النص المفهرس
صفحات 121-140
وقولُه : ( والبستيّ يداني الحاكما)، أي (١): وابنُ حبانَ البسمُّ (٢) يُقاربُ
الحاكمَ في التساهُلِ (٣)، فالحاكمُ أشدُّ تساهُلاً. قالَ الحازميُّ: ((ابنُ حبانَ أَمْكَنُ في
الحديثِ من الحاكمِ)) (٤).
الْمُسْتَخْرَجاتُ
عَوَانَةٍ ) (٥) وَنَحْوِهِ ، وَاجْتَنب
وَاسْتَخْرَجُوا عَلى الصَّحْحِ ( كَأَبِي
٣٣.
إِذْ خَالَفتْ لَفْظاً وَمَعْنَىِّ رُبَّمَا
عَزْوَكَ ألْفَاظَ الُونِ لَهُمَا
٣٤ .
المستَخْرَجُ : مَوْضُوعُهُ أنْ يأتيَ المصنِّفُ إلى كتابِ البخاريِّ، أو مسلمٍ
فيخَرِّجَ أحاديثَهُ بأسانيدَ لنفسِهِ من غيرِ طريقِ البخاريّ ، أو مسلمٍ ، فيجتمعُ إسنادُ
المصنّفِ مع إسنادِ البخاريّ ، أو مسلمٍ في شيخِهِ ، أو مَنْ فوقَهُ، كالمستخرَجِ على
صحيحِ البخاريّ لأبي بكرِ الإسماعيليِّ (٦)، ولأبي بكرِ البرقانيّ (٧) ولأبي نُعيمٍ
(١) كلمة: ((أي)) لم ترد في ع .
(٢) ابن حبّان محدّثٌ جهبذٌ، واسع الاطلاع كثيراً، وما نقم عليه من تساهل إنّما هو بسبب توثيقه
للمجاهيل ، فإن الأصل في الراوي عند ابن حبان العدالة ، والجرح طارئ ؛ فعلى هذا وثّق كثيراً من
المجاهيل. ( انظر على سبيل المثال: الثقات ٤ / ٣١٨ و٦ / ١٤٦ و١٦٨ و١٧٨ )، وأخرج لهم في
صحيحه مما أدّى إلى انتقاده ووصفه بالتساهل ، وكتابه : " المجروحين" يدلّ على رسوخ قدمه وعمق
نظره وتضلعه في علل الحديث الذي هو رأس علم الحديث .
(٣) لقد أحسن الإِمام العراقي - رحمه الله - في تقييده مقارنة ابن حبّان للحاكم من جهة التساهل الذي
عندهما . وقد أطلقه ابن الصلاح - رحمه الله - ولم يقيّده بذلك - مع أنّه يقصده - فظنّ البلقيني أنّه
يقصد ترجيح كتاب المستدرك على صحيح ابن حبان ، فاستدرك عليه بما لا طائل تحته ، فقال: ((ابنُ
حبّان ليس يقاربه ، بل هو أصحّ منه بكثير، وكذلك صحيح ابن خزيمة)). ( ينظر : علوم الحديث :
١٨، ومحاسن الاصطلاح : ٩٤ ).
(٤) شروط الأئمة الخمسة : ٤٤ .
(٥) صُرِف لضرورة الوزن .
(٦) هو الإمام الحافظ الثبت أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني توفي سنة (٣٧١ هـ).
( تاريخ جرجان : ١٠٨، وتذكرة الحفاظ ٣ / ٩٤٧ )
(٧) هو الإمام أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي ، المعروف بالبرقاني الشافعي توفي سنة
(٤٢٥ هـ). (تاريخ بغداد ٤ / ٣٧٣، الأنساب ١ / ٣٣٧ تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٧٤ ).
١٢١
الأصبهانيّ (١) ، وكالمستخرَجِ عَلَى صحيحٍ مسلمٍ لأبي عوانةً (٢)، ولأبي نُعيم أيضاً (٣).
والمستخرجونَ لم يلتزموا (٤) لفظَ واحدٍ من الصحيحينِ، بَلْ رَوَوْهُ بالألفاظِ التِي وَقعتْ
لهم عن شيوخِهِم مع المخالفةِ لألفاظِ الصحيحينِ . وربّما وقعتِ المخالفة أيضاً في المعنى
فلهذا قالَ : (واجتنبْ عزوَكَ ألفاظَ المتون لهما ) ، أي: لا تَعْزُ ألفاظَ متون
المستخرجات للصحيحين ، فلا تقلْ: أخرجَهُ البخاريُّ أو مسلمٌ بهذا اللفظِ ، إلا إنّ
علمتَ أنَّهُ في المستخرَجِ بلفظِ الصحيحِ ، بمقابلِتِهِ عليه ، فلكَ ذلك. فقولُهُ: (رُبَّما)
متعلّقٌ (٥) بمخالفةِ المعنى فقط ؛ لأنَّ مخالفةَ الألفاظ كثيرةٌ ، كما تقدّم .
٣٥. وَمَا تَزِيْدُ (٦) فَاحْكُمَنْ بِصِحَّتِهْ فَهْوَ مَعَ العُلُوِّ مِنْ فَائِدَتِهْ
وَلَيْتَ إِذْ زَادَ الحُمَيدِيْ مَيَّزَا
٣٦. وَالأَصْلَ يَعْنِي الْبَيْهَقِيْ وَمَنْ عَزَا
أي : وما تزيدُ المستخرجاتُ، أو ما يزيدُ المستخْرِجُ على الصحيحِ من ألفاظ زائدةٍ
عليهِ من تتمةٍ لمحذوفٍ (٧)، أو زيادةٍ شرحٍ في حديثٍ ، أو نحوِ ذلكَ ، فاحكُمْ
بصحتِهِ ؛ لأَنّها خارجةٌ من مخرجِ الصحيحِ (٨) .
(١) هو الحافظ الكبير محدّث عصره أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهاني الصوفي ولد سنة (٣٣٦ هـ)
سمع ولقي العديد من المشايخ، وتفرد في الدنيا بإجازات، توفي سنة (٤٣٠ هـ). ( المنتظم ١٠٠/٨،
تذكرة الحفاظ ٣ / ١٠٩٢ شذرات الذهب ٣ / ٢٤٥ ).
(٢) هو الحافظ أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الأسفراييني ، رحل في طلب العلم، وطوّف الدنيا
وعني بهذا الشأن، توفي سنة (٣١٦ هـ). (وفيات الأعيان ٦ / ٣٩٣، تذكرة الحفاظ ٣ / ٧٧٩ ،
طبقات الشافعية الكبرى ٣ / ٤٨٧ ) .
(٣) انظر عن المؤلفات في ذلك: الرسالة المستطرفة : ٢٦ .
(٤) في نسخة ص وع: ((لم يتلزموا))، وما أثبتناه من بقية النسخ .
(٥) في ع وف: ((يتعلق))، وما أثبتناه من النسخ الخطية .
(٦) في أ و ب وج: ((يزيد )) .
(٧) تحرفت كلمة: ((لمحذوف)) في نسخة ع إلى: ((لمحذو)).
(٨) فيه نظر؛ فالأمر ليس على هذا الإطلاق الذي أطلقه المصنف ومن قبله ابن الصلاح ومن اعتنى بكتابه ؛ إذ
ينبغي اجتماع شرائط الصحة بين المخرِّج وبين الراوي الذي اجتمع به مع صاحب الكتاب. وقد خرّج
بعض أصحاب المستخرجات لبعض الضعفاء. انظر: النكت على كتاب ابن الصلاح (٢٩٢/١) .
١٢٢
وقولُهُ : ( فَهُوَ مَعَ العلوِّ من فائدتِهِ ) ، هَذَا بيانٌ لفائدة المستخرَجِ . فمنها : زيادةٌ
الألفاظ المذكورة ؛ لأنّها رُبَّما دلتْ على زيادةِ حُكمٍ . ومنها : علوُّ الإِسناد ؛ لأنْ
مصنِّفَ المستخرَجِ لو رَوَى حديثاً مثلاً من طريقٍ مسلمٍ ، لَوَقَعَ أنزلَ من الطريقِ الذي رواهُ
بهِ في المستخرَجِ . مثالُهُ : حديثٌ (١) في مسندٍ أبي داودَ الطيالسيِّ (٢) ، فلو رواهُ أبو نُعيم
مثلاً من طريق مسلمٍ ، لكانَ بينَهُ وبينَ أبي داودَ أربعةُ رجالٍ ، شيخانٍ بينه وبين مسلمٍ ،
ومسلمٌ وشيخُهُ . وإذا رواهُ من غيرِ طريقِ مسلمٍ ، كان بين أبي نُعيمٍ ، وبين أبي داودَ
رجلان فقط. فإنّ أبا نُعيم سمعَ مُسْنَدَ أبي داود (٣) على ابنِ فارسٍ بسماعِهِ من یونُسَ بنِ
حبيب (٤) بسماعِهِ منه ، ولم يذكرِ ابنُ الصلاحِ للمستخرَجِ ، إلا هاتينِ الفائدتينِ .
+
وأشرتُ إلى غيرهما بقولي : ( مِنْ فَائِدَتِه ). فمِنْ فوائدِهِ أيضاً : القوةُ بكثرةِ الطرق
للترجيحِ عندَ المعارضةِ (٥) .
