النص المفهرس

صفحات 581-600

واحدةٍ مُقتضاها من غسل الرجلين إلى الكعبين، ومَنْ حَمَلَهُما
على المسح لم يفعلْ ذلك؛ لأن تقديرَ القراءة بالنصب عنده، إذا
حملها على موضع الباء: امسحوا أرجلَكُم إلى الكعبين، فيقتضي أن
يمسحَ جميعَ القدم، وهو لا يوجبُ مسحَ باطن القدم، ولا مسح
جانبیھما.
قلت: أما أمرُ التحديد فقد تقدَّمَ أمرُ استضعافنا له، وكذلك
الترجيحُ بمناسبة الغسل التي ذُكرت، ولكن الذي ذكره الفقيهُ آخِراً
قويٌّ في الردِّ، وطريقُهُ أن يقالَ للشيعي: حملُ العطف على (الرؤوس)
کما ادّعیتم، يلزمُ منه أمر، فيمتنع.
بيانه: أنه يلزمُ منه وجوبُ مسح الرجلين إلى الكعبين، وذلك
خلافُ الإجماع مني ومنك؛ لأني قائل [بوجوب الغسل، وأنت قائلٌ
بوجوب المسح، لكن لا إلى الكعبين، فالقولُ](١) بوجوب المسح إلى
الكعبين الذي يوجبه ما ذكرتَ من حمل العطف على (الرؤوس)،
مخالفٌ للإجماع مني ومنك، امتنع حملك عليه.
وهذا الذي ذكرناه وقوَّيناه، إنما هو مكايلةٌ للشيعي، لا لابن
جرير، والظاهري، وسيأتي الكلام عليهما.
قال الفقيه: وأيضاً فإنَّ [في] (٢) حملِهِما على الغسل الاحتياطَ
الطهارة والصلاة، لأنَّ الغسلَ يأتي على المسح ويزيدُ عليه، قال أبو
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
٥٨١
٠

زيد: المسحُ عند العرب: غسلٌ خفيف، والمسحُ لا يأتي على
الغسل، فيكون الحظر في الغسل، أن يكون قد تمكن من إسقاط
فرضه بالمسح، فعَدَل إلى الغسل، وذلك غيرُ مانع من سقوط
الفرض؛ كمنْ تركَ الاستنجاءَ بالأحجار إلى غسل ذلك الموضع
بالماء، ومن ترك التيممَ، وغَسَلَ الأعضاءَ مع حاجته إلى الماء لشربه،
أو إلى ثمنه الذي يشتريه به لكفايته، والحظر في المسح: أنْ يكونَ قد
تركَ ما هو شرطً(١) في ارتفاع حدثه، وذلك مانعٌ من إجزاء وضوئِهِ،
وصحة صلاته.
وقول الشريف: الغسلُ مخالفٌ المسحَ، إلى آخر ما ذكره في
هذا الفصل، يلزمُهُ عليه: تركُ الاستنجاءِ إلى غسل الموضع بالماء،
وتركُ التيمم إلى غسل الأعضاء، وتركُ الاقتصارِ على مسح بعض
الرأس إلى الاستيعاب، فإنَّ كلَّ شيءٍ من ذلك مخالفٌ لصاحبه في
الاسم، وهو قائمٌ مقامَهُ في الإجزاء.
الخامسة والستون بعد المئة: قد تقدَّمت الإشارةُ إلى الفَرق بين
العطف على الموضع حيثُ يتعذَّرُ العطف على اللفظ، وبين العطف
على اللفظ حيثُ يكونُ ثَمَّ عاملٌ لفظيٌ للنصب، فردَّ ذلك بعضُ
الشيعة، وطالبَ خصمَهُ بإيراد جملتين في كلام العرب ثبتَ في
إحداهما عاملٌ للنصب بالصريح، وثبت في الأخرى عاملُ الخفض
بالصريح، فعطفوا في جملة المجرور بلفظ النصب، وأرادوا به عطفَهُ
(١) في الأصل: ((شرطه))، والمثبت من ((ت)).
٥٨٢

