النص المفهرس

صفحات 141-160

فنظرتُ إليه، فإذا هو عمرُ بن الخطاب، فقلت له: ما هي يا أبا
حَفْصٍ؟ قال: إنَّه قال آنفاً قبل أن تجيءَ: ((ما مِنْكُمْ مِنْ أحدٍ يتوضَّأُ
فيحسنُ الوضوءَ، ثم يقولُ حينَ يَفْرُغُ مِنْ وُضوئه: أشهدُ أن لا إله
إلا اللهَ وحدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ، إلا فُتِحَتْ له
أبوابُ الجنة الثمانيةُ، يدخلُ من أيُّها شاءَ)).
قال معاوية بن صالح: وحدَّثني ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس،
عن عقبة .
قال معاوية - هو ابن صالح -: وحدَّثني عبد الوهابِ بن بخت،
عن ليثٍ بن أبي سُلَيْم، عن عقبة بن عامر(١).
* الوجه الثالث: في تصحيحه :
وقد ذكرنا أن مُسْلماً أخرج حديث عمر وعقبة، وما وقَعَ مِنَ
الاختلافِ فيمنْ قال: عن أبي عثمانَ، فإنَّ ذلك لا يَضُرّ.
* الوجه الرابع: في شيء من مفرداته، وفيه مسائل :
الأولى: قوله: ((فرؤَّحْتُها بعشي)) الضمير للإِبِلِ، وقد تقدَّم
ذكرُها في قوله: ((كانتْ علينا رعايةُ الإبل))؛ أيْ: جِئْتُ بها للمَبِيْتِ،
(١) انظر: ((مسند أبي عوانة)) (١ / ٢٢٥).
١٤١

والمُراحُ: موضع مبيت الماشية، بضم الميم (١).
وقال أبو نعيم ((فرؤَحتها)): الخروج بعد الزوال(٢).
قال الجوهري: ورَاحَت، وأرَحْتَها: إذا رَدَدْتَها إلى المُراحِ،
وقال أيضاً: والرَّواحُ: نقيضُ الصَّباح، وهو اسمٌ للوقت من زوال
الشَّمس إلى الليل(٣).
قال الرَّاغب: وراحَ فلانٌ إلى [أهله؛ إما] أنّه أتى لهم (٤) في
السُّرعة كالرِّيح، أو أنّه استفاد برجوعه إليهم رَوْحاً من المَسرَّة.
والراحةُ من الرَّوْح، ويقال: افعل كذا في سَرَاح ورواح(٥)؛ أي:
في سهولة.
والمُروَاحَة في العمل: أن يَعْمَلَ هذا مرةً وذاك مَرَّة، واستُعِيْرَ
الرواحُ للوقت الذي يُرَاحُ الإنسانُ فيه من نِصْفِ النهار، ومنه قيل:
أَرَحْنا إبلنا، وأرحْتُ إليه حقَّهُ مستعارٌ من: أرحت الإبل، والمُراح:
حيثُ تُراح [الإبل](٦) (٧).
(١) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ٢٢).
(٢) انظر: ((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) (١ / ٢٩٨).
(٣) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١ / ٣٦٨).
(٤) في ((مفردات القرآن)): ((أتاهم)).
(٥) في الأصل و((ت)): ((راح))، والتصويب من ((مفردات القرآن)).
(٦) زيادة من (ت)).
(٧) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٣٧٠ -٣٧١).
١٤٢

الثانية: قال الجوهري: العَشِيُّ، والعَشِيَّة: من صلاة المغرب
إلى العَتَمة، تقول: أتيته عشيَّ أمسٍ، وعشِيَّةَ أمسٍ، وتصغيرُ العَشِيِّ:
عُشَيَّان على غير مُكبَّ(١)، كأنهم صَغَّروا عَشْيَاناً، والجَمْعُ: عُشَيَّانات،
وقيل أيضاً في تصغيره: عُشَيْشِيَان، والجمع: عُشَيْشِيَانات، وتصغير
العَشية: عُشيَّة(٢)، والجمع: عُشيشيات، والعِشَاء - بالكسر والمَدِّ -:
مثل العشي، والعِشاءان: المغرب والعَتَمة.
قال: وزَعَمَ قوم: أنَّ العِشاء من زوال الشمس إلى طلوع الفجر،
وأنشدوا [من الوافر]:
عِشَاءً بعدما انتصفَ النَّهَارُ(٣)
غَدَوْنَا غَدْوَةً سَحَراً بليلٍ
الثالثة: قال الرَّاغب في ((المفردات)): في أَنّف: أصلُ الأَنْف
الجارحةُ، ثم يسمَّى به طَرَفُ الشيء وأشرَفُهُ، يقال: أَنّفُ الجبل،
وأنفُ اللحية، ونُسِبَ الحَمِيَّةُ والغضبُ والعزةُ والذلّةُ إلى الأنف حتى
قال الشاعر [من الطويل]:
(١) في ((الصحاح)): ((على غير قياس مكبَّره)).
(٢) في ((الصحاح)): ((عشيشية)).
(٣) البيت دون نسبة، كما ذكره الجوهري هنا في ((الصحاح)) (٦ / ٢٤٢٦)،
وابن دريد في ((الجمهرة)) (٨٧٢/٢)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (١٥٪
٠ ٥٦).
١٤٣

