النص المفهرس

صفحات 1-20

بشير
بِأَحَادِيثِ الأَحْكَامِ
تَأليفُ
الإمَامِ الُتَهِدِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيْدِ
أَبِي الْفَتْحِ تَّقِيِّالدِّينِ مُحَدِبْن عَلِيّبَنْ وَهُبِ القُّشَيْرِيِّ المِصْرِيِّ
( ٦٢٥ - ٧٠٢ هـ )
المُجَلَدُ الخَامِسُ
يُطبعُ لأوّل مَّةٍ كاملًا محقّقً على ثلاث نسخ خطيّة
حَتَّقَهُ وَعَلَّىَ عَلَيْهِ وَفَزَّجَ أَحَادِنَّةُ
محمّ خلّفْ العَبْدُ اللَّه
دَارُ التّاد

13
w

شَرَحُالأَرُ

جَمِيعُ الْحُقُوقِ مَخْفُوظَة
الطّبْعَةُ الْأُولَى
مِن إِصْدَارَاتِ
وَزَارَةِ السُّؤْرِالأَسْلامِيَةِ وَالأَوْقَاءُ وَالدَّعَوْمِالأَرْشَاءِ
الْمَلَكَةُ الْعَرَبيَّةُ السُّعُودِيَّةُ
١٤٢٩هـ -٢٠٠٨م
اُلْطَّبْعَةُ الثَّانِيَة
مِن إِصْدَارَاتِ
دَارُ التَّوَازِرِ
١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩م
لصاحبها ومديرها العام
نُورُ الدُّنْظَ الِ
سوريا - دمَشق - ص. ب : ٣٤٣٠٦
لبْنان- بَيروت - ص.ب: ١٤/٥١٨٠
هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ ١١ ٠.٩٦٣- فاكس: ٢٢٢٧٠١١ ١١ ٠٠٩٦٣
www.daralnawader.com

الحديث الثامن عشر
وفي حديث جابر في حَجَّة الوداع، عن النَّبِيِّ ◌َّ [من رواية
النَّسائي](١): ((ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ)(٢).
والحديث في ((الصحيح))، لكن بصيغة الخبر: ((نَبَّدأُ))، أو (ابدأُ))،
لا بصيغة الأمر، والأكثرُ في الرواية هذا، والمَخْرَج للحديثِ واحدٌ.
أما جابر - څہ- فقد مرّ ذِكْرُه.
وأما إيرادُ الحديثِ على الوجه، فسيأتي في كتاب الحج إن
شاء الله تعالى؛ لأنَّه أَولى به، والله أعلم .
الكلام علیه من وجوه :
(١) زيادة من ((الإلمام)) للمؤلف (ق٧/ ب)، وكذا في المطبوع منه (١ / ٧٣).
(٢) * تخريج الحديث:
رواه النسائي في ((السنن الكبرى)) (٣٩٦٨)، مطولاً، من حديث حاتم بن
إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله څ، به.
وإسناده صحيح. وسيأتي تخريج طرق وألفاظ الحديث في الوجه الثالث
من الكلام على هذا الحديث.