على الجملة الأولى، قال: بل يطالبه بإيراد الجملتين المذكورتين على
حال، فلا يجد إلى ذلك سبيلاً، فأَوْرِدَ عليه قولُ الله تعالى: ﴿يَّا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ الَّذِينَ أَّخَذُواْ دِيَكُمْ هُزُوا وَعِبًا مِّنَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ
وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءٌ﴾ [المائدة: ٥٧]، فقيل: إنه في معنى ما أنكرَهُ، وادَّعى أنه
لا يوجد السبيل إليه، وذلك أن قوله: ﴿وَاَلْكُفَّارَ﴾ قرأه أبو عمرو،
والكسائي بالجر عطفاً على ﴿الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾ ؛ أي: ومن الكفار،
وقرأه الباقون من الأئمة السبعة ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ بالنصب(١)، وانتصابُهُ
بالعطف على ما عمل فيه العاملُ اللفظي، وهو قوله: ﴿لَا تَّخِذُواْ﴾ دونَ
موضع ﴿مِّنَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ﴾.
قال الفَرَّاء في ((معانيه)): من نَصَبَها رَدَّها على ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُواْ
دِينَكُمْ﴾؛ أي: ولا تتخذوا الكفارَ أولياء.
وقال الزَّجَّاجُ في ((معانيه)): النصبُ فيه على النَّسق على قوله:
﴿لَا تَّخِذُوْ اُلَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا﴾، ولا تتخذوا الكفار أولياء(٢).
فقد ثبتَ بقول إمام الكوفيين في النحو، وإمام البصريين فيه،
العطفُ بلفظ النصب عقيبَ المجرور على منصوبٍ متقدِّم، وتركُ
العطف على موضع الجار والمجرور، والله أعلم.
السادسة والستون بعد المئة: ادَّعى الشريفُ أنَّ العطف على
الموضع مستحسنٌ في لغة العرب، جائزٌ؛ لا على سبيل الاتِّساع
(١) انظر: ((إتحاف الفضلاء)) للدمياطي (ص: ٢٥٤).
(٢) انظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (٢ / ١٨٦).
٥٨٣

والتجوُّز، والعدول عن الحقيقة، وأن المتكلمَ مخيّرٌ بين حمل الإعراب
على اللفظ تارةً، وبين حمله على الموضع أُخْرى.
فرد عليه الفقيه: بأن هذا دعوى مجردةٌ عن برهان، وللخصم أن
يقول: بل لا تفعل العرب ذلك إلا تجوُّزاً واتِّساعاً، وإنما الحقيقةُ تتبُعُ
اللفظِ اللفظَ، لا الموضعَ، وذكر قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَآءُ فَأَخْرَجْنَا بِهِ، نَّبَاتَ كُلِّ شَىْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا تُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا
مُتَاكِبًا وَمِنَ النَّغْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّتٍ مِّنْ أَعْنَابِ وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّمَانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَِةٍ﴾ [الأنعام: ٩٩] فذكر أبو إسحاق الزجاج،
وغيره من العلماء بهذا الشأن: أن قوله: ﴿جَنٍَّ﴾ منسوق على قوله:
﴿خَضِرًا﴾ أي: وأخرجنا من الماء خَضِراً وجنات(١)، ولم يقولوا: أنها
تحمل على الموضع(٢) ﴿وَ مِنَ اُلنَّخْلِ﴾ إن كان موضعهُ نصباً؛ لأن
النخلَ مما أخرجه أيضاً، ألا ترى أنه قال في الآية: ﴿وَالزَّيْتُونَ
وَالرُّمَانَ﴾؟ أي: وأخرجنا منه شجر الزيتون والرمان، مع أن هذا أقربُ
إليها من غيره، فأخرجنا منه خضراً، فثبت أن العطفَ على اللفظِ
أصلٌ، وعلى الموضع تجوُّزٌ.
قلت: الذي ادَّعاه الفقيه من أن الحقيقةَ العطفُ على اللفظ،
صحيحٌ، والاستعمالاتُ المذكورةُ في العطف على الموضع لا تدل
على الحقيقة، والذي ذكره الفقيه أيضاً من الآية والحمل على العطف
(١) انظر: ((معاني القرآن)) للزجاج (٢ / ٢٧٦).
(٢) ((ت)): ((موضع)).
٥٨٤

على اللفظ، مع إمكان العطف على الموضع بمجرده، لا يدل على
الحقيقة، لكنَّه أقربُ في الدلالة من ادِّعاء التَّساوي، للعدول عن
العطف على الموضع، مع قيام الدليل الراجح على الحمل على
الموضع، وهو القربُ، مما يؤكِّدُ دعوى الحقيقةِ في الحمل على
اللفظ .
السابعة والستون بعد المئة: رجَّح الشرِيْفُ حملَ العطفِ على
موضع (الرؤوس)، على العطف على الأيدي والوجوه في الغسل؛ بأن
الكلامَ إذا حصل فيه عاملان: أحدُهما قريبٌ، والآخرُ بعيدٌ، فإعمالُ
الأقربِ أولى من إعمال الأبعد، قال: وقد نصَّ أهلُ العربية على هذا،
فقالوا: إذا قال القائلُ: أَكَرمني وأكرمتُ عبدَ الله، وأَكْرمتُ وأكرمني
عبدُ الله، فحمل الاسم المذكور بعد الفعلين على الفعل الثاني أولى
من حمله على الأول، فإن الثاني أقرب إليه، وقد جاء القرآن وأكثرُ
الشعر بإعمال الثاني، قال الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنَهُمْ أَن لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ
أَحَدًا﴾ [الجن: ٧] وقال: ﴿وَاتُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]،
وكذلك ﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ كِنَفِيَهُ﴾ [الحاقة: ١٩] كل ذلك بإعمال الثاني دونَ
الأولِ؛ لأنه لو أعمل الأولَ لقال: كما ظننتموه، وآتوني أفرغه،
وهاؤم اقرؤوه(١) كتابيه؛ لأن المعنى: آتوني قطراً أفرغه عليه، وكذلك
هاؤم كتابيه، وقال الشاعر [من الطويل]:
(١) في الأصل: (أقرؤوا))، والتصويب من (ت)).
٥٨٥

