النص المفهرس

صفحات 481-500

ذلك، فتبقى صيغة (افعلْ) على ما دلَّت [عليه](١) قبل ذلك، فمن
قال: إنها للوجوب قبل ذلك، فهي للوجوب بحالها، ومن قال: إنها
موقوفةٌ، قال هي - أيضاً - مترددة بين الوجوب والندب، ويزيد هاهنا
احتمال الإباحة، ولا تتعيّن الإباحة بسببها؛ لأنه لا یمکن هاهنا دعوى
عرف واستعمال، حتى يقال: بأنه يغلب العرفُ الوضعَ في هذه
الصورة، بخلاف الصورة الأولى، بل يبقى التردُّد لا غير، والاستدلالُ
على هذه المذاهب لا يتعلق بغرضنا الآن.
الخامسة والخمسون: قوله - الَّه -: ((ثم صَلِّ)) بعد قوله:
((أَقْصِرْ عن الصلاةِ) صيغةُ أمرٍ بعد الحظر، ولا يمكن أن يقال: هاهنا
بالوجوب؛ لأنه لا وجوب الصلاة مبتدأة في هذا الوقت بالإجماع،
ولعلَّ هذا يأخذه القائلون بعدم الوجوب استشهاداً لمذهبهم؛ كما
استشهدوا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، ﴿وَإِذَا
ج
خَلْتُمْ فَأَصْطَادُواْ﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُرَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ
اُللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، فإذا تعذَّر الحمل على الوجوب، بقي الندب
و(٢) الإباحة، فيترجَّحُ الحمل على الإباحة، أما أولاً: فللقرينة، وأما
ثانياً: فلأن النُّذْبيَّة في هذا الوقت لا تستغرقه من حيث هو هو، وإنما
تجيءُ في صلاة الضحى، أو يأتي مخصوص فتبقى بقية الوقت من
حيث هو هو للإباحة، فإذا حملنا هذا الأمر على الندب مع وجوب
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت): ((أو)).
٤٨١

حمله على الإباحة، لزم استعمالُ اللفظ الواحد في معنيين مختلفين،
ومِنَ الذي يدل على أنه لا يحمل على الندب، أنه ذُكِر الحكم، وعُلِّل
بأنَّ الصلاة مشهودةٌ محضورة، وغُيِّيَ ذلك إلى غاية استقلال الظل
بالرمح، ولو كان الأمر للندب لاستمرَّ إلى هذه الغاية، لاستمرار
العلّة إليها.
السادسة والخمسون: اختلفوا في كراهة الصلاة في وقت
الاستواء(١)، والمشهور من مذهب مالك، أو أصحابِهِ عدمُ الكراهة،
ففي (٢) رواية ابن القاسم عنه: وما أَدْرَكْتُ أَهْلَ الفَضْلِ إِلاَّ وهُمْ
يُهَجِّرون، وَيُصَلَّون نِصْفَ النَّهارِ(٣)، قال بعضهم: وهو عمل أهل
المدينة لا ينكره منكِر، ومثل هذا العمل عنده أقوى من خبر الواحد،
وكانوا في زمن عمر - ﴿ - يصلُّون يوم الجمعة حتى يخرج عمر،
وخروج عمر إنما هو بعد الزوال(٤).
ومذهب الشافعي: الكراهة، إلا فيما استثناه من يوم الجمعة؛ فإنه
لا تُكره فيها التطوعات وقت الاستواء، ومن أصحابه من قال بتخصيص
الاستثناء بمن يغشاه النعاس، فلا يجوز التنفّل لكل أحد، لاعتقاد أن
المعنى المرخص لا يشمل الكل، وذكر في الترخيص معنيين :
(١) في الأصل: ((الاستمرار))، والتصويب من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((فعن)) .
(٣) انظر: ((المدونة الكبرى)) (١ / ١٠٧).
(٤) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (٢ / ١١).
٤٨٢

أحدهما: مشقة مراعاة الشمسِ والتمييز بين حالة الاستواء،
وما قبلها، وما بعدها، فخفّف الأمر عليهم بتعميم الترخيص.
الثاني: أن الناس يبكُّرون إليها فيغلبهم النوم، فيحتاجون إلى
طرد النعاس بالتنفَّل، لئلاً يبطل وضوءهم، فيفتقروا في إعادة الوضوء
إلی تخطي رقاب الناس.
فعلى المعنيين جميعاً: المتخلف القاعد في بيته وقت الاستواء
لعذر أو غير عذر ليس له التنفّل فيه، وأما الذي حضر الجمعة، فمقتضى
المعنى الأول: تجويز النفل له مطلقاً، ومقتضى المعنى الثاني تخصيص
الجواز بالذين يبكِّرون إليها ثم يغلبهم النعاس، أما الذي لم يبكِّر، ولم
يؤذه النعاس(١)، فلا يجوز له ذلك.
وذكر الرافعي عن كلام غير الغزالي: أنه يقتضي اعتبارَ التبكير،
وكون غلبة النعاس لطول الانتظار(٢). فعلى هذا يأتي وجه آخر.
قال القرطبي: ومذهبُ جمهور العلماء جواز الصلاة حينئذ - وقد
نُوزع في هذه الجمهورية التي اذَّعاها - وقال: وحجَّتُهم عملُ
المسلمين في جميع الأقطار على جواز التنفّل يوم الجمعة إلى صعود
٩
الإمام على المنبر وقت الزوال.
والذي قدمناه عن غيره من إسناد العمل إلى أهل المدينة، أقربُ
إلى الثبوت من نسبته إلى جميع الأقطار.
(١) في الأصل: ((أما الذين لم يبكّروا، ولم يؤذهم النعاس))، والمثبت من (ت)).
(٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (٣/ ١١٦، ١٢٠، ١٢٢).
٤٨٣