[إذا غَضِبَتْ](١) تلكَ الأنوفُ لَمْ ارْضَها
ولمْ أَطْلبِ العُتْبِى ولكنْ أزيدُهَا (٢)
وقيل: شَمَخَ فلان بأنفه: للمتكبِِّ، وتَرِبَ أنفُه: للذليل، وأَنِفَ
فلانٌ من كذا؛ بمعنى: استنْكَفَ، وأَنَفْتُهُ: أصَبْتُ أنفَهُ، وحتى قيل
للأَنَفَة: الحميّة(٣)، واستأنفتُ الشيء: أخذْتُ أنفَه، أي: مُبْتَدَأه،
ومنه: ﴿ مَاذَا قَالَ ءَانِقًا﴾ [ محمد: ١٦]؛ أي: مبتدأً(٤).
وقال ابن فارس في ((المُجمَل)): وشريفُ القوم: أَنّفُ، وطرف
اللحية: أَنَّفُها، والناتِىء من الجبل: أَنْفٌ، والأَنْف: أوَّلُ الشيء،
وروضةٌ أُنْفُ: إذا كانت لم تُرْعَ، وأَنِفَ الرجلُ أَنَفَاً وأَنْفَة، وكأنه مشتقٌ
من شَمَخَ بأنفِهِ، وأَنَفْتُ الرجلَ: ضَرَبْتُ أنفَه، ويقال: استأْنَفْتُ
الشيء، وامرأة أنوفٌ: طيِّةُ ريح الأنف، وجمل أَنِفٌ، أي: أوجَعَتْه
الخِزامَة، فتسلس منها، ويقال: عدا الشيء، وأنفَ الشدُّ أي: أشده،
قال ذلك ابن السِّكِّيت(٥).
قلت: يمكن أن نُحاول رَدَّ الجميع إلى معنى واحد، ولكن الذي
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ذكره الراغب أيضاً في ((محاضرات الأدباء)) (١ / ٣٨٦) دون نسبة.
(٣) في المطبوع من ((مفردات القرآن)): ((حتى قيل للحمية: الأنفة)).
(٤) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٩٥).
(٥) انظر: ((إصلاح المنطق)) لابن السكيت (ص: ٦٧). وانظر: ((مجمل اللغة))
لابن فارس (١٠٤/١).
١٤٤

نختاره: أنَّا إذا جعلنا اللفظَ حقيقةً في شيء، وحاولنا ردَّ الباقي إليه
بالمجازِ، وكانتِ العلاقةُ خفيّةً(١)، أو بعيدةً جداً، أنْ نُقَدِّمَ الاشتراكَ
حينئذٍ، والمجازُ وإن كان خيراً منه، إلا أنَّه يبقى مَرْجُوحاً بالنسبة إلى
خَفَاء علاقَتِهِ، أو بُعْدِها، وقد ذكر الواحديُّ في ((وسيطه)) في تفسير
قوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ ءَاِفًا﴾ [ محمد: ١٦]؛ أي: الساعَةَ، ومعنى الأنف:
من الائتناف، يقال: انتنفْتُ الشَّيءَ، أي: ابتدأْتُه، وأصله من الأَنْف،
وهذا ابتداء كل شيء(٣)، و[هذا] (٢) كأنه يَرُدُّ أكثرَ الاستعمالات، أو
كلَّها، إلى معنى الابتداء.
الرابعة: قال الراغب: البُلُوغ والبَلاَغ: الانتهاءُ إلى أقصى
المَقْصِد والمُنتهى، مكاناً كان أو زماناً، أو أمراً من الأمور المقدَّرة،
وربما يُعبَّر بِهِ عَنِ المشارَفةِ عليه، وإن لم ينتهِ إليه، فمن الانتهاء: ﴿بَلَغَ
أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَّةً﴾ [الأحقاف: ١٥]، وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُ النِّسَآءَ فَبَلَغْنَ
أَجَلَهُنَ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، و﴿َمَّا هُم بِبَلِغِيهِ﴾ [غافر: ٥٦]،
﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْىَ﴾ [الصافات: ١٠٢]، ﴿أَّعَلِّى أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ﴾ [غافر: ٣٦]،
﴿أَيْمَنَّ عَلَيْنَا بَلِغَةٌ﴾ [القلم: ٣٩]؛ أي: منتهيةٌ في التوكيد.
والبلاغ: التبليغ، نحو قوله: ﴿ هَذَا بَلَغٌ لِلنَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]،
ج
وقوله: ﴿بَغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿ وَمَا
عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَغُ الْمُبِينُ﴾[يس: ١٧]، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَغُ وَعَلَيْنَا
(١) في الأصل و((ت)): ((حقيقة))، والمثبت من هامش ((ت)).
(٢) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٢٣).
(٣) زيادة من ((ت)).
١٤٥

الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠].
والبلاغُ: الكفايةُ، نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِى هَذَا لَبَغَّا لِّقَوْمٍ
عَبِدِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٦]، وقوله: ﴿وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَا بَلَغْتَ
رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧]؛ أي: إنْ لم تبلغْ هذا، أو شيئاً منه مِمَّا حُمِّلتْ،
تكنْ(١) في حُكْمٍ مَنْ لم يُبَلِّغْ شيئاً مِنَ الرسالة، وذلك أنَّ حكمَ الأنبياء
وتكليفاتِهِمْ أشدُّ، وليسَ حُكْمُهُم كحكم سائرِ النَّاس، الذين يُتجافى
عنهم (٢) إذا خَلَطُوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً.
وأما قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمَّسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]
فللمشارفة، فإنها إذا انتهت إلى أقصى الأجَلِ لا يصِحُّ للزوج مُراجعتُها
وإمساكُها.
ويقال: بَلَّغته، وأَبْلَغته، وبلَّغته أكثر، قال رَكَّ: ﴿أُبَّلِّغُكُمْ رِسَلَتِ
رَبِ﴾ [الأعراف: ٦٢]، وقال: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِغْ مَآ أَنْزِلَ إِلَيْكَ مِن
رَّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْشَكُرْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ: إِلَيْكُمْ﴾ [هود: ٥٧]،
وقال(٣): ﴿بَلَغَنِىَ الْكِبَرُ وَأَمْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: ٤٠]، وفي موضع :
﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِيًّا﴾ [مريم: ٨]، وذلك نحو: أدرَكَني الجَهْدُ،
وأدركتُ الجَهْدَ، ولا يصح: بَلَغَني المكانُ، وأدركَني.
(١) في الأصل و((ت)): ((تكون)).
(٢) (ت)): ((عليهم))، وجاء في الهامش: ((لعله: عنهم)).
(٣) في الأصل: ((فقد))، والمثبت من ((ت)).
١٤٦

والبلاغةُ تقال على وجهين :
أحدهما: أن يكون بذاتِه بليغَاً، وذلك بأن يَجْمَعَ ثلاثة أوصافٍ :
صواباً في وضع لغتِهِ، وطِبْقاً للمعنى المقصودِ، وصِدْقاً في نفسه،
ومتى اخترم وصفٌ من ذلك، كان ناقصاً في البلاغة.
والثاني: أن يكونَ بليغاً باعتبارِ القائلِ والمَقُولِ له، وهو أنْ
يَقْصِدَ القائل به أمراً ما، فيورده على وجهٍ حقيقٍ أن يقبلَه المقولُ له،
وقول الله وَت: ﴿وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: ٦٣] يصح
حملُه على المعنيين.
وقولُ مَنْ قال: معناه: ﴿وَقُل لَّهُمْ﴾؛ أي: إنْ أظهرتُم ما في
أنفسكم قُتِلْتُم، وقول من قال: خوَّفْهم بمكارِه تنزلُ بهم، فإشارةٌ إلى
بعض ما يقتضيه عموم اللفظ.
والبُلْغَة: ما يُتبلَّغ به من العيش(١).
الخامسة: شَهِدَ، يطلق ويراد به: حضر: شَهِدْتُ حَرْبَ كذا،
وسُوْقَ كذا.
ويطلق شهد بمعنى: عَلِمَ: شَهِدْتُ بأنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ.
ويطلق بمعنى: أظهرَ، وأبانَ(٢): شهدَ الشاهدُ عند الحاكم بكذا،
أي: أظهرَ ما عنده من العلم وأبانه، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَا
هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]: أظهرَ ذلك بما أبدعَ مِنْ مخلوقاتِهِ ومصنوعاته،
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ١٤٤ - ١٤٥).
(٢) ((ت)): ((بأن)).
١٤٧

وأبان من الدلائل على وحدانيته (١).
وقد يلزمُ بعضُ هذه المعاني بَعْضاً، وقد يصِحُّ توارُدُهُما في
محل، فقولُه: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، يجوز أن يكونَ بمعنى: أعلمُ،
ويجوز أن يكونَ بمعنى : أُظْهِرُ وأُبِيْنُ.
وجدتُ في تلخيص أبي القاسم عبد الرحمنِ بنِ إسحاقَ النّحويِّ
الزجَّاجيِّ لكتاب ((الزاهر)) لأبي بكر بن الأنباري(٢): وقولهم: أشهد أن
لا إله إلا الله، قال : - يعني ابن الأنباري - أعلمُ أنَّه لا إلهَ إلا اللهُ،
وأُبَيْنُ أَنَّه لا إلهَ إلا الله، وحُكِيَ [ذلك](٣) عن ثعلب، قال: والدليل
على ذلك قوله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَجِدَ اللَّهِ
شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ ﴾ [التوبة: ١٧]، ولما أنهم (٤) جحدوا نبوة
النبي ◌َّ، وإن كانوا قد ثبتوا على أنفسهم الضلالة والكفر.
قال: وقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]
بيَّنَ الله(٥) أنه لا إله إلا هو.
(١) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٤٦٦).
(٢) للإمام أبي بكر محمد بن أبي محمد القاسم الأنباري النحوي المتوفى سنة
(٣٢٨هـ) كتاب: ((الزاهر في معاني الكلام الذي يستعمله الناس))، شرحه
واختصره الشيخ الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي
المتوفي سنة (٣٤٠هـ). انظر: ((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٢ / ٩٤٧).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) ((ت)): زيادة ((لما)).
(٥) في الأصل: ((بمعنى)) بدل ((بين الله))، والمثبت من ((ت)).
١٤٨