فَضَى كلُّ ذِي دَينٍ فوقَى غَرِيمَهُ
وعزَّةُ مَمْطُولٌ مُعَنَّى غَرِيمُها (١)
فأعمل الثاني دون الأول؛ لأنه لو أعمل الأول لقال: قضى كُلَّ ذي
دين فوقَّه غريمُه، ومما أُعمِل فيه الثاني أيضاً قول الشاعر [من الطويل]:
وكُمْتاً مُدمّاةً كأنَّ مُتونَهَا
جَرى فوقَها واستَشْعَرتْ لونَ مُذْهَبٍ(٢)
ولو أَعملَ الأولَ لرفعَ لوناً، وفي الرواية هو منصوب، ومثلُه
للفرزدق [من الطويل]:
ولكنَّ نِصْفاً لو سَبَبْتُ وسيَِّي
بُو عبدٍ شَمسٍ مِنْ مُنَافٍ وهَاشِمٍ (٣)
وقال: بنو؛ لأنه أعمل الثاني دون الأول.
عارض الفقيهُ الترجيحَ الذي ذكره الشريف بأن قال: لو
جاز عطف قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب على موضع
﴿ِبِرُوسِكُمْ﴾، وعلى قوله: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ﴾، لكان عطْفُه على قوله:
﴿وَأَيْدِيَكُمْ﴾ أولى؛ لأن هذا عطْفٌ على اللفظ، والآخر ليس بعطف
(١) البيت لكثير عزة، كما في ((ديوانه)) (ص: ١٤٣)، (ق ٨ / ١٤).
(٢) البيت للطفيل الغنوي؛ انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١/ ٧٧)، و((المفصل))
للزمخشري (ص: ٣٨)، و((لسان العرب)) لابن منظور (٢/ ٨١).
(٣) انظر: ((ديوانه)) (٢/ ٣٠٠).
٥٨٦

على اللفظ، فجرى أحدهما مع الآخر مجرى المُفسَّر مع المُجْمَل،
والحقيقةِ مع المجازِ، ولا يقدح في ذلك أن اللفظ أبعدُ من الموضع،
الذي بيَّنَ (١) ذلك: قولُهُ تعالى، وذكر الآيتين: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا
تَّخِذُواْ﴾ [المائدة: ٥٧] ﴿ وَهُوَ الَّذِىّ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ﴾ [الأنعام: ٩٩]
وأجاب عن إعمال الأقرب، الذي ذكره الشريف، واستشهد عليه بأن
قال: إن شيئاً من ذلك لا يوجب أن يكون الأمرُ على ما قاله، وذلك أنه
ليس في شيء مما ذكره معطوفٌ تقدَّمَه أمران؛ أحدهما من جهة
اللفظ، والآخر من جهة الموضع، فترك حمله على اللفظ إلى حمله
على الموضع.
قال: ثم يقال: كيف ادَّعى نصَّ أهلِ العربية على ما ذكروه، وقد
يعلم أن هذا بابٌ قد اختلف فيه الكوفيون والبصريون، وشَرْحُ ذلك أنَّ
القائلَ إذا قال: ضربت وضربني زيد، فالاختيار عند البصريين إعمال
الثاني؛ لأنه أقرب إلى الاسم، وعند الكوفيين إعمال الأول؛ لأنه
أسبق، فإعمال الثاني على تقدير: ضربت زيداً، وضربني زيد، إلا
أنَّك حذفت المفعولَ من الأول، مستغنياً بما دل عليه بعدَه، وإعمالُ
الأول على تقدير: ضربتُ زيداً، وضَرَبَنِي، فَتُضْمِر في (ضربني)
ما يرجع إلى (زيد)، ويكون فاعلاً لضربني، ثم ذكر الفقيهُ شواهدَ على
إعمال الأول؛ منها قول عمر بن أبي ربيعة [من الطويل]:
(١) ((ت): (يبين)).
٥٨٧

