النص المفهرس
صفحات 261-280
وقد قالَ بعض المالكية: إنَّهُ لا يُسبغُ الغضونَ بالماءِ اعتبارًا بالوجهِ في التيمم(١). وأيضاً هذا(٢) لا يلزمُ منه أنْ يكونَ استيعابُهما بالمسحِ ليس بواجب؛ لأنَّه يمكنُ أنْ يكونَ ذلك مع القول بالوجوبِ إدخالاً لذلك في باب التنظُع والتكلُّف والغلو، أو لأنَّ الاسمَ قد يحصلُ في عُرفِ الإطلاقِ لما يجبُ استيعابُهُ إجماعاً، فيحصلُ الامتثالُ بحصول المُسمَّى، وذلك كغسل اليدين؛ فإنه يحصل المُسمَّى مع الوَسَخِ اليسير في رأس الأصابع؛ الذي يُعتادُ مثلَه غالباً، مع وجوب استيعاب اليدين بالغسل(٣) إجماعاً، ولست أحفظُ الآن عن أحدٍ من العلماءِ القولَ بوجوبِ الاستيعابِ بمسحهما. الرابعة عشرة: إذا جعلنا حكمَهُمَا حكمَ الرأس عموماً، فيتَرَتَّبُ عليه استحبابُ التكرارِ في المسح فيهما أو عدمه؛ إتباعاً لحكمهما حکم الرأس في ذلك. الخامسة عشرة: الذين أبَوا(٤) أَنْ يكونا من الرأس يحتاجونَ إلَى (١) وانظر: (مواهب الجليل)) للحطاب (١ / ٣٢٢). (٢) في الأصل و((ت)): ((وهذا)، ولعل الصواب حذف الواو كما أثبت. (٣) في الأصل و((ت)): ((بالمسح)) بدل ((بالغسل))، وكتب فوقها في ((ت)): كذا، وعلى الهامش: ((كأنه: بالغسل))، قلت: ولعله الصواب فأثبته. (٤) جاء في (ت)): بياض بمقدار كلمة، وعلى الهامش ((لعله: أبوا»، وهو المثبت، وسقط من الأصل. ٢٦١ الجواب عن ظاهر الحديث، ولهم فيه طرقٌ: الأولَى : القَدْحُ في إسناده، وقد تقدم بما فيه. الثانية: ما قدَّمناه(١) من أمرِ الرفع والوقف. الثالثة: التأويلُ، قالَ الخطابيُّ بعد ذِكْرِهِ ما ذُكرَ من مذهب الشافعي: وتأوَّلَ أصحابُهُ الحديثَ علَى وجهين: أحدهما: أنهما يُمسحان مع الرأس تبعاً له. والآخر: أنهما يُمسحان کما یمسحُ الرأس، ولا يُغسلان کالوجهِ، وإضافتهما(٢) إلَى الرأسِ إضافةُ نسبةٍ وتقرب، لا إضافةُ تحقيق، وإنما هو في معنى دونَ معنى؛ كقولِهِ: ((مَولَى القَومِ مِنْهُم)(٣)؛ أي: في حكم النصرة والموالاة دونَ حكم النسب واستحقاق الإرث، ولو أوصَى رجلٌ لبني هاشم، لمْ يُعطَ مواليهم، وموالي اليهود لا تؤخذُ بالجزيةِ، وفائدة الكلام في معناه(٤): إبانةُ الأذنِ عن الوجهِ في حكم الغَسْلِ، وقطعُ (١) ((ت)): ((قدمنا)). (٢) في الأصل: ((إضافتها))، والمثبت من ((ت)). (٣) رواه أبو داود (١٦٥٠)، كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على بني هاشم، والنسائي (٢٦١٢)، كتاب: الزكاة، باب: مولى القوم منهم، واللفظ له، والترمذي (٦٥٧)، كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي وَلي﴾، وأهل بيته ومواليه، وقال: حسن صحيح، من حديث أبي رافع ﴾. (٤) في ((معالم السنن)): ((وفائدة الكلام ومعناه عندهم)). ٢٦٢ الشبهيَّة بينهما لما بينهما من الشبهِ في الصورةِ، وذلك(١) أنهما وُجدا في أصل الخِلقةِ بلا شعر، وجُعلتا محلاً لحاسّة من الحواسِ، ومعظمُ الحواس محلُّه الوجهُ، فقيل: ((الأذنانَ من الرأس))؛ ليُعلمَ أنهما ليستا من الوجه(٢). والوجهُ الأول الذي ذكره الخطابيُّ عن أصحاب الشافعي؛ إن أراد به أنهما يمسحان بماء الرأس، فليسَ مذهباً لهم، وإن أراد أنهما يُمسحان كما يمسح الرأس، وأن مسحَهما على سبيل التبعيّة، فله وجهٌ، لكنْ كونُهما على سبيل التبعيَّة فيه نظرٌ؛ لأنَّ قولهم هو: إنهما عضوان علَى حيالهما، لا من الرأسِ، ولا من الوجه. السادسة عشرة: الذين قالوا: إنهما من الرأس؛ أي: حكمُهما حكمُ الرأس في المسحِ، يحتاجون إلَى الجوابِ عن الحديث المعارِضِ له الدالِّ علَى أنهما من الوجهِ، وهو: ((سَجَدَ وَجْهِي)) إِلَى آخره(٣). وقد أجاب عنه أقضَى القضاةِ المَاوَردِيُّ بأن قال: إنما هو عبارةٌ عن الجملةِ والذات؛ كما قالَ تعالَى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلِ (١) في الأصل: ((لذلك))، والمثبت من ((ت)). (٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (١ / ٥٢). (٣) تقدم تخريجه قريباً. ٢٦٣ وَالْإِكْرَامِ ﴾ [الرحمن: ٢٧](١). وفي هذا نظر؛ لأنَّ لفظَ الوجه عندَ الإطلاق ينصرفُ إلَى العضوِ المخصوص؛ إمَّا وَضْعاً لغوياً، وإما استعمالاً عُرفياً غالباً، وإطلاقُهُ علَى الجملةِ من باب إطلاقِ اسمِ الجُزء علَى الكلِّ، وقد دلَّت الآيةُ الكريمة علَى الذاتِ؛ لاستحالةِ الحملِ علَى الظاهرِ بالصورة، وليس كذلك فيما نحن فيه، نعم هو مُحتمِلٌ، والاحتمالُ لا يُنافي رُجحانَ غيره. السابعة عشرة: لسائلِ أنْ يسألَ ويقولَ: إذا أخرجتمْ(٢) لفظَ الوجه عن الحقيقةِ الوضعيَّة والعرفية، وخَرَجَ أيضاً ((الأذنان من الرأس)) عن الحقيقة الوضعيَّة، فأيُّهما أقربُ وأرجحُ في الحمل؟ فيْقَال عليه: إنَّ أمرَ الرأس فيه ما أوجب الخروجَ عن الحقيقةِ، فالمصيرُ إلَى المجازِ متعيِّنٌ، وأما الأمرُ الآخر فليس فيه ما يُوجِبُ الحملَ علَى الذاتِ، فكان الأولُ أرجحَ من هذا الوجه، أو يقال: إن دلالةٌ (من) عَلَى الجزئيةِ أقوَى من دلالة الإضافة عليها؛ إما لأنها دلالةٌ لفظية، ودلالةُ الإضافة علَى المعنى تقديريةٌ، أو لأنَّ دلالةَ الإضافة مترددةٌ بين معنى (مِن) وغيرها بخلاف دلالة (من)، وهذا يُحوِجُ إلَى بيان التردُّدِ في هذا المحلِّ؛ أعني: ((شقَّ سمعَهُ)) إلَى آخره. (١) انظر: ((الحاوي)) للماوردي (١ / ١٢٢). (٢) في الأصل: ((خرجتم))، والمثبت من ((ت)). ٢٦٤ الثامنة عشرة: قد يُتمسَّكُ بالحديثِ في أن مُسمَّى المسح للرأس غیرُ كافٍ. وطريقه أنْ يقال: لو اكتُفِيَ بالمُسمَّى في بعض مسح البعض لاكتُفِيَ بمسح الأذنين؛ لأنه بعضُ الرأس بالحديثِ، واللازمُ منتفٍ بالإجماعِ. ومما يجيبُ به من يخالفُ ذلك بالطعنِ في السَّند، وقد مرَّ بما فيه، وإنما هذا تفريعٌ بالقولِ بالصحة. التاسعة عشرة: وقد يمكنُ أنْ يُستدلَّ به علَى عکسٍ هذا، وهو عدمُ وجوب الاستيعابِ في مسح الرأس بوجهٍ آخرَ يُجعلُ الحديثُ فيه مقدمةً في الدليلِ، وهو