النص المفهرس

صفحات 41-60

وهكذا نقول فيما قدمناه [من طلبية نقل الماء](١) إلَى مسح
الرأس: إنَّهُ ضعيف؛ لاحتمال أنْ يكونَ ذلك لتعيُّن(٢) الفعل علَى هذا
الوجهِ بحسبٍ الواقعةِ إذْ(٣) لمْ يكنْ علَى الرأسِ ماءٌ، فيتعيَّنُ النقلُ،
لا لأنَّه مقصودٌ.
السادسة والعشرون: قوله: ((ثمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ ثلاثاً))، فيه غسلُ
الرِّجلين، وترتيبُهما على ما قبلها، وعددُ غسلِهما، وقد قدمنا
ما للمالكيةِ في اعتبار إنقائِهما دونَ العدد، وهذا الحديثُ ممَّا(٤) يدلُ
علَى اعتبارِ العدد، فتلك ثلاثٌ (٥).
وقد جاء في حديثٍ معاويةَ - ﴿ه - من رواية عبدالله بن العلاء:
أنَّهُ سمع يزيد بن أبي مالك وأبا الأزهر (٦) يحدثان عن وُضوء معاوية
قال: يُريهم وضوءَ رسولِ الله وَّهِ، فتوضَّأَ ثلاثاً ثلاثاً، وغسلَ رِجليه
بغيرِ عدد(٧) (٨).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: (لبعض))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((إذا))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((ما))، والمثبت من ((ت)).
(٥) أي: ثلاث مسائل.
(٦) في الأصل: ((وأبا الأزهري))، والتصويب من ((ت)).
(٧) في الأصل ((عوض))، والمثبت من (ت)).
(٨) رواه أبو داود (١٢٤)، كتاب: الطهارة، باب: صفة وضوء النبي ◌ٍَّ، ورواه
الإمام أحمد في ((المسند)) (٤ / ٩٤)، والطبراني في ((المعجم الكبير))
(١٩ / ٣٧٨)، وإسناده صحيح.
٤١

التاسعة والعشرون(١): قوله: ((ثمَّ قالَ: هَكَذَا الوُضُوءُ)) فيه
البيانُ بالفعلِ، وقد تقدَّم الكلامُ فيه، وهو هاهنا أقوَى مِن ((ثمّ))؛
لأنَّ الحَوَالةَ هاهنا علَى الفعلِ من لفظِ النبيِّ وَّةِ، و((ثمّ) من لفظ
الراوي.
[الثلاثون](٢): قوله: ((هَكَذَا الوُضُوءُ))، يمكنُ أنْ يَستدِلَّ به مَن
يرَى الترتيبَ واجباً؛ فإنَّ الإشارةَ إلَى ما وقعَ من الفعل(٣) وهيئاتِهِ،
ومنها الترتيبُ، ثم يأخذُ الحصرَ في اللفظِ، ويحملُ لفظ (الوضوء)
عَلَى الشرعيٍّ، وهو كذلك.
[الحادية والثلاثون]: ويَستدلُّ به أيضاً مَن يرَى وجوبَ الموالاةِ
بغيرِ (٤) ما ذكرنا في الترتيب؛ لأنَّ الموالاةَ [من](٥) جملة هيئاتِهِ.
ومَنْ أرادَ إخراجَ أحدِهما [يحتاجُ](٢) إلَى دليلٍ آخرَ راجحٍ عَلَى
(١) (ت): ((السابعة والعشرون))، وعلى الهامش قوله: ((لعله: التاسعة)).
(٢) سقط ذكر هذا الرقم ((الثلاثون)) والذي بعده: ((الحادية والثلاثون)) من ((ت))؛
لأنهما مدمجتان في الفائدة التاسعة والثلاثين، وجاءت هذه الفوائد
مفصّلات بالأرقام في الأصل (م)).
(٣) في الأصل: ((اللفظ))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((تعيّن))، والمثبت من (ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) زيادة من ((ت)).
٤٢

ما دلَّ [عليه](١) هذا الحديثُ.
وقد استدلوا على وجوب الترتيب بما جاء في الحديث: ((هَذَا
وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلا بِهِ».
وقالوا: لا يجوزُ أنْ يكونَ غيرَ مُرتَّبٍ، وإلا لانتفَى القَبولُ عندَ
العضوِ المُرتب، وهو مُحال، فيتعيَّنُ أنْ يكونَ مرتباً.
وهذا الاستدلالُ الذي ذكرناه في المسألتينٍ؛ أعني: الترتيب
والموالاة، أوْلَى بالنِّسْبَةِ إليهما؛ لدلالةِ الحديث علَى وجودِهما،
ولكنه أقصر(٢) في الدلالةِ علَى الوجوبِ من ذلك الحديث؛ لأنه هاهنا
مأخوذٌ من الحصرِ، وقد يُنازَعُ فيه، ويحتاج إلَى نظر، وثمَّ مأخوذٌ من
قوله: ((لا يَقبلُ اللهُ الصَّلاةَ إلا بِهِ))، ودلالتُهُ علَى الوجوبِ أظهرُ من
دلالة الحصر.
الثانية والثلاثون: ظاهرُهُ يقتضي أنَّ النقصانَ داخلٌ في حدٍّ
الإساءة، وأقلُّ درجاتها الكراهةُ، لكنْ يُشكِلُ عليه: أنَّ النبيَّ وَلِ توضَّأَ
مرَّتين مرتين، وتوضَّأَ مرَّةً مرة.
وقد ذكر بعضُهم: أنَّ الشفعَ ليس بمكروه؛ أي: الشفع في
الغسلاتِ، ودليلُهُ فعلُ الرسولِ وَِّ، فيمكنُ أنْ يُقَالَ بظاهرِ [هذا](٣)
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((اقتصر))، والمثبت من (ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
٤٣

