النص المفهرس

صفحات 181-200

والمحاضرةُ تشبه الوقوفَ على عتبةٍ بابِ المَلِكِ، والمكاشفة عند
الدخولِ في الدار، والمشاهدَةُ تشبه الوقوفَ في الموضع الذي
لا یکونُ بینه وبین المَلِكِ حجابٌ، أو كما قال.
السابعة والعشرون: بعضهم يختار(١) تطويل المَدِّ في كلمة (لا)؛
لأنَّ في التطويل الاستحضارَ للأضدادِ والأندادِ، فيقعُ النفيُ على جميع
المُشخَّصة، فيكون أقربَ إلى الإخلاص، واختار غيرُه تَرْكَ التطويلِ
والتمديد؛ لاحتمالِ الموتِ والاخترام قبل الإثبات، وفَرَّق بعضُهم بين
ما يُدْخَل به في الإسلام، فلا يطول، وبين غيرِه فيطُول، والله أعلم.
(١) (ت)): ((يحتاج)).
١٨١

الحديث الرابع والعشرون
وروى أبو محمد عبد الله (١) بن عبد الرحمنِ الدَّارِمِيُّ الحافظُ في
((مسنده)) من حديث ابنِ عباس - رضي الله عنهما -: أنَّ النَّبِيَّ
صلاح
تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً، وَنَضَحَ. ورجالُ إسناده رجالُ الصحيح(٢).
الکلام علیه من وجوه :
* الأول في التعريف:
فنقول: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن: بن الفضل بن بَهْرَام
ابن عبد الصَّمد، أبو محمد الدارِمِيّ السَّمَرْقَنْدِي، أحد أكابر العلماء
(١) في الأصل و((ت)): ((عبد الله بن أحمد))، وهو خطأ.
(٢) * تخريج الحديث:
رواه الدارمي في («مسنده)) (٧١١)، وابن المنذر في ((الأوسط)) (١ / ٢٤٤)،
والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١ / ١٦٢)، من حديث قبيصة، عن سفيان،
عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس، به.
قال البيهقي: قال الإمام أحمد: قوله: ((ونضح)) تفرد به قبيصة عن سفيان،
ورواه جماعة عن سفيان دون هذه الزيادة.
١٨٣

والسابقين من الحُفَّاظ، والأعلام من المشاهير، جَبَلٌ من الجبال،
وعالمٌ درجتُه رَبْوَةٌ على جمهور الرجال، له ذكر في ((تاريخ نيسابور))
للحاكم أبي عبد الله الحافظ.
قال: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهْرَام السمر قندي،
أبو محمد الدارميّ، من حفاظ الحديث المبرزين.
سمِع بخُراسان من عَبْدان بن عثمان، ومحمد بن سلام،
وطبقتهما.
وبالعراقين من عبيد الله بن موسى، وأبي نُعيم، وروح بن عبادة،
وأشهل بن حاتم، وطبقتهم.
وبمصرَ من سعيد بن أبي مريم، وأبي صالح، وطبقتهما.
وبالحجازِ من المُقْرِىء، والحُميدي، وابن أبي أويس، وطبقتِهم.
وبالشام من محمد بن يوسف الفِرْيابي، وأبي اليمان، وأبي
مُسْهِر، وطبقتهم.
حدَّث بنيسابور سنة ثلاث وأربعين ومئتين، روى عنه محمدُ بن
يحيى الذُّهلي، وأبو زُرعة، ومسلم بن الحجّاج في ((الصحيح))، وأبو
حاتم، وأئمة الحديث.
قلت: وممن روى عنه من أئمة الحديث: محمد بن يحيى
الذهلي(١)، وأبو داود السِّجِسْتاني، وأبو عيسى الترمذي، وعبد الله بن
(١) جاء في ((ت)) فوق قوله: ((محمد بن يحيى الذهلي)): ((كذا)) إشارة إلى
تكرارها .
١٨٤