* الأول: في تصحيحه، وفيه مسائل :
الأولى: قد ذُكِرَ أن النَّسائيَّ أخرجه، ولم يُضفْه إلى
كتاب مسلم، وإنْ كان مسلمٌ أخرج الحديث بكماله؛ لأنَّ المقصودَ هنا
بإيراد هذه القطعة منه: ذكرُ ما احتُجَّ به على وجوبِ الترتيب، وهو
قولُه: ((ابدؤوا بما بدأ الله به))، والمَأخذُ صيغةُ الأمرِ التي ظاهرُها
الوجوبُ، وصيغة الأمر (١) لم ترد في كتاب مسلم، ولم يُحْسِنْ من
يقول إذا احتج بهذه اللفظة: أخرجه مسلم، وإنما قلنا ذلك الشيء
نذكره الآن.
الثانية: معلوم أنَّ نظرَ المُحَدِّثِ من حيث هو محدِّثٌ، إنما هو
في الإسناد، وما يتعلّق به، لا من جهة استنباط الأحكام من الألفاظ
ومدلولاتِها، فإن تَكلّم في ذلك، فمن حيث هو فقيه(٢)، وكذلك
العكس نظرُ الفقيهِ فيما يتعلق بالاستنباط من الألفاظ ومدلولاتها، فإن
تكلَّمَ في الأسانيد فمن حيثُ إنه مُحَدِّثٌ، فإذا کان کذلك فالمحدث
إذا قال بعد حديث: أخرجه فلان، فإنما يريد أصلَ الحديث، ولا يريد
أنه أخرجه بتلك الألفاظ بعينها؛ لأنَّ مُوْجِب(٣) صناعته تقتضي ذلك،
ولهذا عملوا الأطراف، واكتفَوا بذكر طرق الحديث، وقالوا: أخرجه
(١) في الأصل: ((الأمر التي))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل و((ت)): ((محدث))، وقد جاء فوقها في ((ت)): كذا، وكتب في
الهامش: لعله ((فقيه)). قلت: وهو الصواب فأثبته .
(٣) في الأصل ((موجبها))، والمثبت من ((ت)).
٦

فلان وفلان، والفقيهُ إذا أراد أن يحتجَّ بلفظة يقتضي مدلولُها حكماً
يذهب إليه، وقال: أخرجه مسلم، أو فلانٌ من الأئمة؛ فعليه أن تكونَ
تلك اللفظةُ التي استنبط منها الحكمَ موجودةً في رواية [مسلم؛ لأنه
مقتضى ما يلزمُه من صناعته، فيلزَمْ على هذا أن لا يُتَرْجِمَ ليستدلَّ على
ـو
حكمٍ يُدخِلَه تحت الترجمة، حتى تكون تلك اللفظةُ موجودةً في
رواية](١) مَنْ نَسَبه إليه، فمن قال بعد إيراد هذا الحديث للاحتجاج
بهذه اللفظة: أخرجه مسلم، فلم يُحْسِن؛ لأن موضعَ الحُجَّةِ صيغةٌ
الأمر، وليست في كتاب مسلم.
الثالثة: في معنى قوله في الأصل: (والأكثر في الرواية هذا،
والمخرج للحديث واحد): الحديث يرجعُ إلى جعفر بن محمدٍ، عن
أبيه، عن جابر، رواه عنه جماعة: مالك، وإسماعيل بن جعفر، وابنُ
جُرَيْج، وسليمانُ، وحاتم بن إسماعيل؛ ففي رواية مالك من رواية ابن
وهب عنه: ((نبدأ بما بدأ الله به))(٢)، وهو عند أبي عَوانة(٣).
وكذلك في رواية القَعْنبيِّ، عن مالك، عن أبي مسلم: ((نبدأ بما
بدأ الله [به](٤)) يريد الصفا.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ٣٧٢)، ومن طريقه: النسائي
(٢٩٦٩)، كتاب: المناسك، باب: ذكر الصفا والمروة، والإمام أحمد
في («المسند» (٣/ ٣٨٨).
(٣) لم أقف عليه في المطبوع من ((مسنده).
(٤) سقط من ((ت)).
٧

وكذلك في رواية (١) ابن جريج: ((نبدأ بما بدأ الله به)) وقال: ﴿إِنَّ
ـے.
الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
وكذلك في رواية سليمان، ورواية القعنبيِّ عنه: فلمَّا جاء الصفا
قال: ((نبدأ بما بدأ الله به))، وهو أيضاً عند أبي عوانة(٢).
وأما حديثُ حاتم بن إسماعيل، عن(٣) جعفر بن محمد، فرواه
عنه جماعةٌ: أبو بكر بن أبي شيبة، وأخوه عثمان، وعبد الله بن محمد
التُّفَيْلِي، وسليمان بن عبد الرحمن، والهيثمُ بن معاوية، وإسحاق بن
إبراهيم، وهشام بن عمار، وإبراهيم بن هارون البَلْخي.
فأمَّا رواية [إسحاق](٤) بن إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة،
فعنهما روى مسلم الحديثَ وفيه: ((نبدأ))(٥)، وأبو بكر وإسحاق بَحْرَانِ
من بحور الحفظ، وإسحاق منهما سيل جارف، وأخرجه أبو نُعَيْم
الحافظ في ((المخرَّج على كتاب مسلم)) من طرق، وجعل اللفظ فيها
عن شيخين له، عن الحسن بن سفيان، عن هشام بن عمار،
وأبي بكر بن أبي شيبة، وساق الحديث إلا أن فيه: ((أبدأ))(٦)،
وأخرجه أبو عبد الله الحاكم في ((مستدركِهِ)) من حديثهما معاً،
(١) في الأصل: ((رواية أخرى)).
(٢) وانظر: ((الإمام)) للمؤلف (٦/٢).
(٤) ((ت)): ((أن)) بدل ((عن)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) رواه مسلم (١٢١٨)، كتاب: الحج، باب: حجة النبي ◌َّد.
(٦) انظر: ((المسند المستخرج على صحيح مسلم)) (٣/ ٣١٦).
٨

