النص المفهرس
صفحات 541-560
بالنذر؟ وصحّح اللزوم، وإنما أوجب الاختلاف عندهم؛ لأنهم لم يلزموا بالنذر كل ما هو عبادة أو طاعة، بل قسموا الحال فيه: فأما العبادات المقصودة، وهي التي شرعت للتقرُّب بها، وعُلِمَ من الشارع الاهتمامُ بتكليف الخلق إيقاعَها عبادة؛ كالصوم، والصلاة، والصدقة، والحج، والاعتكاف، والعتق؛ فهذه تلزم بالنذر بلا خلاف. وأما القربات التي لم تشرع لكونها عبادة، وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغَّب الشرع فيها لعظم فائدتها، ويُبْتَغَى بها وجهُ الله تعالى، فيُنَال الثوابُ منها؛ كعيادة المرضى، وزيارة القادمين، وإفشاء السلام بين المسلمين، وتشميت العاطس؛ ففي لزومها بالنذر وجهان، صحَّحوا اللزوم، وتجديد الوضوء أُدْخِلَ في هذا القسم. وأما المباح الذي يَرِدُ فيه ترغيب؛ كالأكل، والنوم، والقيام، والقعود، فلو نذر فعلها، أو تركها، لم ينعقد نذره، وقد يَقْصِدُ التقوِّي على العبادة، وبالنوم النشاط عند التهجد، فَينالُ الثواب، لكنَّ الفعل غير مقصود، والثواب يحصل بالقصد الجميل(١). التاسعة والأربعون بعد المئة: هذا الذي ذكرناه من الاستدلال بقوله ◌َ﴿: ((مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللهَ فَلْيُطِعْهُ)) مبنيٍّ على قاعدتنا في أنَّ كلَّ ما عاد إخراجُه على العموم بالتخصيص فالأصل عدمُه، ويُعْمَلُ (١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣٠١/٣ -٣٠٣). ٥٤١ بالعموم، وأما على ما قيل: من أَنْ المطلق لا عموم [له](١)، فإذا عُمِلَ به في صوره كفى، فالحديث مطلقٌ في العبادة كفى، ولا يقتضي العموم في حقِّ كل عبادة. فعلى هذا: ما وقع النزاع فيه من تجديد الوضوء، والقسم الذي هو منه، يمكن المخالِف فيه في الجدل أن يسلُكَ هذه الطريقةَ فيما يخالف فيه، وجوابه هو الدليل على المذهب الذي اخترناه؛ وهو وجوب الوفاء بصيغة العموم، وإنما جعلتُ(٢) ذلك جدلاً؛ لأنه لا بد للمجتهد المخصِّص للحكم بهذه الصفة، أن يُخْرِجَ عنها بعضَ ما تناوله اللفظُ من دليل يدلُّ على التخصيص، ومخالفة الحكم، فَحِينَئِذٍ إذا أُورِدَ(٣) عليه الاستدلالُ بالعموم يقول ما يقول. الخمسون بعد المئة: من لوازم الاستدلال بالحديث على أنَّ تجديدَ الوضوء يلزم بالنذر، بعد إثبات كونه عبادةٌ يترتَّب الثوابُ عليه في الحديث: القولُ بالعموم ليدخل فيه الوضوء، والتفريق بين العبادة المقصودة بالتفسير المذكور، وبين القسم الآخر، لابدَّ له من دليل يدلُّ عليه لمخالفته لظاهر العموم، فإنَّ في التفصيل إخراجَ بعضٍ الطاعات، وأما المباحات فإنْ لم تقترن بها نيَّةٌ تجعلها عبادة، فهي (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل: ((حصلت))، والتصويب من ((ت)). (٣) ((ت): ((ورد)). ٥٤٢ خارجة عن مقتضى اللفظ المذكور، ومن ألزم النذر(١)، فإنما يأخذه من دليل آخر، أما إذا اقترن بها ما يقتضي كونها عبادة بالنيّة، فيدخل تحت العموم، فإخراجها یحتاج إلی دلیل. الحادية والخمسون بعد المئة: تكلّم بعض أكابر الفضلاء في الحكمة في غسل هذه الأعضاء، وذكر وجوهاً؛ منها: أنه أمر بغسل هذه الأعضاء تكفيراً لما ارتُكِبَ بهذه الحواس من الإجرام، لأن بها تُرتكب جُلُّ المآثم، فإنَّ بها يوصل إلى الشيء الحرام، والنظر إلى العورات، والأكل الحرام، وسمع اللغو والكذب، وتناول [مال](٢) الغير، ونحو ذلك، قال: وقد وردت الأخبار في كون الوضوء تكفيراً للمآثم، فتكون مؤيِّدةً لما