النص المفهرس

صفحات 301-320

أو نَقَصَ، فقد أساءَ وظلم)) (١) لا يصحُّ؛ لأنَّ(٢) المراد: مَن زادَ في عدد
المرات(٣).
قلت: وأمَّا أصلُ الزيادةِ علَى المرفقينِ والكعبين فثبتَ بالحديثِ
عن النبيِّ ◌َّ﴿ لظاهرِ قولِ أبي هريرة وقد فعل ذلك: ((هكذا رأيتُ
رسولَ اللهِ ◌ّهِ يتوضَّاُ».
وأمَّا ما زادَ علَى ذلك مما وقع إلَى المنكبينِ، أو ما يقاربهما،
فلم يثبتْ بهذا عن النبي قلّ﴾.
وتأويلُ القاضي عياض الإشراعَ المرويَ عن النبيِِّ بأنَّهُ محمولٌ
علَى استيعابِ المرفقين والكعبين بالغسلِ، فَعَبَّرَ عن ذلك بالإشراعِ في
العضدِ والساق؛ لأنها مباديهما؛ فإن أرادَ بذلك نفيَ أصلِ الشروع في
العَضُدِ والساق، وعدم الزيادة علَى المرفقِ والكعبين، فبعيدٌ مخالفٌ
الحقيقةِ اللفظ وظاهرِه، إنْ كَان المراد بـ(أشرع) معنى الشروع؛ إما
بواسطة، أو بغيرِ واسطة، وإن أرادَ ما زادَ علَى ابتداءِ الشروع؛ كفعل
أبي هريرة ه، فلا يثبتُ عن النبيِّلنَّفعلاً.
واستحبابُ أصلِ الشروع في العضدِ والساق دونَ ما رُوي من
التطويلِ الكثير، هو ظاهرُ الحديثِ بعدَ النظر في الإشراعِ ومدلولِهِ؛
كما تقدم.
(١) تقدم تخريجه .
(٢) في الأصل: ((أن))، والمثبت من ((ت)).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٤).
٣٠١

الثالثة: التأويل الذي ذكره القاضي في تطويل الغرة، يحمله
علَى المواظبةِ علَى الوضوءِ لكلِّ صلاة وإدامته، قال: فتطويل غرته
بتقوية نور وجهه، محتملٌ قريب بعد حمل الغرة علَى النورِ، كما أشارَ
إليه لفظُه، بعيدٌ علَى تقدير أنْ يحمل الغرة والتحجيل علَى الحقيقةِ،
لبعد هذا المعنى عن لفظ الإطالة.
الرابعة: ذكر أبو القاسم الرافعي الشافعي: أنَّ الأصحابَ اختلفوا،
ففرَّق بعضهم بين تطويل الغرة وتطويل التحجيل، فقالوا: تطويل الغرة
غسل مقدمات الرأس مع الوجه، وكذلك غسل صفحة العنق.
والتحجيل غسلُ بعض العضد عندَ غسل اليد، وغسل بعض الساق عندَ
غسل الرجل، وغايةُ ذلك استيعابُ العضد والساق، وفسَّرَ كثيرون
تطويلَ الغرة بغسل شيء من العضدِ والساق، وأعرضوا عن ذكر
ما حوالي الوجه، والأوَّل أولَى وأوفق لظاهر الخبر(١).
وقال غيره من الشافعية: أما تطويل الغرة فقال أصحابنا: هو
غسلُ شيءٍ من مقدم الرأس، وما يجاوز [الوجه] زائدٍ عَلَى الجزءِ الذي
غَسَلَه لاستيقان كمال الوجه، قال: وأما تطويل التحجيل فهو غسل
ما فوق(٢) المرفقين والكعبين، قال: وهذا مستحبٌّ بلا خلاف بين
أصحابنا(٣).
(١) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) الرافعي (١ / ٤٢٣).
(٢) ((ت)): ((بین)).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٣٤).
٣٠٢

الخامسة: ذكر هذا الغيرُ الشافعيُّ أنهم اختلفوا في قدر المستحب
على أوجه:
أحدها: أنَّهُ تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين مِن غيرِ
توقيت.
والثاني: مستحبٌّ إلَى نفس العضد والساق.
والثالث: يستحبُّ إلَى المنكبِ والركبتين، قال: وأحاديث الباب
تقتضي هذا کله(١).
قلت: لعله يريد القولَ الأخير، وإلا فلا يدلُّ عَلَى قول النصف،
ودلالتها على القولِ الأول فيه نظر؛ لأنَّ قولنا: مِن غيرِ توقيت، يمكن
أنْ يُرادَ مِن غيرِ تحديد بجزء معين؛ كالنصفِ والثَّلَث مثلاً، بل يعُم؛
[لاستحباب](٢) الجملة، ويحتمل أنْ يُرادَ به أنَّ المستحبَ المُسمَّى إنْ
أخذ علَى إطلاقه في كلِّ صورة.
السادسة: ما قدمناه من أنَّ الطولَ صفةٌ للغرة، تكون صفةً قائمةً
بها تقتضي أنَّ ما لا ينطلق عليه غرة(٣) لا يستحبّ فيه التطويل؛ لأنَّه
لا يُسمَّى غرة(٤) حينئذ إلا على وجه مجازي، ويلزم منه أنْ يخرج
(١) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل و((ت)): ((غيره))، وجاء على هامش ((ت)) ((لعله: غرة)). قلت:
ولعله الصواب.
(٤) في الأصل: ((غيره))، والمثبت من ((ت)).
٣٠٣