أحمد بن حنبل، وصالح بن محمد جزرة، ومحمد بن عبد الله
الحضرمي المُطَيَّن، ومحمد بن عَبْدُوس بن كامل، وجعفر بن محمد
الفِرْیابي.
وطافَ البلادَ، وجمع المُسند، ورواه عنه عيسى بنُ عمر بن
العبّاس السمرقندي، وبقيتْ روايتُه إلى زمانِنَا، [علت](١) عالية من
جهة أبي الوقتِ عبد الأول بن عيسى السِّجْزي، وله ثلاثيّات في
((مسنده))، وربَّما خرجت وجُمِعَت مفردة.
وله ذكر في ((تاريخ بغداد)) للخطيب، فرُوِيَ بالإسناد عن
عبد الرحمن بن أبي حاتم سمعتُ أبي يقول: عبد الله بن عبد الرحمن
السمرقندي إمام أهل زمانه(٢) .
وذكر أيضاً بالإسناد عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، سمعتُ أبي
يقول: انتهى الحفظُ إلى أربعةٍ من خراسان: أبو زُرْعَةَ الرازي،
ومحمد بن إسماعيل البخاري، وعبد الله بن عبد الرحمن السمرقندي،
والحسن بن شجاع البَلْخِيّ(٣).
وذكر الغُنْجَار محمد بن أحمد بن محمد بن سُليمان صاحب
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ورواه من طريق الخطيب: ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٩/ ٣١٨)،
وابن نقطة في ((التقييد)) (ص: ٣٠٩)، ولم أقف عليه في المطبوع من
((تاريخ بغداد)) .
(٣) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢/ ٢١)، ومن طريقه: ابن عساكر في
((تاريخ دمشق)» (٥٢ / ٦٢)، وابن نقطة في ((التقييد)) (ص: ٣٠٩).
١٨٥

(تاريخ بخارى)) بإسناد عن نُعَيْم بن نَعِم، قال جَزَرَةُ: سمعتُ محمدَ
ابن عبد الله بن نُمير يقول: غلبَنَا عبد الله بنُ عبدِ الرحمن بالحفظ
والورع(١).
وذكر الغُنْجَار عن إسحاق بن أحمد بن خلف، وكنا عند محمد
ابن إسماعيل، فوردَ عليه كتابٌ فيه نعيُ عبد الله بن عبد الرحمن،
فنگِّس رأسه، ثم رفع واسترجع، وجعل تسیلُ دموعُه على خدیه، ثم
أنشأ يقول [من الكامل]:
إِن تَبْقَ تُفْجِعْ بالأحبَّةِ کلِّھمْ
وفَنَاءُ نَفْسِكَ لا أباً لك أَفْجَعُ
قال إسحاق بنُ أحمد: وما سمعناه يُنْشِدُ شعراً إلا ما سمِعْناه في
الحديث(٢).
وذكر الحاكم(٣) عن علي بن حَمْشَاد، عن نُعَيْم بن عبد الله، ثنا
عبد الله بن عبد الرحمن السمر قندي الشيخُ الفاضلُ(٤).
(١) ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠ / ٣١)، وابن عساكر في ((تاريخ
دمشق)) ((٢٩/ ٣١٨)، ومن طريق أبي عبد الله محمد بن أحمد بن محمد
ابن سليمان الغنجار في ((تاريخ بخارى)): رواه ابن نقطة في ((التقييد))
(ص: ٣٠٩).
(٢) ومن طريق غنجار: رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٩/ ٣١٨)، وابن
نقطة في ((التقييد)) (ص: ٣٠٩)
(٣) جاء في الأصل و((ت)) قبل قوله: ((وذكر الحاكم)): ((وقال الترمذي))، فلعل
هناك سقطاً أو سهواً، والله أعلم.
(٤) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٩/ ٣١٧).
١٨٦