إذا هِيَ لم تَستَك بِعُودٍ أرَاكة
تُنُخِّل فاسْتاكت به عُودُ إسْحِلٍ (١)
قلت: فسر الإسحل بأنه شجر يشبه الأَثْلَ، ينبت بالحجاز، قصبانُهُ
سمر مستوية لطيفة تشبه بنان المرأة، قال امرؤ القيس [من الطويل]:
وتعطو برَخْصٍ غيرِ شَغْنٍ كأنَّهُ
أساريعُ ظَبْيٍ أو مساويكُ إِسْحِلٍ(٢)
وأطرافه من أحسن المساويك، والشاهد في البيت الأول: إنما
يتمُّ إذا كان (عودُ) مرفوعاً وهو المعروف، وقد قيل: إنه يروى (عودّ)
بالخفض، فيكون من إعمال الثاني، ويكون الضمير المستتر في
(تنخِّل) إذ ذاك عائداً على (عود إسحل)، والضمير المجرور بالياء
عائداً على ذلك الضمير، ووجّه بغير ذلك، وذكر أيضاً [من الوافر]:
فَرَدَّ على الفُؤادِ هَوَى عَميداً وسُوَئل لو يُيبين لنا السُّؤالا
بها يَقْتَدْنَنَا الخُرُدَ الخِذَالاَ (٣)
وقد نَغْنَى بها ونَرى عُصُوراً
فنصب الخرد والخذال بـ (نرى)، وعُصُوراً على الظرف، وذكر
قول امرىء القيس، أنشد [من الطويل]:
(١) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٧٨).
(٢) انظر: ((ديوانه)) (ص: ١٧).
(٣) البيتان للمرَّار الأسدي؛ انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٧٨)، و((المقتضب))
للمبرد (٤ / ٧٦).
٥٨٨

فلو أنَّ ما أَسْعَى لِأَدْنَى معيشةٍ
كَفَانِ ولم أطلُبْ قليلٌ من المالِ
وقال [من الكامل]:
ولقد ترى تَغْنَى بها سَيْقَانَةٌ تُصْبِي الحليمَ ومثلُها أَصْبَاهُ(١)
قال: امرأة سيفانة شطبة، كأنها نصل سيف.
قال: وقول الشريف في قول امرىء القيس: هذا شاذَّ غيرُ
مستحسن، دعوی محتاجةٌ إلی دلیل.
قلت: هذا منهما اتفاق على أنَّ [قول] امرىء القيس من باب
إعمال الأول، وهو الظاهر من كلام أبي علي، وأما سيبويه فإنه
قال: وأما قول امرىء القيس: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... ،
البيت، فإنما رفع؛ لأنه لم يجعل القليل مطلوباً، وإنما المطلوب عنده
الملك، وجعل القليل كافياً، ولو لم يرد ذلك، ونصب، فسد
المعنی(٢).
وشرحه الشيخُ العلاَّمةُ أبو عمرَ ابن الحَاجب في ((شرحه
لمقدمته))، فقال: إن من شرط هذا الباب أن يكون الفعلان موجّهین
إلى شيء واحد من حيث المعنى، ولو وجِّه الفعلان هاهنا إلى شيء
(١) البيت لرجل من باهلة؛ انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١/ ٧٧)، و((المقتضب))
للمبرد (٤ / ٧٥).
(٢) انظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٧٩).
٥٨٩

واحد، لفسد المعنى، فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة كفاني، ولم
أطلب قليل من المال، و(لو) تدلُّ على امتناع الشيء لامتناع غيره،
فإذا كان بعدها مثبتٌ، كان منفياً في المعنى، وإذا كان منفياً، كان
مثبتاً؛ لأنها تدل على امتناعه وامتناعُ النفي إثباتٌ، وإذا ثبت ذلك
فقوله: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، فلو وجِّه، ولم أطلب إلى
قليل، لوجب أن يكون فيه إثبات لطلب القليل؛ لأنه في سياق جواب
(لو) فيكون نافياً [للسعي لأدنى معيشة، مثبتاً لطلب القليل من المال،
وهو غير ما ثَبَتَ نفيُه، فيؤدي إلى أن يكون نافياً مثبتاً](١) لشيء(٢)
واحد في كلام واحد، وهو فاسد، فثبت أنه ليس من هذا الباب؛ لما
أدی إلیه من فساد المعنى.
وأما أبو إسحاق ابن ملكون(٣)، فإنه حَمَلَ كلام أبي عليٍّ على
ظاهره، وذكر أنه صحيح، وأن ما قال سيبويه أيضاً صحيح على
وجهين مختلفين، ومأخَذَيْن متمكِّنين، فقال: وتعقَّبَ على الفارسي
جعلَه هذا البيت من الإعمال بعضُ من قلَّت بهذا العلم خبرتُه، ولم
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((للشيء))، والتصويب من ((ت)).
(٣) لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن منذر الحضرمي الإشبيلي المعروف بابن
ملكون، المتوفى سنة (٥٨٤هـ) مصنفات عدة منها: ((إيضاح المنهج في
الجمع بين كتابي التنبيه والمبهج)) لابن جني، و((شرح الحماسة))،
و((النكت على التبصرة في النحو)) للضميري. انظر: ((كشف الظنون))
لحاجي (١/ ٣٣٩، ٦٩١).
٥٩٠

