ الأولِ والثاني ، موجودٌ في كتابِهِ دونَ القسم الثالثِ . قال : فهلاّ ألزمَ الشيخُ
أبو عمرو مسلماً من ذلك ما ألزَمَ (٣) به أبا دوادَ ؟ فمعنى كلامِهِمَا واحدٌ . وقولُ أبي
داودَ وما يشبهُهُ ، يعني : في الصِّحَّةِ ، وما يقارِبُهُ ، يعني: فيها أيضاً . قال: وهو نحوُ
قولِ مسلمٍ أَنَّهُ ليس كُلِّ الصحيح (٤) نجدُهُ (٥) عند مالكٍ، وشعبةَ وسفيانَ، فاحتاجَ أنْ
ينزلَ إِلَى مثلٍ حديثٍ ليثِ (٦) بن أبي سُلِيمٍ ، وعَطَاءِ بنِ السائبِ ، ويزيدَ بن أبي
زياد (٧)؛ لما يَشْمِلُ الكُلِّ من اسمِ العدالةِ والصدقِ ، وإنْ تفاوتوا في الحفظِ والإتقان ،
ولاَ فرقَ بين الطريقينِ ، غيرَ أنَّ مسلماً شرطَ الصحيحَ فَتَحرَّجَ (٨) من حديثِ الطبقةِ
الثالثةِ ، وأبا داودَ لم يشترطْهُ فذكرَ ما يشتدُّ وَهُنُهُ عندَهُ والتَزَمَ البيانَ عنهُ . قال : وفي قول
(١) قال البقاعي في النكت الوفية (٧٤ / ب): (( يوجد في بعض النسخ بذلك وكذلك كانت أولاً، ثم
جعلها الشيخ بعد قراءة شيخنا البرهان الشرح عليه في ذلك)) .
(٢) في ع وف: ((نحمل))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٣) في ع وف: (( لَزِمَ)) ، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٤) في نسخة س: ((صحيح)) ، غير محلى بالألف واللام .
(٥) في نسخة ق: ((تجده))، بالتاء .
(٦) جاءت في حاشية نسخة: تعليقة لأحدهم، نصها: ((هذا تمثيلٌ؛ لأنه لم يروٍ عن عطاء بالكلية، وأما
الآخران فإنه روى لهما مقروناً في المتابعات )).
(٧) قول الإمام مسلم ، نقله المصنف بالمعنى، وتصرّف فيه كثيراً. ( ينظر: الجامع الصحيح ١ / ٥ - ٦ ط
عبد الباقي ) .
(٨) في ع وف: ((فتخرج)) بالخاء المعجمة ، تصحيفٌ ، صوابه ما أثبتناه ، وقال البقاعي: قوله :
(( فتحرَّج)) تفعّل من الخرج - بمهملتين وجيم - أي أنّ الحرج وهو الضيقُ الواقع من تلك الجهة ،
فتركه واجتنبه ، فلم يأت بشيء من حديثهم لئلا يلزمه بذلك ضيق بقلة الوثوق بكتابه لطرد احتمال
الضعف في كل حديث منه ( النكت الوفية ٧٥ / ب ). لكن سيأتي عنه أن مسلماً قد يخرج لأهل
الطبقة الثانية في المتابعات ، فلعل المقصود هنا ترك مسلم ذكر أحد من هذا القسم احتجاجاً ، لأنه هو
المتنازع فيه ، أو لعل قصده فيما يأتي ، الطبقة الثالثة حسب تقسيم الحازمي في شروط الأئمة .
١٦٥

أبي دوادَ أنّ بعضَها أصحُّ (١) من بعضِ ما يشيرُ إلى القَدَرِ المشتَركِ بينَها (٢) من الصحَّةِ،
وإنْ تفاوتَتْ فيه لما تقتضيهِ صيغةُ أفْعَلَّ في الأكثرِ (٣). انتهى. والجوابُ عمّا اعترضَ به
ابنُ سَيِّدِ الناسِ: أنَّ مسلماً التزم الصحةَ في كتابِهِ ، فليس لنا أن نحكمَ على حديثٍ خَرَّجَهُ
فيه بأنَّهُ حسنٌ عندَهُ ، لما تقدّمَ من قُصورِ الحَسَنِ عن الصحيحِ . وأبو داودَ قال : إنَّ ما
سكت عنه فهو صالحٌ . والصالحُ قد يكونُ صحيحاً ، وقد يكونُ حسناً عند مَنْ يَرَى
الحسنَ رتبةً دونَ الصحيحِ. ولم يُنْقَلْ لنا عن أبي داودَ هل يقولُ بذلك ، أو يَرى ما ليس
بضعيفٍ صحيحاً ؟ فكانَ الاحتياطُ أنْ لا يرتفعَ بِمَا سكتَ عَنْهُ إِلَى الصِّحَّةِ حَتَّى يعلمَ (٤)
أنَّ رأيَهُ هُوَ الثاني، ويحتاجُ إِلَى نَقلٍ . وقولُهُ: ( يحكي مسلماً)، أي يشبهُ قولَ مُسْلِم .
وقولُهُ: (حيثُ يقولُ)، أي: مُسْلِم، وكذا قولُهُ: (فاحتاجَ) ، أي: مُسْلِم . وقولُهُ:
( فاتَهُ ) (٥) ، أي: يزيدَ بنَ أبي زيادٍ، ونحوه . وقولُهُ: (هلّ قضى)، أي : ابنُ
الصلاحِ. وقولُهُ : (عَلَيْهِ ) ، أي : على كتابٍ أبي داودَ .
٧٥. وَ (الْبَقَوِيْ) إِذْ قَسَّمَ المَصَابَحَا إلى الصِّحَاحِ وَالِحِسَانِ جَانِحا
رَدَّ عَلَيْهِ إِذْ بِهَا غَيْرُ الَحَسَنْ
٧٦. أنَّ الِحِسَانَ مَا رَوُوْهُ في السُّنَنْ
أي : والبَغويُّ رُدّ عليهِ في تسميتِهِ في كتابٍ " المصابيحِ" ما رواهُ أصحابُ السُّتَنِ
الحِسانَ . إذ في السنن غيرُ الحسَنِ من الضعيفِ والصحيحِ ، إنّ قلنا: الحسنُ ليس أعمَّ من
الصحيحِ ، كما سيأتي في بقيّةِ الفصلِ . قال ابنُ الصلاحِ: هذا اصطلاحٌ لا يُعرفُ،
وليس الحسنُ عند أهلِ الحديثِ عبارةً عن ذلكَ (٦) .
(١) انظر: النكت الوفية ( ٧٥ / أ) .
(٢) في نسخة س: ((بينهما )).
(٣) النفح الشذي (١ / ٢٠٨ - ٢١٣)، وهذا النص نقله المصنف أيضاً في كتابه " التقييد والإيضاح" :
٥٣ - ٥٤ .
(٤) في نسخة س: ((نعلم)).
(٥) في ع: ((فإنه )) ، وهو تصحيف .
(٦) علوم الحديث: ٣٤، وقد تعقّبه البلقيني في "محاسن الاصطلاح": ١١١ فقال: ((لا يقال
الاصطلاحات لا مشاحّة فيها ، فقد قال البغوي : أردت بالصحيح ما خرج في كتاب الشيخين ،
وبالحسن: ما أورده أبو داود وأبو عيسى ، وغيرهما ، وما كان فيهما من غريب وضعيفٍ أشرت إليه،=
١٦٦

يَرْوِيِهِ ، والضَّعِيْفَ حَيْثُ لاَ يَجِدْ
٧٧. كَانَ (أَبُوْ دَاوُدَ) أَقْوَى مَا وَجَدْ (١)
مِنْ رَأي اقوَى قَالَهُ (ابْنُ مَنْدَهْ)
٧٨. فِي الْبَابِ غَيْرَهُ فَذَاكَ عِنْدَهْ
عَليْهِ تَرْكاً ، مَذْهَبٌ مُتَسِعُ
(وَالنَّسَئِيْ)(٢) يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يُجْمِعُوا
٧٩.
هذا بيانٌ لكونِ السننِ فيها غيرُ الحسن . قالَ ابنُ الصلاحِ: روينا عنه أي : عن أبي
داودَ ما معناهُ أنَّهُ يذكرُ في كلِّ بابِ أصحَّ ما عرَفَهُ في ذلك الباب (٣) . وقال أبو عبد الله
ابنُ منده عنه: إنَّهُ يخرجُ الإسنادَ الضعيفَ إذا لم يجدْ في البابِ غيرَهُ ؛ لأَنَّهُ أقوى عندَهُ من
رأي الرجالِ (٤). وَقَالَ ابنُ منده: إِنَّهُ سمعَ محمدَ بنَ سعدٍ الباورديُ بمصرَ يقولُ : كانَ (٥)
من مذهب أبي عبدِ الرحمنِ النَّسائيِّ أنْ يخرجَ عن كلٌّ منْ لم يُجمَعْ على تركهِ (٦)
= وأعرضت عن ذكر ما كان منكراً أو موضوعاً)). وكذلك ردّ عليه التاج التبريزي بنحو هذا كما
ذكر ذلك الإمام زكريا الأنصاري في شرحه للألفية ( ١ / ١٠٣ ) .
وقد رجعنا إلى مصابيح السنة للإمام البغوي ، فوجدنا الحق مع البلقيني ، فقد قال البغوي في ديباجة
كتابه : (( أعني بالصحاح : ما أخرجه الشيخان ، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري ، وأبو
الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري - رحمهما الله - في جامعهما أو أحدهما . وأعني
بالحسان : ما أورده أبو داود ، ... ، وما كان فيهما من ضعيف أو غريب أشرت إليه وأعرضت عن
ذكر ما كان منكراً أو موضوعاً ... )). (المصابيح ١ / ١١٠).
(١) ضبطت في بَعْض النسخ الخطية بالبناء للمجهول ، وكلاهما جائز .
(٢) قَصَدَ النَّسائي وإنما قال: ((النسئي)) لضرورة الوزن.
(٣) علوم الحديث : ٣٣ .
(٤) انظر: النكت الوفية ( ٧٦ / ب ).
(٥) انظر : النكت الوفية ( ٧٧ / أ) فإنه مهم .
(٦) شروط الأئمة الستة: ١٩ لذا نجد في "سنن النسائي" الصحيح وغير الصحيح، وكتاب النسائي هو "السنن
الكبرى " وهو عدّة روايات استعمل منها المزّي في التحفة تسع روايات، وقد طبع الكتاب في دار
الكتب العلمية ، ١٩٩١ ، بتحقيق : الدكتور عبد الغفار البنداري ، وسيد كسروي ، وهي طبعة ملفقة
من عدّة روايات وفيها من التصحيف والتحريف والسقط ما لا يخفى على أدنى طالب علم . وكتاب
" المجتبى " - الذي طبع قديماً وهو المشهور المتداول ، وإليه العزو عند الإطلاق - ليس من اختيار
النسائي ، بل هو من اختيار تلميذه أبي بكر أحمد بن محمد بن السني نصّ على هذا الذهبي في " تذكرة
الحفاظ " (٣ / ٩٤٠)، وفي " السِّير (١٤ / ١٣١)، وقد أخطأ ابن الأثير في " جامع الأصول" =
١٦٧

فقولُهُ: ( والضعيفَ ) أي: ويروي الضعيفَ. وقولُهُ: (مذهبٌ متّسعٌ) (١)، خبرٌ
لمبتدأ محذوفٍ .
٨٠. وَمَنْ عَليها أطْلَقَ الصَّحِيْحَا فَقَدْ أَتَى تَسَاهُلاً صَرِيْحَا
أي : ومَنْ أطلقَ الصحيحَ على كتبِ السُّنن، فقد تساهَلَ ، كأبي طاهرٍ
السِّلَفيِّ (٢) حيث قال في الكتبِ الخمسةِ (٣): اتفقَ على صحتِها علماءُ المشرق
= (١٩٦/١-١٩٧) في أن المجتبى من اختيار النسائي، وأنّه أهدى السنن لأمير فقال: ((أصحيح كلّه؟))
قال: ((لا))، قال: فاكتب لنا منه الصحيح فجرد المجتبى. وقد ردّ الذهي هذا في " السير"
(١٣١/١٤) فقال: (( ... هذا لم يصحّ بل المجتبى اختيار ابن السني)).
وللشيخ شعيب الأرناؤوط تعليق نفيس في هذا الموضع دبجه يراعه في مراجعته لتهذيب الكمال (٣٢٨/١
هامش ٤ ) بعد قول الدكتور بشّار: (( مما يؤسف عليه أن كتاب " السنن الكبرى " لم يصل إلينا،
ويظهر أنّه كان عزيزاً في فترات طويلة)). والعجب من الشيخ شعيب كيف سكت على هذا الكلام
وفيه ما فيه .
(١) قال الحافظ ابن حجر - موضّحاً هذا المعنى -: (( إنّما أراد إجماعاً خاصاً، وذلك أنّ كل طبقة من نقّاد
الرجال لا تخلو من متشدد ومتوسط :
فمن الأولى : شعبة وسفيان الثوري ، وشعبة أشدّ منه .
ومن الثانية : يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي ، ويحيى أشد منه .
ومن الثالثة : يحيى بن معين وأحمد ، ويحيى أشد من أحمد .
ومن الرابعة : أبو حاتم والبخاري ، وأبو حاتم أشد من البخاري .
وقال النسائي : لا يترك الرجل عندي حتى يجتمع الجميع على تركه ، فأما إذا وثّقه ابن مهدي ، وضعّفه
يحيى القطان مثلاً ، فإنه لا يترك ، لما عرف من تشدد يحيى ومن هو مثله في النقد ، وإذا تقرر ذلك ،
ظهر أنّ الذي يتبادر إلى الذهن من أنّ مذهب النسائي في الرجال متسع ، ليس كذلك ، فكم من رجل
أخرج له أبو داود والترمذي، تجنب النسائي إخراج حديثه)). ( النكت على ابن الصلاح ٤٨٢/١).
ولهذا قال أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني: (( إنّ لأبي عبد الرحمن في الرجال شرطاً أشدّ من شرط
البخاري ومسلم)). ( شروط الأئمة الستة: ٢٦ ) ، وهذا نقيض كلام أبي عبد الله بن منده المتقدم.
(٢) هو الحافظ أبو طاهر عماد الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني السلفي، توفي سنة
(٥٧٦ هـ ). ( تذكرة الحفاظ ٤ / ١٢٩٨، البداية والنهاية ١٢ / ٣٠٧).
(٣) هي الكتب السّة ، خلا ابن ماجه، إذ لم تضف إليها إلا بعد القرن السادس، قال البقاعي في النكت
الوفية ( ٧٧ / ب ): (( وأول من ضم ابن ماجه إليها ابن طاهر المقدسي ؛ فلم يقلد في ذلك فلما ضمنه
الشيخ عبد الغني إليها في كتابه " الكمال " تابعه الناس)).
١٦٨