قلنا (٣). قلت: هذا يجعل تعليلاً لتخصيص هذه الأعضاء بالغسل دون غيرها من الأعضاء، ولا ينبغي أن يُجعَل دليلاً على أصل الوضوء، فتأمَّله. وبعض الوجوه التي ذكرها يمكن أن تُجعَل تعليلاً لأصل الوضوء، مثل قوله: إن الله تعالى لمّا أمرهم بالقيام إلى الصلاة؛ وهي مقام المناجاة، ومحلُّ القرب، أمرهم بتطهير الأعضاء الظاهرة لتذكرهم بتطهير باطنهم، فإن قيام الحدث لا ينافي العبادة والخدمة في (١) ((ت)): ((ومن إلزام النذر بها)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) كذا وجدته في ((بدائع الصنائع)) للكاساني (١ / ١١٥). ٥٤٣ الجملة، حتى يجوز أداءُ الزكاة مع الحدث والجنابة، وأقرب منه: أنه يجوز أداء الإسلام مع قيام الحدث، وهذا لأنَّ ذلك ليس بمعصية، ولا سببَ مأثم، فأما ما يقوم في الباطن؛ من الغشِّ، والحسد، والكبر، وسوء الظن بالمسلم، ونحوِها أسباب المآثم، فأمر بغسل هذه الأعضاء الظاهرة، لتكون دالَّة على تطهير الباطن عن هذه الأمور، لمَّا طلب المناسبة للحكم، والحكمة فيه على ما هو الأصل، والواقع في أحكام الله تعالى، وبَيَّنَ أن الحديث لا يناسب، استنتج من ذلك أمراً مناسباً للتعليل، وهو تطهير الباطن. الثانية والخمسون بعد المئة: لمَّا قيل بنجاسة الأعضاء نجاسةً حكمية وتطهيراً لما لها [لكون الماء](١) مطهِّراً بالآية الكريمة، والحديث [الشريف](٢): ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءُ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] ﴿الْطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١]، (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُه، الحِلُّ مَيْنَتُه))(٣) نستنتج من ذلك: عدمَ اشتراط النيّة في الوضوء؛ لعدم اشتراطها في إزالة النجاسة الحسية. أُجيبَ عن ذلك: بحمله على التطهير من الآثام، فقيل في لفظ التطهير: إنه يحتمل أن يكون المراد منه التطهير عن الأوزار والآثام، ويحتمل أن يكون المراد به التطهير عن النجاسة، قال: والحمل على (١) سقط من ((ت)). (٢) سقط من ((ت)). (٣) تقدم تخريجه وهو الحديث الأول من هذا الكتاب. ٥٤٤ التطهير عن الأوزار أولى، وأشار إلى بيان الأولوية، وكأنه يريد أنه لا نجاسة في المحلِّ حقيقة، فلزم(١) منه تقديرُ النجاسة، والتقدير على خلاف الأصل، وهذا الجواب والترجيح يفتقر إلى الدلالة على كونه مطهراً عن الآثام والأوزار، فَيَسَتدِلُّ عليه بالحديث، فيصِحُّ الجواب، والله أعلم. الثالثة والخمسون بعد المئة: يقال: الفعل عبادة، بمعنى: أنه يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى، ويُمْتَثَلُ به الأمر، ويقال: عبادة، بمعنى التعبد، وعدم معقولية المعنى، وقد بنى بعض الخلافيِين وجوبَ النيّة على كون الوضوء عبادةً بهذا المعنى الثاني، فعلى هذا: إذا قيل الوضوء عبادة، تُشترط فيه النيّة كسائر العبادات، فإن أريد المعنى الأول، لم يكفِ في بيان كونه عبادةً ترتُّبُ الثواب عليه، ويحتاج حِيَئِذٍ إلى أن يبيِّن كون كلِّ وضوء عبادة؛ كما قدَّمنا، أو يحترزَ في القياس بإيراد قيدٍ يُلْحَق به الوضوء، بما هو مقيّد به في عبادة أخرى، وإن أُريد التعبُّد، فَليُقِمْ علیه دليلاً. الرابعة والخمسون بعد المئة: خروج الخطايا في مسح الرأس من أطراف الشعر، الكلام فيه كالكلام في خروج الخطايا من الوجه [من أطراف شعر اللحية، إلا أنَّه هاهنا لا يمكن أن يجعل أطراف الشعر من الرأس](٢)، ولو أمكن أن يسلُّم