وذكر الغُنْجار بإسناد إلى عبد الله بن عبد الرحمن، هو الدارمي:
ولدتُ في سنة مات ابن المبارك، سنة إحدى وثمانين ومئة(١).
وروى الغُنْجار بإسناد ذكر فيه: أنه مات عبد الله بن عبد الرحمن
السمر قندي يومَ عرفةَ، وذلك يومَ الخميس، ودُفِنَ يومَ الجمعة سنة
خمس وخمسين ومئتين(٢)، والله أعلم(٣).
* الوجه الثاني : في تصحيحه:
قد ذكرنا في الأصل : أن رجاله رجال الصحيح.
والدارميُّ أخرجَه عن قبيصةَ، فقال: أنا قبيصة، ثنا سفيان، عن
زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسارٍ، عن ابن عباس: أنَّ النبيِّ توضأ
مرَّةً مرةً، ونَضَحَ. وهؤلاء - كما ذكر في الأصل - رجال الصحيح.
(١) رواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠ / ٣٠)، ومن طريقه: ابن عساكر في
((تاريخ دمشق)) (٢٩ / ٣١٥).
(٢) ورواه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (١٠ / ٣١).
(٣) * مصادر الترجمة:
((الثقات)) لابن حبان (٨ / ٣٦٤)، ((تاريخ بغداد)) للخطيب (١٠ / ٢٩)،
(تاريخ دمشق)) لابن عساكر (٣١٠/٢٩)، ((التقييد)) لابن نقطة
(ص: ٣٠٨)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (١٥/ ٢١٠)، ((سير أعلام النبلاء))
(١٢/ ٢٢٤)، ((تذكرة الحفاظ)) كلاهما للذهبي (٢/ ٥٣٤)، ((تهذيب
التهذیب)» لابن حجر (٢٥٨/٥).
١٨٧

وقد أفرد لفظ الصحيح، ليتناول ما اتفقا عليه من الرِّجال،
وما انفرد أحدهما به، وسفيان فمن فوقَه متَّفقٌ عليهم، وقبيصة أخرج
له البخاري.
والانتضاحُ بعد الوضوء فيه أحاديثُ متعدِّدة، ذكرت ما انتهى إلي
منها، وتيسر ذكره في كتاب ((الإمام)) (١): منها ما استُضْعِفَ، ومنها
ما يُعَلَّل (٢).
وعند التّرمذي، وابن ماجه منها حديث الحسن بن عليٍّ الهاشمي،
عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة: أنَّ النبي ◌َّ قال: ((جاءني
جبريلُ، قال: يا محمد! إذا توضّأتَ، فانتُضِحْ)).
وفي حديث ابن ماجه قال: قال رسول الله وَّهُ: ((جاءني جبريلُ)).
قال الترمذي: هذا حديثٌ غريب، قال: سمعت محمَّداً يقول:
الحسنُ بن علي الهاشميُّ منكرُ الحديث(٢).
وهذا الحديث الذي أخرجه الدارمي أجود ما رأيت في هذا
الباب، فلذلك اخترتُ تخريجه من جهته، على(٣) ما ذكره الترمذي،
(١) في الأصل: ((الإلمام)) والتصويب من ((ت)).
(٢) انظر: ((الإمام)) للمؤلف (٧٥/٢).
(٢) رواه الترمذي (٥٠)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في النضح
بعد الوضوء، وابن ماجه (٤٦٣)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في
النضح بعد الوضوء.
(٣) في الأصل و((ت)): ((وعلى))، وجاء فوق الواو في ((ت)): كذا. قلت: لعل
الصواب حذفها، والله أعلم.
١٨٨

وابن ماجه، والله تعالى أعلم.
* الوجه الثالث: في المفردات:
النَّضْحُ: إصابةُ الماء للمَحَلِّ مع خِفَّة، وهو بالحاء المُهملة،
والنَّضْخ بالخاء المعجمة أكثرُ منه، وقد يُستعمَلُ النضح - بالمهملة -
في موضع النَّضخ - بالمعجمة -، على ما يَظْهر من كلام بعضهم،
ومنه: ((مَدِينَةٌ يَنْضَحُ البحرُ جوانبَها))، أو ((في جوانِبها)(١).
وقد تكلّم بعض الفقهاء في النضح من بولِ الغلام بما يقتضي
كثرةَ الصَّبِّ.
وأما المالكيّة: فكلامُهم يدل على ما يقتضِيْه معنى الخِفّةِ والقِلّةِ،
والفرْقُ بينه وبين الغُسْلِ، من جهة الكَثْرَةِ والقِلّةِ(٢)، وإنما قلتُ: من
جهة الكثرة والقلة؛ لأنَّ الشافعيَّ الذي أشرنا: أنَّ كلامه يقتضي
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (١/ ٤٤)، وأبو يعلى في ((مسنده))
(١٠٦)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٨)، والضياء في ((الأحاديث
المختارة)) (١/ ٧٦ - ٧٧)، من حديث أبي لبيده، وفيه: ((إني لأعلم
أرضاً يقال لها: عمان، ينضح بناحيتها البحر، بها حي من العرب، لو
أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر)). قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد))
(١٠ / ٥٢): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ابن زياد وهو ثقة،
ورواه أبو یعلی كذلك.
وانظر: ((مشارق الأنوار)) للقاضي عياض (٢/ ١٦).
(٢) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ١٧٦ - ١٧٧).
١٨٩