والمغرب (١) . وكأبي عبدِ الله الحاكم حيثُ أطلقَ على الترمذيّ " الجامعَ الصحيحَ " ،
وكذلك (٢) الخطيبُ أُطلقَ عليه، وعلى النسائيِّ اسمَ الصحيحِ (٣) .
٨١. وَدُوْنَهَا فِي رُتْبَةٍ مَا جُعِلاً عَلى المَسَانِيْدِ، فَيُدْعَى الجَفَلَى(٤)
وَعَدُّهُ (لِلدَّارِمِيِّ) الْتُقِدَا (٥)
٨٢. كَمُسْنَدِ (الطََّالَسِيْ) و(أحْمَدَا)
أي : ودونَ السننِ في رتبةِ الصحةِ ما صنِّفَ على المسانيدِ ، وهو ما أُفْردَ فيه
حديثُ كُلِّ صَحَابِيّ عَلَى حِدَةٍ من غيرِ نَظَرِ للأبوابِ . كمسندٍ أبي داود الطيالسيِّ (٦).
(١) قول أبي طاهر السلفي، أجاب عنه المصنّف في كتابه " التقييد والإيضاح": ٦٢ فقال - معقّباً على ابن
الصَّلاح -: (( وإنَّما قال السلفي بصحة أصولها كذا ذكره في مقدّمة الخطّابي (معالم السنن ٣٥٧/٤)،
فقال : وكتاب أبي داود فهو أحد الكتب الخمسة التي اتفق أهل الحل والعقد من الفقهاء وحفاظ
الحديث الأعلام النبهاء على قبولها والحكم بصحة أصولها ))، ثم قال المصنف : (( ولا يلزم من كون
الشيء له أصل صحيح أن يكون صحيحاً )) ، فلا ندري لماذا جعل المصنف هنا كلامه في موضع النقد
مع أنه انتقد غيره على مثله .
(٢) في ع وف: ((وكذا))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٣) قال الذهبي في الموقظة: ٦٧: ((وقد قال النسائي في عدّة أماكن من صحيحه)).
قال محققه الشيخ عبد الفتاح: ((يقصد: من ( سننه)، وتسميتها بالصحيح تساهل معروف ، وقع ممن
قبل المؤلف)). وقال الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح (١ / ٤٨١): ((وقد أطلق عليه
-أيضاً - اسم الصحة أبو علي النيسابوري ، وأبو أحمد بن عدي ، وأبو الحسن الدارقطني ، وابن منده ،
وعبد الغني بن سعيد ، وأبو يعلى الخليلي ، وغيرهم ، وأطلق الحاكم اسم الصحة عليه ، وعلى كتاب
أبي داود والترمذي )) .
قلنا : وإنّما يطلقون ذلك تغليباً ، والله أعلم بالصواب .
(٤) في نسخة أو ب وج من متن الألفية: ((الجفلا))، والصواب ما أثبتناه، ينظر: اللسان (١١٤/١١)
( جفل ) .
(٥) هذا البيت ساقط من نسخة ج من متن الألفية .
(٦) في المطبوع نقص لعدة مسانيد من الصحابة ، وهو من رواية يونس بن حبيب ، عنه وفي المطبوع قرابة
ألف حديث عن شعبة بن الحجاج شيخ أبي داود ، ونحن نواصل السير في تحقيق هذا المسند تحقيقاً علمياً.
رصيناً ، يجلّى نصوصه ويتكلّم على أحاديثه يسّرَ الله تعالى لنا إكماله وطبعه ، بعونه ومنِّه وكرمه .
١٦٩

ويُقَالُ: إِنَّهُ أولُ مسندٍ صنِّفَ (١) . وكمسندِ أحمدَ بنِ حنبلٍ (٢) وأبي بكرٍ بن أبي شيبةَ ،
وأبي بكرٍ البّزارِ ، وأبي القاسم البغويّ، وغيرهم. وقد عَدَّ فيها ابنُ الصلاح (٣) مسندَ
الدارميِّ ، فَوَهِمَ (٤) في ذلك؛ لأَنّه مُرتّبٌ عَلَى الأبوابِ ، لا عَلَى المسانيدِ . وأشرتُ إِلَى
ذَلِكَ (٥) بقولي : ( وَعَدَّهُ ) ، أي: ابنُ الصلاحِ. وقولُهُ: ( فُيُدْعَى الجَفَلَى)، كَتَّى به
عن بيانِ كونِ المسانيدِ دونَ السننِ في مرتبةِ الصحةِ ؛ لأنَّ من جَمَعَ مسندَ الصحابيِّ يجمعُ
فيه ما يقعُ له من حديثِهِ ، سواءٌ كان صالحاً للاحتجاج (٦) أم لا (٧)؟ والجَفَلَى: بفتح
الجيمِ والفاءِ معاً مقصورٌ وهي الدعوةُ العامةُ للطعام . فإنّ الدعوةَ عندَ العرب على
قسمينِ (٨): الجفلى (٩) وهي العامةُ ، والنقرى (١٠) وهي الخاصّةُ. قال طَرَفةُ (١١):
لا تَرَى الآدبَ فينا يَنْتَقِرْ
نَحْنُ فِي المَشْتَاةِ نَدْعُو الْجَفَلَى
وفي خطبةِ الإِلْمَامِ لِلشَّيْخِ تقيِّ الدينِ: ولم أدعُ الأحاديثَ إليهِ الجَفَلَى (١٢).
(١) قال الكتاني في الرسالة المستطرفة: ٦١: ((وقيل: وهو أول مسند صنّف، وردّ: بأن هذا صحيح، لو
كان هو الجامع له ، لتقدمه ، لكن الجامع له غيره ، وهو بعض حفّاظ خراسان ، جمع فيه ما رواه يونس
بن حبيب عنه خاصّة ، وله من الأحاديث التي لم تدخل هذا المسند قدره أو أكثر )) انتهى .
(٢) مسند الإمام أحمد بن حنبل ، طبع قديماً بمصر، وهي معروفة بـ ( الميمنية )، وطبع أيضاً بتحقيق العلامة
الشيخ أحمد محمد شاكر - رحمه الله - ولكنه لم يكمله ، وتم تحقيقه الآن بإشراف الشيخ شعيب
الأرنؤوط في خمسين مجلداً عن مؤسسة الرسالة .
(٣) علوم الحديث : ٣٤ .
(٤) انظر: النكت الوفية ( ٨١ / أ).
(٥) في النسخ المطبوعة: ((إليه))، وفي نسخة ق: ((لذلك))، وما أثبتناه من س و: ون .
(٦) بعد هذا في ع وف كلمة : (( به )) .
(٧) قال البقاعي في النكت الوفية (٧٦ / ب): ((فإن من شأن المسند أن يذكر فيه ما ورد عن ذلك
الصحابي جميعه فيدعى الحديث فيه الدعوة الجفلى ، أي : العامة للضيف وغيره بخلاف المرتب على
الأبواب ؛ فإن شأنه أن يساق الحديث فيه للاحتجاج ، والمحتج من شأنه أن لا يورد لإثبات دعواه إلا
المقبول ، فالمبوب إذا قال : باب كيت وكيت فكأنه قال إنه ادعى أنّ الحكم في المسألة الفلانية كذا
وكذا بدليل ما حدثنا فلان عن فلان أن رسول# قال كذا وكذا ... الخ)).
(٨) انظر: النكت الوفية ( ٨٣ / ب ) ففيها تعليق مفيد.
(٩) ينظر: الصحاح (٤ / ١٦٥٧)، ولسان العرب (١١ / ١١٤)، مادة ( جفل)
(١٠) ينظر: الصحاح (٢ / ٨٣٥)، ولسان العرب (٥ / ٢٣٠)، مادة (نقر).
(١١) ديوانه: ٨٤، وطرفة هو ابن العبد بن سفيان البكري الوائلي، شاعر جاهلي. ينظر: الأعلام ٢٢٥/٣.
(١٢) انظر : الإلمام : ١ .
١٧٠