قال: قال القاضي أبو الفضل - يعني عياضاً -: وتأوَّل الجمهور
الحديثَ على أنه منسوخٌ بإجماع عمل الناس، أو يكون المرادُ به
الفريضةَ، ويكون موافقاً لقوله: ((إِذَا اشتَدَّ الحرُّ، فأَبْرِدُوا عن الصَّلاةِ،
فَإِنَّ شِدَّةَ الحرِّ من فَيْحِ جَهَنَّم))(١)، قال: وفي هذا نظر؛ وهو أنه
لا يصح أن يكون هذا نسخاً على حقيقته، وإنما هو تخصيصٌ، فإنه
إخراج بعض ما يتناوله اللفظ الأول، لا رفعاً لكلِية ما تناوله، وأما
قولهم: إن هذا في الفريضة فلیس بصحیح لوجهين:
أحدهما: أن مقصودَ هذا الحديث: بيان الوقت الذي يجوز فيه
النفل من الوقت الذي لا يجوز؛ كما قررناه آنفاً.
وثانيهما: حديث عقبة بن عامر المتقدم، فإنه قال فيه: ((ثلاثُ
سَاعاتٍ نهانا رسولُ اللهِ وَلِ أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ))(٢)، وذكر هذا الوقت
فيها، ومقصودُه قطعاً: بيانُ حكم النفل في هذه الأوقات، والظاهر
حملُ النهي على منع النفل في هذه الأوقات الثلاثة، إلا في يوم
الجمعة، جمعاً بين الأحاديث والإجماع المحكي(٣).
قلت: أما قوله: إنه لا يصح أن يكون نسخاً على حقيقته، فصحیح.
(١) رواه البخاري (٥١٠)، كتاب: مواقيت الصلاة، باب: الإبراد بالظهر في
شدة الحر، ومسلم (٦١٥)، كتاب: المساجد ومواضع الصلاة، باب:
ۋە .
استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر، من حديث أبي هريرة
وانظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٣/ ٢١٠).
(٢) تقدم تخريجه .
(٣) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (٢ / ٤٦٢ - ٤٦٣).
٤٨٤

وأما قوله: إنما هو تخصيص، فإنه إخراجُ بعض ما يتناوله اللفظ
الأول، لا رفعاً لكلِّية ما تناوله: ففيه تسامح في العبارة قليلاً، فإن
الإجماعَ العقليَّ لا يَنْسَخ، ولا يُخصِّص بنفسه، ولا يخرج، وإنما هو
دليل هذه الأمور إذا صحَّ وقوع الإجماع من الأمة على الفعل، وفي
تقریره ◌ُسْرٌ.
وأما إبطالهُ لقولهم: إن هذا في الفريضة بالوجهين المذكورين،
وأحدهما: بيان مقصود الحديث عنده، فقد قدَّمنا في كون الأمر كما
ادَّعاه نظراً، كلاماً، وثانيهما: حديث عقبة.
وقوله: ومقصودُه قطعاً بيانُ حكم النفل، فهذه القطعيَّة إنما تصحُ
بناءً على مذهبه، وأما من يقول إن الصلاة ممنوعةٌ في هذا الوقت،
وإن كان فرضاً مقضيّاً فلا قطعَ على مذهبه ولا ظنَّ، وأجلى من
هذا في بيان أن المراد النفلُ، وأنه لا يصح حملُه على الفرض،
ولا الاستشهاد (١) بقوله عليه الصلاة والسلام: ((إِذَا اشْتَدَّ الحرُّ فَأَبْرِدُوا
عن الصلاةِ)(٢)، فإن المراد في الصلاة في الحديث، أعني: حديث
الأمر بالإبراد، صلاة الظهر، وصلاة الظهر ممنوعة في هذا الوقت
بالإجماع، فإن نازعَ منازِعٌ وقال: لا أسلُّم أن المرادَ صلاةُ الظهر، بل
مطلقُ صلاة الفرض، حتى يدخل فيه القضاءُ، فيلزمه أن يكون مانعاً
(١) في الأصل: ((ولا استشهاد))، والمثبت من ((ت)).
(٢) تقدم تخريجه .
٤٨٥

