النص المفهرس

صفحات 81-100

الحديث الحادي والعشرون
وعن أَنَسٍ - رضيَ اللهُ عنه - قال: كانَ رسولُ اللهِ﴾ يتوضَّأُ
بالمُدِّ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ، إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ لفظ رواية مسلم، وهو
متفق علیه(١)
قد تقدم ذکر أنس رضي الله عنه.
الكلام علیه من وجوه:
* الأول: في تصحيحه: وقد ذكرنا أنه مثَّفقٌ عليه، وهو راجع
(١) * تخريج الحديث:
رواه البخاري (١٩٨)، كتاب: الوضوء، باب: الوضوء بالمد، ومسلم
(٣٢٥/ ٥١)، كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من الماء في غسل
الجنابة، من حديث مسعر، عن عبدالله بن عبدالله بن جبر، عن أنس، به .
ورواه مسلم (٣٢٥/ ٥٠)، كتاب: الحيض، باب: القدر المستحب من
الماء في غسل الجنابة، والنسائي (٣٤٥)، كتاب: المياه، باب: القدر
الذي يكتفي به الإنسان من الماء للوضوء والغسل، من حديث شعبة، عن
عبدالله بن عبدالله بن جبر، به.
ورواه أبو داود (٩٥)، كتاب: الطهارة، باب ما يجزىء من الماء في
الوضوء، من حديث عبد الله بن عيسى، عن عبد الله بن جبر، به.
٨١

إلى رواية ابنٍ جبرٍ، عن أنس، والبخاريُّ أخرجه عن أبي نعيم، ومسلم
عن قتيبة، عنَ وكِيع، كلاهما عن مِسْعَر، عن ابن جبر، [ورواه شعبة، عن
عبدالله بن جبر](١)، ومن طريقه أخرجه مسلم، والنسائي، ورواه عبدالله
ابن عیسی، عن عبدالله بن جبر، ومن طريقه أخرجه أبو داود.
وفي الألفاظ اختلافٌ، فلذلك صُرِّحَ بأنَّ اللفظَ لمسلمٍ، يعني:
من بعضٍ الوجوه، التي هي رواية مسعر.
* الوجه الثاني: في شيء من مفردات ألفاظه:
[الأولى]: الصاع: يُطْلق على المكيال الذي يُكال به، وهو
المراد هاهنا، رأيتُ التمر يُصاع، أي: يُكال بالصاع، ويطلق على
المطمَئِنِّ من الأرض، قال المسيَّب بن عَلَس، بفتح العين المهملة
واللام معاً وآخرُهُ سِيْنٌ مهملة [من الكامل]:
مَرَحَتْ يداها للنَّجاءِ كأَنَّمَا تَكْرُوبِكَفَّي لاعِبٍ فِي صَاعِ
يقال: كروتُ بالكرة أكرو بها كَرْواً: إذا لعبتُ، وضربتُ بها.
والصَّاعُ بمعنى المطمئِنِّ من الأرض، وإن ذكر في سياقة المجاز
عن هذه المادة، فلعلَّ الأقربَ: أنه مُشْتَرَكٌ لخفاءِ العلاقةِ، وعدمِ
مبادرة الذِّهنِ إليها، ويطلق الصَّاعُ - أيضاً - على وجه آخر، [يقال:
(١) زيادة يقتضيها السياق، وقد سقطت من الأصل و((ت)).
٨٢

ضرَبَه في صَاعِ صَدْرِهِ، وصاعٌ خوجِيَّةٌ، وسيق ذلك في المجاز](١)،
وهذا قريب؛ لأن الصَّدْرَ جامعٌ، حاوٍ لما تحته، كجَمْع الصَّاعِ، أي:
لما يحويه، فالعلاقة الاحتواءُ والجمعُ.
وربما عُدَّ - أيضاً - في المجاز(٢) قولهم: الرَّاعي يصوعُ إِيلَه،
والكَمِيُّ يصوعُ أَقْرانه، والتَّيس يصوع المَعْزِ، قال الشاعر [من الوافر]:
يَصُوْعُ عنوقَها أحوى زنيمٌ له ظَأَبٌّ كَمَا صَحِبَ الغَرِيمُ(٣)
ولعلَّ العلاقة في هذا الحوز والجمع من النواحي.
وما يقرب من هذه المادة: صوَّعَ الطارقُ موضعاً للطُّروق: هِيَّأْه
وسوَّاه.
ويمكن أن تكون العلاقةُ التسويةَ؛ فإن الصَّاعَ يسوِّي المكيلةَ،
وأما التَّصَوُّع: بمعنى التفرق، كقول ذي الرُّمة [من الطويل]:
عَسفْتُ اعْتِسافاً دونَها كلُّ مُذْهِلٍ
تظلُّ بها الآجالُ عنِّي تَصَوَّع(٤)
أي: تَفَرَّقُ، وكذلك انصاع: بمعنى انفتلَ راجعاً، ومرّ مسرعاً،
تقول: صِعْتُ الشيء فانصاعَ، أي: فرَّقْتُه فتفرَّقَ، ففي ردِّ هذا إلى
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((وربما عد في المجاز أيضاً)).
(٣) البيت لأوس بن حجر، كما نسبه إليه ابن سيده في ((المحكم)) (٢ / ٣٠١)،
والأزهري في ((تهذيب اللغة)) (١/ ١٦٩)، وابن منظور في ((لسان العرب))
(١ / ٥٦٨).
(٤) انظر: ((ديوانه)) (٣٥٢/١).
٨٣