وقال أبو عبيدة: معناه: أنه قَضَى اللهُ أنَّه لا إلهَ إلا هو.
قال: وقولهم: شَهِدَ فلانٌ عند الحاكمِ، أي: بَيَّنَ له وأعلمه(١).
واعترضَ أبو القاسم عليه، فيما وجَدْتُه، فقال: ليس حقيقةُ الشهادة
كما ذكره، ولو كان معنى الشهادة البيانَ والإعلام، لما أَكْذَبَ الله تعالى
المنافقين في قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَفِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللّهُ يَعْلَمُ
إِنَّكَ لَرَسُولُهُ, وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَفِقِينَ لَكَذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]؛ لأنَّ البيانَ
الإعلامُ، والبيانُ باللسانِ لا بالقلبِ، فقد قالوا بألسنتهم، وأَعْلموا،
فكذَّبهم الله تعالى؛ لأنَّ الشهادة في هذا الموضع، إنَّما هي تحقيقُ الشيء
وتيقُّنه، فكذَّبهم الله ـ رَّ - لأنَّهم أبطنوا خلاف ما أظهروا.
فقد تكون الشهادة على ضُرُوب، وأصلُها: تحقيق الشيء
وتيقنه، من شهادة الشيء، أي: حضوره؛ لأنَّ مَنْ شَاهَدَ شيئاً، فقد
تيقّنه علماً، فاستُعملت هذه اللفظة في تحقيق الأشياء، ثم اتُّسِعَ فيها
بعد ذلك، فاستُعمِلَت في موضعین آخرین :
أحدهما: الإقرارُ بالشيء.
والآخر : الإظهارُ والبيان.
فمن الإظهار والبيان: ما ذكره من قوله وَت: ﴿ مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ
يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اَللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِم بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، ومنه:
﴿ شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨]، وما أشبه ذلك.
(١) انظر: ((الزاهر في معاني كلمات الناس)) (١٢٥/١).
١٤٩

فأمَّا شهادَةُ الشاهد بالحقوقِ، فإنَّما هي إخبارٌ منه عما شاهده
وتيقَّنه، وأحضر للوقوف عليه معاينة وسماعاً.
وأما الإقرارُ فما كان يُؤْخَذُ به المشركون في صدر الإسلام من
الدُّعاء إليه، وهو أنَّهم كانوا يقاتلون، حتى يقولَ الواحدُ منهم: أشهدُ
أنْ لا إلهَ إلا الله، وأنَّ محمداً رسول الله، فيحْقُنُ مالَه ودمَه، فإنما(١)
كان يُراد منهم الإقرارُ بهذا، ألا ترى أنَّ المنافقين على عَهْدِ النبي ◌َّـ
وآله، كانوا يقولون هذا، ويُقِرُّون به في الظاهر، فيصير لهم حُكْمُ
المسلمين، وُبطِنون خلافه؟
قلت: ليس في هذا (٢) التلخيصِ تلخيصٌ(٣).
* الوجه الخامس: في شيء من العربيّة، وفيه مسائل:
الأولى: الضَّمير في ((رَوَّحْتُها)) عائدٌ على الإبل، وقد تقدَّم ذِكْرُها
في قوله: ((كانت علينا رعايةُ الإِبِلِ)).
الثانية: قوله: ((بعشيٍّ)) حال؛ إمَّا من ضميره، أو من ضميرها،
أو منهما معاً.
فى الاصل: ((فى))، والتصويب من ((ت)).
(١)
(٢) في الأصل: ((ليس هذا في))، والمثبت من ((ت)).
(٣) قلت: كتاب الزجاجي شرح وتلخيص كما ذكر في مقدمة كتابه فقال: هذا
كتاب جمعت فيه جمل الألفاظ التي ذكرها الأنباري في كتابة الموسوم:
بـ((الزاهر))، وشرحتها مختصرة موجزة، وحذفت منه الشواهد. كذا نقله
حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (٢ / ٩٤٨).
١٥٠