الحديث، ويُجعَلَ(١) [فعلُ](٢) النبيِّ ◌َّه في الغسلِ مرتين، أو مرة لبيان
الجواز، ويمكن أنْ يقال: إنَّ ((أساءَ)) يُحملُ علَى ترك الأَوْلَى.
ورُبَّما قالَ بعض المباحثين: إنَّ النقصَ [هاهنا، هو النقصُ](٣)
عن مقدار الواجب، فإنْ كَان يقول بأنَّ الزيادةَ مُحرَّمةٌ عَلَى ما ذُكِرَ أنَّهُ
وجهٌ سيأتي ذكرُهُ، فلا بأسَ إن صحَّ أنَّ اللفظَ ظاهرٌ في التحريمِ، وإِنْ
كَان يقول بالكراهةِ أو تركِ [الأولَى](٤) في الزيادةِ، فهو بعدَ استنادِهِ إلَی
هذا اللفظِ في التحريم جاعلٌ اللفظَ الواحدَ مُستعملاً في حقيقتِهِ
ومَجازِهِ، إذا اعتقد أنَّهُ حقيقةٌ في التحريمِ، حتَّى يتمَّ له الحَملُ علَى
النقصانِ عن الواجبِ [ورتِهِ] (٥) .
الثالثة والثلاثون: قولُهُ: ((أو نَقَصَ)) يدخلُ تحتَهُ النقصانُ بمرة،
فتبقَى مرتان، والنقصانُ بمرتين، فتبقَى واحدة.
وقد نُقُلَ عن مالك أنَّهُ قال: الوضوءُ مرتان مرتان، قيل له:
فواحدة؟ قال: لا(٦).
(١) ((ت)): ((وجعل)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٨٧).
٤٤

وهذا لا ينبغي أنْ يُقَال بظاهرِهِ في إيجاب المرتين، والمنعِ من
الاقتصارِ علَى واحدة، فقد صحَّ عن النبيِّ وَّهِ الاقتصارُ علَى الواحدةِ،
وقد حُملَ هذا علَى المبالغةِ منه في التشديدِ في أن لا يقتصرَ علَى
الواجبٍ، والتحضيضِ عَلَى أنْ يؤتَى بالفضيلةِ.
[ورُوي عن مالك روايةٌ أخرى: لا أحبُّ الواحدةَ إلا من
عالِم](١) (٢)؛ وهذا يقتضي إباحةَ المرة للعالم، وتخصيصَ الكراهةِ
لغيره؛ فإنَّ العامةَ لا تكادُ تستوعبُ بمرة واحدة، فاحتاطَ لهم في أنْ (٣)
أمرَهُم بالزيادةِ عليها، وأخرج (٤) العالِمَ من ذلك لمعرفتِهِ بما يأتي ويذرُ
من ذلك.
فمنْ أرادَ أنْ يستدلَّ للراوية التي ظاهرُها كراهةُ الاقتصار علَى
المرةِ، فله أنْ يستدلَّ بهذا الحديث؛ لأنَّهُ يدخلُ [تحت](٥) النقصانِ
الموصوف بالإساءةِ، لكن (٦) يخرجُ عن مُقتضى هذه الدلالة في
المرتین.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) كما تقدم.
(٣) في الأصل: ((فإن)) بدل ((في أن))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((إخراج)).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) ((ت)): «لكنه)).
٤٥