وفيه: ((نبدأ))(١).
وأما رواية عثمان بن أبي شيبة، والنَّفيلي، وسليمان، وهشام بن
عمار؛ فهي عند أبي داود(٢).
وأما الرواية التي فيها: ((ابدؤوا)) بصيغة الأمر، فهي عند النسائي،
عن إبراهيم بن هارون البلخي، عن حاتم بن إسماعيل(٣).
* الوجه الثاني : في شيء من العربية:
[الأولى]: ما في قوله مَ ﴾ (بما بدأ)) يمكن أن يكون بمعنى
الذي، ويجوزُ أن يكونَ بمعنى النَّكِرَة الموصوفةِ، ولا شكَّ
أن الإشارة إلى ما في الكتاب العزيز من قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَاَلْمَرْوَةَ مِن
(١) لم أقف عليه في المطبوع من ((المستدرك)).
(٢) رواه أبو داود (١٩٠٥)، كتاب: المناسك، باب: صفة حجة النبي ◌َّل.
وقد رواه الترمذي (٨٦٢)، كتاب: الحج، باب: ما جاء أنه يبدأ بالصفا
قبل المروة، من حديث سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، به، وفيه :
((نبدأ)) .
ورواه ابن ماجه (٣٠٧٤)، كتاب: المناسك، باب: حجة رسول الله وَلچ ،
من حديث هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، به، وفيه أيضاً:
((نبدأ)).
(٣) كما تقدم في ((سننه الكبرى)) برقم (٣٩٦٨).
تنبيه: جاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو ثمانية أسطر من الأصل))، ولم
يشر إليه في ((م)).
٩

شَعَآَبِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] يدل السياق والقرائن من تلاوة الآية مع ذلك،
وهو يقوِّي كونَها بمعنى (الذي)؛ لأنَّ صلتها لابدَّ أن تكون معلومةً
للمخاطب.
الثانية: ينبغي أن تَنْظُر - إذا أردت الاستدلال بالعموم في:
((ابدؤوا بما بدأَ اللهُ به)) - أيَّ اللفظين أقربَ إلى الدلالة على العموم،
وكأنَّ النكرةَ الموصوفةَ أقربُ إلى ذلك باعتبارٍ، لكن ذلك بعد النظر
في ترجيح حملها على أن تكون نكرةً موصوفةً، وقد ذكرنا أن الأقربَ
ترجيحُ أن تكون بمعنى (الذي)، وإنما قلنا: إنَّ النكرة الموصوفةَ
أقربُ إلى العموم من الموصولة؛ لأنّ الموصولة إذا عاد الأمرُ فيها إلى
وجوبِ معرفةِ المخاطب بصلتها، جاز أن يكون الحكمُ معلّقاً
بالخصوص، فإن جاء التعميم، فإنَّما (١) هو من طريق المفهوم من
العلةِ، التي هي كونُ الله تعالى بدأ به، بخلاف ما إذا جعلناها نكرةً
موصوفة باعتبارٍ، كما ذكرناه، فإنه حينئذ لا يمكن على خصوص
وتأويل معنى قولنا باعتبار جيداً.
* الوجه الثالث: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: قد ظهر لك أن المقصودَ بذكر الحديث هاهنا:
الاستدلالُ باللفظ على وجوب الترتيب، وقد استدلَّ بذلك
(١) في الأصل: ((وإنما))، والمثبت من ((ت)).
١٠