معنى الصاع بالاشتقاق، وجَعْلِها من مادة واحدة بُعدٌ(١).
الثانية: يجمع الصَّاعُ على أَصْوُع - بسكون الصّاد وضمِّ الواو -
كأفْلُس، وعلى صِيْعَان، وأصواع(٢).
: الوجه الثالث: في شيء من العربية، وفيه مسائل:
الأولى: ((الباء)) في قوله: ((بالمد وبالصاع)) للاستعانة.
الثانية: لا بدَّ من حذفِ مُضافٍ، أي: يَغْتَسِلُ بملء مُدٍّ، أو بملء
صاع من الماء.
الثالثة: إذا جُمِعَ الصَّاعُ على أصْوُع، جاز أن تُبْدَلَ واوه همزةً؛
لأن الواو إذا كانت عيناً مضمومة، جاز أن تُقْلبَ همزة بشرطين:
أحدهما: أن تكون غير مضاعَفَةٍ؛ احترازاً من التقول، فإنها
لا تقلب؛ لأنها مضاعفة.
الثاني: أن لا تكون للإلحاق؛ [احترازاً من التسهيل، وما هو على
بنيته، فلا تُقلب فيه الواو همزة؛ لأنها للإلحاق](٣)، فلو قلبت، إن
الهمزة غير منقلبة (٤)، وأنها صيغت بذاتها للإلحاق، وهذان الشرطان
(١) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٢/ ٣٠١)، و((الصحاح)) للجوهري
(٣/ ١٢٤٦)، و((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٢٦٤).
(٢) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٣٦٤)
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) جاء فوقها في ((ت)) إشارة تدل على خلل في السياق.
٨٤

موجودان في أصوع، فجاز قَلْبُ الواوِ همزةً، قال الجوهريُّ: وإنْ شئتَ
أبدلتَ من الواو المضمومةِ همزةً(١)، يعني: في أصوع.
الرابعة: ((إلى)) لانتهاء الغاية حقيقةً، فقوله في الحديث: ((إلى
خمسة أمداد)» الأقرب(٢) أنه انتهاء لغايةِ الزيادةِ، بمعنى: أنه يَغْتسل
بالصاع، وقد يزيد عليه إلى خمسة أمداد؛ لأن الصَّاع أربعة أمداد.
* الوجه الرابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: قد ثبتَ بالنصوص والظواهر: أن الواجب هو الغسل،
ومقتضى ذلك أن يكتفى بالمُسَمَّى، فحيث حصلَ، حصلَ الإجزاءُ،
وحيثُ نقص، لم يحصُلِ الإجزاء، ومقتضى ذلك: عدمُ التحديد فيما
يُتَوَضَّأ به ويغتسل، وليس في الحديث دلالةٌ على عدم الاكتفاء بما دون
المقدارين المعيَّنَيْن، أعني: المدَّ والصاعَ، فلا تُعارَض الظواهرُ في
الاكتفاء بالمسمَّى إذا نقَص عن ذلك، إنْ أمكن أن يحصُل المسمَّى بما
دون المقداریْن المذكوریْن.
الثانية: المنقول عن الشافعي - رحمهُ الله - أنه قال: ((وبلغنا أن
النبي ﴿ توضَّأ بالمُدِّ، واغتسل بالصَّاع»، وفي هذا ما دل على أن
لا وقت فیه إلا کماله(٣).
(١) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (٣/ ١٢٤٧).
(٢) ((ت)): ((أعني)) بدل («الأقرب)).
(٣) انظر: ((السنن الكبرى)) للبيهقي (١ / ١٩٤).
٨٥