الرابعة والثلاثون: [و](١) الناس أخذوا الزيادةَ باعتبار الزيادة في
العددِ [علَى الثلاث] (٢)، فكرهُوها، وذكرَ بعضُ المتأخرين من الشافعية
ثلاثةَ أوجه: التحريمَ، والكراهةَ، وتركَ الأولَى(٣).
قلت: والمشهورُ الكراهةُ، وهو المتحققُ.
وقال إمام الحرمين في ((النهاية)): وقولُهُ: ((أساء))(٤) بمعنى تركٍ
الأوْلَى، وتَعدِّي حدِّ السُّنة، ووضع الشيء في غير موضعِهِ (٥)؛ وهذا
دليلٌ منه علَى أنَّهُ لا يرَى التحريمَ، ولا الكراهة.
والقولُ بالتحريمِ غريبٌ يحتاج من يريدُ إثباتَهُ إلَى أنْ يبينَ أنَّ
لفظةً(٦) ((أساء، وظلم)) تدلان على التحريمِ، وليس ذلك بالظاهرِ
ظهوراً قويّاً، ولكنه ظاهرٌ في الكراهةِ، فيجيءُ من هذا أنَّ المشهورَ
- [و](٧) هو الكراهة - هو الصوابُ.
(١) سقط من (ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)» للنووي (١/ ٥٠٣) وقال: الصحيح،
بل الصواب: تکره كراهة تنزيه.
(٤) في الأصل: ((أما)) بدل ((أساء))، والتصويب من ((ت)).
(٥) المرجع السابق، (١ / ٥٠٢).
(٦) ((ت)): ((لفظ)).
(٧) زيادة من ((ت)).
٤٦

الخامسة والثلاثون: قالَ بعضُ الفقهاء المتأخِّرين من مصنفي
الشافعية: ومعنى قوله: ((أساء)) في النقصانِ؛ أي: في مخالفة السنة؛
ومعنى قوله: ((وظلم)) في الزيادةِ علَى الثلاثِ؛ أي: جاوزَ الحدَّ؛ لأنَّ
الظلمَ في اللغةِ مجاوزةُ الحدِّ، ووضعُ الشيء في غير موضعه، لا أنه (١)
يأثمُ بذلك(٢).
السادسة والثلاثون: هذا الذي ذكره هذا المصنفُ ينحو إِلَى
[أنَّ](٣) هذا من باب اللفِّ والنَّشر، فنقول عليه: إنَّ (أو) تقتضي أحدَ
الشيئين في الشيء الذي يُحكَمُ به، والمحكومُ به في هذا الحديث هو
الإساءةُ والظلم (٤)، فيثبتان معاً لمن فعلَ أحدَ الشيئين.
السابعة والثلاثون: هذه الزيادةُ المذكورة علَى الثلاثِ لا يقتضي
الحكمُ بكونها(٥) ظلماً وإساءةً أنْ يَبطُلَ بها الوضوءُ؛ لأنَّ الفرضَ
والسنةَ قد تأدَّيا، والإساءةُ بالزيادةِ، والحكمُ عَلَى الزيادةِ بالإساءةِ
والظلم(٢) لا يقتضي تعدِّي ذلك إلَى ما مضَى من الفرضِ والسنة
(١) في الأصل: ((إلا أنه))، والمثبت من ((ت)).
(٢) المرجع السابق، (١ / ٥٠٢ - ٥٠٣).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) (ت)): زيادة ((معاً) .
(٥) (ت)): ((بها)).
(٦) في الأصل و((ت)): ((والحكمُ علَى الإساءةِ بالزيادةِ والظلم))، والصواب
ما أثبت.
٤٧

ولابدَّ، وصارَ هذا كمَن سلَّمَ من الصلاةِ، ثم قام إلَى خامسةٍ، فإنَّه
لا يبطلُها.
الثامنة والثلاثون: هذه الزيادةُ المكروهةُ مخصوصةٌ عندَهم بأنْ
تُلحقَ بالوضوءِ نِيةً، فلو فُعِلتْ تبرُّداً، أو مع قطع نية الوضوء عنها، لمْ
تُکرة.
وقد قيل: ومنْ زادَ علَى الثلاثِ؛ فإنْ كَان قاصداً للقُربةِ بالزيادةِ
علَى الثلاثِ فقد أساء لتقرُّبِهِ إلَى الرَّبِّ بما ليس بقُربَةٍ (١) إليه، وإن قصد
تبرداً، أو تنظفاً، أو تنظُّلاً بالماءِ الحار، أو تداوياً، فإنْ لمْ يفرِّقْ بين
أعضاء الوضوء فلا بأسَ، وإن فرَّقَ بينها فقد أساء بتفريق الوضوء،
لا بمجرَّدٍ (٢) الزيادة(٣).
قلت: يريدُ التفريقَ القاطعَ للمُوالاة المنافي لسنَّتها، علَى هذا القول
(٤) يَبِعُدُ أنْ يُؤْخَذَ قصدُ القُربةِ في الحكمِ من(٥) الحديثِ، وقوله ◌َّ:
((هَكَذَا الوُضوءُ، فمَنْ زادَ علَى هَذَا))؛ فإنَّ فَهْمَ كونِهِ في الوضوءِ قريبٌ
من دلالة اللفظ عليه، ويكون التقدير: فمن زاد على هذا في الوضوءِ،
(١) في الأصل: ((يتقرب))، والمثبت من ((ت)).
(٢) (ت)): ((لمجرد) بدل ((لا بمجرد)).
(٣) انظر: ((قواعد الأحكام)) العز بن عبد السلام (٢/ ١٧٥ - ١٧٦).
(٤) في الأصل: ((ولا))، والمثبت من ((ت)).
(٥) في الأصل: ((بين))، والمثبت من ((ت)).
٤٨