بِالْحُسْنِ دُوْنَ الحُكْمِ لِلمَتْنِ رَأَوْا
٨٣. والحُكْمُ (١) لِلإِسْنَاد بالصِّحَّةِ أوْ
سے
٨٤. وَاقْبَلْهُ إِنْ أَطْلَقَهُ (٢) مَنْ يُعْتَمَدْ وَلَمْ يُعَقّبْهُ بِضَعْفٍ يُنْتَقَدْ
أي : ورأوا الحكمَ للإسناد بالصحةِ كقولهم: ((هذا حديثٌ إسنادُهُ صحيحٌ))،
دونَ قولِهِم : ((هذا حديثٌ صحيحٌ)). وكذلك حكمُهُم على الإسنادِ بالحسن، كقولهم:
(( إسنادُهُ حسنٌ)) دونَ قولِهِم : ((حديثٌ حسنٌ))؛ لأَنَّهُ قَدْ يصحُّ الإسنادُ لثقةِ رجالِهِ ،
ولا يصحُّ الحديثُ لشذوذٍ أو عَّةٍ (٣). قال ابنُ الصلاحِ: ((غير أنَّ المصنفَ المعتمدَ (٤)
منهم إذا اقتصرَ على قولِهِ: إنّهُ صحيحُ الإسنادِ ، ولم يذكرْ له علّةً ، ولم يقدحْ فيه ،
فالظاهرُ منه الحكمُ له بأنَّهُ صحيحٌ في نفسهِ ؛ لأنَّ عدمَ العلةِ والقادحِ ، هو الأصلُ
والظاهرُ)) (٥). قلتُ: وكذلك إن اقتصرَ على قولِهِ: حَسَنُ الإسنادِ ، ولم يُعَقَّبْهُ بضعفٍ ،
فهو أيضاً محكومٌ له بالحُسْنِ (٦) .
٨٥. وَاسْتُشْكِلَ الحُسْنُ مَعَ الصِّحَّةِ فِي مَتْنٍ، فَإِنْ لَفْظً يُرِدْ فَقُلْ : صِفِ
سَنَدُهُ ، فَكَيْفَ إِنْ فَرْدٌ وُصِفْ ؟
٨٦. بِهِ الضَّعِيْفَ ، أَوْ يُرِدْ مَا يَخْتَلِفْ
أي : واسْتُشْكِلَ الجمعُ بَيْنَ الصحةِ والحسنِ في حديثٍ واحدٍ ، كقولِ الترمذيّ
وغيره : ((هَذَا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ )) ؛ لأنَّ الحسنَ قاصرٌ عن الصَّحِيحِ، كما سبقَ ،
فكيفَ يجتمعُ إثباتُ القصورِ ونفيُهُ في حديثٍ واحدٍ. وقد أجابَ ابنُ الصلاحِ بجوابٍ ، ثُمّ
جَوَّزَ جواباً آخرَ . وضَعَّفَ الجوابينِ ابنُ دقيقِ العيدِ ، فمزجتُ الجوابينِ بردّهِما. فقولُهُ:
(١) في ع وف: ((الحكم))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية لمتن الألفية .
(٢) في ع وف: ((إن يطلقه))، وما أثبتناه من النسخ الخطية ونسخ متن الألفية جميعها.
(٣) ولذلك يقول الإمام الزيلعي في نصب الراية (١ / ٣٤٧): ((وصحة الإسناد يتوقف على ثقة الرجال ،
ولو فرض ثقة الرجال لم يلزم منه صحة الحديث ، حتى ينتفي منه الشذوذ والعلة )) .
(٤) بعد هذا في ع وف كلمة: ((عليه))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وهو الموافق لما في علوم
الحديث : ٣٥ .
(٥) علوم الحديث : ٣٥ .
(٦) قلنا : هذا نظرٌ جدٌّ، وقد نقله اللكنوي في الرفع والتكميل : ١٣٦.
١٧١

( فإِنْ لفظً يُردْ)، أي: ابنُ الصلاحِ، فإِنَّهُ قالَ: ((إنّه غيرُ مستنكَرِ أنْ يُرادَ بالحسن
ء
معناهُ اللُّغويُّ دون الاصطلاحِيِّ)) (١). قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ: (« ويلزمُ عليهِ أنْ يطلقَ على
الحديثِ الموضوعِ إذا كان حسنَ اللفظِ أنَّهُ حسنٌ)) (٢).
وقولُهُ : ( أو (٣) يُرِدْ ما يختلف سندُهُ ) ، هذا هو الجوابُ الأولُ الذي أجابَ به
ابنُ الصلاحِ أنّ ذلك راجعٌ إلى الإسنادِ بأنْ يكونَ له إسنادانِ: أحدُهما صحيحٌ ، والآخر
حسنٌ . قالَ ابنُ دقيقِ العيدِ : (( يَرِدُ عليهِ الأحاديثُ التي قيلَ فيها : حسنٌ صحيحٌ مع
أَنَّهُ ليس لها إلاّ مخرجٌ واحدٌ . وفي كلامِ الترمذيّ في مواضعَ يقولُ : هذا حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ لا نعرفهُ إلا مِنْ هذا الوجه )) (٤). وهذا معنى قولِهِ: ( فكيفَ إنْ فردٌ وُصِف )،
أي: فكيفَ إنْ وصفَ حديثٌ فردٌ بأنّهُ حسنٌ صحيحٌ، كحديث العلاءِ بنِ عبدِ الرحمنِ ،
عن أبيهِ ، عن أبي هريرةَ : ((إذا بقي نصفُ شعبانَ فلا تصوموا )) ، فقالَ فيه الترمذي :
حسنٌ صحيحٌ لا نعرِفُهُ إلا مِنْ هذا الوجهِ على هذا اللفظِ (٥) .
(١) علوم الحديث: ٣٥، وقد ذكره المصنف بمعناه.
(٢) الاقتراح : ١٧٤ .
(٣) في نسخة ق وص: ((وإن)).
(٤) الاقتراح : ١٧٣ ، وفي النقل تصرف .
(٥) جامع الترمذي ( ٢ / ١٠٧ عقيب ٧٣٨ ).
وأخرجه أيضاً: عبد الرزاق (٧٣٢٥)، وابن أبي شيبة (٣ / ٢١)، وأحمد (٢ /٤٤٢)،
والدارمي ( ١٧٤٧ و ١٧٤٨ )، وأبو داود ( ٢٣٣٧) ، وابن ماجه (١٦٥١ )، وابن حبان
(٣٥٨٩)، والبيهقي (٤ / ٢٠٩).
قلنا : هذا حديث لا يصحّ ، وهو معلولٌ بالمعارضة، قال أبو داود (٢ / ٣٠١ عقيب ٢٣٣٧ ):
(( وكان عبد الرحمن لا يحدّث به، قلت لأحمد: لِمَ؟ قال: لأنّه كان عنده عن النبي ◌ُّ كان يصل
شعبان برمضان، وقال: عن النبي ◌ُ ◌ّ خلافه))
وقد بوّب البيهقي في سننه ( ٤ / ٢٠٩ ) بعد أن ذكر الحديث : ((باب الرخصة في ذلك بما هو أصحّ
من حديث العلاء )» .
وقد فهم الحافظ ابن حجر أنّ مراد البيهقي في ذلك تضعيف الحديث بالمعارضة ، فقد قال في الفتح
(٤ / ١٢٩ عقيب ١٩١٤): (( وكذا صنع قبله الطحاوي ، واستظهر بحديث ثابت ، عن أنس،
مرفوعاً: أفضل الصيام بعد رمضان شعبان )). ( شرح المعاني ٢ / ٨٢) . =
١٧٢