الكثرة، يفرق بينه وبينَ الغُسْلِ من وَجْهٍ آخرَ غيرِ الكثرةِ والقلةِ، هذا
ما يقتضيه كلامُه(١)، أو يُفْهَمُ منه، وهذا الفرقُ بالكثرة والقلة بالإعجام
والإهمال، من باب زيادةِ اللفظ بزيادة المعنى، فالإعجامُ زيادةٌ مقابلَةٌ
بزيادةِ المعنى، وهو الكثرةُ، والإهمال نقصٌ باعتبارِ نقصِ المعنى، وهو
القلة، وهذا كما في المضمضة والمصْمَصَة، والشقداف والشقنداف.
* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: هذا اللفظُ الذي في هذا الحديث، أعني قولَه:
((وَنَضْحَ))، ليس فيه تصريحٌ بأنَّه النضحُ بعد الوضوءِ على الفَرْجِ، وقد
ترجَم عليه الدارميُّ بقوله: (باب: في نضح الفرج بعد الوضوء)،
وترجَم الترمذيُّ على حديثِهِ الذي أخرجه: (باب: النضح بعد
الوضوء)، واللفظُ وإنْ لمْ يقتضه، لكنَّه مفهومٌ من الأحاديث الواردة
فيما يقتضيه، فيجبُ ردُّه إليها؛ صَوْناً للكلام عن الإجمال، ورجوعاً
إلى ما يَثْبُتُ في النفس من مجموع تلك الأحاديثِ.
ومن صريحه: ما رواه الدارقطني، من حديث أسامةَ بنِ زيدٍ: أنَّ
جبريلَ - العَيْهِ - لما نزلَ على النبيِّ وَّرَ أراه الوضوءَ، فلمَّا فرغ من
وضوئه، أَخَذَ حَفْنَةً من ماءٍ، فَرَشَّ بها في الفَرْجَ(٢).
(١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٢٥٨).
(٢) رواه الدار قطني في ((سننه)) (١ / ١١١)، وكذا الإمام أحمد في ((المسند))
(٥/ ٢٠٣). قال الهيثمي في («مجمع الزوائد)) (١/ ٢٤٢): فيه رشدين =
١٩٠

الثانية: ذكر القاضي أبو بكر بن العربي في ((عارضة الأَحْوَذِيّ))
في كلامه على ما أخرجه الترمذيُّ، أن النبيَّ ◌َّ قال: ((جاءني جبريلُ،
فقال: يا محمد! إذا توضأَتَ فانتضحْ)): أنَّ العلماءَ اختلفوا في تأويلٍ
هذا الحديث على أربعةِ أقوالٍ :
الأول: معناه: إذا توضَّأْتَ، فصُبَّ الماءَ على العضوِ صَبَّاً،
ولا تقتصرْ على مسحِهِ، فإنَّه لا يُجْزِئُ فيه إلا الغَسْلُ دونَ إسرافٍ،
ولذلك أنكرَ مالكٌ حتَّى يَقْطُرَ أو يَسِيْلِ، فَكَرِهَ أن يجعلَ القَطْرَ والسَّيَلان
حَدَّاً، وإن كان لا بدَّ منه مع الغَسْل.
الثاني: معناه: استبراءُ الماءِ بالنَّثْرِ والتَّنَحْنُح، يقال: نَضَحْتُ
أَسَلْتُ، وانتضحتُ: تعاطَيْتُ الإِسَالة(١).
الثالث: ما معناه: إذا توضَّأت فَرُشَ الإِزَارَ الذي يلي الفرجَ
بالماء، ليكون ذلك مُذْهِباً للوسواس.
ويُروى عن قتادةَ: النَّضْحُ من النَّضْحِ(٢)، يقول: من أصابَه نَضْحُ
البول، فعليه أن يَنْضَحَه بالماءِ، ويكونُ على هذا معنى الحديثِ
الوارد: ((عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ))، فذكر: ((وانتقاضُ الماءِ))(٣)، ورواه أبو عبيد:
= ابن سعد، وثقه هيثم بن خارجة، وأحمد بن حنبل في رواية، وضعفه
آخرون.
(١) في المطبوع من ((عارضة الأحوذي)): ((تعاطيت الاستبراء له)).
(٢) رواه ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) (٢ / ٦٠٢).
(٣) تقدم تخريجه .
١٩١