إلا أنَّ ظاهرَ الإطلاق على خلافه.
التاسعة والثلاثون: الشافعيةُ ذكروا: أنَّهُ لا يُستحبُّ تجديدُ
الوضوء إلا بعدَ أنْ يؤديَ به شيئاً ممَّا يُشرَعُ له الوضوءُ؛ فرضاً كان
المؤدَّى أو نفلاً، وقيل: لا(١) يستحبُّ إلا ما أُدِّي به فريضةٌ، والأول
أصح؛ قالَ ذلك صاحب ((الاستقصاء))(٢).
وعلَى ذهني أنَّ بعضَ المالكية(٣) ذكر كراهةَ التجديد (٤) قبل
الإتيانِ بالعبادةِ به، وذكرَ الخلافَ المذكور.
وهذا منهم إلحاقٌ لهذا التجديدِ الذي لمْ تؤذَّ بالوضوءِ قبلَهُ عبادةٌ
بالزيادةِ المتصلة بالوضوء، وفيه بحث؛ فإنَّه لمْ يَقصدْ بهذا التجديد
إلحاقَهُ بالوضوءِ الأول، يأتي ذلك اشتراط كونِ الزيادة على الثلاثِ في
الكراهة منوياً بها الوضوء، وإنِ اشتُرطَ في هذا الوضوء المجدَّدِ إلحاقه
بالوضوءِ الأول مع تطاول الزمان بعيد، ثمَّ هو مخالفٌ لإطلاق
الحديث الدالٌّ على استحبابٍ تجديد الوضوء الذي رووه(٥) .
(١) في الأصل: ((ولا))، والمثبت من ((ت)).
(٢) كتاب: ((الاستقصاء لمذاهب الفقهاء في شرح المهذب)) لعثمان بن عيسى
الماراني، تقدم ذكره مراراً. وانظر: ((المجموع في شرح المهذب)) للنووي
(١ / ٥٣١)
(٣) (ت)): زيادة ((قال)).
(٤) (ت)): ((تجديد الوضوء)).
(٥) في الأصل: ((رواه))، والمثبت من ((ت)).
٤٩

الأربعون: قد ذكرنا أنَّهم حملُوا الزيادةَ علَى زيادةِ العدد(١)، وهو
المعروفُ المشهور، ويَحتمِلُ وجهاً آخرَ أعمَّ من هذا، وهو أنْ يُرادَ
إلحاقُ ما ليس من الوضوءِ به تنطُّعاً وتكلَّفاً، أو النقصان منه، ورُبَّما
يُفْهَمُ [هذا] (٢) من قوله - الَيْهِ -: ((هَكَذَا الوُضوءُ، فمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا»؛
أي: عَلَى الوضوءِ، ويترجَّحُ بأنَّ الإشارةَ إلَى الوضوءِ ظاهرةٌ في
جُملته.
الحادية والأربعون: يدخلُ في هذا المعنى الذي ذكرناه كلُّ
ما استحبَّهُ بعضُ الفقهاء في الوضوءِ وألحقوه بسننه، فما(٣) لمْ يقمْ عليه
دليلٌ شرعيٍّ يقتضي إلحاقه بالوضوءِ؛ كمسح العنق إذا لمْ يصحَّ فيه
الحديث(٤)، [ولا شكَّ أنَّ إلحاقَهُ بسنن الوضوء ممتنعٌ إذا لمْ يصحَّ فيه
الحديث](٥)، وأمَّا فعلُهُ مِن غيرِ اعتقاد إلحاقٍ له بالوضوءِ الشرعي ففيه
نظرٌ، والأقربُ كراهةُ المداومة عليه، والذي جعله من السننِ أبو
(١) ((ت)): ((على الزيادة في العدد)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((فلما)).
(٤) قال النووي في ((روضة الطالبين)) (١ / ٦١): وذهب كثيرون من أصحابنا إلى
أنها لا تمسح؛ لأنه لم يثبت فيها شيء أصلاً، ولهذا لم يذكره الشافعي
ومتقدمو الأصحاب، وهذا هو الصواب.
(٥) سقط من ((ت)).
٥٠