الثالثة: قوله: ((يحدِّث الناسَ)) حالٌ من الرسولِ وَّةِ، والعاملُ
فيه الضميرُ في ((أدركت))، أو مِنَ الضميرِ في ((قائماً))، وقائماً حالٌ من
الضمير في ((أدركتُ))، کما ذكرناه.
الرابعة: قولُه: ((مِنْ)) للتبعيض؛ لأنَّ الذي أدركَه بعضُ قولٍ، هو
أكثرُ منه، ويجوز على مذهب أبي الحسن: أن تكونَ زائدةً؛ لأنه يجيزُ
زيادَتها في الإثبات، والأول أولى؛ لدلالة السِّاقِ على ما تقدم.
قول آخر: يكون هذا بعض الجملة منه، ومن هذا(١).
الخامسة: قوله: «ما أجودَ هذه))، (ما) هذه هي التي للتعجُّب،
وقد اختلف النحويُّونَ فيها؛ فقيل: إنَّها بمعنى الذي، وقيل: إنها نكرةٌ
بمعنى شيء، أو ما قاربه، وهذا مذهب سيبويه، والأول مذهب
الأخفش(٢)، ولبعض المتكلِّمين اعتراضاتٌ على مذهب سيبويه،
المتأخرون صمّ (٣) عن استماعها.
السادسة: قوله: ((ما أجودَ هذه)) تأنيثٌ [بمعنى الكلمة،
المقصود بها الجملة، والكلمةُ تطلقُ ويراد بها الجملةُ، بل وعلى
ما](٤) يراد [به](٥) الجملُ، كإطلاق الكلمةِ على القصيدة.
(١) جاء في هامش الأصل و((ت)): ((بياض)).
(٢) أنظر ((شرح الجمل)) لابن عصفور (٤٧٠/٢).
(٣) ((ت)): ((صمُّوا)).
(٤) زيادة من ((ت)) .
(٥) زيادة من ((ت)).
١٥١

السابعة: (إذا) هي التي للمفاجأة، قال أبو محمد ابن بَرِّي - فيما
وجدْتُه عنه -: اختلف النحويون في (إذا) التي للمفاجأة:
فاختارَ بعضُهم: أنَّها حرفٌ؛ لأنَّ المفاجأة معنَى من معاني الكلام؛
كالاستفهامِ والنَّفي والتوقُّع، والأصلُ: أنَّ هذه المعاني وما أشبهها،
تُؤْدَّى بالحروف، نحو: قدْ، ومَا، ألا تراهم يقولون: أصلُ أدواتٍ
الشَّرْط: إِنْ، وأصلُ أدواتِ الاستفهامِ: الهمزةُ؛ لحرفَّتِهما (١).
واختار بعضُهم: أنَّها ظرفُ زمانٍ، لأنَّها إذا لم تكن للمفاجأة
كانت ظرفَ زمانٍ بلا خلافٍ، وجعلَها كلمةً واحدةً وضعَتْها العربُ
لظرفٍ زمان، ولم تُخْلِها عنه، وأضافَتْ إلى دِلالتها على الزمان، تارةً
الشرط، أو نحو: إذا قام زيدٌ قُمْتُ، وتارةً المفاجأة في نحو: خرجْت
فإذا السبع، وتارةً جرَّدَتْها عنهما، ومَخَضتها للزمان، نحو: ﴿وَأَيْلِ إِذَا
يَغْشَى﴾ [الليل: ١]، أولى من جعلها لفظاً مشتركاً بين الاسميَّة والحرفيَّة،
أو بين ظرفي الزمان والمكان.
واختار بعضهم: أنها ظرفُ مكانٍ، وهو مذهبُ سيبويه، وعليه
شَرْحُ أبي سعيدٍ، ومذهب الفراء، والمبرد، والأخفش، وأبي عليّ،
وكثير من المحققين؛ لأن معنى المفاجأة: حُضُورُ الشيءِ معك بغتةً،
اتفاقاً، وذلك في مكانٍ فِعْلِكَ الذي باغتك ذلك الشَّيءُ فيه، أَقْعَد في
معنى المفاجأة، وأَدْخَل فيها من حضوره معك في زمان فعلك، وقد
تكلَّمَتِ العربُ فیه علی ثلاثةِ أوجُهٍ :
(١) في الأصل: ((لحرفيتها))، والمثبت من ((ت)).
١٥٢

الأول: خَرَجْتُ فإذا زيدٌ، وله مَحْمَلان مِنَ الإعراب:
أن يكون زيدٌ مبتدأً، و(إذا) خبرَه، وعلى هذا الوجْهِ يتعيَّنُ أن
يكون (إذا) ظرف مكان؛ لأنَّ الحرفَ لا يُفيد مع الاسم الواحد إلا في
النّداء، وظرفُ الزمانِ لا يجوزُ أن يكونَ خبراً عن الحيثِ، فهو نظيرُ
قولِكَ: عندي زَيْدٌ، ولولا تأويلُ (إذا) بـ(عندي) لم يجزْ أن تكون خبراً
بنفسها؛ لعدم الفائدةِ، كما أوَّلوا (ذا) في الصِّفات بصاحبٍ؛ ليصحَّ
وقوعُه صفةً في قولك: هذا رجلٌ ذو مالٍ.
وأن يكونَ (زيدٌ) مبتدأً محذوفَ الخبر؛ لدلالةِ المفاجأةِ عليه؛
أي: فإذا زيدٌ حاضرٌ، وما أشبهَ ذلك، ومحلُّ(١) (إذا) نُصِبَ على
الظَّرف على قول من جَعَلها ظَرْفاً، ولا محلَّ لها على قول من جعلها
حرفاً؛ لأنَّها على هذا الوجه باقيةٌ على احتمالاتها الثلاثة.
الوجه الثاني: خرجْتُ فإذا زيدٌ قائم، يُرْفَعْ (قائم) على أنه خبرُ
(زيد)، و(إذا) ظرفٌ محلُّه النَّصبُ، أو حرفٌ لا محلَّ له.
الوجه الثالث: خرجْتُ فإذا زيدٌ قائماً، بنصْبٍ (قائماً) على
الحال، فإما أن يكون (إذا) ظرفَ مكانٍ خبراً عن (زيد)، كما تقدم،
وإما أن يكون خبرَ (زيد) محذوفاً، وتبقى (إذا) على احتمالاتِها
الثلاثةِ، والعاملُ فيها - عند من يرى ظرفيَّتها - ما دلَّتْ عليه من معنى
المفاجأة، فإذا قُلْتَ: خرجْتُ فإذا السّبعُ، تأويلُه: فاجأَني، أو بَغَتَنَي،
(١) ((ت)): ((فمحل)).
١٥٣