((انتضاحُ الماءِ)(١)، وفسَّرَه بما قدَّمناه.
قال: وكذلك روى أبو داود، والنَّسائي، عن النبيِّ وَّهِ: أنَّه كان
إذا توضَّأ، أخذَ حَفْنة من ماءٍ، فقال بها هكذا، ووصفَ شعبةُ، ونضَحَ
بها فَرْجَه(٢).
الرابع: معناه الاستِنْجَاءُ بالماءِ، معناه إشارةٌ إلى الجَمْعِ بينَه وبينَ
الأحجار، فإنَّ الحَجَرَ يُجَفِّفُ الموضِعَ، والماءُ يطهِّره(٣).
الثالثة: قد قدمنا اختيار الوجه الثالث، وهو رَشَّ الماءِ على
العضو بعد الوضوء، ومن شواهِدِه: روايةُ الطبراني في ((معجمه
الكبير)) من حديث ابن لَهِيْعَة بسنده إلى أسامةَ بنِ زيد، عن أبيه: أنَّ
جبريل نزل على النبي ◌َّهُ في أولِ ما أوحي إليه، فعلَّمه الوضوءً
والصلاةَ، فلما فَرَغَ أخذَ النبيُّ وَّ ماءَ، فنضحَ بها فرجَه(٤).
وعن أحمد بن حنبل: أنه تُكُلِّم في هذا الحديث.
ومن شواهده: ما عند ابن ماجه من رواية قيس، عن ابن أبي ليلى،
عن أبي الزُّبير، عن جابر قال: توضَّأ رسول الله وَّهِ، فَنَضَحَ فَرْجَه(٥).
(١) تقدم تخريجه.
(٢) تقدم تخريجه من حديث الحكم بن سفيان الثقفي
(٣) انظر: ((عارضة الأحوذي)) لابن العربي (١ / ٦٦).
(٤) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٤٦٥٧)، وكذا الإمام أحمد في
((مسنده)) (٤ / ١٦١). قال أبو حاتم: هذا حديث كذب باطل، كما نقله
1.7
ابنه في ((العلل)) (١ / ٤٦).
(٥) رواه ابن ماجه (٤٦٤)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في النضح بعد
الوضوء، وإسناده ضعيف .
١٩٢

ومنها: ما ذکر الدارقطني في «غرائب حدیثٍ مالك»، من رواية
أنسٍ: أنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ كان إذا توضَّأْ نَضَح عانَتَهُ(١).
ومنها: ما ذكره أحمدُ بن عُبَيْد بإسناده إلى عليٍّ قال: وضَّأتُ
النبيَّ ◌َّ، فلما فَرَغَ نَضَحَ فرجَه، إلى غيرِ ذلك مما ذكرتُه في كتاب
((الإِمَام(٢) في معرفَةِ أحاديثِ الأحكام))(٣).
الرابعة: هذا الحكمُ معلّلٌ بعلَّتَيْن:
إحداهما: ما تقدَّمتِ الإشارةُ إليه؛ فيما حكيناه عن القاضي أبي
بكر بنِ العربيِّ من إذْهابِ الوَسْوَاسِ، ومعناه: أنه إذا نَضَحَ الفرجَ،
فوجد بلله، أحالَه على ما نَضَحَ به من الماءِ، فذهب الوسواسُ، ومثله
قد تبيَّن في باب الاستبراءِ، وليس هو بالهيِّن عندي، وينبغي أن يكونَ
محلُّه عندنا إذا تعارضتِ الاحتمالات على الاستواء، فحينئذ يُبنى على
الأصل في الطَّهارة، وأما إذا كانت العادةُ في الشخصِ المعيَّنِ خروجَ
الخارج، وعرفَ ذلك من نَفْسِهِ، فلا ينبغي أنْ يقالَ بهذا فيه؛ لأنَّ
العملَ بالغلبة راجحٌ، والظنَّ المستفادَ منها أقوى من مقابِلِهِ.
والمعنى الثاني في تعليلِ هذا الحكم: أنَّ الماءَ الباردَ ينقبِضُ له
العضوُ وينكمشُ، بخلاف الحارِّ، فإنَّه يُرخيه، فإذا نَضَحَ بعد الوضوء
بالماء البارد، كان أقربَ إلى عدم خروج الخارج لتقبُّضِ العُضْوِ.
(١) انظر: ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٥/ ٤٥٢)، وذكر أنه حديث باطل.
(٢) في الأصل: ((الإلمام))، والتصويب من ((ت)).
(٣) انظر: (٧٥/٢) وما بعدها من («الإلمام)).
١٩٣