من القضاء في هذا الوقت، وهو لا يقول به، وفي الصلاة في وقت
الاستواء مذهبٌ آخر، وهو الفرق بين الصلاة نصفَ النهار وقت
الاستواء في الصيف، أو في الشتاء، ذُكر ذلك عن عطاء بن أبي رباح:
أنه كره الصلاة نصف النهار في الصيف، لا في الشتاء(١)، [وقول آخر
عن مالك أنه قال: لا أكره التطوع نصف النهار ولا أحِبُّه](٢)، وقيل:
إنه رواية ابن(٣) وهبٍ عنه(٤)، وهذا لا ينتهي إلى إثبات الكراهة، وإنما
يبقي الجواز على سبيل التساوي.
السابعة والخمسون: ظاهرُ النهي المنعُ من الصلاة في وقت
الاستواء مطلقاً، وقد قدمنا استثناءَ الشافعي يومَ الجمعة وقتَ الاستواء
مطلقاً، وقال بعض الناس في الاحتجاج لمذهب مالك - رحمه الله -:
ويومُ الجمعة وغيره سواءٌ، ولا فرق بينهما في أثر ولا نظر (٥).
قلت: قد ورد الأثر فيه، فلعلَّه يريد في أثر صحيح، فإن ذلك
الأثر رواه الشافعي، عن إبراهيم بن محمد، حدثني إسحاق بن عبد الله،
عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ نهى عن الصلاةِ
(١) رواه عبد الرزاق في ((المصنف)) (٥٣٣٤).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((عن)) بدل ((ابن))، والتصويب من ((ت)).
(٤) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٤ / ١٧).
(٥) المرجع السابق، (٤/ ١٩).
٤٨٦

نِصْفَ النهارِ حتَّى تَزُولَ الشمسُ إِلَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ(١)، ويروى أيضاً من
حديث أبي خالد الأحمر، عن شيخ من أهل المدينة يقال له: عبد الله
ابن سعيد، عن أبي هريرة، عن النبي وَلٍ(٢).
وإبراهيم بن أبي يحيى، يُكثر المحدثون الكلام فيه، وأقطع
النسائيُّ فيه القول، قال بعض الحفاظ: وهذا رواه إبراهيم بن محمد،
عن إسحاق بن محمد، وهما متروكان(٣).
قلت: والشيخُ من أهل المدينة يحتاج إلى معرفة حاله،
فالاعتماد على الأثر في هذا المذهب ضعيفٌ، والعمل المستفيض
أولی منه.
وأما النظر فبعد أن لا يستند إلى هذا الحديث، ويرجع إلى
العمل؛ إما العام كما ادَّعى، أو الخاص بأهل المدينة إن قيل به،
يقال: النهي عام بالنسبة إلى الأيام والعمل خاص بالنسبة إلى يوم
الجمعة، فيخرج ويبقى الباقي على عموم النهي، فإن أريدَ إلغاءُ
الوصف المخصِّص فقد قدَّمنا المناسبة المختصَّة بهذا الوقت من
وجهین، ومورد الحُجَّة إذا كان فيه معنی يمكن اعتباره لا يُلْغَی، بل
(١) رواه الإمام الشافعي في ((مسنده)) (ص: ٦٣)، وفي ((الأم)) (١ / ١٤٧)،
ومن طريقه: البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢ / ٤٦٤). وإسناده ضعيف؛
إسحاق وإبراهيم ضعيفان، كما قال الحافظ في ((التلخيص)) (١ / ١٨٨).
(٢) رواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢/ ٤٦٤)، وفي إسناده: الواقدي،
وهو متروك.
(٣) انظر: ((الاستذكار)) لابن عبد البر (١ / ١٠٨).
٤٨٧