أو حصرَني عند خروجي السَّبعُ، والله أعلم أيتهنَّ(١).
قال الشيخُ العلاَّمة أبو عمرو بن الحاجِب، فيما وجدْته عن
((أماليَّه)»: ومِنْ حَذْفِ الخبرِ قولُهم: خَرَجْتُ فإذا السّبعُ، (إذا) هنا
للمفاجأة، وهي ظرفُ مكان في أصحِّ الأقوالِ؛ لأنَّ معنى المفاجأةِ
خروجُ الشيءِ معك في زَمَنِ وصفِك بالخروج، أو في مكانٍ
خروجِك، وحضورُه معك في زَمَنِ خروجك، ألصقُ بك من حضورِه
في زمنٍ خروجك؛ لأنَّ حصرَ ذاتِك في مكان فعلِك، حين تلبُّسِك به
أمسُّ بكَ من حَصْرِك في زَمَنِ فعلِك، حينَ تلبُسِك به؛ لأنَّ ذلك
المكان يَخُصُّك ذلك الحينَ دون من أشبهك، ذلك الزمن لا يخصُّك
دونَ من أشبهك، وكلَّما كانَ المفاجَأ ألصقَ بالمفاجىء، كانت
المفاجأةُ أقوى، وهي تدلُّ على الوجود، فلا يخلو إمّا أنْ تريد وجوداً
مطلقاً، أو لا تريدَ ذلك، فإن أردتَ الوجودَ مطلقاً، جازَ حذفُ خبر
المبتدأ الواقع بعدَها؛ نحو: خرجت فإذا السَّبعُ، وإن شئت قلت: فإذا
السبع موجودٌ، وإن لم تُرِدِ الوجودَ المطلق، بل المقيَّد، بأنْ تريدَ قياماً
أو قعوداً أو ضَحِكاً، فلا بدَّ من ذكره، إذْ ليس في (إذا) ما يدل على
ذلك القيد؛ لأنّه ليس فيها أكثرُ من مُطْلَقِ الوجود، كما قالوا ذلك في
نحو: زيدٌ في الدار، على [هذا] (٢) التفصيل.
الثامنة: قوله: «جئت آنفاً))، فیه وجهان:
(١) وانظر: ((شرح الرضي على الكافية)) (١/ ٢٧٣)، (٣/ ١٩٢)، و((مغني
اللبيب)) لابن هشام (ص: ١٢٠).
(٢) زيادة من (ت)).
١٥٤

أحدهما: أن يكون ظرفاً، أي: وقتاً مؤتَنِفاً.
والثاني: أن يكون حالاً من الضمير في (جئت)؛ أي: مؤتنفاً.
التاسعة: ((وحدَه)) قال الجوهريُّ - رحمه الله -: الوحدةُ:
الانفرادُ، تقول: رأيتُه وحدَهُ، وهو منصوبٌ عندَ أهلِ الكوفة على
الظَّرفِ، وعندَ أهلِ البصرةِ على المَصْدِرِ في موضع حال، كأنَّك
قلت: أوحدْتُهُ برؤيتي إيحاداً، أي لم أرَ(١) غيّره، ثم وَضَعْتَ (وحده)
في هذا الموضع.
وقال أبو العباس: يَحْتَمِل أيضاً وجهاً آخر، وهو أن يكونَ الرجلُ
في نفسه منفرداً، أو كأنك قلتَ: رأيتُ رجلاً منفرداً انفراداً، ثمَّ
وضعت (وحده) في موضعه.
ولا يضافُ إلا في قولهم: فلانٌ نَسِيْجُ وَحْدِهِ، وهو مَدْحٌ،
وجُحَيْشُ(٢) وحدِهِ، وعُيَيْرُ (٣) وَحْدِهِ، وهما ذَمٌّ. كأنَّك قلتَ: نسيجُ
إفرادٍ، فلما وضعت (وحده) موضعَ مَصْدَرِ مجرورٍ جررتَه.
وربما قالوا: رُجَيلُ وحدٍهٍ(٤).
وقال أبو الحسن بن عصفورِ النحويُّ(٥): اختلفوا فيه؛ فمنهم مَنْ
زعم: أنه انتصبَ انتصابَ الظروفِ، وهو يونس، ويقول: إنَّك إذا
(١) في الأصل: ((في))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((نحس))، والصواب ما أثبت.
(٣) في الأصل و((ت)): ((عصير))، والصواب ما أثبت.
(٤) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٥٤٧ - ٥٤٨).
(٥) انظر: ((شرح الجمل)) له (١٦٢/٢).
١٥٥