الخامسة: قد ورد في بعض الأحاديث من طريق ابن لَهِيْعَةَ، عند
ابن ماجه قال: قال رسول الله ◌َّهِ: ((علَّمَنِي جبريلُ الوُضوءَ، وأمرني
أن أنضحَ تَحْتَ ثوبي لِمَا يَخْرُجُ من البولِ بعد الوضوء))(١)، وهذا ظاهر
في تعليل النَّضْحِ لعدمِ الخروجِ.
السادسة: فإذا ترجَّح هذا المعنى في التعليلِ، جُعِلَ أصلاً في
مداواة المَرَضِ، ودَفْع ما عساه يُخْشَى من تجدُّدِه.
السابعة: فإن ترجَّح المعنى الأولُ، ففيه دليلٌ على الرغبة عن
الوسواس.
الثامنة: ودليلٌ أيضاً على البناء على الأصلِ، إذا لم يتحقّق
مخالفُه، وأنه لا يُشْتَرَطُ القطع بزوال المخالِفِ، والله أعلم.
(١) رواه ابن ماجه (٤٦٢)، كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في النضح بعد
الوضوء. وإسناده ضعيف؛ لضعف ابن لهيعة .
١٩٤

الحديث الخامس والعشرون
ومن حديث بريدة قال: أصبح رسول الله وَله، فدعا بلالاً،
فقال: ((يا بلالُ! بِمَ سَبَقْتِنِي إلى الجنَّة)) قال: ((ما دَخَلْتُ الجنَّةَ قَطُّ إلا
سمعتُ خَشْخَشَتَكَ أمامي)) وفيه: فقال بلالُ: يا رسولَ اللهِ! ما أَّنْتُ
قطُّ إلا صلَّيْتُ ركعتين، وما أصابني حَدَثٌ قطُّ إلا توضَّأْتُ عِنْدَها،
ورأيتُ أنَّ لله عليَّ ركعتين، فقال رسول الله بَّهِ: (بِهِمَا)).
لفظ رواية الترمذي، وحكم بصحته(١).
الکلامُ علیه من وجوه:
(١) * تخريج الحديث:
رواه الترمذي (٣٦٨٩)، كتاب: المناقب، باب: في مناقب عمر بن
الخطاب ، وقال: صحيح غريب، ورواه الإمام أحمد في ((المسند))
(٥/ ٣٥٤)، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٢٠٩)، والحاكم في
((المستدرك)) (١١٧٩)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٢٧١٧)، وغيرهم
من حديث الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، به.
١٩٥