ذِكْرُ المعنى، ينزع ويُكْتَفَى بكون الأصلي في غير مورد التخصيص
العملُ بالعموم، إلا أن يقوم دليلٌ على خلافه.
الثامنة والخمسون: وأما مذهبُ عطاء في الفرق بين زمن الشتاء
والصيف، فله وجه؛ لما يقتضيه التعليلُ بإسجار جهنم وبفتحها، وإذا
كان ذلك علَّة، فالأصل زوال الحكم عند زوال علَّته، والله أعلم.
التاسعة والخمسون: بعض الشافعية يُجوِّز الصلاة في سائر
الأوقات المكروهة يوم الجمعة، فتارة يسند ذلك إلى القياس على
وقت الاستواء بجامع التفضيل والتخصيص ليوم الجمعة، وتارة يسند
إلى حديث رووه: أن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة، وهو ضعيف(١).
والأصح إن صح التخصيص بوقت الاستواء أن لا يعم؛ لأنه
يبقى الباقي على عموم النهي؛ والقياس المذكور ضعيف، مع اقتضاء
النصِّ الصحيح لخلافه، والحديث باستواء يوم الجمعة في الإسجار
لابدَّ من إثباته حتى يجوز الاستنادُ إلیه.
الستون: بعض الشافعية يقول: وقيل: إنه الأصح، باستثناء مكةً
من المنع من الصلاة في الأوقات المكروهة كلها(٢)، فيدخل فيه وقت
(١) رواه أبو داود (١٠٨٣)، كتاب: الصلاة، باب: الصلاة يوم الجمعة قبل
الزوال، من حديث أبي قتادة ﴾.
قال أبو داود: هو مرسل، قال الحافظ في ((التلخيص)) (١ / ١٨٩):
وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وانظر: ((فتح العزيز)) للرافعي
(٣/ ١١٩).
(٢) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (٣/ ١٢٣ - ١٢٤).
٤٨٨

الاستواء، ويقتضي النهي [في](١) المنع منه؛ لتناوله مكة وغيرها،
وهذا يعلَّل [بأن مكة تخالف سائر البلاد لشرف البقعة وزيادة
الفضيلة](٢) للصلاة، فلا يحرم فيها عن استكثار الفضيلة بحال، وهذا
المعنى المناسب لا ينتهض لتخصيص النصِّ عندنا؛ لأن النهي عن
الصلاة في هذه الأوقاتِ يقتضي تعلَّقَ مفسدةٍ بالفعل، وهذا المعنى
المذكور يقتضي تعلَّقَ مصلحةٍ به، وإذا تعارضتِ المفاسدُ والمصالح،
وجب تقديمُ أرجحِها، ولا علم لنا بمقادير شيء منها، فنرجع إلى
النصِّ، لكنْ لهذا الحديث معارضٌ نذكر[٥](٣) في مسألة تأتي إن شاء
الله تعالى.
الحادية والستون: لو صحَّ هذا الحديث المرويُّ، أعني:
((لا صَلاةَ بَعْدَ الصبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشمسُ، ولا صَلاةَ بَعْدَ العصْرِ
حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، إلا بِمَكَّةَ))(٤)، فلقائل أن يمنعَ دلالته على جواز
(١) سقط من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) رواه الإمام أحمد في ((المسند)) (٥/ ١٦٥)، والدارقطني في ((سننه))
(١ / ٤٢٤)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (٢/ ٤٦١)، من حديث
أبي ذر ﴾.
وإسناده ضعيف، كما ذكر البيهقي ثم الحافظ في ((التلخيص الحبير))
(١/ ١٨٩).
٤٨٩

كل النوافل في هذين الوقتين بمكة، فيلزم إيقاع(١) القياس عليه،
وإدخالَ وقت الاستواء في جواز النفل مطلقاً، حتى يدخل وقت
الاستواء؛ لأن الأصلَ إذا لم يصحَّ، لم يصحّ الفرعُ.
وطريق هذا النزاع أن يقول: ((لا صلاة» سلبٌ كليٍّ، فيقتضي
العموم لكل صلاة؛ فإما نافلة، أو فريضة على الاختلاف، والاستثناء
إيجاب لما بعده، والسلب والإيجاب يتقابلان تقابلَ التناقض، ويكفي
في مناقضة السلب الكليِّ الإيجابُ الجزئيُّ، ولا يشترط الإيجاب
الكليُّ، فالمتيقّن هو الإيجاب الجزئيُّ، فمقتضى ذلك: أن تجوز
صلاةُ نافلةٍ بمكة في هذين الوقتين. فإذا قلنا بذلك في ركعتي الطواف،
فقد وفَّينا بمقتضى اللفظ، فتنقطع الدلالة عن العموم في جواز كل
نافلة في هذین الوقتین.
فإن توهَّمَ متوهُّمٌ: أن النفي دخل على مسمَّى الصلاة، واقتضى
العمومَ، والإيجابُ دخل على ما دخل عليه النفي، فيقتضي العموم في
الإباحة لكل نافلة، قلنا له: [لا](٢) نسلم أن الإيجاب دخل على
ما دخل عليه النفي بعينه، وهو ماهيّة الصلاة، وما يحصل به مسمّاها،
والنفي(٣) إذا دخل على الماهيّة، نفى جميع أجزائها، لوجودها في كل
جزء من الأجزاء التي يفرض وجودها، وأما الإثبات إذا تعلق
بالماهيّة، فلا يقتضي الثبوتَ في كل أجزائها .
(١) (ت): ((امتناع)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((النهي)).
٤٩٠