أنَّ انِفِرَادَ الْحُسْنِ ذُوْ اصْطِلاَحِ
وَ ( لِأَبِيِ الفَتْحِ ) في الاقْتِرَاحِ
٨٧.
كُلُّ صَحِيْحٍ حَسَنٌ لاَ يَنْعَكِسْ
وَإِنْ يَكُنْ صَحَّ فَليْسَ يَلْتَبِسْ
٨٨.
حَيْثُ اشْتَرَطْنَا غَيْرَ مَا إِسْنَاد
٨٩. وَأَوْرَدُوا مَا صَحَّ مِنْ أَفْرَاد
وهذا جوابٌ (١) عن الاستشكالِ (٢) المذكورِ ، أجابَ به ابنُ دقيقِ العيدِ في كتاب
" الاقتراح" (٣)، بعدَ رَدّ الجوابينِ المتقدّمينِ، وحاصلُهُ أنَّ الحسنَ لا يُشتَرطُ فيه القصورُ
عن الصِّحَّةِ إلا حيثُ انفردَ الحسنُ فيرادُ بالحسنِ حينئذٍ المعنى الاصطلاحيُّ. وأمّا إنِ ارتفعَ
إلى درجةٍ الصحةِ فالحسنُ حاصلٌ لا محالةَ تبعاً للصحةِ ؛ لأنَّ وجودَ الدرجةِ العُليا ، وهي
الحفظُ والإتقانُ ، لا ينافي (٤) وجودَ الدنيا، كالصدقِ ؛ فيصحُّ أنْ يُقالَ : حسنٌ باعتبارِ
الصفةِ الدنيا ، صحيحٌ باعتبارِ الصفةِ العليا .
قال : ويلزَمُ على هذا أنْ يكونَ كُلُّ صحيحٍ حسناً (٥) ويؤيِّدُهُ قولُهُم : حَسَنٌ في
الأحاديثِ الصحيحةِ وهذا موجودٌ في كلامٍ المتقدّمين (٦) . انتهى. وقد تقدّمَ أنَّ ابنَ
الموّاقِ أيضاً ، قال : كُلُّ صحيحٍ عند الترمذيِّ حسنٌ ، وليسَ كلُّ حَسَنٍ صحيحاً .
وكذا أعلّه النسائي في السنن الكبرى (٢ / ١٧٢ عقيب ٢٩١١) بتفرد العلاء بن عبد الرحمن ،
=
واستنكره كذلك الإمام أحمد ، كما نقله البيهقي (٤ / ٢٠٩). وقال ابن رجب الحنبلي في لطائف
المعارف : ١٤٢: ((واختلف العلماء في صحة هذا الحديث، ثم العمل به، أما تصحيحه: فصحّحه
غير واحد ، منهم : الترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، وابن عبد البر. وتكلّم فيه من هو أكبر من
هؤلاء وأعلم ، وقالوا: هو حديثٌ منكرٌ ، منهم: عبد الرحمن بن مهدي ، وأحمد ، وأبو زرعة الرازي ،
والأثرم. ورده الإِمام أحمد )). وانظر: ما كُتب في " أثر علل الحديث": ١٥٨ - ١٦١، فستجد
فائدةً إن شاء الله .
(١) وهناك أجوبة أخرى تراجع في: النكت الوفية ( ٨٨ / أ).
(٢) في ع وف: (( الإشكال)) .
(٣) الاقتراح : ١٧٦ .
(٤) في نسخة ق وس: ((لا تنافي)) بالتاء ، وما أثبتناه من بقية النسخ .
(٥) بعد هذا في ع وف جملة: ((عند الترمذي))، وهذه الجملة ليست ثابتة في شيء من النسخ الخطية ،
وحذفها يوافق ما جاء في الاقتراح : ١٧٦ .
(٦) الاقتراح : ١٧٦ ، وفي النقل تصرف يسير .
١٧٣

وقولُهُ : ( وأوردوا إلى آخرهِ ) : هذا إيرادٌ أوردَهُ ابنُ سَيِّدِ الناسِ على ابن الموّاقِ ،
فقالَ: قَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ أَنَّهُ اشترطَ في الحسنِ أنْ يُروى نحوُهُ من وجهٍ آخرَ ، ولم يشترطْ ذلك
في الصحيحِ ، فانتفى أن يكونَ كلُّ صحيحٍ حسناً (١). انتهى. فعلى هذا: الأفرادُ
الصحيحةُ ليست بحسنةٍ عند الترمذيّ إذ يشترطُ في الحسنِ أن يُروى من غير وجهٍ ،
كحديثِ: ((الأعمالُ بالنيات)) (٢)، وحديثِ: ((السَّفْرُ قِطْعَةٌ من العذَاب)) (٣) ،
(١) النفح الشذي (١ / ٢٩١).
(٢) أخرجه ابن المبارك في الزهد ( ١٨٨)، والطيالسي (٣٧)، والحميدي (٢٨)، وأحمد (١ / ٢٥ و
٤٣)، والبخاري (١ / ٢ حديث ١ و ٢١ حديث ٥٤ , ٣ / ١٩٠ حدیث ٢٥٢٩ و٥/ ٧٢
حديث ٣٨٩٨ و٧ / ٤ حديث ٥٠٧٠ و٨ / ١٧٥ حديث ٦٦٨٩ و٩ / ٢٩ حديث ٦٩٥٣)،
ومسلم ( ٦ / ٤٨ حديث ١٩٠٧ )، وأبو داود ( ٢٢٠١)، وابن ماجه (٤٢٢٧ )، والترمذي
(١٦٤٧)، والبزار (٢٥٧)، والنسائي (١ / ٥٨ و٦ / ١٥٨ و٧ /١٣ وفي الكبرى ٧٨ )، وابن
خزيمة ( ١٤٢ و ١٤٣ و ٤٥٥)، وابن الجارود (٦٤) والطحاوي في شرح المعاني (٩٦/٣)، وفي
شرح المشكل (٥١٠٧ و ٥١٠٨ و٥١٠٩ و٥١١٠ و٥١١١ و٥١١٢ و٥١١٣ ٥١١٤)، وابن حبان
(٣٨٨ و٣٨٩)، والدارقطني (٥٠/١-٥١)، وفي العلل (١٩٤/٢)، وأبو نعيم في الحلية (٤٢/٨)،
وفي أخبار أصفهان (١١٥/٢)، والبيهقي (٤١/١ و٢٩٨ و١٤/٢ و١١٢/٤ و٢٣٥ و٣٩/٥
و٣٣١/٦ و٣٤١/٧)، والخطيب في تاريخه (٢٤٤/٤ و١٥٣/٦)، والبغوي (١ و ٢٠٦)، من
حديث يحيى بن سعيد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عمر بن الخطاب .
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١١/١ عقيب ١): ((قد تواتر عن يحيى بن سعيد))، وقد نقل الذهبي في
السير (٤٧٦/٥-٤٨١) عن ابن منده أسماء من رواه عن يحيى ، فبلغ عددهم ثلاث مئة وأربعين نفساً .
ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري ( ١ / ١١) عن بعض مشايخ أبي موسى المديني ، عن أبي
إسماعيل الأنصاري الهروي ، قال : (( كتبته من حديث سبع مئة من أصحاب يحيى)).
ثم عقّب - رحمه الله - بقوله : (( وأنا أستبعدُ صحة هذا، فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة
والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا ، فما قدرت على تكميل المئة )) .
(٣) أخرجه مالك (٢٨٠٥ ) عن سُميِّ مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، وأخرجه من طريق
مالك أحمد ٢٣٦/٢ و٤٤٥، والدارمى (٢٦٧٣)، والبخاري (١٠/٣ حديث ١٨٠٤ و٧١/٤
حديث ٣٠٠١ و٧ / ١٠٠ حديث ٥٤٢٩)، وابن ماجه (٢٨٨٢)، وابن حبان (٢٧٠٨)،
والطبراني في الصغير (٦١٣)، والأوسط (٤٤٤٨)، والخطيب في تأريخه (٥٣/٢ و٧ /٢٨٤)،
والبغوي ( ٢٦٨٧ ) . =
١٧٤