تعرض على تفهُّم أصولِه فطرتُه، وليس كما زعم، بل البيت يحتمل
تفسيرين، يُخرَّجُ على أحدهما قولُ سيبويه، ويخرج على الآخر قولُ
أبي علي، وذلك أن (أسعى) و(أطلب) بمعنى واحد في البيت، إذ
السعي قد يكون في اللغة بمعنى الطلب، قال [من الكامل]:
يسعى الفتى لينالَ أفضلَ سعْبِهِ
هيهاتَ ذاكَ ودونَ ذاكَ خطوبُ(١)
ومعيشة في البيت، تحتمل أن تكون مصدراً، أو أن تكون اسمَ
ما يُعاش به، وكأنها في قول سيبويه مصدر، وتقدير البيت على قوله:
فلو أن طلبي لسيء عيش، كفاني قليلٌ من المال، ولم أطلب سيء
العيش، وإنما أطلب الملك؛ لأنه قال [من الطويل]:
ولكنّما أسعى لمجد مُؤثّل
قيل: وكأنه أراد جعله (أدنى معيشة) مصدراً أن يبين أن (أطلب)
و(كفاني) غير متوجهين إلى(٢) معمول واحد، بل معمول كفى (قليل)،
ومعمول (أطلب) سيء العيش، وقال في توجيه كلام الفارسي: وأما
قول أبي علي، فيجوز على تقدير المعيشة مصدراً، أو اسم ما يعاش
(١) البيت لنويفع بن نفيع، كما أنشده الزجاجي في ((أماليه)). وقد جاء في
الأصل و((ت)): ((خطوف)) وكتب فوقها في ((ت)): ((وكذا))، والمثبت من
((أمالي الزجاجي)).
(٢) في الأصل: ((على))، والتصويب من (ت)).
٥٩١

به، إلا أنك إذا قدرتها مصدراً، احتجت إلى تقدیر حذف مضاف قبل
أدنى، تقديره: لمديم أدنى عيش، فيكون تقدير البيت عنده، إذا
جعلت (معیشة) اسم ما یعاش به: فلو أن طلبي لأدنی ما یعاش به؛
وهو القليل، كفاني ذاك (١) القليل، ثم قال: ولم أطلبه، أي: ولم
أطلب ما ذكرته أولاً من قليلٍ ما يُعاش به، وإنما أطلب الملك، فيكون
القليل على هذا تعلَّقَ لكل واحد من العاملين، إلا أنه أعمل الأولى،
وحذف معمول الثاني للضرورة، ونظير ذلك قول الفرزدق [من الوافر]:
وناسَبَي وناسَبْتُ القُرودُ(٢)
وإنْ شِئْتُ انتسبْتُ إلى فقيمٍ
أي: ناسبتني، وناسبتهم القرود، وقول عاتكة بنت عبد المطلب
[من مجزوء الكامل المرفّل]:
ـن إذا هُمُ لَمِحُوا شُعَاعُهْ(٣)
بِعُكَاظَ يُعشي النَّاظريـ
ويكون تقدير البيت عنده، إذا جعلت (معيشة) مصدراً: فلو أن
مطلبي لمديم سيء العيش، وهو القليل؛ لأن من لازم الإقلال،
خالف سوء الحال، فيكون أيضاً العاملان في هذا الوجه متوجِّهَيْن على
القليل من جهة المعنى.
قال أبو الحسن بن عصفور: وهذا الذي خَرَّجَ عليه الأستاذ أبو
(١) ((ت): ((ذلك)).
(٢) انظر: ((طبقات فحول الشعراء)) لابن سلام (٢/ ٣٠٦)، و((الأغاني))
للأصفهاني (١٠ / ٣٥٤).
(٣) انظر: ((الحماسة بشرح المرزوقي)) (٢ / ٧٤٣).
٥٩٢