الظاهري(١)، وبعض الشافعية، أو كثير منهم(٢)، والاستدلال مبنيٌّ على
تصحيح هذه اللفظة، فإن فيه نظراً بعد تسليم الصحّة، بالنسبة إلى
عدالة الرواة، وعلى العموم، ودلالةُ صيغة الأمر على الوجوب؛ فأما
دلالة الأمر على الوجوب: فلا يُتكلّم فيه؛ لأنَّها الطريقة الفقهية،
والعمل باللفظ والعموم ففيهما، أما العمومُ ففيه كلام سيأتي.
الثانية: مما يتوقف الاستدلال عليه: ترجيحُ العمل بهذه اللفظة
المعيَّنة، أعني: صيغةَ الأمر، وراويها (٣) عند النسائي إبراهيم بن
هارون البَلْخِي، وَّقه النسائي، وكذلك إسناد حديث سفيان الثوريِّ،
عن جعفر عند الدارقطني إسناده جيد(٤)، لكنْ إذا تبيَّن أن الحديثَ
واحدٌ من مَخرج واحد، وسِياقَةٍ واحدة للحديث الطويل إلى موضِع
ذِكْرِ هذه اللفظة المختلفِ فيها، بعد أن يكون النبيُّ بَ * قال الألفاظ
الثلاثة في وقتٍ واحد - أعني: ((أبدأ))، ((ونبدأ))، و((ابدؤوا)) - غلب
على الظنِّ أن الطريقَ الواضحَ طَلَبُ الترجيح، فإنْ رجَّحنا بالكثرة،
فارجعْ إلى الروايات التي ذكرناها تجدِ الأكثرَ على غير لفظة ((ابدؤوا))
عن جعفر وعن حاتم، وإن رجعنا في الترجيح إلى الحفظ، فيظهر أن
الترجيح عن حاتم بن إسماعيل غير لفظة ((ابدؤوا))؛ لوجود الحفاظ
الكبار عنه، بخلاف اللفظة كابن راهويه وأبي بكر، مع متابعة من
(١) انظر: ((المحلى) لابن حزم (٢ / ٦٦).
(٢) انظر: ((المهذب)) للشيرازي (١ / ٣٠).
(٣) في الأصل: ((ورواتها))، والمثبت من ((ت).
(٤) رواه الدارقطني في ((سننه)) (٢ / ٢٥٤).
١١

تابَعهما (١) من عثمان، وهو معدود في الحفاظ، والنفيلي، وسليمان،
لكنَّ سفيان الثوري جبلٌ من الجبال، ذروةٌ في الحفظ إنِ امتدتْ إليها
الأيدي فقد لا تنال، لكنَّ من دونه من الرواة هم الذين يحتاجون إلى
النظر في حالهم، بالنسبة إلى الحفظ، لا بالنسبة إلى العدالة، فعليك
بذلك، فإن ظهر الترجيحُ بينهم، وبين الرواة، وبين من خالف عن
جعفر غیر سفیان مع سفیان، فاعمل به.
فإن قلت: فمن ذا الذي يقابل سفيان؟
قلت: [مالك](٢) بن أنسٍ جبلٌ في الحفظ، وقد قال عبد الرحمن
ابن مهدي: وما في القوم أصلحُ حديثاً من مالك(٣)، وقد خالف في
هذه اللفظة على ما حكيناه، فيُنْظَر في الواسطة عنه، والواسطة عن
سفيان، فإن لم يظهر ترجيحُ بوجهٍ من الوجوه، وظهر أن اللفظةَ
المذكورةَ في كلام الرسول بَّهِ واحدةٌ، وقعتِ الدَّلالةُ فيها.
الثالثة: من القواعدِ الفرقُ بين صيغةِ العموم المذكورة مقصوداً
بها العموم، وتأسيس القواعد الشرعيَّة، منفيّاً عنها قرائنُ الخصوص،
والفرقُ ظاهر؛ فإنَّ العمومَ يُخصَّصُ بالقرائن على ما نصّ عليه بعضُ
أكابرِ أهل الأصول، ويشهد - أيضاً - لذلك مخاطباتُ الناسِ بعضهم
(١) في الأصل: ((تابعها))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) رواه ابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) (١/ ١٤) بلفظ: ما أُقدِّم على
مالك في صحة الحديث أحداً.
١٢