الرأس عن ذلك، فإما أنْ يلتزم أحدَ الأمرين، وهو المجاز في تسميته
غرةً أو تطويلاً، ويدل بدليل عليه، وإما أن يخرج الوجه عن هذا
الاستحباب، ويُخَصُّ ذلك باليدين والرجلين، وقد تقدمت الحكاية
عن بعض الشافعية: أنهم فسروا تطويل الغرة بغسل شيء من العضدٍ
والساق، وأعرضوا عن ذكر ما حوالي الوجه، ولعل ذلك أنهم لم يروه
في الوجهِ مستحباً؛ لما ذكرناه أو لغيره.
السابعة: من أخذَ بظاهرِ الإطلاقِ أو العموم، فتحديدُهُ تطويلُ
الغرة في الوجهِ بمقدمات الرأس دونَ ما زاد علَى ذلك تقييدٌ، أو
تخصيصٌ، يحتاج إلى دليلٍ خاصٍّ، إذا اعتبرت الدلالة مِن غيرِ تقييد،
وإلا فيلزم أنْ يستحبّ تطويل الغرة إلَى آخر الرأس، فيكون من
مُستحبَّات الوضوء غسل الرأس، وهذا لا يقوله أحدٌ.
الثامنة: وهذا قد يستدل به من لا یری التطويل في غسل الوجه؛
لأنَّه إذا حمل على الإطلاقِ أو العموم بحيث لا يقدر ولا يُحد، لزم منه
هذا الغسل الذي أشرنا إليه بالنِّسبَةِ إلَى جميع الرأس، واللازمُ منتفٍ.
التاسعة: وقد يستدِلُّ به المالكيُّ الذي لا يرَى التطويلَ لخروج
الغرة عن حدِّ الوجه حينئذٍ، وفي كلام بعض المتكلمين علَى الحديثِ
ما يشير إلى ذلك، فإنه لما أشارَ إلَى تأويل التطويل أشارَ إلَى هذا
المعنى؛ أي: عدم ذلك في الوجهِ (١)، فإن أراد أنَّهُ يخصُّ النفي
(١) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ٤٤).
٣٠٤

بالوجهِ، فهو الذي تقدم، لكنَّهُ لا يدلُّ عَلَى مقصوده، فإنَّ هذا
المعنى(١) لا يتأتَّى في التحجيلِ، لأنه يمكن فيه التطويل مع بقاء مُسمَّى
التحجيلِ؛ إما حقيقة، أو أقرب إلى الحقيقةِ؛ كما تقدم، وانتفاء
الحكم لمانع في محلٌّ، لا يلزم انتفاؤه في غيره مِن غيرِ مانع.
العاشرة: الصوابُ أنْ يَخرجَ عن الإطلاقِ أو العموم المستدلّ
بهما على تطويل الغرة، ما يخرج إلَى حدِّ البدعة والتنطَّع والخروج عن
عمل السلفِ والخلفِ، حتَّى يخرج عنه ما قدمناه في مسح الرأس،
وكذلك ما زاد علَى الركبتينِ، حتَّى يبلغ به إلَى أصول الفخذين. فإن
قلت: ذلك يخرج بخروجه عن مُسمَّی التحجیل.
قلت: وكذلك يخرجُ الجُزءُ من الرأس عن مُسمَّى الغَرةِ التي هي
في الوجهِ دونَ الرأس.
الحادية عشرة: فيه أنَّ العالمَ إذا رأَى أمراً مخالفاً للمشهور أو
المعروف، وكان أمرُه مما يوجب شناعةً أو تشنيعاً أو مفسدةً أنْ يكتمَ
ذلك ولا يظهره؛ لقول أبي هريرة - ظه -: ((يا بني فرُّوخَ! لو علمتُ
أنَّكم هاهُنا ما توضَّأتُ هذا الوضوءَ)).
ولا يخلو مثلُ هذا من إشكال.
الثانية عشرة: فيه أنَّ المقتدى به من مفتي أو حاكم أو غيرهما إذا
فعل فعلاً يُشكِّلُ وجهُه علَى رائيه أو سامعه يذكرُ وجهَ الحكم؛ ليزيلَ
(١) في الأصل: ((المانع))، والمثبت من ((ت)).
٣٠٥