إسحاق كلام أبي علي من أنه أراد: كفاني قليل، ولم أطلب القليل.
و[هو](١) مذهب أبي سعيد السكري، ذكر ذلك فيما شرحه من قول
امریء القیس.
قال أبو الحسن: والصحيح أن البيت لا يجوز أن يكون من
الإعمال، من جهة أن الإعمال لا يتصور، حتى يكون قوله: ولم
أطلب، غير معطوف على جواب (لو)، وهو (كفاني)، ولا في موضع
حال من مفعول (كفى)، إذ لو كان معطوفاً عليه، لكان جواباً لها
أيضاً؛ لأن المعطوف شريكٌ للمعطوف عليه، وإذا كان جوابها، كان
التقدير: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، لم أطلب قليلاً من المال،
وذلك فاسد المعنى، ولو كان في موضع حال من مفعول (كفى)،
لكان التقدير: فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة، كفاني قليل من المال في
حال أنني لم أطلبه، وذلك باطل؛ لأنَّ سعيه إذا كان لأدنى معيشة، لم
يكن القليلُ كافياً له، إلا في حال طلبِهِ إِيَّاهُ، وإذا ثبت أن القليل إذا كان
معمولاً لأطلب، لم يسغْ أَنْ يكونَ (ولم أطلب) معطوفاً على
(كفاني)، ولا في موضع حال من مفعول (كفى)، بل مستأنفاً، كان
الإعمال ممتنعاً؛ لأن الإعمال لا يتصور حتى يكون أحدُ العاملين
مرتبطاً بالآخر؛ بعطف، أو بغيره، ألا ترى أنك لو قلت: ضربت،
ضربني زيداً، لم يجز، لعدم ارتباط أحدهما بالآخر، وسبب ذلك: أن
الإعمال قد يجيء فيه الفصل بين العامل والمعمول إذا أعملت الأول،
(١) زيادة من هامش ((ت)).
٥٩٣

والإضمار قبل الذكر إذا أعملت الثاني، واحتاج الأول إلى فاعل، أو
مفعول لم يُسَمَّ فاعله، فلو لم تكن إحدى الجملتين مرتبطة بالأخرى،
للزم الفصل بين العامل والمعمول بأجنبي، وهو غير جائز، وجعل
مفسر ما أضمر قبل الذكر في كلام منقطع من الكلام، الذي الضمير
منه، وهذا الإضمار إنما جاء فيما الجملتان فيه كالجملة الواحدة.
قال: ولهذا الذي ذكرته منع سيبويه، والله أعلم، أن يكون البيت
من الإعمال، لا لما ذكره أبو إسحاق؛ بدليل قوله: ولو لم يرد ذلك،
ونصب، فسد المعنى، فجعل نصف القليل مفسداً للمعنى، ولو أراد
ما قاله أبو إسحاق، لم يعلل امتناع نصبه بفساد المعنى، بل كان ينبغي
له أن يعلل امتناع نصبه بكونه قد قال أولاً: فلو أن ما أسعى لأدنى
معيشة، ومعناه: فلو أن سعيي لأدنى عيش، والسعي هو الطلب،
فينبغي أن يكون معمول (أطلب) (أدنى عيش) حتى يكون قد نفى
ما فرض أولاً، وإذا جعل معمولَه القليل، لم یکن نافياً ما فرض، وهو
السعي لأدنى معيشة، بل ما يلزم عنه أدنى العيش، وهو السعي
القليل(١)(٢) .
قلت: وقد أطلنا الكلام على هذا البيت لشهرته، وشهرة تعليل
المنع بما تقدّم، فجرَّ ذلك إلى اجتلاب اعتراضٍ على المشهور من
وجه الامتناع، وهو كلامُ أبي إسحاق ابن ملكون، فاغتفرنا الإطالة،
(١) ((ت)): ((للقليل)).
(٢) انظر: ((شرح الجمل)) لابن عصفور (١ / ٦٣٥).
٥٩٤

وإن كانت سبب المَلال، لغرابة الاعتراض، ودقة النظر في البيت،
على أن كتابنا هذا ليس موضوعاً على الاختصار، فتُنْكَرُ الإطالةُ، إلا
أن المُنْكَرَ(١) إطالةُ ما يقتضي المقصودُ خلافَه، أو يقتضي المعرف
إنكاره، ومن ظريف ما بلغني في كراهة الإطالة - وإن كان الكلام عامّياً
- ما حدثنيه أحمد بن نصر الله الأديب، ما معناه: أن ابن قُدَيم - وهو
المنعوت بأبي الشرف - المشهور من أدباء مصر عندهم، مدح جدّه(٢)
المنعوت بالعلاء بقصيدة فيها مئة وأربعون بيتاً، ثم سأل الشرف(٣)
الشاعر ولد العلاء المنعوت بالأسد، فقال: كيف رأيت القصيدةَ
اللَّمية؟ فقال: مليحة، لو (٤) كانت إلاَّ مِيَّة.
ثم نرجع إلى كلام الفقيه سُليم، قال: فأما قول الله تعالى:
﴿مَاتُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦] فقرأه عاصم في رواية أبي بكر
وحمزة موصولة، أي: جيئوني، وقرأه ابن كثير ونافع وابن عامر وأبو
عمرو وعاصم في رواية حفص والكسائي: (آتوني) ممدودة(٥)، وعلى
هذا يحتمل أن يكون من المواتاة، وأن يكون من الإيتاء، فعلى
الوجهين الأوَّلين لا يتعدى إلى مفعول ثانٍ، وعلى الوجه [الثالث](٦)
(١) ((ت)): ((لأن المنكر)).
(٢) ((ت)): ((جلده))، وكتب فوقها: كذا.
(٣) كذا في الأصل و((ت))، وجاء فوقها في (ت)): كذا.
(٤) في الأصل: ((أو))، والمثبت من ((ت)).
(٥) انظر: ((إتحاف الفضلاء)) للدمياطي (ص: ١٤٨).
(٦) سقط من ((ت)).
٥٩٥