أنْ يقال: لو وجب استيعابُ الرأس بالمسحِ لوجبَ مسحُ الأذنين، واللازمُ منتفٍ بالدلائلِ الدالةِ على عدم وجوب مسحِهِما، فَآلَ الأمرُ إلَى النظرِ في الموازنة بين الظاهرين؛ أعني: ظاهرَ ((الأذنان من الرأس»، والظاهرَ الدالَّ علَى عدم وجوب مسحهما، فأيُّهما رَجَحَ تقدم . العشرون: النُّكتةُ الأولَى التي تتعلَّقُ بعدم الاكتفاءِ بمُسمَّى(١) المسح أقوَى من الثانية؛ لأنهما يشتركان في إثبات الملازمة بالحديثِ، وتنفردُ الأولى بأنَّ انتفاءَ اللازم فيها بالإجماع، وانتفاءُ اللازم في الثانيةِ بدلائلَ ظنيَّةٍ يُعترَضُ عليها بما يُعترَضُ به علَى الدلائلِ الظنيَّة، فكانتٍ(٢) (١) في الأصل: ((لمسمى))، والمثبت من ((ت)). (٢) في الأصل: ((وكانت))، والمثبت من ((ت)). ٢٦٥ الأولی أقوی من هذا الوجه. الحادية والعشرون: هذه النكتةُ الأولَى - إذا تمَّت - إنما تَصلُحُ للاعتراضِ علَى مَنْ يكتفي بمُسمَّى مسحِ البعض، أمّا من يقول بأنَّ الوجوبَ متعلِّقُ ببعضٍ معيَّنٍ، فلا تصلحُ للاعتراض عليه؛ لأنَّ الملازمةَ حينئذٍ تكونُ فاسدة؛ لأنه لا يلزمُ من الاكتفاءِ ببعضٍ متعيِّنٍ، الاكتفاءُ بمُسمَّى البعض. الثانية والعشرون: اعتُرِضَ علَى من فسَّرَ ((الأذنان من الرأس)) بأن [حكمَهما](١) حكمُ الرأس في المسحِ، باعتراضٍ؛ حاصلُه: أنَّ الاستواءَ في الحكم بين العضوين لا يقتضي أنْ يقال: إنَّ أحدَهما من الآخر؛ لأنَّ الوجه واليدين والرجلين يستويان في الحكم؛ الذي هو الغسل، ولا يقال: إنَّ الوجهَ من اليدينِ، ولا من الرجلينِ. ويجاب عنه بأنْ يقال: إمَّا يُدَّعَى المجازُ في إطلاق كونِهما من الرأسِ بسبب استوائهما في الحكمِ، والمجازُ لا يلزمُ اطٌّرادُه، ولا اطرادُ الإطلاقِ عندَ وجودٍ علاقته، بل قد ذُكر: أنَّ من علاماتِ الحقيقةِ الاطرادُ، ومن علاماتِ المجازِ عدمُ الاطراد(٢)، فعلَى هذا: امتناعُ استعمالٍ کونِ الوجهِ من الیدِ أو الرجلِ دلیلُ المجازِ فیما ذکرناه، ونحن (١) زيادة من ((ت)). (٢) انظر: ((المحصول)) للرازي (١ / ٤٨٢)، و((المعتمد) لأبي الحسين البصري (١ / ٢٦) . ٢٦٦ لا نمتنعُ من كونه مجازاً. وإنْ كَان هذا الاعتراضُ لقصد إبطال العلاقة المجوّزة، فالعلاقةُ موجودةٌ، إذكونُ الشيء من الشيءٍ بسبيل يسوِّغُ مثلَ هذا الإطلاق، ألا تراه يقال: أنا منك، وأنت مني، ولست منك، ولست مني؛ لإرادة الإثبات، ولإرادة التباين، وأنه ليس بسبيل منه. الثالثة والعشرون: احتَجَّ المُزَنِيُّ علَى أنهما ليستا من الرأس بما قدمنا من لزوم التخصيص في الحلقِ أو التقصير في الحج، وأنَّه لو كانا من الرأس أجزاً مَن حجَّ حلقُهما من تقصير الرأس(١). واحتَجَّ الشافعيُّ بما معناه: أنهما لو كانا من الرأس لأجزاً مسحُهُما عن مسح الرأس؛ فإنه قال: وليستِ الأذنان من الوجهِ فيُغسلان، ولا من الرأس فيُجزِىءُ المسحُ عليهما، فهما سنةٌ علَى حيالهما (٢). ورجَّحَ بعضُ المصنفين من أصحاب