وقولُهُ : (والأصلُ يعني البيهقيْ وَمن عَزا ) ، كأنَّهُ قيل: فهذا البيهقيُّ في
" السننِ الكبرى" ، " والمعرفةِ" ، وغيرِهِما. والبغويُّ في " شرح السنةِ" (٦)،
وغيرُ واحدٍ يروون الحديثَ بأسانيدِهم، ثم يعزونَهُ إلى البخاريّ ، أو مسلمٍ ، مع اختلافِ
الألفاظ ، أو المعاني ؟ والجوابُ: إنّ البيهقيَّ وغيرُهُ ثَمَنْ عِزا الحديثَ لواحدٍ من
(١) بعد هذا في نسخة ق كلمة: ((حسنٌ))، وقد ضبب عليها ناسخها ، ولا تصح .
(٢) هو سليمان بن داود بن الجارود البصري، الحافظ، أحد الأعلام. ( تذكرة الحفاظ ١ / ٣٥١،
شذرات الذهب ٢ / ١٢ ). ومسنده المطبوع فيه نقص في عدد من مسانيد الصحابة ، ونحن في طريقنا
لتحقيق هذا المسند تحقيقاً علمياً رصيناً ، يحلّي نصوصه ، ويتكلم فيه على أحاديثه .
(٣) جاءت في حاشية نسخة ص تعليقة نصها: (( من خطّ المؤلف: لم يرو البخاري عن أصحاب أبي داود،
عنه ، وإنّما علق عنه ولم يسمع منه )) .
(٤) هو راوية مسند أبي داود الطيالسي ، انظر : سير أعلام النبلاء ( ١٢ / ٥٩٦).
(٥) وهذه الفوائد ذكرها النووي في " الإرشاد" (١٢٦/١)، وابن الملقن في "المقنع" (٧١/١ - ٧٢ ).
(٦) البيهقي والبغوي يكثران من العزو إلى البخاري ومسلم ، أو أحدهما، وكثيراً من الأحيان يخالف لفظهما
لفظ الصحيحين ، أو يكون الاختلاف في الألفاظ تطويلاً واختصاراً ، وهما إنّما يريدان : أنّ أصل
الحديث في الصحيحين لا لفظه ؛ لأنّ البيهقي والبغوي إنّما يذكران ألفاظهما عن شيوخهما .
١٢٣
الصحيحينِ ، إنّما يريدون أصلَ الحديثِ ، لا عزوَ ألفاظِهِ (١) ، (فالأصلَ ) : مفعولٌ
مقدمٌ .
وقولُهُ : (وليتَ إذ زادَ الحميديْ (٢) مَيَّزَا ) ، أي : إنَّ أبا عبدِ الله الحميديَّ زادَ
في كتابِ " الجمعِ بين الصحيحين " ألفاظاً، وتتمات ليستْ في (٣) واحدٍ منهُما من غير
تمييزِ (٤) . قال ابنُ الصلاحِ: ((وذاكَ (٥) موجودٌ فيهِ كثيراً (٦) ، فربّما نقلَ من لا يميزُ
بعضَ ما يجِدُهُ فيه عن الصحيحِ (٧)، وهو مخطىٌّ؛ لكونِهِ زيادةً ليست في الصحيح)) (٨).
انتهى .
فهذا (٩) مما أُنكرَ على الحميديّ؛ لأَنَّهُ جمعَ بين كتابينٍ، فمِنْ أين تأتي
الزيادةُ (١٠) ؟
(١) انظر: النكت الوفية ( ٣٦ / أ).
(٢) هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح الأندلسي الظاهري ، من كبار
تلامذة ابن حزم ، توفي سنة ( ٤٨٨ هـ). ( تذكرة الحفاظ ١٢١٨/٤، شذرات الذهب ٣٩٢/٣).
(٣) بعد هذا في نسخة ق كلمة: ((غير))، وهي غير واردة في بقية النسخ .
(٤) في نسخة ع وف: ((تخيير))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية.
(٥) في نسخة ن وص: ((وذلك))، وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية والمطبوعة.
(٦) جملة: ((وذاك موجود فيه كثيراً)) لم ترد في ابن الصلاح : ١٩.
(٧) في علوم الحديث لابن الصلاح: ١٩: ((الصحيحين أو أحدهما)).
(٨) علوم الحديث : ١٩ .
(٩) في نسخة ص ون: ((وهذا )).
(١٠) قَدّد الحافظ العراقي في هذا الحكم غيره، والحقّ أنّ الحميدي ميّز جميع الزيادات وعزاها لمخرجيها،
فقال في مقدّمة جمعه: (( وربما أضفنا إلى ذلك نبذاً مما نبهنا له من كتب أبي الحسن الدارقطني ، وأبي
بكر الإسماعيلي ، وأبي بكر الخوارزمي ، وأبي مسعود الدمشقي ، وغيرهم من الحفاظ الذين عنوا
بالصحيح ، مما يتعلق بالكتابين من تنبيه على غرض أو تتميم لمحذوف أو زيادة من شرح أو بيان لاسم
ونسب أو كلام على إسناد أو تتبع لوهم)، وجلّى الحافظ ابن حجر هذه المسألة بأمثلتها تجلية شافية ،
فانظر: ( النكت على كتاب ابن الصلاح ١ / ٣٠٠ - ٣١٠ والنكت الوفية ٣٦ / ب ).
١٢٤
وأما " الجمعُ بين الصحيحين " لعبدِ الحقِّ (١)، وكذلك مختصراتُ البخاريّ ومسلم،
فلك أنْ تنقلَ منها ، وتعزوَ ذاك (٢) للصحيحِ ولو باللفظِ ؛ لأَنَّهم أتوا بألفاظ الصحيحِ .
واعلمْ أنَّ الزيادات (٣) التي تقعُ في كتاب الحميديّ ليسَ لها حكمُ الصحيحِ ،
خلافُ ما اقتضاهُ كلامُ ابنِ الصلاحِ؛ لأَنَّهُ ما رواها بسندِهِ كالمستخرَجِ ، ولا ذكرَ أَنَّهُ
يزيدُ ألفاظً ، واشترطَ فيها الصحةَ حتى يُقَلَّدَ في ذلك ، فهذا هو الصواب .
مَرَاتِبُ الصَّحِيْحِ
ثُمَّ الْبُخَارِيُّ، فَمُسْلِمٌ ، فَمَا
وَأَرْفَعُ الصَّحِيْحِ مَرْوُّهُمَا
٣٧.
فَمُسْلِمٌ ، فَشَرْطُ غَيْرٍ يَكْفِي
٣٨. شَرْطَهُمَا حَوَى، فَشَرْطُ الجُعْفِي
اعلمْ أنَّ درجاتِ الصحيحِ تتفاوتُ بِحَسَبِ تَمَكُّنِ الحديثِ من شروطِ الصحةِ ،
وعدمٍ تَمَكَّنِهِ . وإنَّ أصحَّ كُتبِ الحديثِ : البخاريُّ ثم مسلمٌ ، كما تقدمَ أنَّهُ الصحيحُ .
وعلى هذا : فالصحيحُ ينقسمُ إلى سبعةِ أقسامٍ :
أحدُها : -وهو أصحُّها- ما أخرجَه البخاريّ ومسلمٌ، وهو الذي يُعبِّرُ عنه أهلُ
الحديثِ بقولهم : ((متفقٌ عليهِ)) .
والثاني : ما انفردَ به البخاريُّ .
والثالثُ : ما انفردَ به مسلمٌ .
والرابعُ: ما هو على شَرْطِهِما (٤) ولم يخرِّجْهُ واحدٌ منْهُما .
والخامسُ : ما هو على شرطِ البخاريِّ وَحْدَهُ .
والسادسُ : ما هو على شرطِ مسلمٍ وَحْدَهُ .
(١) هو الإمام الحافظ عبد الحق بن عبد الرحمن بن عبد الله أبو محمد الأزدي الإشبيلي توفي سنة (٥٨١ هـ ).
( العبر ٣ / ٨٢ ، شذرات الذهب ٤ / ٢٧١ ).
(٢) في نسخة ص: ((ذلك))، وما أثبتناه من بقية النسخ .
(٣) في نسخة ص و ع وف: ((الزيادة)).، وما أثبتناه أصح وأولى.
(٤) هذا مصطلح غير جيد ؛ فإنّ البخاري ومسلمًاً لا يخرّجان جميع ما روى الراوي ، بل ينتقيان من حديثه ؛
فعلى هذا لا يصّح أن يقال : في كلِّ سندٍ رُوي في الصحيحين : صحيح ، أو على شرط الشيخين .
١٢٥
والسابعُ (١): ما هو صحيحٌ عند غيرهما من الأئمةِ المعتمدينَ ، وليسَ على شرط
واحدٍ منهُما (٢) .
فقوله : ( ثم البخارِيّ)، أي: ثمَّ مرويُّ البخاريِّ وَحْدَهُ. (وشرطَهُمَا ) :
مفعولٌ مقدمٌ لِـ (حَوَى) (٣) .