وحديث : ((نهى عن بيعِ الوَلاءِ وعن هِيَتِهِ)) (١) . قلتُ: وجوابُ ما اعترضَ به أنْ
الترمذيِّ إنَّما يشترطُ في الحسنِ ، محيثَهُ من وجهٍ آخرَ ، إذا لم يبلغْ رُثْبَةَ الصحيحِ ، فإِنْ
بلغَها لم يشترطْ ذلك بدليلٍ قولِهِ في مواضعَ : هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ غريبٌ ، فلمّا
ارتفعَ إلى درجةِ الصحةِ أثبتَ له الغرابةَ باعتبارِ فرديَتِهِ (٢) .
= وأخرجه ابن ماجه ( ٢٨٨٢) من طريق سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . وأخرجه أحمد
(٢ / ٤٩٦) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة . فلا ندري ما وجه ذكره مثالاً ،
ولعل المصنف أراد بغرابته ، لكون أبي هريرة قد تفرد به .
(١) أخرجه مالك (٢٢٦٩)، والشافعي (٧٢/٢)، والطيالسي (١٨٨٥)، وعبد الرزاق (١٦١٣٨)،
والحميدي ( ٦٣٩)، وسعيد بن منصور (٢٧٦) وابن أبي شيبة (٦ / ١٢١)، وأحمد (٢ / ٩
و ٧٩ و ١٠٧ )، والدارمي (٢٥٧٥ و٣١٦٠ و٣١٦١)، والبخاري (٣ / ١٩٢ حديث ٢٥٣٥
و ٨ / ١٩٢ حديث ٦٧٥٦)، ومسلم (٤ /٢١٦ حديث ١٥٠٦)، وأبو دواد (٢٩١٩)،
وابن ماجه ( ٢٧٤٧)، والترمذي ( ١٢٣٦)، والنسائي ( ٧ / ٣٠٦)، وابن الجارود (٩٧٨ )،
والطحاوي في شرح المشكل ( ٤٩٩٥ و ٤٩٩٦ و ٤٩٩٧ و ٤٩٩٨ و ٤٩٩٩ و ٥٠٠٠ و ٥٠٠١
و ٥٠٠٢ و ٥٠٠٣ ) وابن حبان ( ٤٩٤٨ و ٤٩٤٩ و ٤٩٥٠)، والطبراني في الكبير (١٣٦٢٥
و ١٣٦٢٦)، وفي الأوسط (٧٩٣٧)، والبيهقي (١٠ / ٢٩٢)، والبغوي (٢٢٢٥
و ٢٢٢٦ ) .
(٢) والذي يبدو لنا ، عدم الخوض في تفسير ذلك، فإنه تعب ليس وراءه إرَبّ ، فالترمذي له اصطلاحاته
الخاصّة به ، بل إنّه قال: ((حسنٌ صحيحٌ)) على كثير من الأحاديث التي فيها مقال ، فانظر
الأحاديث : (٣٢٤) و (٣٥٦) و (٧٨٥) و (٨٧٣) و (٩٨٩) و (٩٠٢) و ( ١٨٥٣)
و (١٨٥٤) و ( ١٨٥٨ م) و (١٩٢٤) و (٢٠٠٢) و (٢٠٣٩) و ( ٢٠٧٨) و ( ٢٩٢٣)
و (٣٣٢٠ ) .
لذا فإنّ عدداً من العلماء انتقد الترمذي وعدّه متساهلاً في تصحيح الأحاديث ، منهم: الإمام الذهبي في
مواضع من " الميزان"، انظر مثلاً: (٣ / ٤٠٧ و٤ / ٤١٦)، ونقل في ترجمة كثير بن عبد الله
المزني من الميزان (٣ / ٤٠٧): أن العلماء لا يعتمدون على تصحيحه. وانظر: الجامع الكبير
(١ / ٢٥ - ٣٢ ) .
١٧٥

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيْفُ (١)
مَرْتَبَةَ الحُسْنِ ، وإِنْ بَسْطٌ بُغِي :
٩٠. أمَّا الضَّعِيْفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ
٩١. فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُوْلِ قِسْمُ
ء
وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ ، وَضَمُّوْا
٩٢. سِوَاهُما فَثَالِثٌ، وَهَكَذَا
وَعُدْ لِشَرْطِ غَيْرَ مَبْدُوِّ فَذَا
٩٣. قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي
قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلى ذَا فَاحْتَذِي
أي : ما قَصَرَ عَلَى رتبةِ الحسنِ فَهُوَ ضعيفٌ . وقولُ ابنِ الصلاحِ: هُوَ ما لَمْ يجمعْ
صفاتِ الصحيحِ ، ولا صفاتِ الحسنِ (٢). فذِكْرُ الصحيحِ غيرُ محتاجٍ إِلَيْهِ ؛ لأنْ ما قصرَ
عن الحسنِ فهو عن الصحيحِ أقصرُ ، وإنْ كان بعضُهُم يقولُ : إنّ الفردَ الصحيحَ لا
يُسَمَّى حسناً، على رأي الترمذيّ. فقد تقدّمَ ردُّه وقولُهُ : (وإنْ بَسْطٌ بُغِي ... ) إلى
آخره ، أي : وإنْ أُرِيدَ بَسْطَ أقسامِ الضعيفو (٣) ، فما فُقدَ فيه شرطٌ من شروطِ القبولِ
قِسْمٌ . وشروطُ القبولِ هي شروطُ الصحيحِ والحسنِ ، وهي سنةٌ :
- اتصالُ السندِ حيث لم ينجبرِ المرسلُ بما يُؤَكِّدُهُ على ما سيأتي .
(١) انظر في الضعيف :
معرفة علوم الحديث : ٥٨، والجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (١٩٢/٢) وعلوم الحديث : ٣٧
وإرشاد طلاب الحقائق (١ /١٥٣)، والتقريب: ٤٩، والاقتراح: ١٧٧، والمنهل الروي: ٣٨
والخلاصة: ٤٤، والموقظة : ٣٣، واختصار علوم الحديث: ٤٤، والتذكرة: ١٤، ومحاسن
الاصطلاح: ١١٧، والتقييد والإيضاح: ٦٣، والنكت على كتاب ابن الصلاح (١ / ٤٩١)،
والمختصر: ١١٧، وفتح المغيث (١ / ٩٣)، وألفية السيوطي: ١٩ - ٢١، وتوضيح الأفكار
(١ / ٢٤٦)، وظفر الأماني: ٢٠٦، وقواعد التحديث : ١٠٨ .
(٢) علوم الحديث: ٣٧ . واعترض على تعريف ابن الصلاح : بأنّه لو اقتصر على نفي صفات الحسن لكان
أخصر ؛ لأن نفي صفات الحسن مستلزم لنفي صفات الصحيح وزيادة . ( النكت لابن حجر
١/ ٤٩١)، وممن أعيب على تقليد ابن الصلاح النووي في الإرشاد (١٥٣/١)، والتقريب: ٤٩،
وابن كثير ( ١ / ١٤٢). وقد تنّه إلى هذا ابن دقيق العيد في الاقتراح : ١٧٧.
(٣) قد أطال البقاعي في ذكر الصور الممكنة للحديث الضعيف. انظر: النكت الوفية ( ٩٠ أ - ٩٣ أ)،
وقارن بنكت الحافظ ابن حجر ( ١ / ٤٩٢ ).
١٧٦