العباس بنُ القاصِّ (١) من الشافعيةِ علَى ما حُكي عنه(٢).
الثانية والأربعون: ذكر بعضُ الشافعية في سنن الوضوء أن يدعوَ
في وضوئِهِ فيقول عندَ غسل الوجه: اللهمَّ بيِّضْ وجهي يومَ تسودٌ
الوجوه، وعلَى غسل اليدين (٣): اللهمَّ أعطني كتابي بيميني ولا تعطني
بشِمالي، وعلَى مسح الرأس: اللهمَّ حرِّمْ شعري وبشري علَى النارِ،
وعلَى مسح الأذن: اللهمَّ اجعلني من الذينِ يستمعون القولَ فيَّبعون
(١) هو أحمد بن أبي أحمد القاصّ أبو العباس الطبري، الإمام الفقيه، صاحب
التصانيف المشهورة، تفقه بأبي العباس بن سريج، وهو من كبار الأصحاب
المتقدمين أصحاب الوجوه، ومن أنفس مصنفاته: ((التلخيص))، و((المفتاح))،
و((أدب القاضي))، توفي سنة (٣٣٥هـ). انظر: ((تهذيب الأسماء واللغات))
للنووي (٢ / ٥٣٢).
(٢) في كتابه «المفتاح)، کما ذکر النووي في «المجموع» (١/ ٥٢٥) قال:
ولم يذكره أكثر المصنفين، وإنما ذكره هؤلاء المذكورون - يعني: المتولي
والبغوي والفوراني والغزالي والرافعي والروياني - متابعة لابن
القاص، ولم يثبت فيه عن النبي وَير. ثم قال: وأما الحديث المروي
عن طلحة بن مصرف، عن أبيه، عن جده: أنه رأى رسول الله ألّ يمسح
رأسه حتى يبلغ القذال، وما يليه من مقدم العنق، فهو حديث ضعيف
بالاتفاق .
وأما قول الغزالي: إن مسح الرقبة سنة لقوله ويلي: ((مسح الرقبة أمان من
الغل)). فغلط؛ لأن هذا موضوع ليس من كلام النبي ◌َّ وعجب قوله:
(لقوله)) بصيغة الجزم، والله أعلم.
(٣) ((ت)): ((الید».
٥١

أحسنَهُ، وعلَى غسل الرجلين: اللهمَّ ثبتْ قدميَّ علَى الصراطِ(١).
وقد ذكرنا في كتاب ((الإمام(٢) في معرفة أحاديث الأحكام)) حديثاً
في الأدعيةِ علَى الأعضاءِ لمْ تتحققْ صحتُهُ ولا حُسنُهُ من جهة الإسناد(٣)،
والأمر في هذا الدعاء على ما ذكرناه في مسح العنق، وأن إلحاقه
بالوضوءِ اعتقاداً حكمٌ شرعي يحتاج إلى دليل شرعي، فيمتنع عندَ عدم
صحة [ذلك](٤) الدليل، وأما فعلُهُ مِن غيرِ إلحاق، فهذه المرتبةُ يجبُ(٥)
أن تكونَ دونَ تلك المرتبة في الكراهة؛ لأنه يمكنُ إدراجُ هذه الأدعية
تحت العُمومات المقتضية لاستحباب ذكر الله تعالَى، فمنْ لا يتوَقَّفُ في
استحباب الشيء المخصوص في المحلِّ المخصوص على دليل
مخصوصٍ، فلا يَبعُدُ منه أنْ يَستحبَّ مثلَ هذا الفعل عملاً بالعموماتِ،
ومن يرَى أنَّهُ لا بدَّ من دليل مخصوص على الحكم المخصوص،
لا يستحبُّ ذلك.
(١) ذكره الغزالي في ((الوسيط)) (١/ ٢٩١)، والرافعي في ((شرح الوجيز))
(١/ ٤٤٩) وقال: ورد به الأثر عن السلف الصالحين. قال النووي في
((المجموع)» (١ / ٥٢٦): لا أصل له، وذكره كثيرون من الأصحاب.
(٢) في الأصل: ((الإلمام))، والتصويب من ((ت)).
(٣) انظر: ((الإمام)) للمؤلف (٢ / ٥٥ - ٥٦)، وقد ذكره من طريق أبي إسحاق
السبيعي، عن علي له، مرفوعاً. ثم قال: أبو إسحاق، عن علي
منقطع، وفي إسناده غیر واحد یحتاج إلى معرفته والكشف عن حاله.
(٤) زيادة من (ت)).
(٥) ((ت)): ((يجوز)).
٥٢

الثالثة والأربعون: ذكر بعضُ المصنفين(١) عن الفقيهِ أبي الفتح
نصر صاحب ((التهذيب)) أنَّهُ قالَ في ((التهذيب)): والمستحبُّ أنْ يقولَ
في ابتداء وضوئِهِ بعدَ التسمية: أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ
له، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ(٢).
وهذا من هذا القبيل الذي ذكرناه في المسألةِ قبلَها؛ لأنَّ ذلك
مُندرِجٌ تحت العمومات، لكنَّ تخصيصَهُ بهذا المحلِّ المخصوص،
واحتياجَهُ إلَى دليل يخصُّهُ يخرجُ عن(٣) البحث الذي ذكرناه، ورَُّّما
تُؤُهِّمَ أنَّ هذه المرتبة أقربُ من التي قبلها من الأدعيةِ علَى الأعضاء؛
لأنه ورد التشهدُ بعد الفراغ من الوضوءِ صحيحاً؛»، فيقربُ أنْ
يُلحَقَ ابتداؤُهُ بانتهائِهِ، وهذا المعنى ليس في المسألةِ قبلها، إلا أنَّهُ
ضعيف.
الرابعة والأربعون: يمكنُ أنْ يُستدلَّ بالحديثِ عَلَى النيّةِ في
(١) (ت)): ((مصنفي الشافعية)).
(٢) قال الإمام النووي في ((المجموع)) (١ / ٤٠٧): قال الشيخ نصر المقدسي في
آخر صفة الوضوء من كتابيه ((التهذيب))، و((الانتخاب)): يستحب أن يقول
في أول وضوئه ... فذكره. ثم قال: وهذا الذي ذكره غريب لا نعلمه
لغیره، ولا أصل له، وإن کان لا بأس به.
(٣) ((ت)): ((على)).
(٤) رواه مسلم (٢٣٤)، كتاب: الطهارة، باب: الذكر المستحب عقب الوضوء،
من حدیث عقبة بن عامر
٥٣