بعضاً، حيث يقطعون في بعض المخاطبات بعدم العموم بناءً على
القرينة، والشرعُ يخاطب الناسَ بحسب تعارُفِهم(١).
الرابعة: لا يشتبهنَّ عليك التخصيصُ بالقرائن بالتخصيصِ
بالسبب، كما اشتبه على كثير من الناس، فإن التخصيصَ بالسبب غيرُ
مختار، فإن السبب وإن كان خاصًّا، فلا يمتنع أن يُؤْرَدَ لفظُ عامّ يتناولُه
وغيرَه، كما في قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَأَقْطَهُوَأْ
أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] ولا ينتهضُ السببُ بمجرده قرينةً لرفع هذا،
بخلاف السياق، فإنَّ به يقع التبيينُ والتعيينُ، أما التبيين: ففي
المُجْمَلات، وأما التعيين: ففي المُحْتَمِلات، فعليك باعتبار هذا في
ألفاظ الكتاب والسنة والمحاورات، تجدْ منه ما لا يمكنك حصرُه قبل
اعتباره(٢).
الخامسة: لقائل أن يقول: السياقُ والقرائنُ ترشد إلى أن المراد
((بما بدأ الله به)) الصفا من القرينتين الحالية والمقالية؛ أما الحالية:
فلأنَّ الحاجة إنما مسَّت حينئذ إلى ما يبدأ به من الصفا أو المروة،
والمذكور من اللفظ إنما هو لبيانٍ ما مسَّتِ الحاجةُ إليه.
وأما المقالية: فتلاوة الآية عقب (٣) هذا اللفظ، بالروايات(٤) التي
ذكرنا، فإنها ترشد إرشاداً قوياً أن المرادَ ذِكْرُ اللفظ الذي فيه البداءة
(١) نقله عن المؤلف: الزركشي في ((البحر المحيط)) (٤/ ٥٠٣ - ٥٠٤).
(٢) نقله عن المؤلف: الزركشي في ((البحر المحيط)) (٥٠٤/٤).
(٣) ((ت): ((عقيب)).
(٤) في الأصل و((ت)): ((فالروايات))، ولعل الصواب ما أثبت.
١٣

بالصفا، ليكون فيه تمام المراد، لا سيما في الرواية التي فيها: ((﴿إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللّهِ ﴾ [البقرة: ١٥٨]، فابدؤوا بما بدأ الله به)) من
جهة دلالة الفاء المقتضيةِ للتعليل، ويصير التقديرُ: فابدؤوا بما بدأ الله
به من ذلك.
السادسة: من يريدُ الاستدلالَ بعمومه، يمكن أن يقول: لا أجعل
التمسُّكَ به من جهة العمومِ اللفظيِّ، بل من جهة عمومِ الحكمِ بعموم
علَّته، وفيه إحواجٌ إلى التفاتٍ إلى دلالة السياق على التخصيص، وإلى
أمر آخر نذكره الآن إن شاء الله تعالی.
السابعة: مما يُضْعِفُ به العمومَ بعضَ الضعفِ كثرةُ ورود
التخصيص فيه، وبالعكس يقوى بقلَّة التخصيصِ فيه، والسببُ فيه: أنَّه
إذا قلَّ التخصيصُ ظهرَ قصدُ التعميم، وبالعكس إذا كثرَ التخصيصُ
ظهر قصدُ [عدم](١) التعميم، ولا يعارِضُ هذا أن قصدَ التعميم غيرُ
مُعْتَبَرِ في العموم؛ لأنَّ عدمَ اعتباره إنما هو بمعنى عدم اشتراطه،
ولا ينافي ذلك قوته، أو ضعفَه من وجه آخر، وإذا اعتبرت هذا وجدته
كذلك، ألا ترى أنك تشعر بضعف الاستدلال في المسألة الجزئية،
بالعمومات البعيدةِ التناولِ لها؟! تجد ذلك بالتأمل في الجزئيات.
الثامنة: فإذا كان كذلك، فوجوبُ البَداءة بما بدأ الله بذكره،
يخرج عنه بالتخصيص أمورٌ كثيرة؛ كـ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَوَةَ وَءَاتُواْ
(١) زيادة من ((ت)).
١٤

الزَّكَوَةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، تتبَّعْها لتجدها(١) كثيرةً، فإن كانت كثيرةً، فهي
على القاعدة التي قبلَها، وإلا فَمِنَ المشهورِ عند الخلافيين القياسُ
على محلِّ التخصيص بجامع يُبْدُونه، فإذا فعلْتَ ذلك، فانظر إلى
مرتبة ذلك القياس مع هذا الظاهرِ الذي دلَّ السياقُ على عدم قوة إرادة
العموم، [و](٢) وازن بين الظَّنَّين، واعملْ بالأرجح.
التاسعة: البَدَاءة بالشيء لا يطابق ذكرُه قبلَ شيء آخرَ مطابقةَ
التَّرادُفِ، فإنَّ ذكرَه قبل شيء آخرَ إنما هي بَداءةٌ مقيدةٌ بإضافتها إلى
ذلك الآخر، فأما البداءةُ المطلقةُ فإنما تقتضي الأوليةَ المطلقةَ
لا المقيدةَ بالإضافةِ، والبَداءة في الحديث مطلقةٌ، فتقتضي الأوليةَ
المطلقة، ألا ترى! أنه يمكن نفيُ البَداءة بالذكر لأحد الشيئين على
ما بعدَه، فتقول: ما بدأ به، ولا يمكن نفيُها عن أولِ مذكورٍ، حتى
تقول: ما بدأ بكذا، فظهر الفرقُ بين الأمرين، وأن البَداءةَ المطلقةَ
لا تطابقُ البداءةَ المضافَة تطابقَ التَّرادُفِ.
العاشرة: فإذا كان كذلك، والبَداءةُ بالحديث مطلقةٌ، فلو
تناولتْ محل النزاع، ودلَّت عليه، لم تدلّ إلا على البداءة بالوجه في
الوضوء، فالذي يريد أن يثبتَ باللفظ وجوبَ الترتيب بين اليدين،
والرأس، والرجلين، مع قصور دلالةِ اللفظ عن ذلك، يكون مُثْبِتاً
للشيء بما لا يدل عليه.
(١) كتب فوقها فى ((ت)): ((كذا)).
(٢) زيادة من ((ت)).
١٥

فإن قلتَ: إذا ثبت وجوب البداءة بالوجه، وجب الترتيب في
باقي الأعضاء، لعدم القائلِ بالفرق، قلتُ: الجواب من وجهين:
أحدهما: مناقشتُه، وهي أن يقال حينئذ: يكون الدليلُ مبنياً على
مقدمتين؛ إحداهما: وجوبُ البَداءة بالوجه، والثانية: إجماع لا قائلَ،
مع أن المستدلِّين عن آخرِهم إنما استدلّوا بلفظ الحديث.
والثاني: تحقيقيٌّ، وقد تقدمت الإشارةُ إليه فيما مضى، وهو:
أن دليلَ الحكم ومنشأَ قولِ المجتهد، هو ما يبعثُه من جهة اللفظ على
القولِ بالحكم، ومُحالٌ أن يبعثَه القاصرُ الدّلالةِ على أزيدَ مما يدلُّ
عليه، والذي يُظهر لك هذا أن الدلائلَ الشرعيةَ عامةٌ لكل مجتهدٍ في
كل وقت، والحادثةُ لابدّ وأن يكونَ النظرُ فيها مُبْتَدأَ به في زمنٍ من
الأزمنة، يَحكمُ فيه المجتهدون بمقتضى دلالة اللفظ، وذلك الزمن لم
يسبقه إجماعٌ، فلا يجوز أن يثبتَه المجتهدُ بدليل قاصرٍ، وإنما يتمُّ
هذا، إن تمَّ في العصر الثاني، وحينئذ يكون الدليلُ مجموعَ مقدمتين،
كما قلناه، ولا يكون اللفظُ مُنْشِئاً للحكم، ومُؤْجِباً لقولِ المجتهدين.
١٦

الحديث التاسع عشر
وروى البخاريُّ حديثَ شقيقٍ بنِ سَلَمَةَ في التيمم، عن عمَّارٍ،
وفيه(١): فتمرَّغْتُ في الصَّعِيْدِ كَمَا تَمَرَّغُ الدَّابةُ، فذكرتُ ذلك لنَّبِيِّ لَّهِ،
فقال: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيْكَ أَنْ تَصْنَعَ هَكَذَ)) وَضَرَبَ بكفَِّهِ ضَرْبَةً عَلَى
الأَرْضِ، ثَمَّ نَفَضَهما (٢)، ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَ شِمَالِهِ بِكَفِّهِ، أو ظَهْرَ كَفِّهِ
بِشِمَالِهِ(٣)، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ(٤).
وأخرج الإسماعيليُّ في بعض طُرقِهِ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ
(١) في ((الإلمام)) للمؤلف (ق٧/ ب) بخط الإمام ابن عبد الهادي، وكذا في
المطبوع منه (١/ ٧٣): ((وفيه عن عمار)).
(٢) في الأصل: ((نفضها))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في ((الإلمام)) للمؤلف، وكذا المطبوع من ((صحيح البخاري)): ((ثم مسح
ظهر کفه بشماله، أو ظهر شماله بکفه» .
(٤) * تخريج الحديث:
رواه البخاري (٣٤٠)، كتاب: التيمم، باب: التيمم ضربة، ومسلم (٣٦٨/
١١٠)، كتاب: الحيض، باب: التيمم، وأبو داود (٣٢١)، كتاب: الطهارة،
باب: التيمم، والنسائي (٣٢٠)، كتاب: الطهارة، باب: تيمم الجنب، كلهم
من طريق أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق بن سلمة، به.
١٧

تَضْرِبَ بيديكَ عَلَى الأَرْضِ، ثُمَّ تَنْفُضُهُمَا، ثُمَّ تَمسَحُ بيمينِكَ عَلَى
شِمَالِكَ، وشِمَالِكَ عَلَى بِمِينكَ، ثُمَّ تمسَحُ عَلَى وَجْهِكَ))(١).
الكلام علیه من وجوه :
* الأول: في التعريف:
أما عمار ه: فهو أبو اليقظانِ عمارُ بنُ ياسر بن عامر بن مالك
ابن كنانةَ بن قيس بن الحُصين(٢) بن الوليد بن ثعلبة بن عوف بن حارثة
ابن عامر الأكبر بن يَام بن عَنْس، والوليدُ في نسبه قد قال فيه الوَذِیم -
بفتح الواو وكسر الذال المعجمة - واعتمده بعضهم، فلم يذكر غيره،
وهو الذي ذكره في كتاب ((ذيل المُذَيَّل)) لأبي جعفر الطبري، وفيه:
یام، أوله آخر الحروف.
وعَنْس في نسبه - بفتح العين، وإسكان النون، وآخره سين
مهملة - هو الذي تُنْسَب إليه القبيلة، واسمه: زيد بن مالك بن أدد بن
زيد بن يَشْجُب بن عُرَيب بن زيد بن كَهْلان بن سَبأ بن يَشْجُب بن
يعرُب بن قحطان، كذا ذكره هانىء بن المنذر، فیما حكاه الأمیر عنه،
وهي قبيلة فيها جماعةٌ من أهل العلم معروفون بسُكنى الشام، ومنها
(١) رواه الإسماعيلي في ((المستخرج على البخاري))، كما ذكره المؤلف في
((الإمام)) (١٣٥/٣)، والزيلعي في ((نصب الراية)) (١/ ٣٥)، وابن حجر
في «فتح الباري)) (١ / ٤٥٧).
(٢) في الأصل و(ت)): ((الحصيم)) بالميم، والمثبت من مصادر ترجمته.
١٨