[ولئن](١) قال: نحن إذا قلنا: لا عالم في البلد إلا في الجامع
مثلاً، اقتضى العموم في كل عالم في البلد، ووجب أن يكونوا
في الجامع، فأما (٢) إن كان قولُه: (في الجامع) صفةً للعالم، فالاستثناء
مُفرَّغ، والأمر كما قلت، وإن لم يكن صفةً له، بل خبراً، فحينئذ
يكون النفي دخل على كل عالم بالنسبة إلى البلد، وحينئذ نقول: لا
يلزم أن يكون كل عالم في الجامع، بل يكفي وجود عالم واحد في
الجامع.
الثانية والستون: قوله - عليه الصلاة والسلام -: ((ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ
الصلاةِ، حَتَّى تُصَلَّيَ العَصْرَ)) قد يعارضه عموم قوله تعالى: ﴿أَقِمِ
الصَّلَوةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اَلَيْلِ﴾ [الإسراء: ٧٨] بعد تحقيقه دلالته
على الإباحة في جميع هذه الأوقات، فإذا تحقق ذلك، كان هذا
الحديث مخصِّصاً لذلك العموم على قاعدة تقدیم الخاص على العام،
وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك في قوله وَيهى: ((لا صَلاةَ بَعْدَ
العَصْرِ)) ويُنظر هناك في تحقيق العموم المخالف لهذا الخصوص إن
شاء الله تعالى.
الثالثة والستون: روى سفيان، عن أبي الزبير المكي، عن عبد الله
ابن باباه، عن جبير - وهو ابن مطعم - يبلغ به النبيَّ بَّر قال: ((لا تَمْنَعُوا
(١) سقط من ((ت))
(٢) ((ت)): ((قلنا)) بدل ((فأما)).
٤٩١

أَحَداً يَطُوفُ(١) بهذا البَيْتِ، وَيُصَلِّي أَيَّ(٢) ساعَةٍ شَاءَ، مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ))
أخرجه أبو داود، وهو عند الترمذي: ((يا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لا تَمْنَعُوا
أَحَداً طَافَ بهذا البَيْتِ، وَصَلَّى)) الحديث، وأخرجه النسائي، وقال:
((لا تَمْنَعُنَّ))(٣).
والحديث صحيح صحّحه الترمذي، وهو يقتضي استثناءً مكة،
لكنَّه عامٌّ في الأوقات بها، وهو عموم قويٌّ، وحديث النهي الذي
نحن فيه خاصٌّ بالوقت، عامٌّ في الأماكن، فهو من باب تعارُضٍ
عمومين، كل واحد منهما عامٌّ من وجه خاصٌّ من وجه، فيحتاج إلى
الترجيح بالمقصود الذي يظهر من الحديث بقول: إن المقصودَ
بحديث مكةَ منعُ الولاة من الحجر على الناس في العبادة، ولو
تخصَّص المنع ببعض الأوقات، فيبقى كالمُجمل في الإباحة بالنسبة
إلى الأوقات المكروهة، فيعمل المنع منها عمله، فإن لم يرجّح
بالمقصود، فلا بدَّ من الترجيح بوجه آخر قبل الجزم بالحكم، وسيأتي
(١) ((ت)): ((طاف)).
(٢) ((ت)): ((أية)).
(٣) رواه أبو داود (١٨٩٤)، كتاب: المناسك، باب: الطواف بعد العصر،
والنسائي (٢٩٢٤)، كتاب: المناسك، باب: إباحة الطواف في كل
الأوقات، والترمذي (٨٦٨)، كتاب: الحج، باب: ما جاء في الصلاة بعد
العصر وبعد الصبح لمن يطوف، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه
(١٢٥٤)، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في
كل وقت .
٤٩٢

في الكلام على الصلاة بعد العصر حديثٌ فيه استثناء مكة، ونتكلم
عليه إن شاء الله تعالى، فيمكن من يقول بهذا القول، إذا ثبت
له الاستثناءُ فيما بعد العصر، أن يقيس بقيةَ الأوقات بمكة علیه،
والله أعلم.
الرابعة والستون: لقائل أن يقول: حديثُ جبير بن مطعم - رَظُه -
لا يدل على ما ادَّعيتموه من جواز النوافل في هذين الوقتين بمكة من
غير حاجة إلى ترجيح حديث الجواز على حديث النهي، وذلك أنه لو
قال: رأيت زيداً وعمراً، لم يُكذَّبْ برؤية أحدهما، وأما في الإنشاء
فإذا قال: والله! لا كَلَّمْتُ زيداً ولا عمراً، لم يحنَثْ بكلام أحدهما،
وإذا قال: والله لأكلُّمنَّ زيداً وعمراً، لم يبَرَّ إلا بكلامهما، وإذا قال:
إن كلَّمتُ زيداً وعمراً فأنتِ طالق، لم يحنَثْ بكلام أحدهما، وإذا
قال: لتكلِّمنَّ زيداً وعمراً وإلا فأنت طالق، لم يَبَرَّ إلا بكلامهما، هذه
قاعدة مذهب الشافعي رحمه الله، قال بعض المحققين: فهذه هي(١)
القاعدة التي يبنى (٢) عليها السؤال.
الخامسة والستون: فإذا بنينا على ذلك، فنقول: الحديث دلَّ
على النهي عن المنع لمن أراد أن يطوف ويصلِّي، لأنَّ العطف بالواو
في قوله - الَفْي -: ((لا تَمْنَعُوا أَحَداً طَافَ وَصَلَّى)) بمعنى أراد أن يطوف
ويصلِّي، فلا يتعلَّق النهي بمن أراد أن يطوف فقط، أو يصلّي فقط،
(١) في الأصل ((فهي هذه))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((ينبني)) .
٤٩٣