الوضوء من حيثُ الإشارةُ في قوله - العَيْهِ -: ((هَكَذَا الوُضُوءُ))؛ ظاهرُهَا
العَودُ إِلَى كلِّ ما مضى من الأفعالِ والهيئات، وإنْ كَان بعضُهم
قد حملَ الإشارةَ في حديث آخرَ عَلَى الأفعالِ دونَ الهيئات، لمّا
استدلَّ بما رُوي عنه - الَّهِ -: أنَّهُ توضَّأ مرَّةً مرَّةً، وقال: ((هَذَا وُضوءٌ
لا يَقبَلُ اللهُ الصلاةَ إلا بِهِ)) علَى وجوب الترتيب؛ فحملَهُ عَلَى الأفعالِ
دونَ الھیئة.
وإذا كانت(١) الإشارةُ إلَى جُملةٍ ما مضَى، فلا شكَّ أنَّهُ وَِّ قصدَ
إِلَى فعلِ الوضوء؛ لأنه المسؤولُ عنه أولاً، ثم المُعقَّبُ [بفعله](٢) ◌ِّ
ثانياً؛ لقصد البيان، ثم الإخبارُ آخِراً عنه بقولِهِ وَّهِ: [(هَكَذَا الوُضوءُ))،
فهذه أمورٌ توجب الجزمَ بقصدِهِ وَّ](٣) إلَى الوضوءِ، فتكونُ هذه النيةُ
من جُملة الوضوء الذي قَصَدَ بيانَهُ بالفعل.
الخامسة والأربعون: فيدلُّ ذلك علَى الصحةِ في الوضوء بنيَّةٍ
الوضوء فقط؛ لأنَّه المُتِقَنُ.
وعن بعض الشافعية حكايةٌ وجهين في أنَّ نيَّةَ الوضوء هل تكفي؟(٤)
وما ذكرناه يدلُّ علَى الكفايةِ بها؛ لأنَّ الأصلَ عدمُ غيرِها، أو
(١) في الأصل: ((كان))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((المجموع في شرح المهذب)» للنووي (١ / ٣٩٠).
٥٤

بطريق أخرَى سنذكرها الآنَ إن شاء الله تعالَى.
السادسة والأربعون: هاهنا مباحثةٌ نعرضُها عليك لتتأملَ(١)
مقدماتِها، واستنتاجَ الأحكام منها، وهو أنْ يقال: الفعلُ المقصودُ به
البيانُ والتعليمُ لا(٢) بدَّ وأنْ يتبينَ لمن يُقصَدُ البيانُ له، وإلا لمْ يكنْ
بياناً، فما كانَ من الأفعالِ الظاهرةِ وهيئاتِها [فهو](٣) مدرك بالبصرِ،
وما كان من النّيَّاتِ التي وقع الفعلُ عليها، إذا اختلفت صفاتُها؛ فما
كان واجباً وشرطاً في الفعلِ فلا بدَّ من الإعلامِ بوقوع الفعلِ [عليه،
وإلا تأخَّرَ البيانُ عن وقت الحاجة، وإذا وجبَ الإعلامُ بما وقع الفعلُ
عليه، فما لا يقعُ الإعلامُ به لا يكونُ واجباً.
فإن قيل: لا يجبُ الإعلامُ بوقوع الفعل](٤) علَى تلك الصفة؛
فإنَّهُ قد يقعُ البيانُ بقولٍ سابقٍ أو لاحق، فلا يتعينُ الإعلامُ بوقوع
الفعل علَى تلك الصفة.
قلنا: الفرضُ فيما يقع البيانُ فيه بالفعلِ، وإذا وقع البيان بقولٍ
سابق أو لاحق، فليس البيانُ فيه بالفعلِ، بل بالقول.
(١) في الأصل: ((لتأمل))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((ولا)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) سقط من (ت)).
٥٥