الإشكال، وقد نصوا على ذلك في الحاكم إذا حكم بما لا يظهر وجهُه
للمحكوم عليه أنْ يذكر مُستندَه، وهذا من باب نفي التهمة الذي هو
أمرٌ مطلوب مطلقاً، لا سيما ممن يُقتدَى به؛ فإنَّهُ إذا بقي الفعل علَى
ظاهره من الامتناع أسقط مصلحة المقتدى به ظاهراً، أو فوّت فائدة
حكمِه وعلمِه على الناس، وقد ينتهي بعضُ هذا إلَى الوجوب.
الثالثة عشرة: في قولِ أبي هريرة هذا القول ما يشعرُ أنَّ هذا ليس
أمراً معمولاً به عندَ الجمهور من الناس في ذلك الزمان، وقد أخذوا
من مثل هذا عدمَ استحباب الفعل، أو كراهته؛ كما فعله المالكية في
الصلاةِ عَلَى المَيِّتِ في المسجد؛ استدلالاً بما جاء في الحديثِ من
إنكار الناس ذلك(١)، وهو أضعفُ من هذا الذي نحن فيه؛ لأنَّ الناسَ
المنكرين ثمّ، لمْ يتعينوا لأنْ يكونَ قولهم أو فعلهم حجةً، وحمل
الناس علَى جميعهم ليس بالقوي، وظاهرُ اختفاءِ أبي هريرة بهذا الفعل
مع عدم نقلِهِ عن غيره يقتضي أنَّهُ قصدَ الإخفاءَ مُطلقاً، إلا أنْ يُقَال:
المراد إخفاؤُهُ عن بني فروخ العجم؛ لقُربِ جهلهم ببعضٍ الأحکام،
(١) روى الإمام مالك في ((الموطأ)) (١/ ٢٢٩)، ومسلم (٩٧٣)، كتاب:
الجنائز، باب: الصلاة على الجنازة في المسجد، عن عائشة رضي الله
عنها: أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن أبي وقاص في المسجد حين
مات لتدعو له، فأنكر ذلك الناس عليها، فقالت عائشة: ما أسرع
ما نسي الناس، ما صلى رسول الله ﴿ على سهيل بن بيضاء إلا في
المسجد .
٣٠٦

فیحتملُ ذلك، وفيه مع ذلك بعدٌ؛ لعدم شهرة هذا الفعل عن أحدٍ غیرِ
أبي هريرة.
الرابعة عشرة: قد ذكرنا فيما تقدم عن بعضهم: أنَّهُ أدخل هذا
النوع تحت لفظ الإسباغ، وهذا اللفظ - أعني: من إسباغ الوضوء -
مما يقتضي تَرَتُّبَ هذه الفضيلة علَى الإسباغ.
الخامسة عشرة: قوله في الرواية الأخرى: ((فغسل وجهه ويديه
حتَّى كاد يبلغُ المنكبين)» يقتضي عدم بلوغ المنكبين، وهو خلاف
الرواية الأخرى التي تقتضي بلوغَه لهما، وليسا عن راوٍ واحد، فيحكم(١)
بالتعارض، وإذا كانا عن اثنين، فيحكم على فعلين مختلفين، وإن جازَ
أنْ يكونَ فعلاً واحداً، خفي بعضُه عن أحد الرائيين الراويَين، وإذا كانا
فعلين في وقتيين هو دليل علَى تقريب حصول المقصود من التطويلٍ،
وتسهيلِ الأمر فيه؛ لأنَّ الاستطاعةَ موجودةٌ في حال قصور التطويل عن
المنکبِ ظاهراً.
السادسة عشرة: في رواية نُعیم ذِكْرُ غسل الرجلين، وفيه دليلٌ
عَلَى ثبوت حكم الغسل فيهما؛ كما تقدم في غير هذا الحديث، وكما
سيأتي بعدُ مستقصى إن شاء الله تعالَى، وفائدة ذكره هاهنا تكثيرٌ(٢)
الأدلة على هذا الحكم الذي يخالف فيه الروافض، وكثرة الأدلة
مقتضية للترجيح، فالتنبيهُ علَى ذلك مفيدٌ.
(١) ((ت)): ((فيحمل)).
(٢) في الأصل: ((تكثيره))، والمثبت من ((ت)).
٣٠٧

السابعة عشرة: قوله: ((حتى رفع إلَى الساقين)) دليلٌ ظاهرٌ عَلَى
أنَّهُ غسل بعضهما بتبادر الفهم إليه، فهو أظهر في الدلالةِ علَى هذا
المقصود من قوله في تلك الرواية: ((أشرع في العضد)) و((أشرع في
الساق)) علَى مُقتضَى الوجه الذي ذكره القرطبي من أنَّهُ من باب أشرعتُ
الرُّمح(١)، لإمكان أنْ يشغِّبَ مشغبٌ، ويمنعَ الدلالة من (أشرع) على
غسل بعض الساق والعضد.
فإن قلت: فالتشغيب وارد عليكم(٢) أيضاً؛ لأنه يمكن أن يقال:
إنَّ المرادَ بالرفع رفعُ الغسل، ويجعله مغيِّى بالساقِ منتهياً إليه، فلا
يدلُّ على وقوع الغسل في العضد.
قلت: الحديثُ مستوفٍ لذكر الفعل الغريب من أبي هريرة،
المخالف لأفعال الجمهور، وكذلك استدلال أبي هريرة على ما فعله،
إنما هو علَى ما أغرب به من الفعلِ، ولو كان المراد ما ذكرتم من أنَّهُ
رفع الغسل إلَى أن انتهَى إلَى العضدِ أو الساق؛ لانتفَى المقصود من
الإخبارِ بالغرابةِ والاستدلال عليها بما دلّ علَى استحباب الفعل
الغريب؛ فإنه قد تبين وجوب الانتهاء، واستمر فعلُ المسلمين عليه.
الثامنة عشرة: يمكن من وجه آخر أنْ يجعل ((أشرع)) دالاً على
غسل بعض العضد أو بعض الساق؛ لأنَّ ((أشرع)) قد علقت (في) به،
(١) انظر: ((المفهم)) للقرطبي (١ / ٤٩٩).
(٢) ((ت): ((علیك)).
٣٠٨