قلت: دلالته على أن لا وقت بالنسبة إلى الزيادة، ظاهرٌ؛ لأنه لو
كان الواجبُ أمراً زائداً على هذا المقدار، لما اكتفى بهذا المقدار.
وأما دلالته على أن لا وقت، فيما دون هذا المقدار إلا كَمَالُه،
ففيه نظر، وسيأتي في المسألة بعدها ما يشير إليه.
والذي يدل على عدم التحديد مطلقاً: هي الظواهر التي اقتضت
تعليقَ الحكمِ بمسمَّى الغسل، أو بمسمى الإفاضة.
الثالثة: حكي عن محمد بن الحسن - رحمه الله - أنه قال:
لا يمكن المُغْتَسِل أن يَعُمَّ جسدَه [بأقلَّ من صاع، ولا المتوضىء أن
يسبغ أعضاء وضوئه](١) بأقلَّ من مُدٍّ.
قال بعض الشارحين المتأخرين: وفي هذا نظر؛ فإنه قد رُوِيَ
عن النبي ◌ّر: ((أنه توضأ بثلثي مد)).
قلت: هذا النظر الذي ذكره، يحتاج إلى تحقيق، فإن هذا الذي
ذكر فيه ثلثا المد مذكور في حديث الرُّبَيِّع بنتِ معوِّذ: ((أنه وَ﴿ أَتَيَ بماءٍ
قَدْرَ ثلثي المُدّ)(٢)، فحمله هذا الشارح على مُدّ النبي ◌َِّ، وبه يتمُّ رُه
(١) ما بين معكوفتين سقط من الأصل و((ت))، وأثبته من كلام المؤلف
رحمه الله الآتي في هذه الفائدة.
(٢) رواه أبو داود (٩٤)، كتاب: الطهارة، باب: ما يجزىء من الماء في
الوضوء، والنسائي (٧٤)، كتاب: الطهارة، باب: القدر الذي يكتفي به
الرجل من الماء للوضوء، لكن من حديث أم عمارة نسيبة بنت كعب رضي
الله عنها، ولم أقف على رواية الربيع رضي الله عنها في هذا الباب، فلا أدري
إن كان هناك سبق قلم، أو أنها مروية لكنني لم أهتد إليها، والله أعلم.
٨٦

ونظره، لكن المد مدان: مُدُّ النبي ◌ََّ، ومُدُّ هشام بن إسماعيل، وهو
أَزْيَدُ من المُدِّ الأول، قيل: بثلث، وقيل: بنصف(١)، فإذا كان كذلك،
و
وكان الإخبار عنه، لم ينقَصِ الذي توضأ به النبي ◌َّ﴿ عن مُدِّه، لكنَّ
ذلك يتوقف على تاريخ موتِ الرُّبَيِّع، ومدة ولايةِ إسماعيل، وهل
أدركَتْ زمن هشام بن إسماعيل، أو لا؟
فإن كان يمكن اجتماعُهما، فلا دلالةَ، لجواز أن تكونَ أرادت
مُدَّ هشام، ولا تتوهمنَّ أنَّ قولها: ((فأُتِيَ بماءٍ قَدْرَ ثلثي المد)) يتعين لِئَنْ
يكونَ بمُدِّ النبيِّ بَّر؛ لأنَّها إذا أدركت مد هشام، جازَ أن يعين ما كان
أولاً عند المقدار بثلثي المقدار الحاضر عند إخبارها.
والمنقولُ عن ابنٍ شعبان وهو المالكي القُرْطي(٢)، بضم القاف،
وسكون الراء، والطاء المهملة، كأنه نسبةٌ إلى قُرْطة(٣)، الموضع الذي
بين الثَّوبة وأسْوان، نقل عنه: أنه قال: لا يُجْزِىءُ في الغُسْلِ أقلُّ من
صاع، ولا في الوضوء أقلُّ من مُدِّ(٤).
(١) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (٢ / ١٨٧).
(٢) هو الإمام العلامة شيخ المالكية أبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان
العماري المصري المعروف بابن القرطي، له تصانيف بديعة منها كتاب:
(الزاهي)) في الفقه، و((أحكام القرآن))، و((مناقب مالك))، توفي سنة (٣٥٥هـ).
انظر: ((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٣/ ٢٩٣)، و((سير أعلام النبلاء))
للذهبي (١٦ / ٧٨).
(٣) وقال الذهبي في ((السير)) (١٦ / ٧٨): نسبة إلى بيع القرط.
(٤) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢/ ١٦٢).
٨٧

وهذا إن كان إخباراً عن أمر شرعيٍّ، بناءً على أمر وجودي، كأنه
قيل: لا يحصل في الوجود مسمَّى الغُسْل بدون هذا: فلا يجزىء
ما دون هذا، فهذا يعودُ إلى ظاهر كلام محمد بن الحسن الذي
قدَّمناه، فإنه يقتضي الإخبارَ عن الأمر الوجودي بقوله(١): لا يمكن
المغتسلَ أن يَعُمَّ جسدَه بأقلَّ من صاع، ولا المتوضىءَ أن يسبغَ أعضاءَ
وضوئه بأقل من مُدٍّ .
وإن كان إخباراً عن أمرٍ شرعي، بمعنى: أن الدليل الشرعيَّ
يقتضي عدمَ الاكتفاء بما دون ذلك، فهل يحتاج إلى دليل شرعي،
يعلق حكم الإجزاء بهذا المقدار، وعدم الاكتفاء بما دونه؟
الرابعة: يمكنُ أن يستدل لمذهب ابن شعبان، بناء على القول:
بأنَّ الفعل للوجوب، مع ضميمة دليلِ التأسِّي إلى الفعل، فإن ذاك
يقتضي وجوبَ هذا المقدار، وفيه بحثٌ؛ فإنا إذا جعلنا الحكم مُداراً
على مسمى الغُسْل، وأمكن حصولُه بما دون هذا المقدار، فلا يتنافى
وصفُ هذا المقدار بالوجوب، مع جوازِ الاقتصار على ما دونه بناءً
على [أن](٢) ما جاز الاقتصارُ عليه في الواجب بالنسبة إلى الشيء
الواحد إذا مُدَّ، هل تتصف الجملة بالوجوب، كما في مَدِّ الركوع أكثرَ
من الطمأنينةِ الواجبةِ، [و](٣) كما في مَدِّ مَسْح الرأس إذا لم يقدر أقله،
(١) ((ت)): ((لقوله)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
٨٨