السابعة والأربعون: ويلزمُ من هذا: أنَّ ما اختُلِفَ في وجوبِهِ ممَّا
لا يُطَّلَعُ عليه بالرؤيةِ إذا لمْ يقع البيان بوقوع الفعل عليه، لا يكون
واجباً.
وقد بينا أنَّ الحديثَ دلَّ عَلَى قصدِ النية إلَى الفعلِ، أو فعل
الوضوء بخصوصه، فتستفادُ من هذه القاعدة مسألةٌ اختلف فيها الفقهاءُ
الشافعية، وهو أنَّ نيةَ الإضافة إلَى اللهِ تعالَى هل هي واجبة، أم لا(١)؟
فإذا لمْ يقع الإخبارُ عن كونِها وقعت دلَّ على عدم الوجوب،
وإلا تأخّرَ البيان.
ويمكنُ أنْ يُقَالَ فيه: إنَّهُ إذا وقع القصدُ إلَى الفعلِ في العبادات
فالقصدُ إلَى كونِها لله تعالَى واقعٌ من باب المَلَكةِ الحاصلةِ للنفس لكثرة
التكرار، ويُنزَّلُ ذلك منزلةَ الواقع قصداً وذكراً، وهذا فيه غَورٌ يتعلَّقُ
بالبيانِ في باب الأيمان، ولعلَّه سنذكره، إن شاء الله تعالَى.
الثامنة والأربعون: لقائلِ أنْ يقولَ: مُقتضَى ما ذكرتَ من القاعدةِ
أنْ لا تُشترطَ النِيَّاتُ التي ذكر الفقهاء اشتراطَها في الوضوءِ؛ كنيّة رفع
الحدث، أو استباحةِ الصلاة، أو استباحةِ ما لا يُستباحُ إلا بالوضوءِ،
أو أداءِ فرض الوضوء؛ لأنَّ شيئاً منها لمْ يقع البيان عن وقوعه
بالفعلِ، فلا يكون واجباً؛ لما ذكرتموه من لزوم تأخير البيان عن
وقت الحاجة.
(١) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٦٢).
٥٦

والجواب: أنَّا قد ذكرنا أنَّ الحديثَ دلَّ علَى وجودِ القصد(١) إلَى
الوضوءِ، وأن ذلك كافٍ في الإجزاءِ، وذلك دافعٌ لمفسدة تأخير البيان
عن وقت الحاجة، أو نقولُ بأخذِ الوجوبِ لإِحدَى النيَّاتِ المعنيّة من
دليل آخر، ويتمُّ البحث إلَى آخره.
التاسعة والأربعون: البيانُ في هذا الحديث بالفعلِ؛ كما في حديث
عثمان، وعبدالله بن زيد رضي الله عنهما، إلا أنَّهُ هاهُنا أقوَى؛ لأنَّ
الفعلَ هاهنا فعلُ النبيِّ ◌َ﴿، وبه وقع البيان، وفي ذَينك الحديثين البيانُ
بفعل الراوي؛ فما (٢) يتعلَّقُ بمباحث الفعل التي ذكرنا بعضها ثَمَّ أقوَى
هاهنا؛ لأنَّهُ حجَّةٌ جزماً، لا يمكنُ(٣) النزاعُ فيه، وفي فعل(٤) الراوي
يمكن أنْ يُنازَعَ في الاحتجاج به - إذا استُدلَّ به علَى مسألة مُتنازَعٍ فيها -
بالنزاعِ في أنَّ فعلَ الصحابي حجةٌ.
الخمسون: قد يُتوهَّمُ أنَّ البيانَ هاهُنا بالقولِ، وهو قوله ◌َله:
((هَكَذَا الوُضُوءُ»، وليس الأمرُ كما يُتوقَّمُ، بل هذا اللفظُ بيانٌ؛ لأنَّ
الفعلَ بيانٌ، فالبيانُ بالفعلِ الذي دلَّ هذا(٥) اللفظُ علَى أنَّهُ بيان؛
(١) في الأصل: ((الفعل))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((فيما))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((يكون))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((الفعل))، والتصويب من ((ت).
(٥) في الأصل ((على))، والمثبت من (ت)).
٥٧

أي: المقصود به البيان، لا لأنَّ هذا اللفظ بنفسه مِن غيرِ واسطة بيانَ.
الحادية والخمسون: المباحثُ الأصوليةُ التي تتعلَّقُ بجواز البيان
بالفعلِ، وأنه هل هو أقوى من البيانِ بالقولِ، أو لا(١)؟ تأتي(٢) هاهنا،
والاستدلال بهذا الحديث كما بيَّنا أقوى من الاستدلالِ بذينك الحدیثین؛
أعني: حديث عثمان وعبدالله بن زيد، رضي الله عنهما.
[الثانية والخمسون: لا شكَّ أنَّ الحديثَ يقتضي انحصارَ الوضوءِ
فيما وقعَ](٣) من الفعلِ المشارِ إليه بياناً؛ لأنه لو لمْ ينحصرِ الوضوء في
الفعلِ المشار إليه؛ إمَّا بزيادة أو نقصان، لمْ يحصلِ البيانُ؛ لأنَّهُ إذا
كان الوضوءُ فيه أمرٌ زائدٌ، لمْ يكنْ هذا الفعلُ بياناً للوضوء؛ لنقصانه
عن بعض ما يَنطلِقُ عليه اسمُ الوضوء، وكذلك إنْ كَان هذا الفعلُ فيه
زيادةٌ عن الوضوءِ، فلا بيانَ للوضوء؛ لاشتباهِ الشيء بما ليس منه (٤).
الثالثة والخمسون: هذا الحصرُ الذي ذكرناه مأخوذٌ من ضرورةِ
كونِ الفعل بياناً، فلو أردنا(٥) أنْ نأخذَهُ من جهة حصرِ المبتدأ في الخبرِ
(١) انظر: ((المستصفى)) للغزالي (ص: ٢٧٤)، و((الإحكام)) للآمدي (١/ ٢٤٧).
(٢) الفاعل ضمير يعود على (المباحث).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) في الأصل ((عنه))، والمثبت من ((ت)).
(٥) ((ت)): ((حاولنا)).
٥٨