و(في) للظرفية، فيقتضي أنْ يكونَ العضد أو الساق ظرفاً للإشراع،
فيكفي وجودُ الغسل فيهما، ويكون متعلق الإشراع محذوفاً معدّاً
الإشراع فيه بـ(ال) كأنَّهُ يقال: أشرع في غسل العضد أو الساق إلَى أمر
زائد على ما حصل من الغسلِ فيهما أولاً .
التاسعة عشرة: قد تقدم لنا كلام في ((الأمَّة))، والذي نقوله
هاهنا: أنَّ الأمَّةَ قد تطلق ويراد بها أهل الزمن مِن غيرِ تخصيص
بالإيمانِ، وهذا غير مراد في الحديثِ الذي جاء فيه «إن أمتي يأتون
يوم القيامة غُزَّاً محجَّلين من أثرِ الوضوءِ)) بالضرورةِ، وقد تطلق ويراد
بها أَتْباع الرسل؛ كما يقال: أمّة محمد، وأمّة موسَى، وأمة عيسَى
صلوات الله عليهم أجمعين، وهذا هو المراد.
ثم هذا علَى وجهين:
أحدهما: أنْ يُرادَ ظاهر التبعية، لا التبعية الباطنة بالإيمانِ القلبي.
والثاني: أنْ يُرادَ به التبعية الحقيقية الباطنة.
ثم هذا علَى وجهين:
أحدهما: أن تعتبر الموافاة في ذلك إلَى الموتِ.
والثاني: أن لا تعتبر.
وبحسب ما ذكرناه يحتاج إلَى النظرِ في المراد من الحديثِ الذي
فيه: ((إن أمتي يأتون يوم القيامة غُرَّاً محجَّلين من أثرِ الوضوءِ)).
٣٠٩

العشرون: يتلخصُ من هذا بعد الحمل للأمة على الأتباع ثلاثة
أقسام:
أحدها: أنْ يكونَ لأصحاب الإيمان الحقيقي الموافين عليه.
والثاني: أنْ يكونَ لهم وإنْ لمْ تقع الموافاة.
والثالث: أنْ يكونَ لِمَنْ ظاهرُه الإيمانُ.
فأما القسم الأول: فلا شكّ في حصول هذه العلامة لهم، بسبب
الوضوء.
وأما الثاني والثالث: فقد أجاز بعضهم أن تكون لهم هذه
العلامة، فقال: يحتمل أن المنافقين والمرتدين وكل من توضأ منهم
مسلماً يُحشر بالغرةِ والتحجيل، ولذلك يدعوهم النبي ◌َُّ، ولو لمْ
يكونواْ بِسِيْمَا المسلمين لمَّا دعاهم، فإذا علم أنهم بدلوا قالَ:
((فسحقاً))، انتھَى(١).
وهذا الدعاء الذي أشارَ إليه موجودٌ في حديث مالك وقوله الآن :
((فليُذَادَنَّ رجالٌ عن حَوضي، أُنَادِهِم أَلاَ مَلُمَ)(٢)، وحاصل ما قالَ:
أنَّهُ لو لمْ تكنْ لهم هذه العلامة لما نودوا؛ لأنَّهُم حينئذ يكون انتفاؤها
دليلاً علَى الخروج عن الملةِ فلا ينادون؛ لأنه لا ينادَى إلا من هو من
(١) انظر: ((المنتقى في شرح الموطأ)) للباجي (١ / ٧٠).
(٢) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١ / ٢٨). وتقدم تخريجه عند مسلم برقم
(٢٤٩ / ٣٩).
٣١٠