فمدعي عدم جواز الاقتصار على ما دون ذلك، يحتاجُ إلى إبطال هذا
المذهب، فتأمَّلْ هذا البحث، وتنبّه له.
وقد يُستدل بمفهوم حديثٍ جاء في ((المسند)) عن أحمد - رحمه
الله - من حديث جابر قال: قال رسول الله وَّه: ((يُجْزِئُ من الغَسْلِ
الصاعُ، ومن الوضوء المُدُّ))(١).
الخامسة: المشهور المعروفُ أن المُدَّ والصاعَ مقداران مُعَيَّنان،
لا يختلفان باختلاف المَكِيْلات، وبعضُ الشافعية فرَّق بين صاع
الوضوء، وصاع الزكاة، فقال: صاعُ الجنابة ثمانيةُ أرطالٍ، والمُدُّ منهَ
رطلان، بخلاف صاع الزكاة، وذكر في صاع الجنابةِ أنّه رواه أنس؛ حكاه
أبو المحاسن الروياني الشافعي(٢) صاحب كتاب ((بحر المذهب))، قال:
وقال بعض أصحابنا(٣). وهذا القول حكاه أيضاً بعضُ المتأخرين.
قلت: وقد روي عن موسى الجُهَنِيِّ، قال: أَتِيَ مجاهدٌ بقَدَح
حزرتُهُ ثمانية أرطال، فقال: حَدَّثَتْني عائشةُ: أن رسول الله وَّهِ كانَ
يَغْتَسِلُ بمثلِ هذا. أخرجه النسائي(٤).
(١) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٣/ ٣٧٠)، وابن خزيمة في ((صحيحه))
(١١٧)، والحاكم في ((المستدرك)) (٥٧٥)، وغيرهم بلفظ: ((يجزىء من
الوضوء المد، ومن الجنابة الصاع)) .
(٢) في الأصل: ((عن الشافعي))، والمثبت من ((ت)).
(٣) انظر: ((بحر المذهب)) للروياني (١ / ٢١١).
(٤) رواه النسائي (٢٢٦)، كتاب: الطهارة، باب: ذكر القدر الذي يكتفي به
الرجل من الماء للغسل. قال ابن عبد الهادي في ((تنقيح التحقيق))
(٢ / ٢٥٦): هذا إسناد صحيح، وموسى بن عبدالله الجهني وثقوه.
٨٩

السادسة: إذا قلنا بالمشهور، وهو أن الصاع لا يختلف مقداره،
فقد اختلفوا في مقداره:
والمشهور: أنه خمسةُ أرطال وثلث، والمد رطل وثلث، وهذا
مذهب أهل الحجاز.
ومذهب أبي حنيفة: أنَّ الصَّاع ثمانيةُ أرطال.
وقد رجع أبو يوسف - رحمه الله - إلى مذهب أهلِ الحجازِ، لَمَّا
اجتمع بمالك، وتناظرا في المسألة، فاحتجَّ مالكٌ بصيعان أهلِ المدينة
المتواترة، وأحضَرها، أو بعضها، فرجعَ أبو يوسف، وأخبرَ النَّاسَ
برجوعِهِ عندَ وصوله العراقَ(١).
السابعة: هذا الحديثُ، وحديثُ عبدالله بن عمرو الماضي،
كيف ما كان يدل على الاقتصاد في الماء الذي يُتَطَهَّر به .
الثامنة: الشافعي - رحمه الله - يَسْتَحبُّ أن لا ينقصَ عن هذين
المقدارين في الوضوء والغُسْل(٢)، وقد تبين أنه لا يَلْزم من استحباب
الشيءٍ كراهةُ ضدِّه، فمَنْ أراد أن يُثْبِتَ الكراهةَ في الاقتصارِ على
ما دون ذلك، يحتاج إلى دليل غير دليل استحباب الفعل، وعند
الطبراني حديثٌ عن أبي أمامة: أن رسول الله وَّهِ توضَّأ بنِصْفِ مُدّ،
ويُحتاج إلى النظر في إسناده(٣).
(١) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (١/ ١٤١)، و((شرح عمدة الأحكام)) للمؤلف
(١ / ١٠٧).
(٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٢ / ١٨٩).
(٣) قلت: الحديث رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٠٧١)، وابن عدي =
٩٠