الدليل في مثل هذا اللفظ (١) ((ت)): ((فيلزم)). (٢) زيادة من ((ت)). ٥٤٥ على ما ذكر؛ لأن الشَّعر يتناول ما نزل عن حَدِّ الرأس من الذؤابة، فلو أُجْرِيَ مَجْرَى الرأس في الحكم، لوجب أن يجري المسحُ على طرف الذؤابة مع ترك المسح على الرأس جملة، فلا يتأدَّى الواجبُ حينئذ. والشافعيةُ قد زادوا على هذا، وحكموا بأنه لو مسح على شعر في حدِّ الرأس، لكان إذا مدَّ موضع المسح خرج عن حدِّ الرأس لم يُجْزِئْه(١)، فيُؤَوَّل هذا على تقديرٍ سليمِ الدلالة، على كون اللفظ يدلُّ على كون الشعر من الرأس، إلى أن الحكم ثبت بدليل من خارج. والمالكية يقولون: إنه يمسح الذؤابةَ مع الرأس(٢)، وهذا يدلُّ علی أنهم يدخلونها تحت اسم الرأس. الخامسة والخمسون بعد المئة: قوله: ((ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ، كَمَا أَمَرِه الله)) دليلٌ صحيح في أن الله أمر بغسل الرجلين، ولهذا ذكره في الأصل، وهو قاطع لدابر مذهب الإمامية في عدم وجوب الغسل، وأن الواجبَ المسحُ، ولا يتأتَّى للشريف أبي القاسم علي بن الحسين الملقب بالمرتضى(٣) في تأويل ما ورد من الأحاديث بغسل الرجلين في وضوء النبي ◌ٍَّ﴾، فإنه قال: أما الخبر المتضمِّن لأنه - الَّم - غسل رجليه، فيحتمل أن يكون فعل ذلك بعد مسحهما، ولم يَرْوِ الراوي (١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٣٥٣). (٢) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٦٥). (٣) المتوفى سنة (٤٣٦هـ)، وهو جامع كتاب ((نهج البلاغة)). انظر: ((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (١٧ / ٥٨٨). ٥٤٦ المسحَ؛ إمّا للنسيان، وإمّا لالتباس الفعل عليه، وتقارب زمانه. والاعتقاد أن ذكر الغسل يغني عنه؛ لأن ذلك فعلٌ يحتمل ما ذكره، وهذا قولٌ مصرِّح بأن الله تعالى أمر بالغسل، فلا يبقى هاهنا حيلة للإمامية في دفع هذا إلا إنكارَ وجوبِ العمل بخبر الواحد، وهو قول باطل قطعاً بعد تتبُّع أفعال الرسول والصحابة والتابعين، فلا التفاتَ إليه، ولم أرَ الشريف ذكر هذا في الجواب عن أحاديث الغسل، فيما حكاه الفقيه سليم عنه من قوله، وإنما ذكر التأويل المذكور، ولعلَّه دليل على إنصافه، ويمكن أن يكون من المجاملة، وإنما ذكر ذلك ابن المعلِّم وقال: الخبر الذي رَوَيْتُم من أخبار الآحاد، وأخبار الآحاد لا توجب عندنا علماً ولا عملاً، وقال في موضع آخر - على ما حكاه الفقيه سليم -: ولو أوجَبَت عملاً لم ترفع ظاهراً، ولم تخصِّص عموماً، وله في هذه المسألة رسالة، ولمحمد بن محمد بن النعمان المعروف بابن المعلِّم(١) رسالة أخرى. وردَّ عليهما الفقيهُ أبو الفتح سليم بن أيوب الرازي(٢) في رسالة (١) المتوفى سنة (٤١٣هـ)، قال الذهبي في ((السير)) (١٧ / ٣٤٥): بلغت تواليفه مئتين، لم أقف على شيء منها، ولله الحمد، انتهى. (٢) قال الإمام النووي: كان إماماً جامعاً لأنواع من العلوم، ومحافظاً على أوقاته، فلا يصرفها في غير طاعة، وهو الذي نشر العلم بصُور، المدينة المعروفة، وله مصنفات كثيرة في التفسير والحديث وغريب الحديث = ٥٤٧ سماها ((المنصفة في طهارة الرجلين في الوضوء)) وأجاب عن تأويل الشريف: بأن (١) الأمر الذي ورد فيه هذا الخبر، لو كان مما لا يتفق إلا لآحاد الناس في وقت دون وقت؛ كالحوادث من الإيلاء، والظُّهار، واللعان، لكان الظنُّ بالصحابي أنه ضبطَه ونقلَه على وجهه، فكيف وهو مما يَحتاج إليه كلُّ أحد في كلِّ يوم مرات؟ !. وكذلك لو كان الذي نقله ممن لم يصحبِ النبيَّ وَّ إلا يوماً واحداً، لم يُتَّهَم [بخفاء] (٢) ذلك عليه، فكيف وقد نقله النجومُ من أصحابه، الذين لم يكونوا يفارقونه؟! وقد تقدَّم ذكر أسمائهم، وألفاظِ أخبارِهم، والمواضع التي نقلتُ منها، فأغنى عن إعادتها، ثم يقال: كيف يُحتمل أن يكون فعل ذلك بعد مسحهما، وليس على أصله مسحهما، بيلة اليد مرةً واحدةً، إلا بدعة. السادسة والخمسون بعد المئة: ظاهر قراءة الخِرَقِيِّ قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ يخالف ما اقتضاه هذا الحديث، وسائر الأحاديث المتضمِّنة للغسل، فيحتاج إلى الكلام عليها، وتخريج ما يدلُّ عليه لیردًّ إلی حکم الغسل، وفي ذلك وجوه: أحدها: منع تعيين دلالتها على المسح؛ لأن ذلك مبنيٌّ على = والعربية والفقه، توفي سنة (٥٤٧هـ). انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١/ ٢٢٣) . (١) في الأصل ((لأن)) والمثبت من ((ت)). (٢) زيادة من ((ت)). ٥٤٨ كون الجرِّ للعطف على الرؤوس، واقتضاء الواو للتشريك في الحكم، وذلك بأن يحمل الجرُّ على الخفض بالجوار، أو الإتباع، والخفضُ على الجوار مشهورٌ في لسان العرب تعدَّدت فيه الشواهد: منها قراءة حمزة والكسائي: ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ بالجرّ(١)؛ فإنه لا يطاف بالحور العين، وأول الآية قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ [الواقعة: ١٧] إلى قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]. ومنها قراءة من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّقُ ذُوْاَلْقُوَّةِ الْمَنِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]، بكسر النون في المتين(٢)، وهو نعت للرزاق، وجرُّه على الجوار. ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٦] وهو صفة للعذاب، الذي هو منصوب حقيقة. ومنها قوله تعالى: ﴿فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ [إبراهيم: ١٨] وهو نعت للريح المرفوعة حقيقة، فالخفض للجوار. ومن الشواهد المشهورة في الخفض على الجوار: ما ذكره سیبویه، وأبو حاتم [من الرجز]: كأن نسجَ العنكبوتِ المُرَمَّلِ (٣) (١) انظر: ((إتحاف الفضلاء)) للدمياطي (ص: ٥٢٩). (٢) المرجع السابق، (ص: ٥١٧). (٣) للعجاج، كما في («ديوانه)) (١ / ٢٤٣) (ق ١٢ / ١٠٧)، من قصيدة مطلعها: ما بال جاري دمعك المهلهل والشوق شاجٍ للعيون الحُذَّلِ وانظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٤٣٧). ٥٤٩ والمُرمَّل صفة للنسج المنصوب جزماً، رملْتُ الحصير أرمُلُه، نسجته . يقال: ومنها أنشد أبو حاتم لذي الرُّمَّة [من البسيط]: كأنَّما ضَرَبَتْ قُدَّامَ أعيُنِها قطناً مستصحب الأوتارِ محلوجٍ (١) فَجَرَّ المحلوج، وهو نعت للقطن المنصوب؛ للمجاورة والإتباع. ومنها ما أنشد بعضهم [من المتقارب]: أطوفُ بها لا أرى غيرَها كما طافَ بالبيعةِ الراهبِ(٢) فجرَّ الراهب إتباعاً للفظ البيعة. ومنها ما أنشد الأخطل [من الطويل]: جزى اللهُ عنَّا الأَعْوَرَين مَلاَمةً وفروة ثَفْرَ الثَّورةِ المُتَضَاجِمِ(٣) السابعة والخمسون بعد المئة: في اعتراض الإمامية على الخفضٍ بالجوار، وهو من وجوهٍ: (١) انظر: ((ديوانه)) (١ / ٤٥٦)، وعنده: عِهْناً بمستْحصد الأوتار محلوجٍ (٢) لم أقف على قائله. (٣) انظر: ((ديوانه)) (ص: ٦٧٤)، والمتضاجم: المتسع. ٥٥٠ الأول: ادعاءُ شذوذِهِ، قال الشريفُ: الإعرابُ بالمجاورة شاٌ نادرٌ، لايُقاس