الملةِ ظاهراً، لكنهم نودوا فتكون لهم هذه العلامة.
وقد يقوَى هذا بقولِه بَله: ((إنَّ أمتي يأتون يومَ القيامةِ غُرَّاً
مُحجَّلين من أثر الوضوء)» وهو ظاهر في العموم في الأتباع، فإذا
أضيف إليه رجال يُذَادون ويُطْرَدون؛ لأنَّهُم بدلوا بعده ◌َّ، جاء منه
هذا المذهب، وكذلك ظاهر قولهم: ((كيف تعرف من يأتي بعدك من
أمتك))، وقوله وَّه في الجواب: ((أرأيت لو أن رجلاً له خيلٌ غُرّ
محجَّةٌ بين ظهري [خيلِ](١) بُهم، ألا يعرف خيلَه؟)) قالوا: بلَى،
يا رسول الله! قالَ: ((فإنهم يأتون غراً محجَّلين من الوضوء)»، وإذا
أضيف إليه ما ذكرناه من الذِّیادِ، قَرُبَ ما قالَ.
ويعُترض على هذا: بأنَّهُ جعل انتفاء العلامة دليلاً على عدم النداء،
فيمنع ذلك المذهب أنْ يكونَ النداء لتقدم معرفة في دار الدنيا .
الثاني: إذا انتهَى الأمرُ إلَى هذا، قلنا: أنْ يقول: لِمَ لا يجوزُ أن
تكونَ هذه العلامة من حيثُ هي هي؟ ولا يلزم من ذلك أنْ يكونَ انتفاؤها
في بعض الأفراد دليلاً على الخروجِ علَى الملةِ.
بيانه: أن تتميز الأمة بمعنى التابعين مطلقاً تميزاً کالمكانِ مثلاً،
ويدخل فيه من ليس بمؤمن حقيقي، فلا يكون انتفاء هذه العلامة الخاصَّة
في الفردِ دليلاً على خروجه عن الملةِ؛ لأن(٢) هذه العلامة موجودة في
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) (ت)): ((لا)) بدل ((لأن)).
٣١١

حقِّ كل مؤمن حقيقي توضأ، فيدل وجودُها في الجمع المتميز علَى أنَّهُ
الأمة، ولا يدلُّ انتفاؤها في الفردِ علَى الخروج عن الملةِ؛ لأنَّ انتفاءها
في الفردِ جاز أنْ يكونَ للخروج عن الملةِ، وجاز أنْ يكونَ لانتفاء
الوضوء في بعض الأفراد مع كونه من الملةِ؛ كالصحابي الذي أسلم
يوم أحد وخرج فقُتِل، ولم يصلِّ صلاة، فإنَّ العلامةَ عن الوضوءِ هاهنا
منتفيةٌ مع الإيمان، ومما يقرب هذا - أعني: أنَّ الأممَ تتميز بالمكان -
ما في الصحيح من حديث ابن عباس من قول النبي ◌َّ: ((عرضت عليَّ
الأممُ فرأيتُ النبيَّ، ومعه الرُّهَيطُ، والنبيَّ ومعه الرجلُ والرجلانِ،
والنبيَّ ليس معه أحدٌ، إذ رُفِع لي سوادٌ عظيمٌ، فظننت أنهم أمتي،
فقيل لي: هذا موسَى وقومُه، ولكن انظرْ إلَى الأفقِ، فنظرتُ فإذا سوادٌ
عظيمٌ، فقيل لي: انظرْ إلَى الأفقِ الآخَرِ، فنظرتُ فإذا سوادٌ عظيمٌ،
فقيل: هذه أمَّتُك .. )) الحديث(١)، فهذا يدلُّ عَلَى التمايزِ بالأماكنِ،
ويصرح به الحديث الصحيح: ((وتبقَى هذه الأمة فيها منافقوها))(٢).
فإن قيل على الوجهِ الأول من وجهي سدِّ المنع: لا تأثير للمعرفة
(١) رواه البخاري (٥٣٧٨)، كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو کوی غيره،
ومسلم (٢٢٠)، كتاب: الإيمان، باب: الدليل على دخول طوائف من
المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب.
(٢) رواه البخاري (٧٧٣)، كتاب: صفة الصلاة، باب: فضل السجود، ومسلم
(١٨٢)، كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية، من حديث
ـبّه .
أبى هريرة
٣١٢

المتقدمة في النداءِ؛ لأنَّهُم إذا (١) لمْ يكونوا فيهم العلامةُ تميزوا عن
الأمةِ، فلا ينادون، ولا يبقَى لتقدم المعرفة أثر في النداءِ.
قلنا: إنما لا يكون له أثر إذا ثبتت عموم العلامة في كلِّ فرد،
بحيثُ يدلُّ انتفاؤها علَى الخروج عن الملةِ، فلا يبقَى للمعرفة تأثيرٌ
حينئذ، وعلَى هذا، فلا يمكن إثبات عدم تأثير المعرفة بعموم العلامة
ودلالة انتفائها في الفردِ علَى الخروج عن الملةِ، وإيضاحه: أنَّهُ إذا
كانت العلامة مخصوصةً بالمؤمنينِ حقاً؛ أي: ظاهراً وباطناً، لمْ يمتنعْ
أنْ يكونَ من لمْ يُوجدْ فيه شرطُهما داخلاً في الأمةِ، فحينئذ يكون
للمعرفة المتقدمة تأثير في النداء.
فإن قيل: فهذا الذي ذكرته من النداءِ بسبب تقدُّم المعرفة لا يعمُّ
جميعَ المنافقين والمرتدين الذين حَدَثُوا بعد رسول الله وَّهِ، فلا تتعلق
بهم المعرفة المتقدمة في دار الدنيا، فلزمه(٢) أن تكون فيهم العلامة
التي اقتضت النداء.
قلنا: ظاهر ((ما أحدثوا بعدك)) يقتضي: أنَّ هذا المُحدَث لمْ
يكنْ قبله؛ أي: قبل ذلك البعد، ولو كان النفاق والارتداد لمن لمْ
يكنْ في زمنه ◌َّة، لكان التعبير بغيرِ ((أحدثوا)) أقربَ، كما لو قيل:
لا تدري فعلهم بعدك، وما (٣) أشبهه، فظهر بهذا أنَّ المرادَ بهذا الأمر
(١) في الأصل: ((إذ))، والمثبت من ((ت)).
(٢) (ت)): «فیلزمه)) .
(٣) ((ت)): ((أو ما)) بدل ((وما)).
٣١٣