التاسعة: كما يدل على استحباب الاقتصاد في ماء الطَّهارة،
فكذلك يدل على أن الغايةَ التي زادها النبيُّ وَّ ليستْ داخلةً في باب
الكراهة، ولا خارجةً عن الاقتصاد المطلوب.
العاشرة: [إذا أردنا أخذَ استحباب عدم](١) النقصانِ عن هذا
القدر الذي في الحديث، أو الكراهة للنقصان عنه، إن قيلَ بها،
فالأجسام تختلف في الحاجة إلى مقدار ما يحصل به مُسَمَّى الغُسْل،
كاختلافها بحسب العَبَالَةِ(٢)، والضخامة وضدها، [و](٣) بحسب الليونة
والقشافة والغلظ، وما هو ضد ذلك.
فأما استحبابُ عدم النُّقصان، فجِيِّد؛ لأن بدنَ النبيِ نَّ كان
الدرجةَ العاليةَ من اللِيْنِ، كما شهد به حديث أنس: ما مَسستُ بيدي
ديباجاً، ولا حريراً، ألينَ من كفِّ رسولِ الله بَّهِ(٤)، فإذا دلَّ الاقتصارُ
= في ((الكامل في الضعفاء)) (٤ / ٨٠)، ومن طريقه: البيهقي في ((السنن
الكبرى)) (١ / ١٩٦)، من طريق الصلت بن دينار، عن شهر بن حوشب،
عن أبي أمامة، به. قال البيهقي: والصلت بن دينار متروك لا يفرح
بحديثه. وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (١ / ٢١٩): أجمعوا على
ضعفه .
(١) سقط من ((ت)).
(٢) العَبَالة: بمعنى الضخامة.
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) رواه البخاري (٣٣٦٨)، كتاب: الأنبياء، باب: صفة النبي ◌ِّر، ومسلم
(٢٣٣٠)، كتاب: الفضائل، باب: طيب رائحة النبي ◌َّ، ولين مسه،
والتبرك بمسحه .
٩١

على هذا القدر في قريب من هذه الليونة، فلأَن يدلّ على عدم
استحباب الاقتصار فيما هو أخشنُ منها وأغلظُ من باب الأولى، وهذا
بخلاف الكراهة، فإنه لا يلزَمُ من عدم كراهة الاقتصار على هذا القدر
في البدن الليِّن عدمُ الكراهةِ لما دونه في البدن الخشن.
الحادية عشرة: تَصَرَّف شيخنا أبو محمد ابن عبد السلام - رحمه
الله - تصرُّفاً أخصَّ من هذا، فجعل للمتوضَّىء والمغتسل ثلاثةَ
أحوال :
إحداهنَّ: أن يكون معتدلَ الخَلْقِ؛ كاعتدال خَلْق رسول الله
وَّ، فيقتَدِي به في اجتنابِ التنقيصِ عن المُدِّ والصَّاعِ.
الحالة الثانية: أن يكون ضئيلاً لطيفَ الخَلقْ، بحيث يعادلُ
جسدُه بعضَ جسدٍ رسولِ الله وَّهِ، فِيُسْتَحَبُّ له أن يستعملَ من الماءِ
ما تكونُ نسبتَه إلى جسده كنسبة المد والصاع إلى جسدِ رسولِ الله ◌َل﴾ .
الحالة الثالثة: أن يكونَ مُتَفَاحِشَ الخَلْقِ في الطُّول والعرض،
وعِظَمِ البَطْن، وتخامَةِ الأعضاء، فيستَحَبُّ أن لا ينقص عن مقدارٍ
تكون نسبتُه إلى بدنه، كنسبة المد والصاع إلى رسول الله صل﴿، كذا
ذكر(١).
الثانية عشرة: هذا النوع - أعني: مراعاةَ هذا القدر - فرعٌ من
فروع قاعدةٍ شرعية؛ وهي الاقتصاد في المصالح والطاعات،
(١) انظر: ((قواعد الأحكام)) العز بن عبد السلام (٢ / ١٧٥).
٩٢

والاقتصاد رتبةٌ بين رتبتين، ومنزلةٌ بين منزلتين :
فالمنزلة الدنيا: التقصيرُ في جلبِ المصالحِ، وهو مذموم.
والمنزلة القُصوى: الإسرافُ في جَلْبها، ويدخل فيه الغلوُّ في
الدينِ والتنطَّعُ، وهو مذموم.
والاقتصاد: التوسُّط بينهما، وهو محمود، كما قيل الحسنة بين
السيئتين؛ بمعنى: أن التقصير سيئةٌ، والإسرافَ سيئةٌ، والحسنةُ
ما توسط بين الإسراف والتقصير، وخيرُ الأمور أوساطها، وهاهنا أمرٌ
دقيقٌ عَسِرٌ في العلمٍ به، وفي العمل في مواضع:
منها: الفرق بين الوَرَعِ والوَسْوَاسِ، فإن الوسواسَ مذمومٌ،
والورعَ محمودٌ.
وآخرُ كل مرتبة تلي الأخرى، وأولُ الأخرى تلي آخرَ الأولى،
وهذا في الأخلاق والشجاعة والتهوُّر؛ فإنَّ الشجاعةَ محمودةٌ، فإذا
زادت على القدرِ المطلوبِ، انتهت إلى التهوُّر المذموم.
وكذلك التحرز والاحتياط والنظر في العواقب محمودٌ، فإذا
أفرط، انتهى إلى الجُبْنِ والخَوَرِ المذموم.
فهذا هو العسر في معرفة التوسط علماً وعملاً، حيث تتقارب
المراتب، فأما إذا تباعدت، فلا إشكال.
ولمرتبة الاقتصاد في الشرع أمثلة:
أحدها: التوسط في الإنفاق ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ
يَقْتُرُواْ﴾ [الفرقان: ٦٧].
٩٣