الشافعي دليلَ الشافعي علَى دليل المُزَنِيِّ بعد أن ذكرَه وشرحَه، فقال: وهذا احتجاجٌ صحيح، ورُبَّما يمنعُ بعضُ المتأخرين منهم، فيعتمد، أو يعتمدُ علَى ما اعتمدَ عليه الشافعي أولاً، وهو: أنَّهُ لا يُجزىءُ مسحُهُ عن مسح الرأس، قال: وهذا لا شكَّ فيه؛ أو كما قال(٣). قلت: كلا الاحتجاجَيْن استدلالٌ بنفي اللازم على نفي الملزومِ، (١) انظر: ((مختصر المزني)) (ص: ٣). (٢) انظر: ((الأم)) للإمام الشافعي (١/ ٢٧)، و((مختصر المزني)) (ص: ٣). (٣) وانظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي (١ / ٤٧٤). ٢٦٧ وإلزامٌ للعموم في أحكامهما؛ أعني: حكمَ الرأس والأذنين، والتخصيص، فإنْ كَان المقصودُ الردّ على من يقول بالحكم بالتعميم، فليس يقوله أحد، وإنْ كَان المقصودُ الردّ علَى من يستدلُّ بلفظ الحديثِ علَى أنهما من الرأس، وإلزامَهُ التعميمَ في الأحكام من هذا اللفظ، فقد يقول: هذا غايةُ ما يلزمُ منه التخصيصُ، وإذا صحَّ الحديثُ فلا بدَّ له من مَحملٍ صحيحٍ، وإذا تعذّرتِ الحقيقةُ حُملَ عَلَى المجازِ، فإذاً يؤول ذلك إِلَى مسألةٍ من مسائلِ تعارضٍ أحوال اللفظ، وهي تعارضُ المجاز والتخصيص، وقد قالوا: إنَّ التخصيصَ أولَى(١)، فيُعترَضُ عليه بأنَّهُ يُلزمُكَ المجازُ بإخراج اللفظ عن حقيقته، (١) وذلك لوجهين: أحدهما: أن في صورة التخصيص، إذا لم يقف على القرينة، يجريه على عمومه، فیحصل مراد المتكلم وغیر مراده. وفي صورة المجاز إذا لم يقف على القرينة، يجريه على الحقيقة، فلا يحصل مراد المتكلم، ويحصل غير مراده. الثاني: أن في صورة التخصيص انعقد اللفظ دليلاً على كل الأفراد، فإذا خرج البعض بدليل، بقي معتبراً في الباقي، فلا يحتاج فيه إلى تأهل واستدلال واجتهاد. وفي صورة المجاز انعقد اللفظ دليلاً على الحقيقة، فإذا خرجت الحقيقة بقرينة احتيج في صرف اللفظ إلى المجاز إلى نوع تأمل واستدلال، فكان التخصيص أبعد عن الاشتباه، فكان أولى. انظر: ((المحصول)) للرازي (١/ ٥٠١). ٢٦٨ وهذا مُشتركٌ بيننا، وتنفردُ أنت بالتخصيصِ، وهو خلافُ الأصل؛ كما أنَّ المجازَ خلافُ الأصل، فتَلزمُكَ مخالفةُ الأصل من وجهین بخلاف ما قلناه؛ فإنه إنما يَلزمُ المجاز فقط. واعلمْ أن مَنْ ذهبَ إلَی عدم العموم في کون أحکامهما حكم الرأس، لا يلزمُهُ شيءٌ من الاعتراضينِ، وإنما يلزمان على تقدير التزام العموم في الأحكام. واعلمْ أيضاً أنَّ الاستدلالَ بعدم الاكتفاءِ بمسحهما لا يصلحُ للإلزام لمالكٍ؛ لأنه لا يقول بالاكتفاءِ بمسح البعض، وقد تقدم. الرابعة والعشرون: قوله في الحديثِ: ((وكان يمسحُ المَأْقَين)» يدلُّ علَى طلبيةِ هذا القدر؛ أعني: القدرَ المشترك بين الوجوب والندب، وإنما يجبُ ذلك إذا تعيَّنَ المسحُ طريقاً إِلَى إقامة الواجب من الغسلِ، أما إذا حصل مسمَّاه كان المسح مُستحبًّ؛ لتأَدِّي الواجب بما يحصل به المُسمّى. الخامسة والعشرون: هذا المسحُ يُعلِّلُ باحتمال اجتماع القذى في المآقي، فيكون حائلاً عن الغسلِ الواجب. السادسة والعشرون: فيه دليلٌ علَى المبالغةِ في الغسلِ بالنُّسبّةِ إِلَى أجزاء ما أُمِرَ فيه به (١)، وعدم المسامحةِ بهذا القدر(٢)، والله أعلم. (١) أي: المبالغة بغسل الأعضاء المأمور بغسلها من مثل الوجه واليدين، وعدم التساهل في غسل أي جزء منها . (٢) ((ت)): ((المقدار)). ٢٦٩ السابعة والعشرون: ومَا ذكرنَاهُ من المعنى، وهو: أنَّ إزالةَ ما عساه يجتمعُ من القَذَى في المآقي، يقتضي أنْ يكونَ هذا المسحُ قبلَ الغَسل؛ ليَرِدَ الغسلُ علَى محلِّ التطهيرِ الواجب خلياً عن احتمال المُعارِض، ولو تأخّرَ لمْ يحصلِ الفرضُ علَى تقدير وقوع المعارِض، وهو احتمالُ القذَى؛ لأنَّ المسحَ لا ينوبُ عن الغسل. الثامنة والعشرون: ويقتضي التورُّعَ والاحتياطَ في الطهارةِ، وعدمَ خروجٍ بعضها اليسيرِ عن باب التنطع والتكلف؛ لأنَّ ما دل علَى المُقَّدِ، دلَّ على المُطلق. التاسعة والعشرون: إذا أخذنا دلالةَ لفظةِ (كان) علَى المداومةِ أو الأكثرية، فهو دليلٌ علَى استحباب ذلك، والاعتناءُ بتفقدِ(١) هذا المحلِّ دَّت علیه لفظةُ (کان) حينئذ. الثلاثون: هذا المعنى المناسبُ الذي ذكرناه يُجعَلُ أصلاً لما هو في معناه؛ كاحتمال اجتماع الرَّمَص(٢) في الأهدابِ، ويقتضي تفقَّدَهُ، كما [يقتضي](٣) تفقَّدَ المَأْقين، ولعل سببَ اختصاص المَأقين بالذكر أنَّ عُلوقَ القذَى بالأهدابِ، إنما يكون لحالةٍ عارضة من ضعف (١) في الأصل: ((بنقل))، والمثبت من ((ت)). (٢) الرمَص: القَذَى يجِفُّ في هُدب العين ومآقيها. انظر: ((لسان العرب)) لابن منظور (٧/ ٤٣)، مادة (ر م ص). (٣) زيادة من ((ت)). ٢٧٠ العين، أو رَمَدِها غالباً، ووجوبُها في المأقينِ أكثر؛ لوجودها كثيراً عندَ الانتباه من النومِ فيهما. الحادية والثلاثون: وردَ في بعض الروايات: ((وكانَ يَغْسِلُ المَأْقين)»، وقد ذكرتُهُ في ((الإمام))(١)، وهذا غيرُ الأول؛ لأنَّ المسحَ لا يُعبَّرُ عنه بالغسلِ، ويحتمل أنْ يكونَ إشارةً إلَى ما يؤدي الفرضَ، ويكون المقصودُ أنَّهُ لا يُكتَفَى بالمسح عن الغسل الواجب، وهذا علَى أن لا تکون الروایتان في حدیث واحد اختلف في لفظه، فإن گانتا کذلك فالترجيحُ، والظاهرُ أنَّ الترجيحَ لرواية المسح؛ فإنها أكثرُ. الثانية والثلاثون: وقد يُقَال علَى رواية الغسل: إنها تدلُّ عَلَى إيصالِ الماء إلَى باطن العين؛ لأنَّ عدمَ حصولِهِ في باطنِهَا غالباً، إذا غسلَ الماء في العينينِ، ولا أبلغ به تأكيدُ المضمضة والاستنشاق(٢). ومن أصحابه مَنْ قالَ: لا يُستحبُّ، ولا يغسلُهُ؛ لأنه لمْ يُنقلْ ذلك عن رسول الله وَ ل﴿ قولاً ولا فعلاً، ويؤدي إلَى الضررِ(٣). (١) انظر: ((الإمام)) للمؤلف (١ / ٥٠٣). (٢) جاء على هامش ((ت)) إشارة تدل على وجود خلل في سياق الكلام، وكأن في النسختين سقطاً، والله أعلم. قلت: والمسألة التي ذكرها المؤلف رحمه الله هي في غسل العين عند الشافعية. (٣) انظر: ((المهذب)) للشيرازي (١ /١٦). ٢٧١ قالَ بعض المصنفين: وهذا اختيارُ أكثرِ أصحابِنا. وحَكَى عن ((الحاوي)): أنَّهُ لا يجبُ، ولا يُسَنُّ، وهل يُستحبُّ؟ قالَ أبو حامد: يُستحبُّ للنص في ((الأم))، وقال غيره: لا يستحبُّ(١)، وهذا أصح؛ لأنَّ ما لا يسنُّ لا يستحبُّ، والله أعلم بالصواب. (١) انظر: «المجموع في شرح المهذب» للنووي (١ / ٤٢٩ - ٤٣٠) وقال: وليس نصه في ((الأم)) ظاهراً فيما نقله، فإنه قال في ((الأم)) (١ / ٢٥): إنما أكدت المضمضة والاستنشاق دون غسل العينين للسنة، ولأن الفم والأنف يتغيران، وأن الماء يقطع من تغيرهما، وليست كذلك العينان. ٢٧٢ C 0 الحديث الحادي عشر وروَى حَبيبُ بنُ زيدٍ، عن عبَّادِ بن تميم، عن عَمِّهِ قال: رَأَيْت النَّبِيَّ(١) ﴿ يَتَوَضَّأُ، فَجَعَلَ بَدْلِكُ ذِرَاعَيْهِ. أخرجه أبو حاتم ابنُ حبَّان في (صحيحه))(٢)، وذكر حبيباً في كتاب (الثقات))، وقال أبو حاتم الرازي: هو صالح. الکلامُ علیه من وجوه: * الأول: في التعريف: فنقول: حبيبُ بنُ زيدٍ الأنصاريُّ: ینسبُ من البلادِ إلَی أصبهان. (١) في الأصل: ((رسول الله))، والمثبت من ((ت))، وكذا ((الإلمام)) للمؤلف (ق٦ / ب). (٢) * تخريج الحديث: رواه ابن حبان في «صحيحه» (١٠٨٢)، واللفظ له، والإمام أحمد في («المسند» (٤ / ٣٩) إلا أنه لم يذكر الذراعين، وابن خزيمة في ((صحيحه)) (١١٨) وزاد أنه أتي بثلثي مد، وكذا الحاكم في ((المستدرك)) (٥٠٩)، والبيهقي في ((السنن الكبرى)) (١/ ١٩٦)، كلهم من حديث شعبة، عن حبيب بن زید، عن عباد بن تمیم، عن عمه عبدالله بن زيد، به. ٢٧٣ قالَ البخاري في ((تاريخه)): حبيب بن زيد الأنصاري، روَى عنه شريك، وقال شُعيب بن حرب: جدُّهُ الذي أُرِي الأَذان المدني. قلت: هذا مُشكِلٌ؛ لأنَّا قد بيَّنا فيما مضَى أنَّ الذيَ أُرِي الأذانَ هو عبدالله بن زيد بن عبد ربِّه، وأنَّ الذيَ روَى الوضوءَ عمُّ عباد بن تميم، هو عبدالله بن زيد بن عاصم، وذكرنا تغليطَهم لسفيانَ بن عُيَينة في أنَّ الذيَ وَصَفَ الوضوءَ هو الذي أُرِي الأذان. وذكر محمدُ بن إسماعيلَ الأندلسي في حبيب هذا: أنَّهُ روى(١) عن مولاةٍ لهم يُقَال لها: ليلَى، عن جدَّتِهِ أمِّ عَمارة بنت كعب الأنصارية. روَى عنه شعبةُ بن الحجّاج، وشريك بن عبدالله النخعي. وذكر ابن أبي حاتم: أنَّهُ سمع أباه يقول: هو صالح. وقال محمدُ بن إسماعيل في حبيب هذا: هو ثقةٌ؛ قاله يحيى، والنَّسوي، وغيرهما(٢). (١) في الأصل: ((رواه))، والمثبت من ((ت)). (٢) * مصادر الترجمة: (تاريخ ابن معين - رواية الدارمي)) (١ / ٩٤)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٢/ ٣١٨)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٣/ ١٠١)، ((الثقات)) لابن حبان (٦ / ١٨١)، ((تهذيب الكمال)» للمزي (٥/ ٣٧٣)، («تهذيب التهذيب)» لابن حجر (٢ / ١٦٠). ٢٧٤ * الوجه الثاني: في