وقولُهُ : ( فمسلمٌ )، أي: فما حَوَى شرطُ مسلمٍ . وقولُه: ( فشرطُ غيرٍ ) أي :
فشرطُ غيرِهما منَ الأئمةِ . واستعمالُ - غيرِ - غيرَ مضافةٍ قليلٌ (٤) . ثم ما المرادُ بقولهم :
على شرطِ البخاريّ ، أو على شرطِ مسلمٍ ؟ فقالَ محمدُ بنُ طاهرٍ في كتابه في " شروط
الأئمة " (٥): ((شرطُ البخاريِّ، ومسلمٍ ، أن يُخَرِّجَا (٦) الحديثَ المجمعَ (٧) على ثِقَةٍ
نَّقَلَتِهِ إلى الصحابيِّ المشهورِ))، وليس ما قالَهُ بحيّدٍ؛ لأنَّ النَّسائِيَّ ضَعَّفَ جماعةً أخرجَ
لهم الشيخانِ ، أو أحدُهُما (٨) .
(١) وقد ذكر ابن دقيق العيد في كتابه " الاقتراح": ٣٥٩ - ٥٧٢ لكل قسم من هذه الأقسام أربعين حديثاً.
(٢) انظر في هذا التقسيم: ( علوم الحديث : ٢٣ - ٢٤، والتقريب: ٤٠، والمقنع ١ / ٧٥ - ٧٦ ).
(٣) في نسخة ع وف: ((بحوى)) وهو خطأ محض ، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٤) انظر: مغني اللبيب : ٢٠٩ - ٢١٣.
(٥) شروط الأئمة الستة : ١٧ - ١٨.
(٦) في نسخة ق وع وف: ((يخرج))، وما أثبتناه أليق وأوضح، وهو ثابت في بقية النسخ الخطية ،
وشروط الأئمة الستة لابن طاهر : ١٧ .
(٧) في كتاب شروط الأئمة الستة : ١٧: ((المتفق)).
(٨) ما أخرجه الشيخان: البخاري ومسلم ، أو أحدهما ، عن بعض من في حفظهم شيء إنما هو انتقاءٌ من
صحيح حديثهم ؛ فإنّ حديث الضعيف ليس كلّه خطأ ، وإنّما فيه الصحيح والخطأ ، والشيخان ينتقيان
من أحاديث من في حفظه شيءٌ ، مما عُلم أنّ هذا الراوي لم يخطأ فيه ، بل هو من صحيح حديثه ،
وذلك بالموازنة والمقارنة والنظر الثاقب والاطلاع الواسع ، وليس ذلك لكلّ أحد. ( انظر في انتقاء
الشيخين : هدي الساري ٣٣٨ و ٤٠٦ و٤١٤ و٤٢٤ و ٤٤٢ و٤٤٤ و٤٤٩، ونصب الراية
٣٤١/١، وصيانة صحيح مسلم : ٩٤، والعواصم لابن الوزير ٣ / ٩٦ وما بعدها ، وشرح النووي
على مسلم ١ / ١٨، وشرح العلل ٢ / ٦١٣، والتنكيل ٢ / ٧٧ ، وانظر ما كتب في : أثر علل
الحديث في اختلاف الفقهاء : ١٩ وما بعدها ) .
قلنا : ولعل هذا يظهر جلياً في كيفية إخراج الإمام البخاري لإسماعيل بن أبي أويس ، وانظر قصّة ذلك
في : هدي الساري: ٣٩٠ ، وتهذيب التهذيب ١ / ٣١٠ .
١٢٦
وقالَ الحازميُّ في " شروط الأئمةِ " (١) ما حاصلُهُ : إنّ شَرْطَ البخاريِّ أنْ يُخَرِّجَ
ما اتّصلَ إسنادُه (٢) بالثقات المتقنينَ الملازمينَ لمن أَخَذُوا عنه، ملازمةً طويلةً ، وإِنَّهُ قد
يُخَرِّجُ أحياناً عن أعيانِ الطبقةِ التي تلي هذهِ في الإتقانِ والملازمةِ ، لَمنْ رَوَوا عنه ، فلم
يَلْزَمُوهُ إلا ملازمةً يسيرةٌ . وإنّ شرطَ مسلمٍ أن يُخَرِّجَ حديثَ هذهِ الطبقةِ الثانيةِ ، وقد
يُخَرِّجُ حديثَ مَنْ لم يَسْلَمْ مِنْ غوائلِ الجرحِ ، إذا كانَ طويلَ الملازمةِ لَنْ أخذَ عنه ،
كحمّادِ بنِ سلمةَ في ثابتٍ البنانيّ (٣) ، وأيوبَ . هذا حاصلُ كلامِهِ .
(١) شروط الأئمة الخمسة : ٤٣ - ٤٧ .
(٢) في نسخة ع وف: ((إسنادهم)) ، وما أثبتناه وارد في جميع النسخ الخطية.
(٣) حماد بن سلمة بن دينار البصري ، ثقة له أوهام . قال أحمد : هو أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويلى.
وقال ابن معين : هو أعلم الناس بثابت - يعني : ثابت البناني - ( الميزان ١ / ٥٩٠ وما بعدها ، تهذيب
التهذيب ٣ / ١١ وما بعدها). وقال الحافظ في التقريب: (( ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت، تغير
حفظه بأخرة )) ( التقريب ١٤٩٩ ) .
إذن : فحمّاد بن سلمة في أول أمره ثقة له أوهام ، وهذا التعبير يشير إلى خفة في الضبط ، لكن خفة
الضبط تنجبر بطول الملازمة للشيخ وشدة العناية بحديثه . وحماد - كما ذكرنا - كثير الملازمة لثابت
البناني ، شديد العناية بحديثه ، إذن : فما حدّث به حماد قبل اختلاطه ، عن ثابت يعدّ من الحديث
الصحيح . وحديثه عن غيره من قبيل الحسن ، ثم تغير حماد لما كبر فساء حفظه ، فكان حديثه في هذه
المرحلة ضعيفاً . إذا عرفنا هذا : لننظر ماذا فعل الشيخان بحديث حماد بن سلمة : أما البخاري : فقد
أخرج له في التاريخ ، لكن ترك الحديث عنه في الصحيح . وأما مسلم : فقد غربل حديثه ، وميّز منه
أحاديث حدّث بها قبل الاختلاط .
ثم قسم هذه الأحاديث إلى قسمين :
القسم الأول : الأحاديث التي حدّث بها حماد عن ثابت ، وهذه أخرجها مسلم في الصحيح أصولاً
محتجاً بها .
القسم الثاني : الأحاديث التي حدّث بها عن غير ثابت ، وهذه لم يخرّجها مسلم في الأصول ، وإنّما
أخرجها في الشواهد .
يقول الذهبي : ((احتجَّ مسلمٌ بحمّاد بن سلمة في أحاديث عدّة في الأصول . وتحايده البخاري)) .
ويوضّح ما أجمله الذهبي هنا : كلام نقله الحافظ ابن حجر عن البيهقي يتحدث فيه عن حماد بن سلمة ،
قال البيهقي : (( أحد أئمة المسلمين إلا أنه لما كبر ساء حفظه فلذا تركه البخاري ، وأما مسلم فاجتهد
وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع قبل تغيره ، وما سوى حديثه عن ثابت - لا يبلغ اثني عشر
حديثاً - أخرجها في الشواهد)). ( ميزان الاعتدال ٥٩٠/١ وما بعدها، وتهذيب التهذيب ١١/٣
والتقريب ١٤٩٩، والكواكب النيرات: ٤٦٠، وانظر لزاماً: أثر علل الحديث: ٢٠ - ٢١ ).
١٢٧
وقالَ (١) النوويُّ (٢): ((إنَّ المرادَ بقولهم: على شرطِهِما أنْ يكونَ رجالُ إسناده
٠٠
في كتابيهما (٣)؛ لأَنَّهُ ليس لهما شرطٌ في كتابَيْهما، ولا في غيرهِما)). وقد أخذَ هذا
من ابنِ الصَّلَاحِ ، فإنَّهُ لما ذكرَ كتابَ " المستدرَكِ للحاكمِ " ، قالَ: ((إنَّهُ أودَعَهُ ما رآهُ
على شرط الشيخينِ (٤)، وقد أخرجًا (٥) عن رواتِهِ في كتابيهِمَا (٦))) إلى آخرِ كلامِهِ.
وعلى هذا عملُ ابنِ دقيقِ العيدِ ، فإِنَّهُ ينقلُ عن الحاكمِ تصحيحَهُ لحديث (٧) على شرط
البخاريّ مثلاً، ثم يعترضُ عليه بأنّ فيه فلاناً، ولم يُخَرِّجْ له البخاريُّ. وكذلك (٨) فَعَلَ
الذهبيُّ في " مختصرِ المستدْرَكِ " (٩) . وليسَ ذلكَ مِنْهم بحيّدٍ، فإنّ الحاكمَ صَرَّحَ في
(١) في ق وص: ((قال)) بدون الواو ، وما أثبتناه من بقية النسخ.
(٢) إرشاد طلاب الحقائق ١ / ١٢٤.