- أعني: النداء ــ وما تَرتّب عليه من القولِ في قوم كانوا في حال
زمن الرسول وَّ، ثم بعدوا (١) عنها، لا في حال كلِّ منافقٍ ومرتد بعد
زمن رسول الله وَ﴿، ويؤيدك في هذا ((ليُذادَنَّ رجال)) بالتنكيرِ الذي
لا عموم فیه.
فإن قيل: فهؤلاء المنافقون والمرتدون بعد زمنه مَّ ر؛ هل فيهم
علامة، أو لا؟ فإن كانت، فهو الذي اذَّعاه ذلك القائلُ من وجود
العلامة في حقِّ كلِّ تابع ظاهراً، فيحصل مرادُه، وإنْ لمْ يكنْ، كان
انتفاؤُها دليلاً على الخروج عن الأمةِ، وهذا الدليل موجودٌ في حقِّ
[كل] (٢) من تقدمت معرفته فيتميز، ولا يبقَى لتقدم المعرفة أثرٌ، كما
ذكر في السؤالِ.
قلنا: إذا جعلنا العلامةَ مختصةً بالمؤمنين المحقين المراقبين
الذين وجد فيهم الشرط، وهو الوضوء، لمْ يلزمْ من انتفاء هذا
الخروجُ عن الملة؛ كما بيَّناه فيما قبل، ومثّلناه في الصحابي الذي
أسلم فقُتل قبل أنْ يصليَ، فإنَّ الظاهرَ أنَّهُ لمْ يتوضأُ أيضاً، فيصير عدمُ
العلامةِ أعمَّ من الخروج عن الملةِ وعدم الخروج، فيكون للمعرفة
المتقدمة أثر في النداءِ من القواعد الكلامية السنية: أن كل ما صحَّ في
الحديثِ من ألفاظ النبي ◌َّ، أو وَرَدَ في الكتابِ العزيز من ذلك إخباراً
(١) ((ت): ((تغيروا)).
(٢) زيادة من ((ت)) .
٣١٤

عن المغيَّاتِ، ولم يمنع العقلُ من إجرائه علَى ظاهرٍ لفظه، وَجَبَ
إجراؤُهُ عَلَى ظاهره في الإيمانِ به؛ لثبوت الجواز العقلي الذي ينفي
المانع، وهو استحالة الوقوع، والإخبار الشرعي الذي يقتضي وقوعَ
أحدِ الجائزين، ووجوب تصديق المعصوم فيما أُمِر به، وتدخل تحت
هذا أمورٌ كثيرةٌ من أحوال الآخرة؛ كالمُسَاءَلةِ في القبر، ومُنْكَرٍ ونَكِيرٍ،
ونَصْبِ الموازين، إلى غير ذلك.
الحادية والعشرون: قد ذكرنا من حديث مالك: «فليُذَادنَّ رجالٌ
عن حوضي))، ففيه إثباتُ الحوض للنبي ◌َّ، وذلك مما يدخل تحت
القاعدة السابقة؛ للإمكان والإخبار عن الوقوع، ووجوب التصديق.
الثانية والعشرون: هذا الوجوب وإن ثبت بما قررناه من القاعدة؛
أعني: وجوبَ الإيمان بالظاهرِ من الألفاظ، لكن لدلالة الألفاظ علَى
تلك الأمور المعنوية تفاوتٌ في الرتب؛ فمنها ما ينتهي إلَى [القطع بأنَّ
المرادَ الظاهرُ وما دلَّ عليه اللفظ، وذلك لكثرة ورود](١) الأمثال،
وقيام القرائن، وما تلقته الأمةُ خلفاً عن سلف، بحيث يحصل لهم
العلمُ القطعي بإرادة الظاهر.
ومنها ما يقابل ذلك، وهو ما لمْ تكثرِ الألفاظُ الدالةُ عَلَى
المعنى، بحيث ينتفي احتمالُ المجاز؛ إما بسبب العلة، أو لانتفاءِ
القرائنِ المفيدة للقطع.
(١) زيادة من ((ت)).
٣١٥