وثانيها: التوسط في العبادة، وعدم تكليف النفس ما لا تطيقُ
الدوام عليه، وتؤدي إلى الملالة والسآمة ((إنَّ هذا الدينَ متينٌ، فَأَوْغِلْ
فيه بِرفْقٍ، ولا تُبُغِّضْ إلى نفسِك عبادةَ الله)(١).
((ألا هلك المتنطُّعون))(٢).
وقيل لرسول الله وَاليه: هذه الحولاءُ بنتُ تويت، لا تنامُ الليل،
فقال: ((لا تنام الليل! اكلفوا من العملِ ما لكم به طاقة))(٣).
وروى بعض الصحابة النهي عن التبتُّل، فقال: ولو أُذِنَ لنا،
لاختصينا (٤).
(١) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٣/ ١٩)، وفي ((شعب الإيمان))
(٣٨٨٦)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما،
وإسناده ضعيف، ولقوله: ((إن هذا الدين متين، فأوغل فيه برفق)) شاهد
عند الإمام أحمد، فهو حسن إن شاء الله.
وانظر: ((السلسلة الضعيفة)) (٥ / ٤٧٩).
(٢) رواه مسلم (٢٦٧٠)، كتاب: العلم، باب: هلك المتنطعون، وأبو داود
(٤٦٠٨)، كتاب: السنة، باب: في لزوم السنة، واللفظ له، من حديث
ابن مسعود رضي الله عنه.
(٣) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ١١٨) بلاغاً، ووصله ابن عبد البر في
((التمهيد)» (١ / ١٩١)، من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٤) رواه البخاري (٤٧٨٦)، كتاب: النكاح، باب: ما يكره من التبتل
والخصاء، ومسلم (١٤٠٢)، كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح
لمن تاقت نفسه إلیه، من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
٩٤

ورَدَّ النبيُّ وََّ على عبدالله بن عمرو التزامَه قيامَ الليل، وصيامَ
النهار، ولم يُقِرَّه على طلب كثرةِ التلاوةِ، التي رامَها(١).
وثالثها: ما تعلق بالزيادة في لذات الدنيا، فإن الشرعَ دل على طلبٍ
الزهدِ في الدنيا، وذمّ قوماً أذهبوا طيباتهِم في حياتهم [الدنيا](٢)، فتكلَّف
قومٌ من أهل الرِّيادة أموراً شاقة(٣)، والتزموا تركَ مباحاتٍ؛ كالزواجِ،
وأكلِ بعضِ الطيِّباتِ، فردَّ عليهم؛ قال عليه أفضل الصلاة والسلام:
(من رَغِبَ عن سُنَّتِي، فليسَ مِنِّي)) (٤)، وقصة عثمان مع عامر بن عبد قيس
- رضي الله عنهما - أحد الثمانية الزهاد، مذكورة.
ورابعها: الشريعة طافِحَةٌ بمجاهدَةِ النفس، ورَدْعِها عن
شهواتها، وأخلاقِها المذمومة، فتكلَّف المتعبِّدون والمتصوِّفون أفعالاً
شاقّة، قصدوا بها المجاهدة، وتوغَّلوا(٥) في ذلك، فكان هذا في
جانب الفعل، كما تقدَّم في جانب التَّرك، من الامتناع عن المباحات،
وأُنكِر بعض ذلك، وقيل(٦): إنه تصرُّف في المملوك بغير إذن المالك،
(١) كما تقدم تخريجه عند البخاري ومسلم .
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((من أهل الزيادة أموراً شافية))، والمثبت من ((ت)).
(٤) رواه البخاري (٤٧٧٦)، كتاب: النكاح، باب: الترغيب في النكاح،
ومسلم (١٤٠١)، كتاب: النكاح، باب: استحباب النكاح لمن تاقت
نفسه إليه، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .
(٥) ((ت)): ((فتوغلوا)).
(٦) ((ت)): ((فقيل)).
٩٥