يصلح أن ينصب (قطرا) به، ويكون على حذف الهاء من (أفرغه)
ويصلح أن ينصب (قطراً) لا (أفرغ) على ما قاله، وكذلك قوله تعالى:
﴿وَهُمْ ظَنُواْ كَمَا ظَنُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اَللَّهُ أَحَدًا﴾ [الجن: ٧] وقوله: ﴿هَاؤُمُ أَقْرَءُواْ
كِتَبِيَهُ﴾ [الحاقة: ١٩] يصلح فيهما الوجهان، وحذفُ المفعول لدلالة
الكلام عليه كثيرٌ، قال الله تعالى: ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ
الرِّعَاءُ﴾ [القصص: ٢٣] وقرأ ابن عامر وأبو عمرو (يصدر الرعاء) - بفتح
الياء وضم الدال ــ أي: حتى ينصرف الرعاء عن الماء، وقرأ الباقون
من القراء السبعة (حتى يصدر ) - بضم الياء وكسر الدال ـ أي: حتى
يرد الرعاء غنمهم(١)، فحذف المفعول لدلالة الكلام عليه، وقد جاء
ما هو أكثر من ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ
أَشْرَكُواْ أَيْنَ شُرَّكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ [الأنعام: ٢٢] أي: كنتم تزعمونهم
شركاء، فحذف المفعولين جميعاً، لأن التوبيخ بالإشراك قد دل
علیه.
قال الفقيه: وأما قول الشاعر [من الطويل]:
وكُمْتاً مُدَمَّةً كأَن متونَهَا
جرى فوقَها واستشعرتْ لَوْنَ مُذْهَب
فقد روي (لونَ مذهب) بالنصب على إعمال الفعل الثاني،
و(لونُ مذهب) بالرفع على إعمال الفعل الأول، قال: والكمته: لون
(١) المرجع السابق، (ص: ٤٣٥).
٥٩٦

ليس بأشقر، ولا أَدْهَم، والمُدَمَّى من الخيل: الأشقر الشديد الحمرة،
شبه لون الدم، وكُمَيتٌ مُذْهَب: إذا عَلَتْ حمرتَه صفرةٌ، كأنه مُؤِّه
بالذهب، وأما قوله:
قضى كلُّ ذِي دَيْنٍ فوفَّى غريمَه
فيروى :
أرى كلَّ ذي دين يوفِّي غريمَه
ویکون لكل واحد من الفعلین مفعول خاص، ومن روی:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه
جعل (قضى) و(وفَّى) شيئاً واحداً، ففارق بذلك سائر الأمثلة،
وأما قول الفرزدق [من الطويل]:
ولكنَّ نصفاً لو سببتُ وسبّي
بنو عبدٍ شمسٍ من منافٍ وهاشمٍ
فالكسائي يجيز أن تقول: بني عبد شمس بالنصب(١) على إعمال
الأول، على خلاف ما اقتضاه كلامُ الشريف، وليس في المسألة
اختلاف في الجواز والمنع، بل كلا الفريقين يجوِّز الأمرين، والاختلافُ
إنما هو في الاختيار.
الثامنة والستون بعد المئة: قال الشريف: ولا خلاف بين أهل
(١) في الأصل: ((أن تقول: بني عبد شمس، وشمس بالنصب))، والمثبت من
((ت)) .
٥٩٧