(٣) وهذا هو التفسير الحقّ ، لكن ينبغي عدم اعتماد هذا الاصطلاح؛ لأن شرط الشيخين لا يمكن لأحد أن
يعرفه لانتقائهما أحاديث الرَّاوِي، فليس من شأنهما أنْ يخرجا كلّ ما رَوَاهُ الرَّاوِي، بَلْ ينتقيان حَتَّى
من الكبار ما علما عدم دخولَ الوهم في ذَلِكَ الْحَدِيْثِ عِنْدَ هَذَا الرَّاوِي ، وهذه خصيصة لهما .
(٤) ولكن الحاكم لم يراع صنيع الشيخين في كيفية رواتهما عن الراوي عن شيوخه ( النكت لابن حجر
٣١٤/١ - ٣١٥) .
(٥) في نسخة ع وف: ((أخرج))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وهو الثابت في علوم الحديث لابن
الصلاح : ١٨، وهو الصحيح .
(٦) علوم الحديث: ١٨، وقال في " صيانة صحيح مسلم": ٩٩: ((من حكم على شخص بمجرد رواية
مسلم عنه في صحيحه ، بأنه من شرط الصحيح عند مسلم فقد غفل وأخطأ ؛ بل ذلك يتوقف على
النظر في أنه كيف روى عنه ، وعلى أيّ وجه روى عنه )) .
(٧) في نسخة ع وف: ((الحديث))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وَهُوَ الصواب .
(٨) في نسخة س وع وف: ((وكذا))، وما أثبتناه من بقية النسخ .
(٩) هنا مسألةٌ ينبغي التنبيه عليها ، وهي : ما شاع وانتشر بين الباحثين عند نقلهم عن الحساكم تصحيحه
لحديث من كتاب المستدرك: ((صحّحه الحاكم ووافقه الذهبي)) وهذه مسألة لم تكن معروفة عند
المتقدمين بل شهرها ونشرها علامة مصر ومحدّثها الشيخ أحمد شاكر - يرحمه الله - ، ثم طفحت بها
كتب الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ، والشيخ شعيب الأرنؤوط ، حتى عمت عند أغلب الباحثين .
وهذا خطأ ينبغي التنبيه عليه والتحذير منه ؛ لأنّ الإِمام الذهبي لَمْ يحقق المستدرك ، بَلْ اختصره كَمَا
اختصر عدداً من الكتب ، وَكَانَ من صنيعِ هَذَا الإِمام العظيم أنْ يعلّقَ أحياناً عَلَى بَعْض الأحاديث ، لا
أَنَّه يريد تحقيقها والحكم عَلَيْهَا وتتبعها جميعها وذلك؛ لأنّ الذهبي ضعّف كثيراً من الأحاديث التي في
المستدرك في كتبه الأخرى كالميزان وغيره . ثم إنّه نصّ على أنّ الكتاب يعوزه تحرير وعمل ( السير
١٧٦/١٧ ) فلو أنه وافق الحاكم على جميع ما سكت عليه لما قال ذلك .
١٢٨
٠
خُطبةِ كتابهِ (١) " المستدرك " بخلاف ما فهموهُ عنه، فقال: ((وأَنا أَستعينُ الله تعالى على
إخراجٍ أحاديثَ رواتُها ثقاتٌ ، قد احتجَّ بمثلِها الشيخانِ، أو أحدُهما)) (٢) .
فقولُهُ : بمثلِهَا، أي: بمثلٍ رواتِها، لا بِهِمْ انْفُسِهِم. ويحتملُ أنْ يُرَادَ : يمثلِ تلك
الأحاديثِ . وإنّما يكونُ مثلِها (٣) إذا كانَتْ بنفسِ رواتِهَا. وفيه نظرٌ (٤) . وقد بينتُ
المثليةَ (٥) في " الشرحِ الكبيرِ" (٦) .
٣٩. وَعِنْدَهُ النَّصْحِيْحُ لَيْسَ يُمْكِنُ (٧) فِي عَصْرِنَا، وَقَالَ يَحْتَى: مُمْكِنُ (٨)
أي (٩) : وعندَ ابنِ الصلاحِ: أنَّهُ تَعَذِّرَ في هذهِ الأَعصارِ الاستقلالُ بإدراكِ الصحيح
بِمجردِ اعتبارِ الأسانيدِ ؛ لأَنَّهُ ما مِنْ إسنادٍ إلا وفيهِ مَنْ اعتمدَ على ما في كتابِهِ عَرِيًّا عن
الضَّبْطِ ، والإتقان. قال : فإذا وَجَدْنا (١٠) فيما يُروى من أجزاءِ الحديثِ وغيرِها ؛ حديثا
(١) في نسخة ص: ((كتاب))، وما أثبتناه من بقية النسخ .
(٢) المستدرك ١ / ٣ .
(٣) في نسخة ق ون: ((مثلها))، وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية والمطبوعة.
(٤) انظر وجه النظر في : النكت الوفية ( ٤١ / ب ).
(٥) وقد نقله البقاعي في النكت الوفية (٤٢ / أ) راجعه فإنه مهم .
(٦) لكن الحاكم لم يلتزم بشيء من ذلك أبداً، وليس له منهج في الكتاب ، وصنيعه في الغالب يدلل على أنّه
يعني بالشرط الرجال أي: نفس رجال البخاري ومسلم ( انظر: المستدرك ١ / ٨٨ حديث: عبّاد بن
العوّام ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد )، وأحياناً يأتي بالمتروكين، ويقول: أدت
الضرورة إلى إخراجه ( انظر مثلاً: المستدرك ٢ / ٢٦٣ ).
(٧) في نسخة ق وس وع: ((ممكن))، وما أثبتناه من بقية النسخ.
(٨) في نسخة ق وس و ع وف: ((يمكن))، وما أثبتناه من: ون ، وشرح السيوطي، وهو الذي اتفقت
عليه جميع النسخ الخطية للألفية ، وهو كذلك في النفائس ، وهو الصواب .
(٩) كلمة : « أي )) لم ترد في نسخة ص و س و ع و ف .
(١٠) في نسخة ق ون و ع وف: ((وجد))، وما أثبتناه من بقية النسخ، وهو الموافق لنصّ ابن الصلاح
في علوم الحديث : ١٢ .
١٢٩
صحيحَ الإسنادِ ، ولم نجدُهُ في أحدِ الصحيحينِ ، ولا منصوصاً على صحتهٍ في شيءٍ من
مصنّفات أئمةِ الحديثِ المعتمَدةِ المشهورةِ ، فإنَّا لا نتجاسرُ على حزمِ الحكمِ بصحتِهِ (١).
وقولُهُ : ( وقال يحيى ) : أي: النوويُّ: ((الأظهرُ عندِي جوازُهُ لِمَنْ تمكَّنَ،
وقَوِيَتْ معرفتُهُ))(٢). انتهى. وهذا (٣) هو الذي عليهِ عملُ أهلِ الحديثِ، فقد صَحَّحَ غيرُ
واحدٍ من المعاصرينَ لابنِ الصلاحِ، وبعدَهُ أحاديثَ لم نجدْ لِمِنْ تقدمَهُم فيها تصحيحذُ،
كأبي الحسنِ بنِ القطّانِ (٤)، والضِّياءِ المقدسيِّ (٥) ، والزّكيِّ عبدِ العظيمِ (٦)، ومَنْ
بَعْدَهُم (٧) .
(١) علوم الحديث : ١٢ - ١٣ .
(٢) التقريب : ٤١ .
(٣) في نسخة س : ((فهذا)) .
(٤) هو الحافظ علي بن محمد بن عبد الملك أبو الحسن بن القطان الفاسي ، توفي سنة ( ٦٢٨ هـ ) ، صاحب
كتاب " بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام " وهو كتاب نفيس ؛ فيه الفوائد والعوائد،
والنكت العلمية الدقيقة، والمادة الغزيرة في الجرح والتعديل، طبع سنة ١٩٩٧ م. ( سير أعلام النبلاء
٢٢ / ٣٠٦، تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٠٧).
(٥) هو الإمام الحافظ ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد السعدي الحنبلي المقدسي ، صاحب
" المختارة " توفّي سنة (٦٤٣ هـ). (تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٠٥، العبر ٥ / ١٧٩، ذيل طبقات
الحنابلة ٢ / ٢٣٦ ، شذرات الذهب ٥ / ٢٢٤) .
(٦) هو الحافظ الكبير عبد العظيم بن عبد القوي بن عبد الله بن سلامة زكيّ الدين أبو محمد المنذري ،
صاحب " الترغيب والترهيب"، توفي سنة (٦٥٦ هـ). ( تذكرة الحفاظ ٤ / ١٤٦، البداية والنهاية
١٣ / ٢١٢ ، شذرات الذهب ٥ / ٢٧٧ ) .
(٧) لم يدرك المصنف - ومن قبله الإمام النووي - كلام ابن الصلاح؛ إذ أنّ ابن الصلاح لم يرد غلق باب
التصحيح والتضعيف ، وإنّما أراد صعوبة الأمر وليس كل واحدٍ يستطيع ذلك ، وقد بحث محقق " الشذا
الفياح" : صلاح الدين فتحي هلل ، هذه المسألة بحثاً مستفيضاً رأينا نقله بحروفه لفائدته وأهميته ، فقد
قال: (( لم يُحسن التعقّب على ابن الصلاح - رحمه الله - والتشنيع عليه بحجّة أنّه يمنع من التصحيح ،
ويدعو إلى إغلاق هذا الباب ، لأنّ ذلك لم يرد في كلامه أصلاً، كيف وهو يقول : (( إذا وجدنا ...