العَنْسِي الكذَّابُ، الذي ورد ذكرُه في الحديث، واسمه عَبْهَلة(١).
وكان عمار ظُه، وأبوه، وأمه، من الأولين السابقين إلى
الإسلام، وكان إسلامُه وإسلامُ صهيبٍ في وقت واحد، حين كان
النبي ◌َّ في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وأسلم [بعد](٢) بضعةٍ وثلاثين
رجلاً .
وعَن مُجاهد قال: أولُ من أظهرَ إسلامَه أبو بكر، وبلالٌ،
وخبَّاب، وصهيب، وعمار، وأُّه سُميَّةُ (٣).
وكان عمار وأبوه وأمُّه يُعَذَّبون في الله تعالى على إسلامهم، ويَمُُّ
بهم النبيُّ ◌َّه، فيقول: ((صَبْراً، صَبْراً آلَ ياسِرٍ، فإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الجنَّةُ)(٤).
وقَتَل أبو جهلِ سميَّةَ رضي الله عنها، فهي أول شهيد في
الإسلام، وأمُّه سميةُ؛ أَمَةٌ لأبي حذيفةَ بنِ المغيرةِ المَخْزُومي، فحالف
ياسراً، وزوَّجَه إياها، فولَدت له عماراً، فأعتقه أبو حذيفةً، وسميةُ ابنةُ
خَبَّاط، بالخاء المعجمة، ثم ثاني الحروف مشدداً، وآخره طاء مهملة،
(١) انظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (٦ / ٩١).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣ /٣٦٦).
(٤) رواه الحاكم في ((المستدرك)) (٥٦٤٦)، والبيهقي في ((شعب الإيمان))
(١٦٣١)، عن ابن إسحاق: أن رجالاً من آل عمار أخبروه، فذكره. ورواه
الطبراني في (المعجم الكبير)) (٧٦٩)، والخطيب في ((تاريخ بغداد))
(١١/ ٣٤٣)، وابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٤٣/ ٣٦٨)، عن
عثمان ټپئه .
١٩

هكذا(١) رأيته في النسخة القديمة من ((ذيل المُذيَّل))، وكذا ضبطه
الأمير(٢)، وذكر الحافظ محمد بن عبد الغني بن نقطة: أن أبا نُعيم
ذكرها في الصحابة، وضبطها بالياء المعجمة من تحتها باثنتين، وقد
نقله من خطه(٣).
قلت: الأول أولى أن يُعتمدَ علیه.
وهاجر عمار إلى المدينة، وشهد بدراً، وأحداً، والخندقَ،
والمشاهدَ.
قال بعض المتأخرين: واختلفوا في هجرته إلى الحبشة(٤). وهو
خلافُ ما رأيته في ((ذيل المُذَيَّل)) لأبي جعفر، فإن فيه: وهاجر عمارُ
ابنُ ياسرِ في قول جميع أهل السِّيَّرِ إلى أرض الحبشةِ الهجرةَ الثانيةَ،
قيل: إن عماراً كان أولَ من بنى لله مسجداً في الإسلام، بنى مسجد
قُبَاء، وذكر أبو جعفر الطبريُّ في ((ذيل المذيَّل))، عن ابن عمر، وهو
محمد قال: رأيت عمارَ بنَ ياسرِ يومَ اليمامة على صخرة، وقد
أشرف، يصيح: أنا عمارُ بنُ ياسر، هَلَمُّوا إليَّ، وأنا أنظر إلى أُذُنِه وقد
قُطِعت، فهي تَذَبْذَب، وهو يقاتل أشد القتال(٥).
(١) ((ت)): ((كذا)).
(٢) انظر: ((الإكمال)) لابن ماكولا (٣/ ٣٧٥).
(٣) انظر: ((تكملة الإكمال)) لابن نقطة (٢ / ٤٦٣).
(٤) قاله النووي في ((شرح مسلم)) (٢ / ٣٥٢).
(٥) رواه ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (٣/ ٢٥٤)، والحاكم في ((المستدرك))
(٥٦٥٧)، من طريق محمد بن عمر، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، =
٢٠