فلا يثبت الجوازُ بالنسبة إلى الصلاة وحدَها، ولا إلى الطواف وحده،
فلا يتمُّ الاستدلال الذي ذكرتموه، ولا المعارضة بحديث النهي
عن الصلاة .
فإن قلت: فأيُّ فائدة في هذا التقدير الذي ذكرته، وهو النهي عن
المنع عن المجموع؟
قلت: قد تكون الفائدةُ النهي عن المنع عن الطواف وركعتيه،
فتبقى للنهي فائدةٌ شرعيةٌ، وهي إباحة ركعتي الطواف مع الطواف في
هذه الأوقات.
السادسة والستون: هذا الذي ذكرناه مبنيٌّ على هذه القاعدة التي
قدَّمناها، وإلزام لمن يقول بها، فإما في نفس الأمر، وإثبات انقطاع
الدلالة من الحديث(١).
السابعة والستون: اللفظ يقتضي تعليل الحكم بإسجار جهنم
حينئذ، وقد تأكد ذلك بقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((إذا اشتَدَّ الحرُّ
فَأَبْرِدُوا عن الصلاةِ، فإنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيْحِ جَهَنَّم))(٢)، فاقتضى ذلك
طلبَ مناسبة العلَّةِ للحكم، الذي هو ترك الصلاة حينئذ.
الثامنة والستون: قوله: ((فَإِنَّ حِيْنَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّم)) ذكر علَّة
الحكم الذي هو المنعُ من الصلاة، وتُطلب مناسبته، كما تُطلب
(١) على هامش ((ت)) قوله: ((بياضٌ نحو سطرين من الأصل))، ولم ينبه إلى
ذلك في الأصل ((م)).
(٢) تقدم تخريجه.
٤٩٤

مناسبة سائر العلل للأحكام، وربما يستشكل مناسبة الصلاة للاتقاء من
جهنم، وإطفاء حرِّها، فيمكن أن يقال: إن المناسبة إنما هي لطلب
الفرار لملابسة جهنم، وما هو من آثارها فيما يمكن الانفكاك عنه
عادة، وذلك واقع في الحال؛ لأنه يقع بالصلاة فيه، وما قيل من
المناسبة إنما هو لرفع عذاب جهنم في الآخرة، وهو خارج عن
المقصود الذي ذكرناه، ثم هذا المقصود الذي ادعى مناسبته لا يفوت؛
لأن الصلاة في وقت الجواز تحصله، والمناسبة المذكورة أولاً تفوت
على تقدير الصلاة في هذا الوقت، فكان رعايتُها أولى، وربما يستشهد
على المناسبة المذكورة بقوله - التَّه -: ((إِذَا اشتَدَّ الحرُّ فَأَبْرِدُوا عن
الصلاةِ، فَإِنَّ شدَّةَ الحرِّ من فَيْحِ جَهَنَّم))، ويمكن أن يكونَ من باب
التخفيفِ على المخاطَبِين، والتأخيرِ إلى زوال المشقة، وهذا يقتضي
أن يكون الإبرادُ رخصةً لا عزيمةً، مع أن ظاهر النهي أو الأمر يقتضي
خلافه.
التاسعة والستون: وقد رأيت في كلام بعض المتصوِّفة عنه، أنه
بلغهم عن ابن مسعود أنه قال: كُلَّمَا أَتَتْ عَلَى طُلُوعِها سَاعَةٌ من
النهارِ (١)، فُتِحَ بَابٌ من النارِ، حتى تُفْتَحَ الأبوابُ(٢) السبعةُ كلُّها، عند
الاستواء، وتزجرَ النيرانُ زَجْراً لشدَّةٍ غَضَبِ الله، فُتُسْجَرُ جَهَنَّمُ،
(١) (ت)): ((النار)).
(٢) في الأصل و((ت)): ((أبواب))، وجاء فوقها في ((ت)): ((كذا)). ولعل
الصواب ما أثبته.
٤٩٥