قلت: زيدٌ وَحْدَهُ، فالمعنى: جاء زيدٌ على حيادة، فكأن الأصلَ: جاء
زيد على وَحْدةٍ، ثم حُذف حرفُ الجَرِّ، ونُصِبَ [كما](١) يُعمَلُ
بالمفعولِ إذا حُذِفَ منهُ حرفُ الجَرِّ، وحُكِيَ من كلام العرب: جَلَسا
على وحدَيْهِمَا.
ومنهم من قال: إنَّ مصدرٌ موضوعٌ موضعَ الحالِ، والقائلون
بهذا :
منهم مَنْ يقول: إنّه مصدرٌ لمْ يُلْفَظ له بالفعل مثل: الأبوَّة،
والأخوَّة، والعمومَة، ويَحْتَجُّ الأول بأنْ يقولَ: قد وجدنا مصدرَ
(أَفْعَلَ)، يأتي على وزن مصدر (فَعَل)، ويأتي مصدر (تَفَعَّل) على وزن
مصدر (فَعَّل)، مثال الأول: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح: ١٧]،
فنبات مصدر أَنْبَتَ، لكنَّه على تَوَهُّم حَذْفِ حرفِ الزيادة، وذلك أن
(أَفْعَلَ) لا يأتي مصدرُه إلا إِفْعالاً، فجاء مصدرُ أنبت على نبَاتٍ على
توهُّمِ حذفِ حرفِ الزيادة، ومصدر تَفَعَّل تَفَعُّلاً، نحو تَكَرَّم تكُّماً،
وقال تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَّبِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، وتبتيلٌ إنَّما هو مصدرُ
بثَّلَ، فجاء على حَذْفِ حرفِ الزيادة، وكذلك (وحده).
ومنهم من قال: إنَّه اسمٌ موضوع [موضعَ](٢) المصدرِ الموضوعِ
موضعَ الفعل؛ أعني: فعلَ الحالِ، وهو الأصح.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
١٥٦

وأمَّا مَنْ قال: إنَّه ظرفٌ، فباطلٌ؛ لأنَّ حذفَ [حرف](١) الجر
لا يجوز بقياس، ومهما أمْكَنَ أنْ يخرج عن حذف [حرف](٢) الجرِّ،
فهو أحسن.
وأما من قال: إنه مصدرٌ موضوعٌ موضعَ الحالِ علی توهُّمِ حذفٍ
الزيادة، أو مصدرٌ لا فِعْلَ له، فباطلٌ أيضاً؛ لأنَّ هذه المصادرَ
الموضوعةَ موضعَ الأحوال تَتصرَّفُ، وهذا لا يتصرّفُ، فدلَّ على
بطلانِ مذهبهم.
فلم يبق إلا ما ذهبَ إليه سيبويهِ؛ مِنْ أَنَّه اسمٌ موضوعٌ موضعَ
المصدرِ الموضوع موضعَ الحال، فـ(وحده) عندَ سيبويهِ موضعَ(٣)
(اتحاد) الموضوع موضع (موحد)، وإذا قلتَ: ضربتُ زيداً وَحْدَه،
ففيه خلاف :
ومذهب سيبويه: أنَّه حالٌ من الفاعل، كأنه [إذا](٤) قال: ضربْتُ
زيداً وحده، قال: مُفْرِدَاً له بالضَّرب(٥).
والمبرِّدُ يقول: إنّه يجوز أن يكون حالاً من المفعول، فإذا قلتَ:
ضربتُ زيداً وَحْدَه، فمعناه: ضربت زيداً في حالٍ أنه مُفْرَدٌ بالضَّربِ(٦).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((موضوع))، والمثبت من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٣٧٤).
(٦) انظر: ((المقتضب)) للمبرد (٣/ ٢٣٩).
١٥٧