* الأول: في التعريف:
فنقول: أما بُرَيْدَةُ: فهو ابن خُصَيب، بضمّ الحاء المهملة، وفتح
الصادِ المهملة، بعدها آخر الحروف، ثم ثانيها، بنُ عبد الله بن الحارث
ابن الأعوج بن سعد بن رَزَاح بن عَدِيّ بن سهل بن مازن بن حارث بن
سُلامان بن أَسْلَمَ بن أَفْصَى - بالفاء بعدها صاد مهملة مفتوحة - بن حارثة
ابن عمرو بن عامر، أبو عبد الله، ويقال: أبو ساسان.
وقال يحيى بن معين: أبو سهل الأسلمي.
قال الكلاباذي: وكان من ساكني المدينةِ تحوَّل إلى البصرةِ، ثم
خرج منها إلى خراسان غازياً، فمات بمرو في ولاية يزيد بن معاوية،
ودُفِنَ بها سنة اثنتين أو ثلاث وستين(١).
وأما بلالُ: فهو أبو عبد الله بن رَبَاح، ويقال: أبو عبد الكريم،
ويقال: أبو عمرو مولى أبي بكرِ الصدِّيقِ التيمي القُرَشِيِّ، وتِرْبُه(٢)،
مؤذِّنُ رسولِ اللهِ وَِّ، وكان من مُوَلِّدِي السَّراة، مدنِيٌّ، سكن الشامَ،
(١) * مصادر الترجمة:
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٧/ ٨)، ((الثقات)) لابن حبان (٣/ ٢٩)،
((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١/ ١٨٥)، ((رجال البخاري)) للكلاباذي
(١/ ١٢٢)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله الترجمة كاملة، ((تهذيب الأسماء
واللغات)) للنووي (١ / ١٤١)، ((تهذيب الكمال)) للمزي (٤ / ٥٣)، ((سير
أعلام النبلاء)) للذهبي (٢ / ٤٦٩)، ((الإصابة في تمييز الصحابة))
(٢٨٦/١)، ((تهذيب التهذيب)) كلاهما لابن حجر (١/ ٣٧٨).
(٢) في الأصل: ((توبة))، والتصويب من (ت)).
١٩٦

شَهِدَ بَدْرَاً، سَمِعَ النبيَّ ◌َِّ، روى عنه: ابنُ عمرَ، والصنابحي، ومات
بالشام زمنَ عمرَ بن الخطاب رُه، قاله البخاري.
وقال عمرو بن علي: ماتَ بدمشق سنة عشرين، وهو ابن بضع
وستين سنة.
وقال الواقديُّ مثل عمرو بن علي.
وقال أبو عيسى: مات سنة عشرين في خلافة عمر.
وقال الذُّهلي: قال يحيى بن بُكَيْر: مات بدمشق في طاعونِ
عَمْواس سنة سبع أو ثمان يعني عشرة.
وقال ابن نمير: مات بدمشق سنة عشرين(١).
* الوجه الثاني: في إيراد الحديث على الوجه:
الحديث من رواية عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: أصبحَ
رسولُ اللهِ وَّ﴿، فدعا بلالاً، فقال: ((يا بلالُ! بِمَ سبقْتَنِي إلى الجنّة؟
(١) *مصادر الترجمة:
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٣/ ٢٣٢)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري
(٢/ ١٠٦)، ((المستدرك)) للحاكم (٣/ ٣١٨)، ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم
(١/ ١٤٧)، ((رجال البخاري)) للكلاباذي (١ / ١٢٠)، وعنه نقل المؤلف
رحمه الله الترجمة كاملة، ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١ / ١٧٨)، ((تاريخ
دمشق)) لابن عساكر (١٠/ ٤٢٩)، ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١ / ٤١٥)،
((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١ / ١٤٤)، ((تهذيب الكمال)) للمزي
(٤ / ٢٨٨)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١ / ٣٤٧)، ((الإصابة في تمييز
الصحابة)) لابن حجر (١ / ٣٢٦).
١٩٧

ما دخلتُ الجنَّة قطُّ إلا سمعتُ خَشْخَشَتَكَ أمامي، دخلتُ البارحةَ
الجنة، فسمعت خَشْخَشَتَكَ أمامي، فأتيتُ على قَصْرِ مُرَبَّع مُشْرِفٍ من
ذهب، فقلت: لمن هذا القصرُ؟ فقالوا: الرجلِ من العربِ، فقلت: أنا
عربيٍّ لمن هذا القصرُ؟ قالوا] (١): لرجلٍ من قريش، قلت: أنا قُرَشِيٌّ،
لِمَنْ هذا القصر؟ قالوا: لرجلٍ من أمَّةِ محمدٍ، قلتُ: أنا محمد، لِمَنْ
هذا القصر؟ قالوا: لعُمَرَ بنِ الخطَّابِ)) فقال بلالُ: يا رسول الله! ما أَّنْتُ
قَطُّ إلا صليتُ ركعتين، وما أصابني حَدَثٌ إلا توضَّأْتُ عندهما،
ورأيتُ(٢) أنَّ لله علي ركعتين، فقال رسول الله يَّر: ((بهما)).
·الوجه الثالث: في تصحيحه :
الترمذي أخرجَه منفرداً به عنِ الجماعةِ، وحَكَم بصخَّتِهِ، ورواه
عن أبي عمار الحُسين بن حُرَيْث، عن علي بن الحسين بن واقِد، عن
أبيه، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه .
والله الموفق للصواب(٣).
(١) ما بين معكوفتين زيادة من ((سنن الترمذي)).
(٢) في الأصل: ((أو رئيت))، وفي (ت)): ((ورئيت))، والمثبت من ((سنن
الترمذي)).
(٣) جاء على هامش ((ت)): ((هذا آخر ما وجدته، ونقلته من خط الإمام جمال
الدين أبي محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي على سقمٍ فيه، وذكر
أن هذا آخر ما وجده. وكتبه عبد الرحمن بن علي بن خلف الفارسكوري،
عفا الله عنهم أجمعين)) .
١٩٨