فإن الأنفس ليست مِلْكاً لإنسان، بل هي مِلْكٌ الله تعالى، فالتصرفُ
فيها بغير ما أَذِنَ فيه ممتنعٌ، وهذا كلَّه يشهد لك ما ذكرناه من صعوبة
الفرق علماً وعملاً.
وخامسها: ما نحن فيه، فإن إسباغَ الوضوءِ مطلوبٌ: ((ويلٌ
للأعقابِ من النَّارِ، أسبِغُوا الوضوء))(١)، والزيادة سَرَفُ ممنوعٌ، كما
تقدم في حديث عبدالله بن عمرو .
وسادسها: المواعظُ النافعةُ في الدين المؤدِّيةُ إلى سلوك سبيل
المتقين مطلوبةٌ شرعاً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ
اَلْحَسَنَّةِ ﴾ [النحل: ١٢٥] والإكثارُ منها يُسْقِط وَقْعها، ويؤدي إلى السآمة
منها، فتبطُل فائدتُها المطلوبة، فالاقتصادُ هو المحمود: ((كان
رسول الله ﴿﴿ يتخوَّلُنا بالموعِظَةِ مخافةَ السَآمِةِ علينا)»(٢).
وانظر (٣) إلى الحِكْمة الشَّرعية في جعلها مرةً في الأسبوع؛ لأنَّ
طولَ تركِها يُطْغي النفسَ، ويقوِّي دواعِيَها المذمومةَ، فربما عَسُرَ ردُّها
بعد تمكّنِها من النفس، وكثرةٍ فعلها فيه ما ذكرنا من إبطال فائدتها
وحكمها، فتوسط في ذلك.
(١) تقدم تخريجه عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(٢) رواه البخاري (٦٨)، كتاب: العلم، باب: ما كان النبي صلى الله عليه
وسلم يتخولهم بالموعظة والعلم كي لا ينفروا، ومسلم (٢٨٢١)، كتاب:
صفة القيامة والجنة والنار، باب: الاقتصاد في الموعظة، عن ابن مسعود
رضي الله عنه .
(٣) ((ت): ((فانظر)).
٩٦

وسابعها: الاقتصادُ في العقوبات، والحدود، والتعزيرات، بأنْ
يُعاقَب كلُّ واحد من الزُّنَاة على حسب ضَعْفه وقُوَّته، فلا يجلد الزَّاني
والقاذفُ جَلْدَ مبالغةٍ بحيث يُسْفَح الدم، ولا يُضْرب ضرباً لا أثر له في
الزَّجْر والردع، بل يكون ضَرْباً بين ضربين، وسَوْطاً بين سوطين،
وزَماناً بين زمانين، أي: يُتَجَنَّبُ زمنُ الحرِّ الشديد، والبردِ الشديد،
[أعني](١): حينَ إقامة الحدود، وكذلك الاقتصاد في التأديبات
للرقيق، والصِّبيان، والبهائم، والنِّسوان.
وثامنها: الإحسانُ في صفة الهلاك إذا وجب، أو جاز، كما قيل
في الزاني إذا رُجِم لا يرجَمُ بحصَيَاتٍ، ولا بصَخراتٍ، وإنما يرجم بما
تقتضيه العادة في مِثله، وكذلك في ذَبْح الحيوان: ((إنَّ الله كتبَ
الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتم، فأحسنوا القِتْلَةَ، وإذا ذبحْتُم،
فأحسنوا الذِّبْحَةَ))(٢).
وتاسعها: الاقتصادُ في الدُّعاء، قيل: لأن الغالبَ على أدعية
رسول الله ◌َّ في الصلاة وغيرها اختصارُ الأدعيةِ، فَنُقِلَ عنه ◌َله
دعواتٌ جامعاتٌ، وغيرُ جامعاتٍ، وعلَّة ذلك: أنَّ الله تعالى أمرَ
بالتضرُّع، والخِيفة في الدُّعاء، ولا يحصل(٣) ذلك غالباً إلا بتكلف، وإذا
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) رواه مسلم (١٩٥٥)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: الأمر بإحسان الذبح
والقتل وتحديد الشفرة، من حديث شداد بن أوس رضي الله عنه.
(٣) في الأصل: ((ولا يحضر))، والمثبت من ((ت)).
٩٧

طال الدعاء، عَزَبَ التضرُّع والإخْفاءُ، وذهبَ أدبُ الدعاء، وقد استحبَّ
الشافعيُّ أن يكون دعاءُ التشهُّدِ دون التشهُّدِ(١)، انتهى.
قلت: وقد وردَ أنَّ قوماً يعتدون في الطُّهور والدُّعاء(٢).
وعاشرها: ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَّجْهَرْ بِصَلَائِكَ وَلَا تُخَافِتْ
بِهَا وَأَبْتَخِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: ١١٠].
والحادي عشر منها: الأكلُ والشربُ، بحيث لا يتجاوز حدَّ الشَّبَع
والرِّيِّ، ولا يقتصرُ على ما يُضْعِفُ ويُقْعِدُ عن العباداتِ والتصرفاتِ:
﴿وَكُلُواْ وَأَشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُواْ إِنَّهُ، لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
الثاني عشر منها: الاقتصادُ في السَّيْر إلى الحَجِّ والعُمْرة.
والثالث عشر منها: زيارة الإخوانِ مطلوبةٌ مُرَغَّبٌ فيها،
والإكثارُ منها داعيةُ الملالة: ((زُرْ غِبَّاً تزدْد حُبَّاً))(٣)، والإبطاءُ فيها
(١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٣/ ٥١٧).
(٢) رواه أبو داود (٩٦)، كتاب: الطهارة، باب: الإسراف في الماء، وابن
ماجه (٣٨٦٤)، كتاب: الدعاء، باب: كراهية الاعتداء في الدعاء، من
حديث عبدالله بن مغفل رضي الله عنه. وإسناده صحيح، كما قال الحافظ
في ((التلخيص الحبير)) (١ / ١٤٤).
(٣) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٣٥٣٥)، وفي ((المعجم الأوسط))
(٣٠٥٢)، وفي ((المعجم الصغير)) (٢٩٦)، والحاكم في ((المستدرك))
(٥٤٧٧)، والبيهقي في ((شعب الإيمان)) (٨٣٦٣)، من حديث حبيب بن
مسلمة الفهري رضي الله عنه .
قال المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (٢٤٨/٣): وهذا الحديث قد روي
عن جماعة من الصحابة، وقد اعتنى غير واحد من الحفاظ بجمع طرقه =
٩٨