وَيَتَلَظَّى حريقُها، وَتُغْلَقُ أَبوابُ الرَحْمَةِ. فلذلك حَرُم على المؤمن
الصلاة في ذلك الوقت؛ لأن الربَّ كريمٌ يستحي أن يخيِّب عبْدَه عِنْدَ
الإِقْبالِ عليه، وليس ذلك وقتَ نزولِ الرحمة، ولا وقتَ النوال.
ورأيت عن بعض المنتسبين إلى التصوُّف من المتأخرين في
كلامه على الأوقات المكروهة ما معناه: أنه جعل كل وقت منها وقعَ
فيه ما يوجب البُعدَ عن الله تعالى، والضلال، وفتح باب العذاب،
فأراد رسول الله ﴿ ﴿ أن لا تكون أعمال أمته تصعد في وقت حَلَّ فيه
الغضب من الله تعالى، وجعل وقت الطلوع وقت السجود للعِجْل أول
طلوع الشمس، وذكر في وقت الاستواء أن النصارى يومَ رفع الله تعالی
عيسى إليه عند الوقوف الشمسيِّ عبدوه من دون الله تعالى، ففتح الله
عليه باباً من الغضب، واتخذوا الصلبان.
وذکر في وقت الغروب معنى آخر لم أر ذكره.
فلما كشَفَ حقائقَ هذه المعارفِ رسولُ الله ◌َّر، أمرهم أن يجتنبوا
الأزمنة التي نزل فيها غضبُ الله، وأمرهم بالأوقات التي هي مظانّ
الإجابة، كالصلاة الوسطى، وجعلِها العصر.
وهذه الأمور التي ذكرناها من مقاربة هذه الأسباب لهذه الأوقات،
تحتاج إلی نقل صحیح یُعتمد عليه.
السبعون: ذكر بعض المتصوِّفة فيما يتعلَّق بالمنع من الصلاة في
الأوقات إشارة، وذلك أنه تلا قوله تعالى ﴿ وَأَسْتَغْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم
بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِى الْأَمْوَلِ وَالْأَوْلَدِ
٤٩٦

وَعِدْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] فقال: وكما جعل له نصيباً من أموالهم وأبنائهم
وأعمالهم، كذلك جعل له نصيباً في أزمانهم.
الحادية والسبعون: من المجاز المحتمل في هذا أن يكون سَجْرُ
جهنم، الذي هو الامتلاء أو الوَقود عبارةً عن كثرة أسباب جهنم
الموجبة لها من الأفعال، التي يدعو إليها الشيطان، ويطيعه فيها
الكفار، وتظهر قوة تسلّطِهِ في الإضلال، فيعود ذلك بهذا المعنى، إلى
المعنى الذي فيه النهي عن الصلاة عند الطلوع، وعند الغروب، لأجل
عبادة الكفار، إلا أن هذا يقتضي أن يكون لوقت الاستواء زيادة في
عبادة الكفار، وانتشارُ سلطة الشيطان، وليس بالظاهر المعروف.
الثانية والسبعون: من القواعد الكلية عند تعارض المصالح
والمفاسد، وعدم إمكان الجمع في التحصيل والرفع، ترجيحُ أعلى
المصلحتين، وترك أخفهما (١)، ودفع أعظم المفسدتين، واحتمال
أخفّهما، لكن من ذلك ما يظهر فيه الترجيح؛ إما بالنظر إلى [المصالح
والمفاسد الدنيوية على ما تقتضيه العادة والوجود، وإما بالنظر
إلى](٢) القواعد الشرعية التي تقتضي الترجيح لأحد الأمرين على (٣)
الآخر، ثم من ذلك ما يظهر ويستقل الفهم به، ومنه ما يخفى، ولا يعلم
إلا من جهة تقديم الشرع أحد الأمرين على الآخر، والسبب في ذلك:
(١) في الأصل: ((أخفها))، والمثبت من ((ت).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((إلى)).
٤٩٧

أن معرفة أعداد المصالح والمفاسد، ومقاديرها، والترجيح بين
المقادير، لا يستقل العقل به، بل قد يَرِدُ الترجيح في الشرع لأحد
الأمرين على الآخر مع شعور النفس بالتساوي ظاهراً.
الثالثة والسبعون: لا شك [أن](١) في إقامة الصلاة مصالحَ؛
كالقراءة والذكر، وما يقتضيه فعل الأركان من التعظيم، وقد قدم
الشرعُ مصلحةَ تركِ الصلاة في هذه الأوقات على مصلحة فعلها،
بسبب رُجحانِ المفسدة في فعلها، على تقديم الفعل على المصلحة
في(٢) فعلها، فلينظر في موجب ذلك، هل يحصل فيه معنى ظاهر
للفهم؟ فإن ظهر، وإلا فيؤخذ من المسألة [تقديمُ ما قدمه](٣) الشرع
فقط .
الرابعة والسبعون: يمكن أن يقال: إن المفسدة على تقدير الفعل
مفسدة تتعلق [بالموافقة] (٤)، وهي شدة المباعدة للكفار، وما يتعلق
بهم، وذلك مطلوب في الأمور المعنوية، كما هو مطلوب في الأمور
الحسية؛ كوجوب الهجرة، و((أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ [يُقِيْمُ بَيْنَ أَظْهُرِ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((و)) بدل ((في))، والمثبت من ((ت)).
(٣) بياض في النسختين الأصل و((ت)) بمقدار ما أثبت، ولعله المراد.
(٤) أشار في هامش ((ت)) إلى سقط في الكلام، ولم يشر إليه في الأصل،
ولعل المراد ما أثبت، فتأمله.
٤٩٨