حديثاً صحيح الإسناد ... لا نتجاسر على جزم الحكم ... ))؟ فلاشكَّ أنّ ذلك يحتاج إلى نظرٍ وبصرٍ
بالتصحيح . =
١٣٠
= ومثل ذلك قوله في ((الفائدة الأولى)) (: ١٥٢): ((ولهذا نرى الإمساك عن الحكم لإسناد أو حديث
بأنّه الأصحُّ على الإطلاق )).
وقوله في (( نوع الحسن)) (: ١٨٠): ((وهذه جملةٌ تفاصيلها تُدْرَكُ بالمباشرة والبحث)).
وقوله في ((نوع الشاذ)) (: ٣٤٣): ((إذا انفرد الراوي بشيء نُظِرَ فيه ... فينظر في هذا الراوي
... استحسنًّا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف ... رددنا ما انفرد به ... )).
وقوله في ((معرفة زيادات الثقات)) (: ٢٥٠): ((وذلك فنّ لطيف تستحسن العناية به)) .
وقوله في (( معرفة الحديث المعلّل)) ( ٢٥٩): (( ... وإنّما يضطلع بذلك أهل الحفظ والخبرة والفهم
الثاقب ، ... ، ويُستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له ، مع قرائن تنضم إلى ذلك تُنِّـه
العارفَ بهذا الشأن على إرسال في الموصول ... بحيث يغلب على ظنّه ذلك فيحكم به أو يتردّد فيتوقف
فيه )) .
وقوله في ((معرفة المضطرب)) (: ٢٦٩): ((وإنّما نسميه مضطرباً إذا تساوت الروايتان، أما إذا
ترجَّحت إحداهما ... الخ)).
وقوله في ((معرفة الموضوع)) (: ٢٧٩): (( ... ولا تحلّ روايته ... إلا مقروناً ببيان وضعه ... )).
وقوله في ((معرفة المقلوب)) (: ٢٨٧): ((وإنّما تقول: قال رسول الله{ ﴿ فيما ظهر لك صحته
بطريقه الذي أوضحناه أولاً)) .
فكل ذلك يدلّ على إعمال القواعد والبحث والتفتيش في الأسانيد والحكم عليها بما تستحق حسب
القواعد . وهذا خلاف ما فهمه النووي وغيره من كلام ابن الصلاح .
وقد صّحح ابن الصلاح وحسَّن في كلامه على " الوسيط " للغزالي .
والغريب أنّ النووي والعراقي وابن حجر قد وقفوا على كلامه هذا، فنقل منه العراقي في مواضع منها
في تخريج الإحياء للغزالي (١ / ٢٠١، ٢١٦، ٢٢٥ ط: الإيمان بالمنصورة)، وقد نقل منه ابن حجر
في مواضع لا تحصى من كتابه : " تلخيص الحبير " منها: ( ١ / ٤٧، ٦٣، ٦٨، ٦٩، ٨٤، ٩٠
١٢٧، ١٤٣ . ط : ابن تيميه ) .
وقد صحَّح ابن الصلاح - رحمه الله - وحسَّن في كلامه هذا ، وذكر ابن حجر متابعة النووي لابن
الصلاح رحمهم الله على بعض أحكامه ، فكيف فاتهم ذلك ؟! ففهموا أنّ ابن الصلاح يمنع من التصحيح
والتحسين ؟! ولابن الصلاح - رحمه الله - " أمالي " يتكلم فيها على الأحاديث وقفت على الجزء
الثالث منها .
ومن نظر فيه رأى نَفسَ عالم محدّث يسرد الحديث وما يشهد له مع الكلام عليه .
بل لماذا ألّف ابن الصلاح - رحمه الله - " مقدمته" في علوم الحديث ؟ ووصف كتابه هذا بكونه : ((
... أباح بأسراره - ( يعني: علم الحديث ) - الخفيّة وكشف عن مشكلاته الأبيّة ، وأحكم معاقده ،
وقعّد قواعده ، وأنار معالمه ، وبيّن أحكامه ، وفصّل أقسامه ، وأوضح أصوله ، وشرح فروعه وفصوله ،
وجمع شتات علومه وفوائده ، وقنص شوارد نُكته وفرائده )) . =
١٣١
وذكر أنّ الله عز وجل مَنَّ بهذا الكتاب : (( حين كاد الباحث عن مُشْكله لا يلقى له كاشفاً، والسائل
عن علمه لا يلقى به عارفاً)) كما ذكر ذلك في ((مقدمة كتابه)) (: ١٤٦ ).
فلماذا ألفه إذاً إذا كان لا يرى جواز التصحيح في هذه الأعصار ؟ جواز ذلك لما ألّف للناس كتاباً
يعلمهم سبيل التصحيح والتحسين والحكم على الأحاديث بما تستحق .
ثم رأيت أبا الحارث علي بن حسن الحلبي - حفظه الله - يقول: ((كلام ابن الصلاح يُفْهَم منه التعسير
لا مُطْلق المنع)) كما في حاشية " الباعث" (١١٢/١ ط: دار العاصمة) ولم يذكر دليله على ذلك.
هذا وقد استُشْكِل قول ابن الصلاح - رحمه الله - : ((فآل الأمرُ في معرفة الصحيح والحسن ، إلى
الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي يُؤمن فيها ، لشهرتها ، من
التغيير والتحريف )).
فقال ابن حجر في " النكت " (١ / ٢٧٠): (( ... فيه نظر؛ لأنّه يشعر بالاقتصار على ما يوجد
منصوصاً على صحته وردّ ما جمع شروط الصحة إذا لم يوجد النص على صحته من الأئمة المتقدمين
... الخ)) .
وقال أيضاً (١ / ٢٧١): ((كلامه ( يعني: ابن الصلاح) يقتضي الحكم بصحة ما نقل عن الأئمة
المتقدّمين فيما حكموا بصحته في كتبهم المعتمدة المشهورة والطريق التي وصل إلينا بها كلامهم على
الحديث بالصحة وغيرها هى الطريق التي وصلت إلينا بها أحاديثهم ، فإن أفاد الإسناد صحة المقالة عنهم
فليفد الصحة بأنّهم حدّثوا بذلك الحديث ويبقى النظر إنما هو في الرجال الذين فوقهم ، وأكثر رجال
الصحيح كما سنقرره )) . أهـ .
وحمله الدكتور المليباري - حفظه الله - في كتابه " تصحيح الحديث " (٢٦) على أنّ معناه:
(( معرفة صحة أو حسن أحاديث الأجزاء ونحوها ، وليس مطلق الأحاديث )).
ثم عاد فقال (٢٩): ((على أنّ الأمر إذا لم يكن كما ذكرناه سابقاً فلا يخلو قوله: ( فآل الأمر إذاً في
معرفة الصحيح والحسن إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة التي
يُؤْمَن فيها لشهرتها من التغيير والتحريف) من تناقض صريح، كما بينه الحافظ ابن حجر ... الخ)) أهـ.
والظاهر أنّ مراد ابن الصلاح من قوله : ((فآل الأمرُ إذاً في معرفة الصحيح والحسن ... الخ)) مطلق
الأحاديث .
ويكون قوله : ((إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث في تصانيفهم)) بمعنى ما ذكره أئمة
الحديث في تصانيفهم المعتمدة ، لا ما نصُّوا على صحته أو حسنه ويؤيده أنه عطف على كلامه هذا
قوله: ((وصار معظم المقصود بما يُتداول من الأسانيد خارجاً عن ذلك، إبقاء سلسلة الإسناد ... الخ))،
فالمراد معظم المقصود بما يُتداول من الأسانيد خارجاً عن المصنفات المعتمدة ، ويحتمل أن يعود الضمير=
١٣٢
٠
= إلى أبعد مذكور وهو قوله: (( إلى الاعتماد على ما نصّ عليه أئمة الحديث ، وهذا يحتاج إلى قرينة
ومع ذلك لا يستقيم عود الضمير على قوله: (( ما نصّ عليه أئمة الحديث)) إلا بالمعنى المذكور هنا من
تفسير ((النصّ)) هنا بمعنى ذِكْر الأسانيد في مصنفاتهم لا بمعنى ((النصّ)) على الصحة أو الحسن ، إذْ لم
يقل أحد بأنَّ ما ورد في الكتب المعتمدة كالسُّنن وغيرها مما لم يُنصّ على صحته إنّما يُتداول من أجل
إبقاء سلسلة الإسناد التي خُصَّتْ بها هذه الأمة .
ويؤيد ذلك أيضاً عدوله - يعني ابن الصلاح - عن التعبير بالنصّ على الصحة واقتصاره على مجرد
النصّ على هذه الأسانيد .
ويؤيد ذلك قوله في ((الفائدة السابعة)) (١٦٩): ((وإذا انتهى الأمر في معرفة الصحيح إلى ما خرَّجه
الأئمة في تصانيفهم الكافلة ببيان ذلك كما سبق ذكره ... ))، وقوله في ((الفائدة الثامنة)) (١٧٣):
((إذا ظهر - بما قدمناه - انحصارُ طريق معرفة الصحيح والحسن الآن ، في مراجعة الصحيحين وغيرها
من الكتب المعتمدة ... )) .