- وعدالةُ الرجالِ .
- والسلامةُ من كثرةِ الخطأ والغفلةِ (١).
- ومجيءُ الحديثِ من وجهٍ آخرَ حيثُ كان في الإسناد مستورٌ لم تُعْرَفْ أهليتُهُ ،
وليس متّهماً كثيرَ الغَلَطِ (٢) .
- والسلامةُ من الشذوذِ .
- والسلامةُ من العلةِ القادحةِ .
فما فقد فيه الاتّصالُ قسمٌ ، ويدخل تحتَهُ قسمان :
الأولُ : المنقطعُ ، الثاني : المرسلُ الذي لم ينجبرْ .
وقولُهُ : ( واثنينِ قسمٌ غيرُهُ ) ، أي: وما فقد فيه شرطٌ آخرُ مع الشرطِ المتقدّمِ ،
قسمٌ آخرُ ويدخلُ تحتَهُ اثْنَا عَشَرَ قِسْمَاً ؛ لأنَّ فقدَ العدالةِ يَدْخُلُ تحتَهُ الضعيفُ والمجهولُ
وهذه أقسامُهُ (٣) .
الثالث : مرسلٌ في إسناده ضعيفٌ . الرابعُ : منقطعٌ فيه ضعيفٌ . الخامسُ :
مرسلٌ فيه مجهولٌ . السادس : منقطعٌ فيه مجهولٌ . السابعُ : مرسلٌ فيه مغفِّلٌ كثيرُ الخطأ ،
وإنْ كانَ عدلاً . الثامنُ : منقطعٌ فيهِ مغفِّلٌ كذلك. التاسعُ : مرسلٌ فيه مستورٌ ، ولم
ينجبر بمجيئهِ من وجهٍ آخرَ. العاشرُ: منقطعٌ فيه مستورٌ ، ولم يَجِئ من وجهٍ آخرَ .
الحادي عشر : مرسلٌ شاذٍّ . الثاني عشر: منقطعٌ شاذٌ . الثالث عشر: مرسلٌ معلّلٌ .
الرابعَ عشر : منقطعٌ معللٌ .
(١) تعقّب الإمام ابن حجر هذا، فقال في النكت (١ / ٤٩٣): ((قلت: بل التعبير هنا باشتراط
الضبط أولى)). قلنا: الحق مع ابن حجر كي يدخل في ذلك السلامة من قبول التلقين والسلامة من
الاختلاط ، والسلامة من الوهم والنسيان .
(٢) تعقّبه الحافظ ابن حجر فقال في النكت (٤٩٣/١): (( وكذا إذا كان فيه ضعيفٌ بسبب سوء الحفظِ،
أو كانَ في الإسنادِ انقطاعٌ خفيفٌ أو خفيٌّ، أو كانَ مرسلاً)) .
(٣) بعد هذا في ع وف جملة : (( أي: ما فقد اثنين)).
١٧٧

وقولُهُ: (وضموا سواهما فثالث)، أي: وضموا إلى فقدِ الشرطينِ المتقدمَينِ فقدَ
شرط ثالثٍ ، فهو قسمٌ ثالثٌ من أصلِ الأقسامِ. ويدخل تحتَهُ عشرَةُ أقسامٍ ، وهي هذهِ:
الخامس عشر: مرسلٌ شادٌّ فيه عدلٌ مغفلٌ كثيرُ الخَطَأ (١) . السادسَ عشرَ :
منقطعٌ شاذٍّ فيه مغفلٌ كذلك . السابعَ عشرَ : مرسلٌ معللٌ فيه ضعيفٌ . الثامنَ عشرَ :
منقطعٌ معللٌ فيه ضعيفٌ . التاسعَ عشرَ : مرسلٌ معللٌ فيه مجهولٌ . العشرونَ : منقطعٌ
معللٌ فيه مجهولٌ . الحادي والعشرون : مرسلٌ معللٌ فيه مغفلٌ كذلك . الثاني والعشرونَ :
منقطعٌ معللٌ فيه مغفلٌ كذلكِ . الثالث والعشرون : مرسلٌ معللٌ فيه مستورٌ ولم ينجبر .
الرابعُ والعشرون : منقطعٌ معللٌ فيه مستورٌ كذلك .
وقولُهُ: (وهكذا) ، أي: وهكذا فافعلْ إلى آخرِ الشروط، فخذ ما فَقَدَ فيه الشرطَ
الأولَ ، وهو الاتصالُ مع (٢) شرطينِ آخرينٍ ، غيرَ ما تقدم، وهما السلامةُ من الشذوذ
والعلةِ. ثم خذ ما فُقِدَ فيه شرطٌ آخرُ مضموماً إلى فَقْدِ هذهِ الشروطِ الثلاثةِ ، وهي هذهِ :
الخامسُ والعشرون : مرسلٌ شادٌّ معللٌ . السادسُ والعشرون : منقطعٌ شاذٌّ معللٌ .
السابع والعشرون : مرسلٌ شاذٌّ معللٌ فيه مغفلٌ كثيرُ الخطأ . الثامنُ والعشرون : منقطعٌ
شاذٌّ معللٌ فيه مغفلٌ كذلك .
وقوله : ( وعُدْ لشرط غَيرَ مبدوِّ )، أي: وَعُدْ فابدأ بما فُقِدَ فيه شرطٌ واحدٌ غيرَ
ما بدأتَ به (٣) أولاً، وهو ثقةُ الرواةِ ، وتحتَهُ قسمانٍ وهما :
التاسعُ والعشرون : ما في إسناده ضعيفٌ . الثلاثون: ما فيه مجهولٌ .
وقولُهُ : ( ثُمَّ زِدْ غيرَ الذي قدمتُهُ) ، أي : ثم زِدْ على فَقْدِ عدالةِ الراوي فَقْدَ
شرط آخرَ غيرَ ما بدأتَ به ، وتحتهُ قسمان وهُما :
الحادي والثلاثون : ما فيه ضعيفٌ وعّةٌ . الثاني والثلاثون : ما فيه مجهولٌ وعلةٌ .
1
(١) انظر: النكت الوفية (٩٤ / أ).
(٢) في ع وف: ((من)).
(٣) في نسخة ص: ((فيه))، وكتب فوقها : ((به)).
١٧٨