المَشْرِكِيْنَ))، قالوا يا رسول الله ولِمَ؟ قال](١): ((لا تَرَايا(٢) نارُهُما))(٣)؛
وذلك لأن المقاربة في الحسية، والمعنوية، قد يسرق منها الطبعُ
ما يُوجب مفسدةً عظمى، والمصالح المرتبة على فعل الصلاة في هذا
الوقت أمر يتعلق بالفروع الدينية، لا سيما إذا خصَّصنا المنع بالنوافل،
فإن حاصله طلبُ زيادة النفل بالفعل، والمفسدة المتعقلة بالأصول
أرجح في الدَّرْء من المصلحة المتعلقة بالفعل بالنسبة إلى الفروع
والنوافل، ثم التفت بعد ذلك إلى ما قدَّمناه من الفوات وعدمه، ثم إمكان
التدارك وعدمه، فإن ظهر لك هذا، وإلا فارجع إلى الاستدلال بمجرد
الأمر على الترجيح، أعني: في المسائل المنبَّهِ عليها في الحديث.
الخامسة والسبعون: قولُه - الَّهِ - ((فإِنَّ الصلاةَ مَشْهُودَةٌ
مَحْضُورَةٌ، حتَّى يُصَلِّيَ العَصْرَ)) دليلٌ على أن الكراهة في العصر معلّقةٌ
بالفعل، كما ذكرنا في الصبح، فإذا تأخّر الفعل، لم تكره النافلةُ قبلَه.
السادسة والسبعون: أنه يؤخِّر العصر، ويصلّي في آخر وقتها،
والشمسُ بيضاء لم تتغيَّر، وعند غيرهم يعجِّل، ورجَّح بعض الحنفية
مذهبهم: بأن في تعجيلها حَجْراً عن النوافل؛ لأنه إذا صلَّى العصر
(١) بياض في النسختين الأصل و(ت))، والمثبت من مصادر التخريج المشار
إليها .
(٢) ((ت)): ((يترايا)).
(٣) رواه أبو داود (٢٦٤٥)، كتاب: الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم
بالسجود، والترمذي (١٦٠٤)، كتاب: السير، باب: ما جاء في كراهية
المقام بين أظهر المشركين، وذكر الترمذي عن البخاري ترجيح إرساله.
٤٩٩

لا يجوز له أن يصلي التطوع ما لم تغرب الشمس، وإذا كان كذلك
يستحب التأخير، وهذا له وجه من الترجيح، لكن الدلائلَ الدالّة على
التعجيل أرجحُ منه.
السابعة والسبعون: النهيُ الوارد عن الصلاة بعد العصر كالنهي
الوارد عن الصلاة في الثلاثة أوقاتٍ نطقاً ومفهوماً، [ومقتضاه](١)
التسوية في الأحكام، والحنفية يفرِّقون بين الثلاثة أوقات: الطلوع
والغروب والانتصاب، وبين الوقتين الآخرين بعد الصبح وبعد
العصر، فيقولون في الثلاثة: لا يصلّى فيها جنس الصلوات لا فرضاً،
ولا نفلاً، ولا سجود تلاوة، وفي هذين الوقتين يجوِّزون قضاء
الفوائت، ويصلّ على الجنازة، ويسجُد للتلاوة، ولا يصلِّي فيها
التطوعَ إلا ركعتي الفجر خاصةً، ولا يركع ركعتي الطواف، كما في
الأوقات الثلاثة، فلو صلَّى جاز، ويكره، وهو معلّلٌ بأن الوقت
كامل، ألا ترى أنه لو أذَّى فرض يومه يجوز بغير كراهة، وإذا أدى
فرضاً آخر يجوز أيضاً، وكذلك تجوز صلاة الجنازة، ويسجُد للتلاوة
من غير كراهة؛ لأنهما واجبتان، وإذا جاز أداء الفرائض، فأولى أن
يجوز أداء النوافل، على أصلهم في الفرق بين الفرض والواجب،
وصلاة التطوع، وسجود التلاوة إذا قرأ آية السجدة في الأوقات الثلاثة
جائز مكروه عندهم، كما في هذين الوقتين.
الثامنة والسبعون: لهذا النهي عن الصلاة بعد العصر معارضٌ،
(١) سقط من ((ت)).
٥٠٠