وقوله في كلامه على ((جواز العمل اعتماداً على ما يُوثقَ به من الوجادة)) (٣٦٠): ((قطع بعض
المحققين من أصحابه . ( يعني : الشافعي ) . في (أصول الفقه) بوجوب العمل به عند حصول الثقة به،
وقال: (( لو عُرِضَ ما ذكرناه على جملة المحدّثين لأَبَوْهُ)). وما قطعَ به هو الذي لا يتجه غيره في
الأعصار المتأخرة ، فإنّه لو توقّفَ العمل فيها على الرواية لانسدّ باب العمل بالمنقول ، لتعدُّر شرط
الرواية فيها على ما تقدّم في النوع الأول)) أهـ .
وعلى هذا التأويل المذكور هنا يزول التعارض الظاهري بين أجزاء كلام ابن الصلاح - رحمه الله
تعالى - وهذا التأويل يحتاج إلى تدبُّر فلا تبادر بالإنكار رعاك الله .
وتبقى بعض أشياء لعلّيّ أذكرها في موضع آخر يناسبها إن شاء الله ذلك وقدره بمنِّه وكرمه سبحانه
وتعالى)). انتهى كلامه. (الشذا الفياح ١ / ٧٧ - ٨٠ ).
١٣٣
حُكْمُ الصَّحِيْحَيْنِ، وَالتَّعْلِيْقِ (١)
كَذَا لَهُ ، وَقِيْلَ ظَنّاً وَلَدَى
٤٠. وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أَسْنَدَا
وَفِي الصَّحِيْحِ بَعْضُ شَيءٍ قَدْ رُوِيْ
مُحَقّقِيْهِمْ قَدْ عَزَاهُ ( النَّوَوِيْ)
٤١.
٤٢. مُضَعَّفاً (٢) وَلَهُمَا بِلَا سَنَدْ
أَشْيَا فَإِنْ يَجْزِمْ فَصَحِّحْ ، أو وَرَدْ
٤٣. مُمَرَّضاً فَلا، وَلَكِنْ يُشْعِرُ
بِصِحَّةِ الأصْلِ لَهُ كَـ (يُذْكَرُ )
أي: ما أسندَهُ البخاريُّ ومسلمٌ ، يريدُ رَوَيَاهُ بإسنادِهِمَا المّصلِ ، فهو مقطوعٌ
بصحتِهِ ، كذا قالَ ابنُ الصلاحِ (٣) ، قال: (( والعلمُ اليقينِيُّ النظريُّ واقعٌ به ، خلافاً لقول
مَنْ نَفَى ذلكَ مُحَتَجَّاً بأنَّهُ لا يفيدُ في أَصْلِهِ إلا الظنَّ وإنَّما تلقَتْهُ الأمةُ (٤) بالقبولِ ؛ لأَنَّهُ
يجبُ عليهم العملُ بالظنِّ ، والظنُّ قد يُخطِئُ قال: وقد كنتُ أمِيْلُ إلى هذا، وأحسَبُهُ
(١) قال البقاعي ( ل ٤٥ / أ): ((عطفه التعليق من عطف الخاص على العام ، وصرح به ؛ لأن الصحة
والضعف يتجاذبانه ، فمن حيث ضمه إلى الصحيح يظن به الصحة ومن حيث قطعه وسوقه غير مسلق
الكتاب يظن به غير ذلك)) .
جملة ما في صحيح البخاري من التعاليق واحدٌ وأربعون وثلاثمائة وألف حدیث ، وغالبها مکرر مخرّجٌ في
الكتاب أصوله أو متونه ، وليس في الكتاب من المتون التي لم تخرّج في الكتاب ولو من طريق أخرى إلا
مائة وستون حديثاً . وقد جمع الحافظ ابن حجر جميع هذه التعاليق ووصلها في كتاب مستقل سماه: "
تغليق التعليق " .
أما صحيح مسلم فإنّ التعاليق الواردة فيه اثنا عشر. وكلّ حديث منها رواه متصلاً ثم عقبّه بقوله: ((
رواه فلان))، غير حديث أبي جهيم فإنّه لم يصله ، وعلى هذا فليس في صحيح مسلم بعد المقدمة
حديث معلق لم يصله إلا حديث أبي جهيم . ( مقدمة شرح النووي ١٨/١، وهدي الساري : ٤٦٩،
والإرشاد ١ / ١٢٧ والتعليق عليه ).
(٢) أثبتناه من نسخة ب والشروح، وفي بقية نسخ الألفية: (( مُضعفٌ) بالرفع، وما أثبتناه أصحّ؛ لأنّ
الضمير : (( هُوَ )) العائد عَلَى: (( بَعْض)) ، هُوَ نائب الفاعل في: ((روي)). وَقَدْ ذَكَرَ ناسخ ق أن
في نسخة : ((مضعفاً)). ورجَّح البقاعي في النكت ((مضعفٌ)) بالرفع، وَقَالَ: ((وَلَوْ قِيْلَ:
(مضعفاً) بالنصب لطرق احتمال أن يَكُوْن المعنى: رَوَى حال كونه منبهاً عَلَى ضعفه. أهـ))، وهذا
احتمال وإن ورد غير لازم .
(٣) علوم الحديث : ٢٤ .
(٤) في نسخة ق وع وف: ((الأئمة))، وما أثبتناه من بقية النسخ .
١٣٤
قويّاً ، ثم بانَ لي أنَّ المذهبَ الذي اخترناهُ أوّلاً هو الصحيحُ؛ لأنْ ظَنَّ مَنْ هو معصوم من
الخطأ لا يُخْطِئُ ، والأمةُ بإجماعها (١) معصومةٌ مِنَ (٢) الخطأ(٣) )) ... إلى آخرِ كلامِهِ.
وقد سبقَهُ إلى نحوٍ ذلك محمدُ بنُ طاهرِ المقدسيُّ، وأبو نصرٍ عبدُ الرحيمِ بنُ عبدِ الخالقِ بنٍ
يوسفَ . قال النوويّ: (( وخالفَ ابنَ الصلاحِ المحقّقونَ والأكثرون ، فقالوا (٤): يفيدُ
الظنَّ ما لم يتواتر (٥) )) .
وقولُهُ: (ظناً) منصوبٌ بفعلٍ محذوف، أي: يفيدُ ظناً. وقولُهُ: ( بعضُ شيءٍ)،
إشارةٌ إلى تقليلِ ما ضُعِّفَ من أحاديثِ الصحيحين .
ولما ذكرَ ابنُ الصلاحِ: أنَّ ما أسنداهُ مقطوعٌ بصحتِهِ . قال: سوى أحرُف يسيرة ،
تكلّمَ عليها بعضُ أهلِ النقدِ (٦) ، كالدار قطنيٍّ (٧) وغيرِهِ ، وهي معروفةٌ عندَ أهلِ
الشأن (٨) . انتهى . وروينا عن محمدِ بنِ طاهرِ المقدسيِّ، ومن خَطّهِ (٩) نَقُلْتُ قال :
سمعتُ أبا عبدِ اللهِ محمدَ بنَ أبي نصرِ الحميديِّ ببغدادَ يقول : قال لنا أبو محمدٍ بنُ حزمٍ :
ء
وما وجدنا للبخاريّ ومسلمٍ في كتابيهما شيئاً لا يحتمل مخرجاً إلا حديثين. لكلّ واحدٍ
منهُما حديثٌ، تَمَّ (١٠) عليهِ في تخريجِهِ الوَهْمُ معَ إتقانِهِمَا وحفظِهِمَا وصحةٍ معرفتِهما .
(١) في علوم الحديث: ((في أجمعها)).
(٢) في نسخة ق: ((عن))، وما أثبتناه من نسخة س ون، وهو الموافق لما جاء في علوم الحديث : ٢٤ .
(٣) من قوله: ((الأمة)) إلى ((هنا)) سقط جميعه من النسخ المطبوعة، ونسخة : وأثبتناه من ق و ن وس.
(٤) في ع وف: ((قالوا))، وما أثبتناه من جميع النسخ الخطية، وهو الموافق لما في التقريب : ٤٠ .
(٥) التقريب: ٤٠ . وبنحو قول النووي قال العز بن عبد السلام، وانظر في هذه المسألة: ( شرح النووي
لصحيح مسلم ١ / ١٢٨، وشرحه لصحيح البخاري: ٤٠، والباعث الحثيث: ٣٥ - ٣٦،
والنسخة المحققة ١ / ١٢٦، ومحاسن الاصطلاح: ١٠١، والمقنع ٧٦/١ - ٧٧، والتقييد والإيضاح
للمصنف : ٤١ والنكت للحافظ ابن حجر ١ / ٣٧١ - ٣٧٦، وصيانة صحيح مسلم : ٨٥ ).
(٦) بعد هذا في ابن الصلاح : ((من الحفاظ)).
(٧) في التتبع وجميع ما تتبع فيه أحاديث الصحيحين (٢١٨ ) حديثاً .
(٨) علوم الحديث : ٢٥ .