ومنها ما هو متوسط، وهو أن تكثَر تلك الألفاظُ كثرةً لا تنتهي
إلَى الدرجةِ الأولَى، ولا تنحطُّ إلَى السفلَی.
الثالثة والعشرون: وبحسب اختلاف هذه المراتب، وقعت طامَّةٌ
أوجبت افتراقَ الأمةِ ورميَ بعضِهم بعضاً بالتكفيرِ أو التبديع، وتساهلِ
آخرين فيما يجب فيه التشديدُ، والقانون الصحيح هو الذي ذكرناه،
والرجوع فيه إلَى ما ثبت في النفسِ عن التأمل في مصادر الشريعة
ومواردها، وإلَى هذا يجب أنْ يرجعَ المرءُ في المرتبةِ الأولَى، وهي
ما انتهَى إلَى القطع؛ الإخبار عن حدث العالم فيما مضى، وحشر
الأجساد، ودارَيْ الجزاء، الجنة أو النار، وكل من خالف في ذلك فهو
كافر خارج عن الملةِ، وما يبديه من التأويلاتٍ، كما يفعله الفلاسفةُ
المنسوبون إلَى الإسلام، فهو مردود عليه؛ للقطع الذي ذكرناه في مثل
هذه المسائل، ولما كفَّر الغزالي - رحمه الله - الفلاسفةَ بالقولِ بقِدَم
العالم، وإنكار حشر الأجساد، وإنكار العلم بالجزئياتِ، أراد بعضُ
المتأخرين ممن يتكلم في الفلسفةِ من الأندلسيين أنْ يشوشَ فيما قالَ،
وزعم أن في تكفير من خالف الإجماع خلافاً، وهذه سَقْطة راسبة،
وعثرة لا لَعَاً (١) لها، فإن ما يقوم عليه الإجماعُ علَى قسمين:
۔
أحدهما: ما صحبه التواتر في الإخبارِ عن صاحب الشرع بما
انعقد عليه الإجماع.
(١) يقال للعاثر: لعاً له: إذا دعوا له. ولا لَعَاً له: إذا دعوا عليه وشمتوا به،
أي: لا أقامه الله من سقطته.
٣١٦

والثاني: ما لا يصحبه ذلك.
فأما القسمُ الأول: فلا شكّ في تكفيره(١) من جهة المخالفة فيما
يثبت بالتواترِ عن صاحب الشرع، لا لأجل مخالفة الإجماع.
وأما الثاني: فهو الذي يقع فيه الخلاف، وليس وقوع الإجماع
مما يلازمه التواترُ، ومخالفةُ التواتر عن صاحب الشرع، فإنَّ الإجماعَ
قد يقع علَى مُقتضَى خبر الواحد(٢)، وليس مما تواتر عن الرسولِ وَ﴾
٠
وأما المرتبةُ الثانية: وهي مما تَقِلُّ فيه الألفاظُ، ولا تقوم فيه الألفاظُ
المفيدةُ للقطع، فلا يليقُ بها التشديدُ، وينبغي أنْ يُتحَرَّزَ فيها عن التكفيرِ
والتبديع، ومن(٣) أراد الاحتراز علَى نفسه.
ولقد أكثر الخَيَّاطُ من الحنابلةِ في تكفير الناس وجَسَرَ عليهم في
ذلك جَسارة، لعلها أن تُعْقِبَهُ خسارة.
وأما المرتبة المتوسطة: فهي محل الإشكال، وفيها يقع الاختلاف؛
ومِن(٤) الناس مَن يُلحقها بالمرتبةِ الأولَى، فيُكفِّرُ أو يُبدِّع، ومنهم من
يلحقها بالمرتبة الأخرى، فيتأوَّل.
والقانون ما ذكرناه، فارجعْ إليه في نفسك وإلَى علمك، وَزِنْ
بالقسطاس المستقيم، والله الموفق للصواب.
(١) في الأصل: ((تكفير))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((الواقع)).
(٣) في الأصل: ((فمن))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((فمن)).
٣١٧

الرابعة والعشرون: ومن هذا القبيل؛ أي: مما يجب الإيمان
به (١)، وإجراؤه علَى ظاهره، الحليةُ المذكورة في الحديثِ في الرواية
المختصرة في الأصل.
الخامسة والعشرون: قد ذكرنا في رواية سعد بن طارق
قوله - التَّل ـ: ((إن حوضي أبعدُ من أيلة من عَدَن))، وقد اختلفت
الآثار في تقدير (٢) مدِّ الحوض اختلافاً يعسُر الجمعُ فيه، وإنْ كَان
فُيتكلَّف، والصواب عندي في أمثال هذا: أنْ يُنظر إلى الترجيحِ بين
الرواة بحسب حالهم في الحفظ والإتقان، وطريقةُ الجمع وإنْ كَانت
متقدمةً في الرتبةِ علَى طريق الترجيح، إلا أن(٣) الذي أراه في مثل هذا
حيثُ يكون التأويلُ غيرَ مقبول عندَ النفس، ولا مطمئنةٌ هي به، وهو
الأشبه المقدم في هذا المحل رتبة الترجيح علَى رتبة الجمع؛ لأنَّ
الأصلَ هو سكون النفس وطمأنينتها، والظن بعصمة الرواة عن
الخطأِ، ولو كانوا ثقاتاً، وسكون النفس إلَى احتمال الغلط في بعضهم
أقوى من سكونها إلَى التأويلاتِ المُستبعَدَة المُستنكرةِ عندها، لا سيَّما
مع من كانت روايته حفظاً، لا يرجع فيها إلَى الكتابِ، فهذا هو الذي
أراه، واستقرّ عليه رأيي ونظري، والله أعلم.
(١) في الأصل: ((مما يوجب الإيمان))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((تقدر))، والمثبت من ((ت).
(٣) في الأصل: ((لأن))، والمثبت من ((ت)).
٣١٨