عليه، وإنما ورد في مواضعَ لا يتعدَّى إلى غيرِها، وما هذه منزلتُهُ في الشذوذِ والخروج عن الأصول، لا يجوزُ أنْ يُحملَ کلامُ الله تعالی علیه. وقال ابن المعلِّم: وقد صَرَّح أهلُ اللغة وأئمةُ العربية بأنَّ المجاورةَ لا يجوز استعمالُها في كتاب الله تعالی؛ لبعدها عن أصل، ولخروجها عن حقيقة الكلام. وقالوا: استعمالُها شيءٌ يُخَصُّ به الأعرابُ دونَ الفصحاءِ من أهل اللسان؛ وقد نصَّ على ذلك الفرَّاء، واليزيدي، وغيرهما من أهل اللغة. وقال في فصل آخر: وقد قال المبرِّدُ: إنَّ قولهم: جحرُ ضبٍّ خربٍ، ليسَ فيه شيءٌ من حكم المجاورة، لكنه لما أضيفَ (الجحرُ) إلى (الضبّ) صار كالاسم الواحد، فأعرب (الخرب) بنعتِ الاسم (١). قال: ولم يقصد المتكلمُ بذلك ما ذهب إليه من لا علمَ له من خفض (الخرب) بالمجاورة. أجاب الفقيهُ أبو الفتح سليم بأن الذين استدلّوا بذلك، لم يقتصروا على مجرَّدِ الدعوى، لكن تلوا فيه آياتٍ من القرآن، وذكروا فيه أبياتاً من الشعر معروفةً، وحكوا عن قوم أمناءَ ثقاتٍ أنهم نقلوه عن العرب مُطلقاً من غير تقييد، فسبيلُ المستدلِّ عليه، إذا أرادَ أن يحكمَ (١) انظر: ((المقتضب)) للمبرد (٤ / ٧٣). ٥٥١ بشذوذه، ويقصرَهُ على موضع دونَ موضع، أن ينقلَ ذلك كنقلهم، ولا يقتصرَ على مجرد دعواه، ولأن في ذلك سدَّ باب الاحتجاج بكلام العرب، بأن يكونَ كلٌّ من استدلّ عليه بشيء منه، يقول: هذا إنَّما ورد في مواضعَ لا تتعدَّى إلى غيرها، وهو شاذٍّ نادر، وما هذه منزلتُهُ في الشذوذ والخروج عن الأصول، لا يُحتجُّ به، فيقف الاحتجاجُ بكلامهم، وإذا كان ذلك كذلك، لم يلزمْ هذا السؤال حتى يقرنَهُ بالبرهان. وقال أبو البقاء العُكْبَرُّ في الكلام على الإعراب الذي يقال: هو على الجوار، وليس يمتنعُ أن يقعَ في القرآن لكثرته، فقد جاء في القرآن والشعر؛ فمن القرآن قولُهُ تعالى: ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قراءة مَنْ جَرَّ، وهو معطوفٌ على قوله: ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَرِيقَ﴾ [الواقعة: ١٨]، والمعنى مختلفٌ؛ إذ ليس المعنى: يطوف عليهم ولدانٌ مخلدون بحور عین. قال الشاعر [من البسيط]: لمْ يَيْقَ إِلاَّ أَسِيْرٌ غَيْرُ مُنْفَلِتٍ أَوْ مُؤْثَقٍ فِي حِبَالِ القَدِّ مَجْنُوبِ(١) والقوافي مجرورة. (١) البيت النابغة الذبياني، كما في ((ديوانه)) (ص: ٥٨)، وعنده: وموثقٍ في حبال القد مسلوبٍ لم يبق غيرُ طريد غيرٍ منفلت ٥٥٢ ٠ والجوارُ مشهورٌ عندهم في الإعرابِ، وقلبِ الحروف بعضها إلى بعض، والتأنيثِ، وغير ذلك؛ فمن الإعراب ما ذكرنا في العطف، ومن الصفات قولُهُ: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ تُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] واليومُ ليس بمحيط، وإنما المحيطُ العذابُ، وكذلك قوله: ﴿فِ يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨]، واليومُ ليس بعاصف، وإنما العاصفُ الريح. [ومن](١) قلب الحروف قوله - العَيْه -: ((ارْجِعْنَ مَأْزُورَاتٍ غَيْرَ مَأْجُورَاتٍ))(٢)، والأصل: موزورات، ولكنْ أريدَ التآخي، وكذلك قولهم: إنه ليأتينا بالغَدَايا والعَشَايا. ومن التأنيث قوله تعالى: ﴿فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]، فحذف التاءَ من (عشر)، وهي مضافة إلى (الأمثال)، وهي مذكرة، ولكن لما جاورت الأمثالُ الضميرَ المؤنث، أُجْريَ عليها حكمُهُ، وكذلك قوله [من الكامل]: سُوْرُ المِدِيْنَةِ والجبالُ الخُشَّعُ (٣) لمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَضَعْضَعَتْ وقولهم: ذهبت بعضُ أصابِعِهِ. ومما راعت العربُ (٤) فيه الجوارَ قولهم: قامت هندٌ؛ فلم يجيزوا (١) سقط من ((ت)). (٢) رواه ابن ماجه (١٥٧٨)، كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في اتباع النساء الجنائز، والبزار في («مسنده)) (٦٥٣). وإسناده ضعيف. (٣) البيت لجرير، كما في ((ديوانه بشرح الصاوي)) (ص: ٣٤٥). (٤) في الأصل: ((في العرب)). ٥٥٣ حذف التاء، إذا لم يُفْصَلْ بينهما، فإن فصلوا بينهما أجازوا حذفَهَا، ولا فرقَ بينهما إلا المجاورةُ وعدمُ المجاورة، ومن ذلك قولهم: قام زيدٌ، وعمراً كلمته، استحسنوا النصب بفعل محذوف المجاورة الجملة اسماً قد عَمِلَ فيه الفعل، ومن ذلك قلبُهُم الواوَ المجاورةَ للطرف همزةً في قولهم: أوائل، كما لو وقعت طرفاً، وكذلك إذا بَعُدَت عن الطرف، ولا تقلبُ نحوُ طواويس. وهذا موضعٌ محتمل أن يُکتب فیه أوراقٌ من الشواهد، قد جعل النحويون له باباً، ورتبوا عليه مسائلَ، وأصَّلوه بقولهم: جحر ضبٍّ خربٍ، حتى اختلفوا في جواز جرّ التثنية والجمع؛ فأجاز الإتباعَ فيهما جماعةٌ من حُذَّاقِهم قياساً على المفرد المسموع، ولو كان [لا](١) وجهَ له في القياس بحال، لاقتصروا فيه على المسموع فقط(٢). قلت: أخذ أبو البقاء الأعمَّ، وهو الإتباعُ، وجلب فيه الشواهدَ، ولم يعرض الأخصَّ، الذي هو الخفض بالجوار. وأجاب الفقيهُ أبو الفتح عما تقدَّم ذكرُهُ عن ابن المعلِّم: أنه إنما يُنكَرُّ استعمالُ المجاورة في كتاب الله تعالى إذا لم يكنْ هناك ما يُبيِّنُ المقصودَ، فإذا وُجِدَ ذلك فليس بمنكر؛ كسائر أنواع المجاز، وقد وُجِدَ في الآية ما يبين المقصود، وهو ما تقدم ذكره، قال: فسقط هذا الاعتراضُ. (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((إعراب القرآن)) لأبي البقاء العكبري (١/ ٤٢٢ - ٤٢٣). ٥٥٤ قال: وقول من قال: إن استعمالها شيءٌ تختصُّ به الأعرابُ دون الفصحاء من أهل اللسان، [ظاهرُ الفساد؛ لأن امرأً القيس والنابغةَ من فصحاء أهل اللسان](١)، وقد نُقِلَ عنهما استعمالُ ذلك. وقوله: وقد نصَّ على ذلك الفرَّاءُ، واليزيدي، وغيرهما، محمولٌ على أنهم نصُّوا على المنع من استعمالِهِ من غير دلالة تبينُ المقصودَ من الكلام، فإن الفراءَ وابنَ الأنباري وغيرَهما قد أجازوا استعمالَ ذلك في کتاب الله تعالی، وقد تقدم ذكرُ ذلك. وذكر أبو الفتح عثمانُ ابنُ جِني في كتاب ((المحتسب)) في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَّ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَلَيْنَنَا نُرَدُّ وَلَا تُكَذِّبَ ثَايَتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام: ٢٧]: قال أبو الحسن - يعني: الأخفش -: إنهم إنما تمنَّوا الردَّ، وضمنوا ألا يكذبوا، وهذا يوجبُ النصبَ؛ لأنه جوابُ التمني، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ بُِءُ وسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ ﴾ [المائدة: ٦] بالجر، قال: فهي معطوفةٌ في اللفظ على المسح، وفي المعنى معطوفة على الغسل، قال: ونحو هذا: جُحرُ ضبِّ خَرِبٍ(٢). قلت: قد ذكرنا أنَّ القرينةَ في البيان ضعيفةٌ، وأما الردُّ بفصاحة امرىء القيس والنابغة، فصحيحٌ بعد تعيين الخفض (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات والإيضاح