تصحيحه: إسنادُهُ إلَى حبيب بن زيد، وقد ذكرنا حالَهُ، وذكرنا أيضاً: أنَّ ابنَ حِبَّان أخرجه في ((صحيحه))، وأنه ذكر حبيباً في كتاب ((الثقات))، وبهذا صحَّ شرطُنا فيه، والله أعلم. * الوجهُ الثالث: في المباحثِ والفوائد، وفيه مسائل: الأولَى: ظاهرُ المذهب عندَ المالكية، أنَّ مُجرَّدَ إيصالِ الماء إلَى العضوِ لا يَكفي، ولا بدَّ من أمرِ زائد عليه، فمنهم من يعبِّرُ عنه بالذَّلكِ، ومنهم من يعبر عنه بإمرارِ اليدِ في الغسلِ(١)، وليس أحدُ اللفظين بمرادفٍ للآخر، فلا بدَّ من التسامح في إحدى العبارتين. الثانية: الاستدلالُ بمجرَّدٍ تفرقةِ العَرَب بين الغَسْلِ والغَمْسِ علَى افتراقهما؛ فإنَّ الأصلَ عندَ اختلاف اللفظين اختلافُ المعنيين، لا يكفي(٢)؛ لأنَّ اختلافَ المعنيين قد يكون اختلافاً من جهةِ العمومِ والخصوص، فقد يدَّعي المخالفُ أنَّ الغَسْلَ أعمُّ من الغمسِ، فيحصل الفرقُ بينهما، ولا يجوز نفيُ الأعم، وهو الغسل، عندَ ثبوت الأخص، وهو الغمس، إذ يقول: كلُّ غمسٍ غسلٌ، ولا ينعكس. (١) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٣٠٩). (٢) أي: مجرد التفرقة. ٢٧٥ نعم الذي يقوله بعضهم: من أنَّهُ يقال: غمسْتُ ثوبي وما غسلتُهُ، فيه دليلٌ لو ثبت، لكنه يُنازَعُ في ذلك. وأقوَى شيءٍ استُدلَّ به في هذا ما جاء في ((الصحيح)) في حديث غسل بول الصبي: ((فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّهُ، ولمْ يَغْسِلْهُ))(١)، فنفَى الغسلَ مع وجود إتباع الماء، وقد استدلَّ به بعضُ المالكية. ولقائل أن يقولَ عليه: أحدُ الأمرين لازمٌ عن هذا الحديث؛ إمَّا بُطلانُ الاستدلال، أو بطلان المذهب؛ لأنَّ هذا الإتباعَ بالماء؛ إمَّا أنْ يُسمَّى غسلاً، أو لا، فإن سُمِّي غَسْلاً لمْ يصحَّ الاستدلال؛ لأنَّ إثباتَ كونِهِ غَسلاً مع نفيٍ كونِهِ غسلاً مُحالٌ، وإنْ لمْ يكنْ غسلاً بطلَ المذهب؛ لأنه حصل الاكتفاءُ به، ولا يُکتفَی عنده إلا بالغسلِ، ولا يرد علَى هذا إلا شيءٌ من الجدلياتِ، هو بمعزلٍ عن التحقيق. الثالثة: من الظاهرِ القويِّ جداً أنَّ هذا الدَّلكَ لأجل طهارة الوضوء، ويحتمل أنْ يكونَ لأجل غيرِهِ، لكنه باطلٌ، أو بعيدٌ جداً، فيدلُّ علَى طلبيةِ الدَّلك في طهارة الغسل، إذا لمْ يتبينْ أنَّ حقيقةَ الغسل تقتضي أمراً زائداً على وصول الماء. الرابعة: منطوقُهُ الذَّلكُ في الذراعينِ، وبقيةُ الأعضاء تجري مجراه؛ لعدم الافتراق في المُقتضَى، فيمكنُ أنْ يكونَ التخصيصُ (١) رواه البخاري (٥٩٩٤)، كتاب: الدعوات، باب: الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم، ومسلم (٢٨٦)، كتاب: الطهارة، باب: حكم بول الطفل، وكيفية غسله، من حديث عائشة رضي الله عنها. ٢٧٦ بالذكر؛ لأنه لمْ تقع الرؤيةُ لغيره، ويمكن أنْ يكونَ التخصیصُ من باب التنبيهِ بذكر الشيء علَى ما سواه؛ لأنه أولَى منه بالحكمِ، وتكون الأولويَّةُ من جهة أن بروزَ الوجه والرِّجلين أولَى بالدَّلك؛ لبروزِهما غالباً، وكثرةٍ ملاقاتِهِما للغبار، وما يُحتاجُ بسببه إلَى الذَّلك. الخامسة: الذي يتحقَّقُ جزماً استواءُ بقية الأعضاء مع اليدين في مُقتضي الدَّلك؛ أي: أنَّ المُقتضِي لا يقتضي التخصيصَ بالبعضِ دونَ البعض مع وجوده في الكلِّ من جهة الظاهر القوي استوائهما في حكم الدلك بالنِّسبَةِ إلَى الطهارةِ، والله أعلم. ٢٧٧ الحديث الثاني عشر وروَى مسلمٌ من حديث نُعيم بن عبدالله المُجْمِر قال: رأيتُ أبا هريرةَ يتوضَّأُ، فغسلَ وجهَهُ، فأسبغَ الوضوءَ، ثم غسلَ يدَهُ اليُمنَى حتَّى أشرعَ في العَضُدِ، ثم غسلَ يدَهُ اليُسرَى حَتَّى أشرعَ في العَضُدِ، ثم مسحَ رأسَهُ، ثم غسلَ رِجلَهُ اليُمنَى حتَّى أشرع في السَّاقِ، ثم غسلَ رجلَهُ الْيُسرَى حتَّى أشرعَ في الساقِ، ثم [قال](١): هَكَذَا رأيتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ يتوضَّأُ، وقال: قالَ رسولُ اللهِ لَّهِ: ((أَنْتُمُ الغُرُّ المُحَجَّلُونَ يومَ القِيامَةِ من إسباغِ الوُضُوءِ، فَمَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ فَلْيُطِلْ(٢) غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ))(٣). (١) زيادة من ((ت)). (٢) في الأصل و((ت)): ((أن يطيل))، والمثبت من ((الإلمام)) للمؤلف (ق٦ / ب)، وکذا (صحيح مسلم)). (٣) * تخريج الحديث: رواه مسلم (٢٤٦ / ٣٤)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، من حديث عُمارة بن غَزية، عن نعيم بن عبدالله المجمر، به . ٢٧٩ وفي رواية: فغسلَ وجهَهُ، ويديهِ حتَى كادَ يبلُغَ المَنكبين، ثم غسلَ رِجليه(١)، حتَّى رفع إلَى السَّاقين(٢) . وفي رواية أبي حازم قال: كنتُ خلفَ أبي هريرة، وهو يتوضَّأُ للصلاة، فكان يمُّ يدَه حتَّى تبلغَ إِبِطَه، الحديث(٣). الكلامُ علیه من وجوه: * الأول: في التعريف، وفيه مسائل: الأولَى: نُعَيمُ بن عبدالله: كنيتُهُ أبو عبد الله، ينسبُ في الولاءِ إلَى عمر بن الخطاب څه . قالَ البخاري: نعيم بن عبدالله، أبو عبدالله، المُجْمِرُ، مولَی عمر ابن الخطاب القُرَشي العدوي، سمع أبا هريرة، روَى عنه مالك بن أنس. (١) في الأصل و((ت)): ((رجله))، والمثبت من ((الإلمام)) للمؤلف (ق٧ / أ)، و((صحيح مسلم)). (٢) رواه مسلم (٢٤٦/ ٣٥)، كتاب: الطهارة، باب: استحباب إطالة الغرة والتحجيل في الوضوء، واللفظ له، والبخاري (١٣٦)، كتاب: الوضوء باب: فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء، من حديث سعيد ابن أبي هلال، عن نعيم المجمر، به. (٣) رواه مسلم (٢٥٠ / ٤٠)، كتاب: الطهارة، باب: تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، والنسائي (١٤٩)، كتاب: الطهارة، باب: حلية الوضوء، وابن ماجه (٤٢٨٢)، كتاب: الزهد، باب: صفة أمة محمد وَلاغير، من حديث أبي مالك الأشجعي، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، به. ٢٨٠