كما اشتُهرَ، احتجنا إلَى تعيين المبتدأ أو الخبر، فيقال(١): المبتدأ هو
(الوضوء)، و(هكذا) هو الخبر؛ لأنَّ الكافَ؛ إمَّا حرفٌ للجر،
والجارُّ(٢) والمجرور هو الخبر، وإِمَّا اسمٌ بمعنى (مِثْل) عَلَى مذهب
من يراه، فالمشهورُ أنَّ (مِثلاً) لا تتعرَّفُ بالإضافةِ، فتكون نكرةً، وقد
حكينا ما يُشعِرُ بقَبولِها [للتعريف](٣) إذا أُضيفَتْ إلَى معرفةٍ بشرطٍ
تقدَّمَ، وقد أُضيفت هاهنا إلَى اسم الإشارة، وهو معرفة، فإنْ وُجِدَ
الشرطُ في تعريفها فقد اجتمعَ معرفتان؛ أعني: المبتدأ والخبر،
والمشهورُ أنَّهُ لك أنْ تجعلَ أيَّ المعرفتين المبتدأَ، والآخر الخبر،
فتأمَّلْ حکمَ الحصر حينئذٍ.
وأما إذا كان المبتدأُ معرفةً، والخبر نكرة، فلا إشكالَ في عدم
الحصر؛ كما إذا قلنا: زيد قائم، فإنه لا ينحصرُ زيدٌ في القيام قطعاً.
الرابعة والخمسون: إذا كان (الوضوء) هو المبتدأ، وقوله (٤) وَلّه:
((هكذا)) هو الخبر، فيقتضي ذلك انحصارَ الوضوء في الفعلِ المشار
إليه، ويلزمُ منه أنَّ ما لا يكونُ منه لا يكونُ وضوءاً، أو ليس
من الوضوءِ، فيمكنُ أنْ يستدلَّ به في المسائلِ التي يقعُ الخلافُ
(١) (ت)): ((يقال)).
(٢) ((ت): ((فالجار)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((وهو))، والمثبت من ((ت)).
٥٩

فيها(١)؛ [إمَّا] (٢) في الوجوبِ، وإما في الاستحبابِ.
ويُستدلُّ بذلك من جانب من ينفي أحدَهما بأنْ يقول مثلاً: مسحُ
الرقبة ليس بسنة؛ لأنَّ الحصرَ يقتضي خروجَهَ عن مُسمَّى الوضوء،
ولو كان سنةً لدخلَ في مُسمَّاه.
ولو استُدلَّ به علَى أَنَّ المضمضةَ والاستنشاقَ ليسا بواجبين تعيَّنَ
ما ذكرناه، وهو أنَّ الحصرَ يقتضي خروجَ ما لمْ يقعْ في الفعلِ عن
الوضوء، ولمْ تقع المضمضةُ والاستنشاقُ فيه لكان مُشكلاً؛ فإنه إمّا أنْ
يُحمَلَ ((هَكَذَا الوُضوءُ)) علَى الوضوءِ المشروع، أو الوضوءِ الواجب،
لا سبيلَ إلَى الأول؛ لأنَّ المضمضةَ والاستنشاق مشروعان إجماعاً،
ولا سبيل إلَى الثاني؛ لأنه قد وقعَ في الفعلِ ما ليس بواجبٍ؛ کتكرار
المغسول، وذلك يمنعُ (٣) من حملِ الوضوء المذكور عِلَى الوضوءِ
الواجب.
ویمکنُ أنْ یجابَ عنه بوجوهٍ :
منها: أن تكونَ الإشارةُ راجعةٌ إلَى عدد المرَّات، ويُحمَلُ
الوضوءُ حينئذٍ عَلَى المشروع، [وما زاد علَى ذلك فليس بمشروع] (٤)،
ويشهدُ لذلك السياقُ، وهو قولُهُ عقبَ ذلك: ((فمَنْ زادَ علَى هذا، أو
(١) ((ت)): ((فيها الخلاف)).
(٢) زيادة تقتضيها صحة السياق.
(٣) في الأصل: ((منع))، والمثبت من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
٦٠