عنها)) لابن جني (١ / ٢٥٢). ٥٥٥ بالجوار فيما قالها(١). الثاني من وجوه اعتراض الإمامية على الخفض بالجوار: قولُ الشريفِ الموسوي: كلُّ موضع أُعرِبَ بالمجاورة مفقودٌ منه حرفُ العطف الذي تضمَّنته الآيةُ، وكان عليه اعتمادُنا في تساوي حكم الأرجل والرؤوس، فلو كان ما أُورِدَ من حُكم المجاورة يسُوعُ القياسُ عليه، لكانت الآيةُ خارجةً عنها، لتضمنها من دليل العطف ما فقدناه من المواضع المُعْرَبةِ بالمجاورة، ولا شُبهةَ على أحد ممن يفهمُ العربيةَ في أن المجاورةَ لا حكمَ لها مع العطف. أجاب الفقيه أبو الفتح بأن العربَ تعربُ بالمجاورة في العطف، كما تفعلُ ذلك في النعت، وبه جاء القرآن والشعر الفصيح. وذكر من القرآن: ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] على قراءة حمزة والكسائي في آخرين؛ بالجر فيهما. وذكر من الشعر [من الوافر]: وزَجَّجنَ الحَوَاجِبَ والعُيونَا (٢) وقول النابغة [من البسيط]: في حِبَالِ القَدِّ مَجْنُوبٍ(٣) (١) جاء فوقها في ((ت)): ((كذا)). (٢) سيأتي ذكره قريباً. (٣) تقدم ذكره قريباً. ٥٥٦ وقال: قال أبو عبد الله بن الأعرابي: اتَّبِعَ الخفضَ لما دنا منه. قلت: الأول: إنما هو على اعتبارِ المعنى الأعمِّ في الجوار، لا على اعتبارِ الأخصِّ في الخفض بالجوار. والثاني: إنما يَحسنُ ذكرُهُ في الجواب عن هذا السؤال، إذا كانت الرواية: موثقٍ؛ بالجر، فإن صحَّت الروايةُ هكذا، وإلا فلا. وقال الفاضلُ أبو منصور الماتريديُّ: ولا شكَّ أنَّ إعطاءَ الإعرابِ بحكم الجوارِ والقربِ بابٌ من اللغة، إن كانَ محلُّهُ من الإعراب شيئاً آخر؛ لكونِهِ نعتاً لغيرِهِ، أو معطوفاً على غيره، وسؤَّى بينهما إذا كان بينهما حائل، أو لا، وقال: أما بغير الحائل فكثير شائع، وذكر: جحرُ [ضبٍّ](١) خربٍ، وذكر مع الحائل الآية الكريمة: ﴿وَحُورُ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢]، وقال: ومع ذلك خَفَضَ على طريق المجاورة، وإن كان دخلَ الواوُ هاهنا حائلاً بين المتجاورين. قال: وكذلك قولُ الفرزدق [من الطويل]: وَهَلْ أَنْتَ إِنْ مَاتَتْ أَتَانُكَ رَأْكِبٌ إِلَى آلِ بَسْطَامٍ بن قَيسٍ(٢) فَخَاطِبٍ(٣) ذكر (فخاطب) مخفوضاً بالمجاورة لبسطام، وإن كان بينهما (١) سقط من ((ت)). (٢) في الأصل: ((آل ابن قيس بسطام))، وفي ((ت)): ((آل قيس بن بسطام))، والصواب ما أثبت. (٣) انظر: ((الأغاني)) للأصفهاني (١٠ / ٣١٠). ٥٥٧ حائل، وهو حرف الفاء، وهو في محلِّ الرفع معطوفاً على قوله: راكب. الثالث من الاعتراض على الخفض بالجوار: قال الشريفُ: الإعرابُ بالجوار إنما يُستحسنُ بحيث ترتفعُ الشُّبهةُ في المعنى، ألا ترى أنَّ الشُّبهةَ زائلةٌ في كون (خربٍ) من صفات الضب، والمعرفةُ حاصلةٌ بأنَّهُ من صفات الجحر، وكذلك قوله: مُزَمَّلٍ، معلومٌ أنه من صفات الكبير، لا البجاد، وليس هكذا الآية الكريمة؛ لأن الأرجلَ يصحُّ أن يكونَ فرضُهُما المسحَ، كما يصحُّ أن يكونَ الغسلَ، والشُّ في ذلك واقعٌ غيرُ ممتنع، فلا يجوزُ إعمالُ المجاورة فيها؛ لحصول اللَّبسِ والشَّبهة، ولخروجه عن باب ما عُهدَ استعمالُ القوم المجازَ فيه . أجاب الفقيه أبو الفتح بأنَّ في الآية غيرَ وجهٍ من البيان يزيلُ اللَّبسَ والشِّبهة، في أن يكون جرُّ الأرجل للمجاورة مع أن الفرضَ الغسلُ، وللبيان مراتبُ في الجَلاَءِ والخَفَاء، ولهذا قال النبي ◌َّهِ: ((إنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْراً)(١)؛ فمن ذلك: أنه لما أمر بغسل الأيدي مع بُعدها من الوسخ، كانت الأرجلُ مع قربها أولى بذلك، روي عن عليٍّ - ﴿ُه - أنه قال: اغسلوا أقدامَكُم؛ فإنها أقربُ أجسادِكُم إلى الأقذار، وذكرَ عن محمد بن يوسف الفِرْيابي الإسنادَ إلى علي - رَُّه - ووصلَ إسنادَهُ (١) رواه البخاري (٤٨٥١)، كتاب: النكاح، باب: الخطبة، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ٥٥٨ إلى محمد بن يوسف؛ فروى عن أبي بكر علي بن محمد بن السُّمَيدَع، [ثنا] أبو العباس محمد بن محمد الأَثْرم، ثنا العباس بن عبد الله الباكساني أبو محمد، ثنا محمد بن يوسف، ثنا مُعلَّى بن هلال الأحمري؛ يعني: عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي - قال: ((اغسلوا أقدامكم؛ فإنها أقربُ أجسادِكُم إلى الأقذار)). قال: ومثلُ ذلك من كتاب الله تعالى قوله جلَّ ذكرُهُ: ﴿فَإِن كُنَّ نِسَآءُ فَوْقَ أَثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكٌ﴾ [النساء: ١١] مع قوله - تعالت كلمته - في آخر السورة في فرض الأخوات: ﴿فَإِن كَانَتَا أَثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلْثَانِ مِمَّا تَرَكْ﴾ [النساء: ١٧٦]، ففرضَ لما فوق الاثنتين من البنات الثلثين، والأختين مثل ذلك، وقد عُلِمَ أنَّ البناتِ أقوى من الأخوات، وكأنَّ في ذلك التنبيه على أنَّ البنتين لا تنقصان عن الثلثين، في نظائرَ كثيرةٍ لذلك في الكتاب والسنة. قال: ومن ذلك - يعني: من الدلائل على البيان المزيل للَّسِ في الآية -: أنه تعالى حدَّ الأرجلَ كما حَدَّ الأيدي؛ فقال: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى اَلْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، وقال: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَمْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]، فكانَ تنبيهاً على الأرجل أنها مغسولةٌ كالأيدي. قلت: هذان الوجهان [قريبان](١) ليسا بالقويَّين، وقد اعتُرِضَ على هذا الثاني بما معناه: أنه لا يمتنعُ أن يُعطَفَ المحدودُ على غيرِ (١) سقط من ((ت)). ٥٥٩ المحدود؛ كما جاز عطفُ (الأرجل) على (الرؤوس)، وإن لم تكن (الرؤوسُ) محدودةً. وقال ابن النعمان: أو ليسَ قد عطف باليدين، والطهارةُ فيهما محدودةٌ على الوجوه، ولم يحدّ الطهارةَ فيهما بشيء تتميز به غايةٌ الغسل ونهايتُهُ، فما أنكرتَ أن يُعطفَ بالرجلين، وإن حُدَّت الطهارةُ فيهما على الرؤوس، وإن لم تكن الطهارةُ فيها محدودةً إلى غاية منها؟ أجاب الفقيهُ أبو الفتح بأنَّ كلَّ ذلك غيرُ لازم، وهذا؛ لأنَّ الأرجل إذا ساوتِ الأيدي في التحديد بينهما في وجوب الغسل، ولم يَقْدَح في ذلك كونُ الوجوه مغسولةً مع عدم التحديد فيها؛ لأن ذلك عكسٌ، والدلالةُ لا تُعكَسُ، وهذا كما تقول: إنَّ المرتدَّةَ لما شاركت المرتدَّ في الارتداد عن الإسلام إلى الكفر، شاركَتْهُ في استحقاق القتل، ولم يقدحْ ذلك في أن القاتلَ عمداً، أو الزانيَ المحصن، مقتولان، مع عدم ارتدادهما. ثم يقال: إنما لم تحدَّدِ الوجوهُ مع كونها مغسولةً لوجوبٍ التعميم فيها، والأيدي والأرجل متساويتان في أن التعميمَ فيهما غيرُ واجب، وذلك أنَّ اليدَ من أطراف الأصابع إلى الكتف، والرجل من أصل الفخذ إلى القدم، والواجبُ غسل اليدين [إلى](١) المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، وكذلك فارقت الوجوهُ إياهما في التحديد، (١) سقط من ((ت)). ٥٦٠