(٩) لعل ذلك من كتابه : " صفة التصوف". انظر: ( المقنع ١ / ٧٨، والنكت الوفية ٤٦ / أ للبقاعي ).
(١٠) في نسخة س وق: ((ثم))، وما أثبتناه من بقية النسخ.
١٣٥
فذكر من (١) عند البخاريّ حديثَ شَرِيكٍ (٢)، عن أنسٍ في الإسراءِ (٣) ، أنَّهُ قبلَ أنْ
يُوحَى إليهِ ، وفيهِ شَقُّ صَدْرِهِ (٤) . قال ابنُ حزمٍ : والآفةُ من شريكٍ . والحديثُ الثاني
عندَ مسلمٍ ، حديثُ عِكْرمةَ بنِ عمّارٍ ، عن أبي زُمَيْلٍ ، عن ابنِ عبّاسٍ ، قال : كانَ
المسلمون لا ينظرونَ إلى أبي سفيانَ ، ولا يقاعِدُوْنَهُ، فقال للنبيِّ ﴿وّ: ثلاثٌ أَعْطِينهنَّ (٥).
قال : نعم . قال : عندي أحسنُ العربِ وأجملُهُ أُمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ ، أُزوّجُكَهَا .
قال : نعم ... الحديث (٦) . قالَ ابنُ حزمٍ : هذا حديثٌ موضوعٌ لاشكَّ في وضْعِهِ ،
والآفةُ فيهِ مِنْ عِكْرمةَ بنِ عمّارٍ (٧). وقد ذكرتُ في "الشرحِ الكبيرِ" أحاديثَ غيرَ هذينٍ.
(١) لم ترد في ع وف ، وأثبتناه من جميع النسخ الخطية .
(٢) كلمة: ((شريك)) لم ترد في ص . وشريك بن أبي نمر ، فيه كلام ليس باليسير فهو: صدوق يخطئ ،
كما في التقريب (٢٧٨٨)، لذا قال الحافظ في مقدمة الفتح: ٤١٠: ((احتجّ به الجماعة إلا أن في
روايته عن أنس ، لحديث الإسراء مواضع شاذّة )) .
قلنا : مجموع هذه المواضع تزيد على عشرة ، ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح ١٣ / ٤٨٥ - ٤٨٦
عقيب ( ٧٥١٧ ) .
وقال ابن القيم في زاد المعاد ١ / ٩٩ - ١٠٠: ((وأما ما وقع في حديث شريك: أن ذلك كان قبل
أن يوحى إليه ، فهذا مما عُدَّ من أغلاط شريك الثمانية ، وسوء حفظه ، لحديث الإسراء)).
(٣) انظر: النكت الوفية ( ٤٧ / أ).
(٤) رواية: شريك بن عبد الله بن أبي نمر، أخرجها: البخاري في صحيحه ٤ / ٢٣٢ عقيب (٣٥٧٠)،
و ٩ / ١٨٢ عقيب (٧٥١٧)، وفي خلق أفعال العباد ٢٦ و ٦٩، ومسلم في صحيحه ١ / ١٠٢
عقيب ( ١٦٢ )، (٢٦٢).
(٥) في صحيح مسلم ٧ / ١٧١ عقيب (٢٥٠١): (أُعْطِنِيهنَّ) .
(٦) صحيح مسلم ١٧١/٧ عقيب ( ٢٥٠١ ). انظر توجيه هذا الإيراد في : شرح النووي لصحيح مسلم
(٥ / ٣٧١ ).
(٧) هو عكرمة بن عمّار العجلي ، أبو عمار اليمامي، أصله من البصرة ، قال عنه الحافظ ابن حجر في
التقريب ( ٤٦٧٢): ((صدوق يغلط)).
١٣٦
وقد أفردتُ كتاباً لما ضُعِّفَ من أحاديثِ الصحيحينِ مع الجواب عنها (١). فمَنْ أرادَ
الزيادةَ في ذلك فليقِفْ عليه ، ففيه فوائدُ (٢) مهمّاتٌ .
وقولُهُ : ( وَلَهُما بلا سَنَدْ أشيا). أي: وللبخاريّ ومسلمٍ في الصحيحِ مواضعُ لم
يَصِلاها بإسنادِهِما، بل قطعا أوَّلَ أسانيدِهما (٣) مما يليهما. وذكرَ ابنُ الصلاحِ أنَّ ذلك
وقعَ في الصحيحينِ . قالَ: (( وأغلبُ ما وقع ذلك في كتاب البخاريّ ، وهو في كتاب
مسلم قليلٌ جداً )) (٤) . قلتُ : في كتابٍ مسلمٍ من ذلك موضعٌ واحدٌ في التيمُّمِ . وهو
حديثُ أبي الْحُهَيم (٥) بنِ الحارثِ بنِ الصِّمَّةِ. أقبلَ رسولُ اللهِلَّ مِنْ نحوِ بئرِ جمل، ...
الحديث . قال فيه مسلم: وروى الليثُ بنُ سعدٍ (٦). ولم يوصلْ مسلمٌ إسنادَهُ إلى الليثِ .
وقد أسندَهُ البخاريُّ عن يحيى بنِ بكيرِ عن الليثِ (٧) . ولا أعلمُ في كتاب (٨) مسلمٍ بعد
مقدمةٍ (٩) الكتابِ حديثاً لم يذكرْهُ إلا تعليقاً غيرَ هذا الحديثِ . وفيه مواضعُ أخرُ يسيرةٌ
رواها بإسنادِهِ المتصلِ ، ثم قال : ورواهُ فلانٌ ، وهذا ليس من باب التعليقِ ، إنّما أرادَ
ذِكْرَ مَنْ تابعَ رواية الذي أسندَهُ من طريقِهِ عليه ، أو أرادَ بيانَ اختلاف في السندِ ، كما
يَفْعَلُ أهلُ الحديثِ . ويدلُّ على أنَّهُ ليسَ مقصودُهُ بهذا ادخالَهُ في كتابِهِ ؛ أنَّهُ یقعُ في بعضِ
(١) قال البقاعي في النكت الوفية (٤٨ / أ): ((قال شيخنا - يعني: ابن حجر - هذا الكتاب لم يُبيض
وعُدمت مُسَوّدته))، وانظر: نكت ابن حجر على ابن الصلاح (١ / ٣٨٠)، وكذا قال السخاوي
في فتح المغيث ( ١ / ٦٦)، والسيوطي في التدريب ( ١ / ٦٧).
(٢) في نسخة س ون: ((وفوائد))، وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية .
(٣) في نسخة س ون وق: ((أسانيدها)). وما أثبتناه من بقية النسخ الخطية .
(٤) علوم الحديث : ٢٠ .
(٥) في نسخة ص: ((الجهم)). وجاء في حاشية نسخة س ما نصّه: ((والجهيم قال الحافظ: يجوز فيه أن
يكون مكبراً ومصغّراً)).
(٦) صحيح مسلم ١ / ١٩٤ عقيب ( ٣٦٩).
(٧) صحيح البخاري ١ / ٩٢ عقيب ( ٣٣٧).
(٨) من نسخة ص فقط .
(٩) في ع وف: ((مقدمات))، وهذا خطأ محضٌ.
١٣٧
أسانيدِ ذلك مَنْ (١) ليس هو من شرْطِ مسلم، كعبد الرحمنِ بنِ خالدِ بنِ مُسافرٍ (٢).
وقد بَيَّنْتُ بقيةَ المواضعِ في " الشرحِ الكبيرِ " (٣) .
وقولُهُ (٤): (فإنْ يجزم فصحِّحْ ) ، أي: إنْ أتى به بصيغةِ الجزمِ ، كقولِهِ : قال
فلانٌ ، أو رَوَى فلانٌ أو نحوَ ذلكَ؛ فاحكمْ بصحتِهِ عمَّنْ عَلَّقَهُ عنه ، لأَنَّهُ لا يستجيزُ أنْ
يجزمَ بذلكَ عنه إلا وقد صحَّ عندَهُ عنه. ثمّ الحكمُ (٥) بصحةِ الحديثِ مطلقاً يتوقفُ على
ثقةٍ رجالِهِ ، واتصالِهِ من مَوْضِعِ التعليقِ . فإنْ كان فيمَنْ أبرزَهُ مَنْ لا يحتجُّ به ، فليسَ فيهِ
إلا الحكمُ بصحتهِ عمَّن أسندَ إليه كقولِ البخاريّ: وقال بَهْزٌ ، عن أبيه ، عن حَدِّهِ ، عن
النبيِّ لَ﴿ُّ: «الله(٦) أحقُّ أنْ يُسْتَحتَّى منه)) (٧). قالَ ابنُ الصلاحِ: (( فهذا ليس من
شرطِهِ قطعاً . ولذلكَ. لم يوردّهُ الحميديُّ فِي حَمْعِهِ بين الصحيحينِ (٨))) .
( وإنْ وردَ مُمَرَّضاً)، أي: أُتِي به بصيغةِ التمريضِ ، كقولِهِ: ويُذْكَرُ، ويُرْوَى،
ويُقَالُ ، وَيُقِلَ ، وَرُوِيَ ، ونحوِها . فلا تحكمنَّ بصحتِهِ . كقولِهِ: ويُرْوَى عن ابنِ عباسٍ
(١) في نسخة ن: ((لمن))، وما أثبتناه من بقية النسخ.