فهرس الموضوعات
الموضوع
رقم الصفحة
الحديث الثامن عشر: وجوب الترتيب
٠
الوجه الأول: في تصحیح الحدیث
٦
الأولى: سبب إضافة الحدیث إلى النسائي دون غيره
٦
الثانية: وظيفة المحدث والفقيه من جهة النظر إلى الحديث
٦
الثالثة: معنى قوله: ((والأكثر في الرواية هذا، والمخرج للحديث واحد))
٧
* الوجه الثاني: في شيءٍ من العربية
٩
الأولى: تفسير كلمة ((ما)) في قوله ((بما بدأ))
٩
الثانية: وجه الترجيح في معاني ((ما)) المتقدمة
١٠
١٠
* الوجه الثالث: الفوائد والمباحث
الأولى: المقصود من ذكر الحديث في هذا الباب
١٠
الثانية: وجه ترجيح العمل بهذه اللفظة ((ابدؤوا))
١١
الثالثة: قاعدة الفرق بين صيغة العموم المقصود بها العموم، وتأسيس القواعد
الشرعية
١٢
الرابعة: مغايرة التخصيص بالسبب عن التخصيص بالقرائن
١٣
الخامسة: وجه تعیین المراد من قوله ((بما بدأ الله به))
١٣
السادسة: حجة التمسُّك بالحديث من جهة عموم الحكم بعمومٍ علته عند
القائل بعموم الحديث
١٤
السابعة: ضعف عموم الحديث بكثرة ورود التخصیص فيه
١٤
الثامنة: خروج أمور كثيرة عن مقتضی عموم الحدیث بالتخصيص
١٤
١٩٩

الموضوع
رقم الصفحة
التاسعة: دلالة البُدَاءة في هذا الحديث
١٥
العاشرة: مقتضى حمل ((البُدَاءة)) في الحديث على البداءة المطلقة
١٥
الحديث التاسع عشر: مشروعية التيمم.
* الوجه الأول: التعريف بمن ذكر
١٨
ترجمة عمار بن ياسر رضي الله عنه
١٨
ترجمة شقيق بن سلمة
٢٣
ترجمة أبي بكر الإسماعيلي
٢٧
* الوجه الثاني : إيراد الحديث بتمامه
٢٨
* الوجه الثالث: تصحیح الحديث
٢٩
* الوجه الرابع: مفردات ألفاظ الحديث
٣١
الأولى: فائدة في معنى ((أجنب))
٣١
الثانية: تصريف مادة ((أوشك)) لغة ومعناها
٣٢
الثالثة: معنى كلمة ((قنع)) وضبط عين فعلها
٣٤
الرابعة: تفسير كلمة («الطيب)»
٣٥
الخامسة: وجه الحصر في كلمة ((إنما))
٣٥
٣٧
* الوجه الخامس: في شيءٍ من العربية
خصائص فعل «یوشك)»
٣٧
* الوجه السادس: الفوائد والمباحث
٣٩
الأولى: وجه دلالة الحديث على وجوب الترتيب والمأخذ عليها
٣٩
الثانية: المباحثة والمناظرة في المسائل الشرعية
٣٩
الثالثة: الميول إلى سد الذرائع والمصالح المرسلة
٣٩
الرابعة: مشروعية التيمم
٤٠
٢٠٠