ومذهبُ سيبويه أحسنُ؛ لأنَّ وضعَ المصادرِ موضعَ اسمِ الفاعل
أكثرُ وأَطْرَدُ من وضعِها موضعَ المفعولِ، ولا يجوزُ في (وحده) الرفعُ،
ولا الخفضُ، إلا ألفاظاً شاذَّة، لا يُقاس عليها، وهو عُيَيُْ(١) وحدِهِ،
وجُحَيْشُ وحدِهِ.
العاشرة: النحويون يقولون في (لا إلهَ إلا الله)، وأمثاله: إنَّ خبرَ
(لا) محذوفٌ، ويقدرونه بـ: لا إله لنا موجودٌ، أو ما أشبه [ذلك](٢)،
ونازَعهم في ذلك بعضُ أكابرِ المتكلِّمين، بناءً على أنَّ النفيَ للماهيَّة
منْ غيرِ قيدٍ أعمُّ من نفيها بقيدٍ، والتقديراتُ المذكورةُ مقيَّدَةٌ، فكان
الأولُ أولی.
الحادية عشرة(٣): قوله: ((لا شريكَ له)) فيه وجهان :
أحدهما: أن يكون (له) خبرٌ يتعلَّقُ بما تتعلق به المجروراتُ إِذا
كانت أخباراً(٤).
والثاني: أن تكونَ (له) صفةً، فتتعلقُ بمحذوف أيضاً، ويكون
في محله وجهان، ولا يتعلق بـ((شريك))؛ لأنَّه حينئذٍ يطولُ، فلا يُبنى،
ويلزم تنوينُه، وذكر الزمخشريُّ في قوله: ﴿لَا تَثْرِيِبَ عَلَيْكُمُ
(١) في الأصل و((ت)): ((عوير))، والصواب ما أثبت.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) جاء في الأصل في هذه المسألة وبعدها ((عشر)) بدل ((عشرة)).
(٤) في الأصل: ((آحاداً))، والمثبت من (ت)).
١٥٨

اَلْيَوْمٌ﴾ [يوسف: ٩٢] (١).
الثانية عشرة: ذكرَ بعضُ المشهورين بعلم النَّظرِ في عَصْرِنا، في
كلامه على (لا إله إلا الله) فيما وَجَدْتُه عنه: اتفقَتِ النُّحاةُ على أنّ
محلّ (إلا) في هذه الكلمةِ محلُّ (غير)، والتقدير: لا إله غيرُ الله (٢)،
كقول الشاعر [من الوافر]:
لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ (٣)
وكُلُّ أخ يفارِقُهُ أخُوهُ
أي: غير الفرقدین.
قال تعالى: ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُّ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]؛ قال:
والذي يدل على الصحة: أنا لو حملنا (إلا) على الاستثناء، لم يكن
قولنا: (لا إله إلا الله) توحيداً مَحْضَاً، فإن تقديرَ الكلام: لا إله مستثنى
عنهم اللهُ، ولا يكون نَفْيَاً لآلهةٍ لا يُستثنى عنهم اللهُ، بل عند من يقول
بدليل الخطاب يكون إثباتاً لذلك، وهو كُفْرٌ، ولَمَّا أجمعتِ العقلاءُ على
(١) جاء على هامش ((ت)): ((بياض)) ولم يشر إليه في الأصل ((م)). قلت:
قال الزمخشري في ((الكشاف)) (٢/ ٤٧٣): فإن قلت: بم تعلق اليوم؟
قلت: بالتثريب، أو بالمقدر عليكم من معنى الاستقرار، أو بـ: يغفر،
والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم
بغيره من الأيام، انتهى. قلت: لعل المؤلف رحمه الله أراد من كلام
الزمخشري على الآية ما ذكرته، والله أعلم.
(٢) في الأصل: ((غيره))، والمثبت من ((ت)).
(٣) البيت لعمرو بن معدي كرب، كما نسبه إليه سيبويه في ((الكتاب))
(٢/ ٣٣٤)، وابن جرير في ((تفسيره)) (٥/ ١٦١)، والمبرد في ((الكامل))
(٣/ ١٤٤٤)، وغيرهم.
١٥٩

أنَّه يفيدُ التوحيدَ المَحْضَ، وجبَ حَمْلُ (إلا) على معنى (غير).
هذا معنى ما وجدْتُهُ(١) عنه، فأمَّا حملُها على ذلك في قوله
تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ ءَالِهَةُّ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا﴾ [الأنبياء: ٢٣] على أنّ (إلا)
بمعنى (غير)، فهذا مشهورٌ عند النُّحاة، وقد(٢).
الثالثة عشرة: قولُه: ((يدخُلُ مِنْ أيُّها شاء)) حالٌ منه، أي: ضميرُ
القائل، ويحتمل أن يكونَ حالاً مقدَّرة؛ لأنَّ التفتيح لا يكونُ في حال
الدخولِ، والله أعلم.
الوجه السادس: في شيءٍ يتعلق بالألفاظ غيرِ ما تقدَّم، وفيه
مسائل :
الأولى: قولُه - عليه الصلاة والسلام -: ((مُقْبِلاً عليهما بقلبِهِ
ووجهِهِ)) فيه أنواعٌ من المجازِ:
أحدها: استعمالُ الوجْهِ.
والثاني : استعمال القلب.
والثالث: ما يدل عليه العطفُ من المغايَرَةِ ظاهراً.
والرابع: استعمال لفظٍ (الإقبال).
والخامس: استعمالُ لفظَةِ (٣) (على).
(١) في الأصل: ((وجد))، والمثبت من ((ت)).
(٢) جاء في هامش ((ت)) والأصل: ((بياض)).
(٣) ((ت): ((لفظ)).
١٦٠