يُسلِم إلى الجفاء والوَحْشة.
والرابع عشر منها: مخالطةُ النِّساءِ، وحسنُ العِشْرةِ معهن، إذا
أكثرَ منه غلبت عليه أخلاقُهُنَّ، وإذا أقَلَّ منه جاء استثقالُهنَّ
واستجفاؤهنَّ.
الخامس عشر منها: دراسة العلوم في الكثرةِ والقلةِ؛ فالأول:
و
يؤدي إلى السآمة، والثاني: يؤدي إلى القصور فيها.
والسادس عشر منها: السؤال عما تدعو الحاجةُ إلى السؤال عنه
من أمور الدنيا، الإكثارُ منه مذمومٌ، ووردتْ فيه أحاديثُ، وتوعُّدات،
والإقلالُ عند الحاجة والضرورة مُضِرٍّ، وقد ينتهي بعضُه إلى الحُرْمة.
والسابع عشر منها: المُباح من المِزاح، والانبساطِ، واللعبِ،
والضحكِ؛ والكثرةُ منه مذمومةٌ، مُذْهِبة للخشوع، مُؤْجِبة للخروج
عن السَّمْتِ الحَسَنِ، والإقلالُ منه جداً داخل في الانقباض المُؤْحِشِ
للمخالطين والزائرين، وربما أدّى إلى نَفْرَة الأنفس عن قومٍ صالحين.
= والكلام عليه، ولم أقف على طريق صحيح كما قال البزار، بل له أسانيد
حسان عند الطبراني وغيره.
قال الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٤٩٨): وقد ورد من طرق أكثرها غرائب،
لا يخلو واحد منها من مقال. وقد جمع طرقه أبو نعيم وغيره، وقد
جمعتها في جزء مفرد، انتهى .
قلت: ذكره الحافظ السخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (ص: ٢٧٨)
وسماه: ((الإنارة بطرق غب زيارة))، ثم قال: وبمجموعها يتقوى الحديث،
وإن قال البزار: إنه ليس فيه حديث صحيح، فهو لا ينافي ما قلناه.
٩٩

[من السريع]:
ما بَيْنَ شَئَّامٍ ومُغْتَابٍ
إِنْ شِئْتَ أنْ تُصْبِحَ بينَ الوَرَى
أو خَالِطِ النَّاسَ بِإِغْرَابٍ(١)
فَكُنْ عَبُوسَاً حينَ تلقاهُمُ
وقد ينتهي بعضُ المتنطّعين في هذا إلى سوءِ العِشْرة، والإنكار
فيما لا يُنْكَرِ، بل ربَّما ينتهي بعضهم إلى إنكارِ استعمالِ المَجَازِ في
اللغةِ، التي امتلأت لغةُ العربِ منه، وربَّما فوَّتَ بعضُهم مصالحَ،
وأوقع مفاسدَ أشدَّ ممَّا رغب فيه، أو نهى عنه.
والثامن عشر منها: المَدْحُ، وَرَدَ فيه الذَّمُّ: ((احثوا في وَجْهِ
المدَّاحِيْنَ الُّرابَ)) (٢)، ويُحْمَلُ على المذموم منه، فإنَّ الإكثارَ من
المدح فيه مفسدَةُ التخطي إلى الكذب والوقوع فيه، ومفسدةُ فسادٍ
نفسِ الممدوحِ، بما يحدث عنده من الكِبْرِ، والفخرِ، فاليسيرُ(٣) منه
عند مسيسِ الحاجة إليه ترغيبٌ للممدوح مما مُدِحَ به، وتذكيرٌ له
بنعمة الله عليه ليشكُرَها، فيتحرَّزُ من المفسدة، ويفعل المصلحةَ،
حيثُ تؤْمَنُ الفتنةُ للممدوحِ.
قال بعض المتكلمين في هذا المعنى: وعلى الجملة، فلا ينبغي
(١) البيتان لابن وكيع التنيسي، كما ذكر الثعالبي في ((يتيمة الدهر)) (٥ / ٤٠).
(٢) رواه مسلم (٣٠٠٢)، كتاب: الزهد والرقائق، باب: النهي عن المدح إذا
كان فيه إفراط، وخيف منه فتنة على الممدوح، عن المقداد بن عمرو
رضي الله عنه .
(٣) في الأصل ((في اليسير))، والمثبت من ((ت)).
١٠٠