وقولُهُ: ( ثم على ذا فاحتذي ) ، أي: ثم احذُ على هذا الحذوِ . وأدخلتِ الياءُ في
آخرِهِ ؛ لضرورةِ القافيةِ (١) ، والمرادُ فكمل (٢) هذا العملُ الثاني الذي بدأتَ فِيهِ بِفَقْدٍ
الشرط المثنى به ، كما كَمَّلْتَ الأولَ، أي فَضُمَّ إلى فقدِ هذينِ الشرطينِ فقدَ شرطٍ ثالثٍ،
ثم عُدْ فابدأُ ما فُقِدَ فيه شرطٌ آخرُ غيرُ المبدوّ به، والمثنى به. وهو سلامةُ الراوي من
الغَفْلَةِ ثم زِدْ عليهِ وجودَ الشذوذِ أوِ العَلَّةِ أو هما معاً. ثُمَّ عُدْ فابدأُ بما فُقِدَ فيه الشرطُ
الرابعُ ، وهو عدمُ مجيئه من وجهٍ آخرَ حيث كان في إسناده مستورٌ . ثم زِدْ عليهِ وجودَ
العِلَّةِ . ثُمْ عُدْ فَابِدَأُ بما فُقِدَ فيه الشرطُ الخامسُ ، وهو السلامةُ من الشذوذ. ثم زدْ عليه
وجودَ العلةِ معه ، ثم اخْتِمْ بفَقْدِ الشرطِ السادسِ .
ويدخلُ تحتَ ذلك أيضاً عشرةُ أقسامٍ ، وهي : الثالثُ والثلاثونَ : شاذٌّ معلّلٌ فِيه
عدلٌ مغفلٌ كثيرُ الخطأ . الرابعُ والثلاثونَ : ما فيه مغفلٌ كثير الخطأ . الخامسُ والثلاثون :
شاذٌّ فيهِ مغفلٌ كذلك. السادسُ والثلاثون: معللٌ فيه مغفلٌ كذلك. السابعُ والثلاثون: شاذّ
معللٌ فيه مغفلٌ كذلك. الثامنُ والثلاثونَ: ما في إسنادِهِ مستورٌ لم تُعْرِفْ أهلِيتُهُ، ولم يُرو(٣)
من وجهٍ آخرَ. التاسعُ والثلاثون: معللٌ فيه مستورٌ كذلك. الأربعون : الشاذَّ . الحادي
والأربعون : الشاذِّ المعلل . الثاني والأربعون : المعللُ. فهذه أقسامُ الضعيفِ باعتبارِ
الانفرادِ ، والاجتماع . وقد تركتُ من الأقسامِ التي يظنُّ انقسامُهُ إليها بحسَبِ اجتماعِ
الأوصاف عدّةُ أقسامٍ ، وهي : اجتماعُ الشذوذِ ، ووجودُ ضعيفٍ أو مجهولٍ أو مستورٍ في
سندِهِ؛ لأَنَّه لا يمكنُ اجتماعُ ذلك على الصَّحِيْحِ؛ لأنَّ الشّذوذَ تفردُ الثقةِ (٤) فلا يمكنُ
ے
وصفُ ما فيه راوٍ ضعيفٌ، أو مجهولٌ أو مستورٌ بأنَّهُ شاذٌّ (٥)، والله أعلمُ .
(١) قال البقاعي في النكت الوفية (٩٤ / أ): ((ليس كذلك؛ فإن هذه الياء ليست لام الفعل التي تذهب
من آخر الأمر ، بل هي ياء الإطلاق )) .
(٢) في نسخة ص: ((كمل)).
(٣) في ع وف: ((يرد))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٤) هذا قيدٌ قاصرٌ ؛ فالشذوذ ، هو: تفرد الثقة مع مخالفته لمن هو أوثق منه عدداً أو حفظاً ، ولعل هذا هو
مراد الحافظ العراقي ، فمثل هذا لا يخفى عليه .
(٥) لكن النّقاد من المحدّثين يطلقون أحياناً لفظة: (شاذّ ) على ما في سنده ضعيف أو مجهول أو مستور .
١٧٩

ومن أقسامِ الضعيفِ ما لَهُ لقبٌ خاصٌّ كالمُضطَرب، والَقْلوب ، والموضوعِ ،
والمُنْكَرِ ، وهو بمعنى الشاذْ كما سيأتي .
٩٤. وَعَدَّهُ (الْبُسْتِيُّ) فِيما أوْعَى لِتِسْعَةِ وَأَرْبَعِيْنَ نَوْعَا (١)
أي: عَدَّ أبو حاتِم محمّدُ بنُ حبّانَ البستُّ أنواعَ الضعيفِ تسعةً وأربعينَ نوعاً (٢).
وقولُهُ (٣) : (أوعَى )، أي: جمعَ ، حكاه صاحبُ " المشارقِ". ويقال: وَعَى العلمَ،
وأوعاه: حَفِظَهُ وجمعَهُ (٤) .
المَرْفُوْعُ (٥)
٩٥. وَسَمِّ مَرْفُوْعاً مُضَافاً لِلَّبِيْ وَاشْتَرَطَ (الْخَطِيْبُ) رَفْعَ الصَّاحِبِ
٩٦. وَمَنْ يُقَابِلْهُ بذي الإِرْسَالِ فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا أَتِّصَال
(١) للبقاعي تعليق لطيف حول تركيب هذا البيت راجعه في نكته (٩٤ / ب ).
(٢) هذه الأقسام لم نقف عليها، ولم يقف عليها من قبلنا الحافظ ابن حجر كما ذكر في النكت ( ١ / ٤٩٢
) ، بل أشار إلى عدم وجود هذه التقسيمات أصلاً؛ إذ غمز من عزاها إلى مقدمة المجروحين - وهو
الزركشي في نكته ١ / ٣٩١ -، وبرجوعنا إلى المجروحين (١ / ٦٢ - ٨٨) وجدناه ذكر عشرين نوعاً
حسب - هي في حقيقتها الأسباب الموجبة لضعف الرواة - ، صدّرها بقوله: (( فأما الجرح في الضعفاء
فهو على عشرين نوعاً ، يجب على كل مُنتَحِلٍ للسنن طالب لها باحث عنها أن يعرفها )).
(٣) بعد هذا في ع وف كلمة: (( فيما)) .
(٤) راجع : اللسان ( ١٥ / ٣٩٦ ).
(٥) انظر في المرفوع: الكفاية: ٥٨، والتمهيد (٢٥/١)، وعلوم الحديث: ٤١، إرشاد طلاب الحقائق
(١٥٧/١)، والتقريب: ٥٠ - ٥١، والاقتراح: ١٩٥، والمنهل الروي: ٤٠، والخلاصة: ٤٦،
والموقظة: ٤١، واختصار علوم الحديث : ٤٥، ومحاسن الاصطلاح: ١٢٢، والتقييد والإيضاح:
٦٥، والنكت على ابن الصلاح (١ / ٥١١)، ونزهة النظر: ١٤٠، والمختصر: ١١٩، وفتح
المغيث (٩٨/١)، وألفية السيوطي: ٢١، وتوضيح الأفكار (٢٥٤/١)، وظفر الأماني: ٢٢٧،.
وقواعد التحديث : ١٢٣ .
١٨٠