ولا أقول هذا في كلِّ تأويل ضعيف مرجوح بالنِّسبةِ إلَى الظاهرِ،
وإنما ذلك حيثُ يشتدُّ(١) استكراهه، ولقد سمعت الشيخ أبا محمد
عبد العزيز بن عبد السلام يقول قولاً أوجبته شجاعةُ نفسه - رحمه الله -
لا أرَى ذكره، وإنْ كان صحيحاً، والله أعلم.
السادسة والعشرون: قد تقدَّم في رواية نُعيم: ((إن أمتي يأتون
يوم القيامة غُراً محجلين من أثر الوضوء))، ظاهرُه العموم في الأمةِ
وحصر العلامة فيهم كلّهم، وقد حكينا عن بعض الناس: أنَّ العلامةَ
تكون عامَّةً في حقِّ المؤمنين المخلصين الموافين وغيرهم من
المنافقينِ والمرتدين، وقد بسط هذا القولَ بعضُهم قال : - وهو الأشبه
بمساق الأحاديث - إن هؤلاء الذين يُقَال لهم هذا القول؛ يعني: أنهم
قد بدلوا بعدك ناسٌ نافقوا، وارتدوا من الصحابةِ وغيرهم، فيحشرون
في أمة النبي ◌َّر، وعليهم سِيما هذه الأمة من الغرةِ والتحجيل، فإذا
رآهم النبي ◌َّ عرفهم بالسِّيما من كان من أصحابه بأعيانهم فيناديهم:
((ألا هلم))، فإذا انطلقوا نحوه حِيْل(٢) بينهم وبينه، وأُخذ بهم ذات
الشمال، فيقول النبي ◌َّ: ((يا ربِّ أمتي ومن أمتي))، وفي لفظ آخر:
((أُصَيْحابي))، فيقال(٣) له إذ ذاك: ((إنه(٤) لا تدري ما أحدثوا بعدك،
(١) في الأصل: ((يشد))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((فحيل))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((فقال))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((إنك)) بدل ((إذ ذاك إنه)).
٣١٩

٩
وإنهم لمْ يزالوا مرتدين منذَ فارقتَهم))، فإذ ذاك تذهب عنهم الغرة
٥
والتحجيل، ويُطفأ نورهم، فيبقون في الظلماتِ، فَيُقطع بهم عن
الورودِ، وعن جواز الصراط المستقيم، فحينئذ يقولون للمؤمنين:
﴿أَنْظُرُونَا نَقْنَِسْ مِن نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣]، فيُقَال لهم: ﴿أَرْجِعُواْ وَرَآءَكُمْ فَالْتَمِسُواْ
نُوراً﴾ [الحديد: ١٣] مكراً وتنكيلاً؛ ليتحققوا مقدارَ ما فاتهم، فيعظَم
أسفُهم وحسرتهم، أعاذنا الله من أحوال المنافقين، وألحقنا بعباده
المُخلَصين، وجعلنا من الفائزين(١).
السابعة والعشرون: الحديث الذي فيه ذَوْد(٢) رجال، ليس فيه
ما يقتضي وجود السيما فيهم أو عدمها، لأنه يكره في الإثبات،
وقد يُعارَضُ بالعموم الذي في ((أمتي)) بعد تقرير دخولهم في اسم
الأمة، واختلاطهم، وقد اختلف الناس فيهم، وذكر بعضُهم فيه
أقوالاً؛ منها معنى ما ذكرناه من عموم السِّيْما إلى آخر ما تقدم من
شرحه .
ومنها: أن المراد مَنْ كان في زمن النبي ◌ِّ، ثم ارتدَّ بعدَه،
فيناديهم النبيُّ بَّر، وإن لم يكن عليهم سِيما الوضوء؛ لما كان
يعرفه ◌َ ﴿ في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدُّوا بعدك، وهذا آخر
ما ذكرناه من المباحث فيما مضى.
(١) انظر: (المفهم)) للقرطبي (١ /٥٠٤ _ ٥٠٥).
(٢) في الأصل: ((ليس ذود))، وكذلك في ((ت))، ولكن ضرب على كلمة
((لیس)).
٣٢٠