(٢) هو : الفهمي ، أمير مصر ، قال الحافظ ابن حجر في التقريب (٣٨٤٩): ((صدوق)).
(٣) وقد سردها المصنف في " التقييد والإيضاح": ٣٢ - ٣٣، وانظر: ( النكت لابن حجر ١ / ٣٤٤،
والنكت الوفية ٤٨ / أ للبقاعي )، وللحافظ العراقي مؤلف مفرد في ذلك تقدمت الإشارة إليه ،
ولرشيد الدين العطار في جمعها كتاب اسمه : " غرر الفوائد المجموعة في بيان ما وقع في مسلم من
الأحاديث المقطوعة " .
(٤) في ع : ((قول)) ، وهو محرفٌ.
(٥) في نسخة ق وع وف: ((الحاكم))، وهو خطأ.
(٦) لفظة الجلالة سقطت من ع .
(٧) صحيح البخاري ١ / ٧٨ عقيب (٢٧٧). وقد وصله عبد الرزاق (١١٠٦) وأحمد ٥ / ٣ و٤،
وأبو داود ( ٤٠١٧ )، وابن ماجه (١٩٢٠)، والترمذي (٢٧٦٩) و (٢٧٩٤)، والنسائي في
الكبرى (٨٩٧٢)، والحاكم ٤ / ١٧٩ وأبو نعيم ٧ / ١٢١، والبيهقي ١ / ١٩٩، والخطيب في
تاريخه ٣ / ٢٦١ . وقال اللكنوي في " ظفر الأماني": ١٦٤: ((هو حديثٌ حسنٌ مشهورٌ)).
(٨) علوم الحديث : ٢٣ .
١٣٨
وجَرْهَدٍ ومحمّدٍ بِنِ حَحْشٍ، عن النبيِّ لَ﴿ه: ((الفَخِذُ عورةٌ))(١)؛ لأنّ هذه
الألفاظَ استعمالُها في الضعيف (٢) أكثرُ ، وإن استعملتْ في الصحيحِ. وكذا قولُهُ :
وفي (٣) الباب تستعملُ في الأمرينِ معاً . قالَ ابنُ الصلاحِ : ومَعَ ذلك فإيرادُهُ له في أثناء
الصحيحِ مُشعرٌ بصحةٍ أصْلِهِ إِشعاراً يؤنسُ به ويركنُ إليه (٤) . وحملَ ابنُ الصلاحِ قولَ
البخاريّ : ما أدخلتُ في كتابي " الجامع " ، إلا ما صحَّ . وقول الأئمة في الحكم بصحتِهٍ
على أنَّ المرادَ مقاصدُ الكتاب وموضوعُهُ ومتون الأبوابِ دون التراجمٍ ونحوها (٥) .
(١) صحيح البخاري ١ / ١٠٣ عقيب (٣٧٠).
وحديث ابن عباس : أخرجه أحمد ٢٧٥/١، والترمذي ( ٢٧٩٦)، والطحاوي في شرح المعاني
٤٧٤/١، والبيهقي ٢ / ٢٢٨، من طريق أبي يحيى، عن مجاهد ، عن ابن عباس ، مرفوعاً، وسنده
ضعيف ؛ لضعف أبي يحيى القتات ، ليّنه الحافظ في التقريب الترجمة ( ٨٤٤٤ ).
وحديث جرهد: أخرجه عبد الرزاق (١١١٥) و (١٩٨٨)، وأحمد ٣ / ٤٧٨، والبخاري في
تاريخه ٥/ الترجمة (١٥٤)، والطحاوي في شرح المشكل (١٧٠١) و (١٧٠٢)، وفي شرح المعاني،
له ١ / ٤٧٥، والطبراني في الكبير (٢١٣٩) و (٢١٤٨) و (٢١٤٩). وهو حديث مضطرب
جداً ، نقله الزيلعي في نصب الراية ١ / ٢٤١ - ٢٤٢، عن ابن القطان.
قلنا: هو في كتابه النافع " بيان الوهم والإيهام " ٣ / ٣٣٨، حديث (١٠٨٢) و (١٠٨٣)، وقد
طوّل النَّفَس في ذلك، وأجاد وأفاد، وانظر: " أثر علل الحديث ": ٢٤٣ - ٢٤٦ فقد تكلمنا عنه
هناك بتوسع كبير .
وحديث محمد بن عبد الله بن جحش: أخرجه أحمد ٥ / ٢٨٩ - ٢٩٠، وعبد بن حميد (٣٦٧)،
والنسائى ٧ / ٣١٤، والحاكم ٤ / ١٨٠، والبغوي (٢٢٥١). قال عنه الزيلعي في نصب الراية
٢٤٥/٤ - بعد أن ذكره بسند أحمد: ((هذا مسندٌ صالح)).
تنبيه : ومحمد بن عبد الله بن جحش قد نسبه البخاري لجده .
قلنا : وكذلك ورد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه، عن جده ، مرفوعاً: (( إذا أنكح أحد كم
عبده أو أجيره ، فلا ينظر إلى شيءٍ من عورته ؛ فإنّ أسفل من سرته إلى ركبته من عورته )) .
أخرجه أحمد ٢ / ١٨٧، وأبو داود ( ٤٩٦)، والبيهقي ٢ / ٢٢٨ - ٢٢٩، وسنده قوي.
(٢) في نسخة ق وع وف: ((التضعيف)).
(٣) في نسخة ص : ( في )) بدون واو .
(٤) علوم الحديث : ٢١ .
(٥) علوم الحديث : ٢٢ - ٢٣ . قلنا: هذا كلام صحيح ، فالمحكوم بصحته هو ما روي بالسند المتصل ، أما
ما ذكر تعليقاً فهو ليس من نمط الصحيح كما سبق بيان ذلك ، ولكن هنا مسألة ينبغي التنبيه عليها ،=
١٣٩
= وهي : أنّه قد تتابع الذين كتبوا في المصطلح ، على أن ما ذكره البخاري بصيغة الجزم صحيح إلى من
علّقه إليه ، ويبقى النظر فيمن أبرز من رجاله، وهذا لم يصرّح به البخاري ، وإنّما بني على استقراء
ناقص غير تام ، فالصواب أنّ هذه القاعدة كلية لا أغلبية ، وأن تعاليق البخاري لا يتم الحكم على
المروي منها بشيء من الصحة ولا الحسن ولا الضعف إلا بعد الكشف والفحص عن حال ما علّقه ،
وقد علّق البخاريُّ حديث عائشة: ((كان النبي ﴿ يذكر الله على كل أحيانه)) بصيغة الجزم ، مع أنّه
لا يصحّ على شرطه ، بل على شرط غيره ، فخبر عائشة هذا أخرجه مسلم في " صحيحه". وذكر
أيضاً بصيغة الجزم حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، عن النبي 8 *: ((الله أحق أن يستحيى
منه من الناس )) ، وهو ليس من شرطه قطعاً، ولهذا لما علّق في النكاح شيئاً من حديث جدّ بهز لم يجزم
به ، بل قال : ويذكر عن معاوية بن حيدة .
وقال في : ((باب: العرض في الزكاة)): وقال طاووس: قال معاذظُ لأهل اليمن : ائتوني بعرض
ثياب خميس أو لبيس في الصدقة مكان الشعير والذرة أهون عليكم، وخير لأصحاب النبي 8 # بالمدينة،
ورجاله ثقات إلا أن طاووساً لم يسمع من معاذ ، فهو منقطع .
وعلّق حديث جابر في كتاب العلم بصيغة الجزم ، فقال: ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر إلى
عبد الله بن أنيس في حديث واحد .
وعلّقه في كتاب التوحيد بصيغة التمريض ، فقال: ويُذكر عن جابر ، عن عبد الله بن أنيس ، قال:
سمعت النبي # يقول: («يحشر الله العباد ، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا
الملك أنا الديان )).
وقد قال الحافظ : جزم به حيث ذكر الارتحال فقط ؛ لأنّ الإِسناد حسنٌ وقد اعتضد وحيث ذكر طرفاً
من المتن لم يجزم به ؛ لأن لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الربّ ، فإنه يحتاج إلى تأمل ، فلا
يكفي مجيء الحديث من طرق مختلف فيها ولو اعتضد .
وما علّق بصيغة التمريض ، منها ما هو صحيح على شرطه ، وقد أورده في موضع آخر من " جامعه "
ففيه (١ / ٤٤) في المواقيت، باب: ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعاً: ويذكر عن أبي موسى
قال : كنا نتناوب الني 8 # عند صلاة العشاء فاعتم بها، وقد رواه موصولاً ( ٥٦٧) في باب : فضل
العشاء ... ، ولفظه فيه: فكان يتناوب رسول الله 8. عند صلاة العشاء كل ليلة نفر منهم .
وقال في كتاب الطب (١٠ / ٧٦)، باب: الرقي بفاتحة الكتاب: ويذكر عن ابن عباس ، عن النبي
*، ثم أسنده ( ٥٧٣٧ ) في الباب الذي بعده من حديث ابن أبي مليكة ، عن ابن عباس في قصة،
وفيه قوله ﴿: ((إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله)) . -
١٤٠