اللسان في أن القائل [إذا قال: ](١) ضربت عبد الله، وأكرمت خالداً
وبشراً، أنَّ ردَّ بشرٍ إلى حكم خالدٍ في الإكرام أولى من ردِّه إلى حكم
عبد الله في الضرب، هذا هو الظاهر المستحسن، وغيره مُستَقْبَح.
أجاب الفقيه: بأن هذا لا دليل فيه؛ لأنه إذا عطف وبشراً على
الذي يليه عطفه على اللفظ لا على الموضع، [و](٢) هو إليه أقرب،
فيكون أولى، وإذا عطف قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ في القراءة
بالنصب على الذي يليه عطفه على الموضع، وترك العطف على
اللفظ، فیکون تاركاً لما هو أولی.
قال: وجواب آخر، وهو: أنه إذا قال: ضربت عبد الله، وأكرمت
خالداً وبشراً، وهو يريد رد بشر إلى حكم عبد الله، يؤخر ما حقه أن
يقدم، ويوقع الشبهة في المعنى لغير غرض صحيح، فيكون مُسْتَقْبَحَاً،
وليس كذلك قوله: ﴿فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَأَمْسَحُواْ
بِرُءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] [فيمن](٣) قرأ بالنصب؛
لأنَّ الظاهرَ حملُ المنصوب على المنصوب في اللفظ، لا على
المجرور الذي موضعُه النصب، ولا تقع الشبهة في المعنى في (٤) تأخير
ذكره، فكان مستَحسَناً غير مستقبح.
(١) زيادة من ((ت).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((وفي)).
٥٩٨

التاسعة والستون بعد المئة: مما ذُكر في تأويل قراءة الجر:
حملها على المسح على الخفين، وربما جعل طريقاً إلى استعمال
القراءتين، بأن يقال: أُريدَ بالقراءة بالنصبِ غسلُ الرجلين إذا كانتا
بارزتين، وبالقراءة بالجرِّ المسحُ إذا كانتا في الخُفّين، وذكر حديث
جرير في إسلامه بعد نزول المائدة، وروايته للمسح على الخفين(١)،
وقيل: ولا تكون الآية موجِبَةً لغسل الرجلين بكل حال، أو
لمسحهما (٢) بكل حال، ورسول الله و لم يترك [كل](٣) ذلك إلى المسح
على الخفين، فثبت أن كل واحد من غسل الرجلين ومسح الخفين من
مضمون الآية، ويؤيده أن القراءتين كالآيتين، فكان حملَهما (٤) على
و
فائدتين أولى من حملهما(٥) على فائدة واحدة.
وأقول: هذه الطريقة مستعملة كثيراً للفقهاء والمتناظرين،
[أعني: ](٦) ترجيحَ ما يدعي أحدُ الخصمين الحملَ عليه على ما يدعيه
خصمُه، وإسناد هذا الترجيح إلى كثرة الفائدة في أحد الحُكمين،
(١) رواه البخاري (٣٨٠)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في الخفاف، ومسلم
(٢٧٢)، كتاب: الطهارة، باب: المسح على الخفين.
(٢) في الأصل: ((لمسحها))، والمثبت من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((وكان حملها))، والمثبت من ((ت)).
(٥) في الأصل: ((حملها))، والمثبت من ((ت)).
(٦) زيادة من ((ت)).
٥٩٩

والاعتراض عليه: أن ثبوتَ كونه فائدةً، ليس في نفس الأمر، [بل](١) على
تقدير رُجحان الحمل على ما يدعيه؛ لأنه لو انتفى الرجحانُ لانتفى كونُهُ
فائدةً، فإثباتُ الرجحانِ بكونه فائدةً إثباتٌ للشيء بما لا يثبت إلا بعد
ثبوته، وهو دَورٌ ممتنع، وهذا متينٌ لا يُورَد عليه شيء إلا بطريق جدلي.
السبعون بعد المئة: اعترضَ الشريف على التأويل بالمسح على
الخفين؛ بأن الخُفَّ لا يُسمَّى رِجْلاً في لغة ولا شرع، كما أن العمامةَ
لا تُسمَّى رأساً، ولا البُرْقَع وجهاً، فلو ساغ حملُ ما ذكر في الآية من
الأرجل على أن المراد به الخِفافَ، لساغ في جميع ما ذكرناه.
أجاب الفقيه: بأنَّ من عادة (٢) العرب تسميةَ الشيء باسم غيره،
إذا كان مجاوراً له، وكان منه نسيب، تقول: ما زلنا نطأ السماء حتى
أتيناكم، يريدون الكلا والمطر، وقال الشاعر [من الوافر]:
رَعَيْنَاهُ وإن كانوا غِضَابًا(٣)
إذا نزلَ السَّماءُ بِأَرَضٍ قومٍ
فسمى المطر سماء لنزوله من السماء، وقال آخر [من الطويل]:
كَثَوَرِ العَدَابِ الفردِ يَضْرِبُه النَّدَی
تَعَلَّى النَّدى في مَتْنِهِ وتَحَدَّرا(٤)
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((غاية)) .
(٣) البيت لمعاوية بن مالك؛ انظر: ((المفضليات)) للمفضل الضبي (ص: ٣٥٩).
(٤) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي؛ انظر: ((ديوانه)) (ص: ٨٤).
٦٠٠