النص المفهرس
صفحات 561-580
فنقول: إن اختلف مخارجُ الحديث، أو (١) تباعدت ألفاظُهُ،
فينبغي أنْ يُجعلا حديثين مُستقلين، وإن اتحد مخرجُهُ، وتقاربت
ألفاظُهُ، فالغالبُ علَى الظنِّ أنَّهُ حديثٌ واحدٌ وقعَ الاختلافُ فيه علَى
شيخ واحد، لا سيَّما إذا كان ذلك في سياقةٍ واقعةٍ [واحدةٍ](٢) يَبعُد أنْ
يتعدَّدَ مثلُها في الوقوعِ.
وإِذا تبيَّنَ أنَّهُ حديثٌ واحدٌ اختلفَ(٣) الرواةُ في لفظِهِ فَيُنظر؛ إن(٤)
أمكنَ الجمعُ في اللفظِ بأنْ تزيدَ أحَدُ الروايتين لفظاً في روايةٍ لا يبعُدُ
أنْ يُجمع(٥) مع اللفظ الآخر قبل الزائد، وجعل بعض الرواة تاركاً لبعض
اللفظ؛ إما لعدم سماعه، أو لنسيانه، أو لسببٍ [آخر] (٦).
وإن تعذَّرَ الجمعُ في اللفظِ ظاهراً نظرنا في أحد اللفظين، وهل
يمكن أنْ يعبّر بأحدهما عن معنَى الآخر، أو لا؟
فإِنْ كَان الأولُ جمعنا، وردَدْنا إحدَى الروايتين إلَى الأخرَى.
وإنْ كَان الثاني فحينئذ نرجع إلى الترجيح بزيادة الحفظ، أو
الكثرة، أو غير ذلك من أسباب الترجيح.
هذا فيما إذا اتَّحدَ الحديث ظناً برجوعِهِ إلَى مخرج واحد،
(١) ((ت)): ((و)).
(٢)
زيادة من ((ت)» .
((ت)): ((اختلفت)) .
(٣)
((ت)): ((فإن)) .
(٤)
((ت)): ((يجتمع)) .
(٥)
زيادة من ((ت)) .
(٦)
٥٦١
وتقارُب ألفاظه، أو اتحادٍ واقعته. وأما إنْ لمْ یکنْ كذلك فهما حديثان
يُؤخَذَ من كلِّ واحد منهما ما يقتضيه، وهذا الذي نقوله بناءً علَى غالب
الظنِّ لا علَى الجزمِ، فإنه يجوزُ في أكثر هذه الاختلافاتِ أنْ تكونَ
کرواياتٍ متعددة، وإِن بَعُدَ(١) ذلك.
مثال ما يتَّحدُ مخرجُهُ ويظهر أنَّهُ حديثٌ واحد مع إمكان اجتماع
اللفظين: حديث يحيى بن [أبي] (٢) كثير، عن عبدالله بن أبي قتادة،
عن أبيه في النهي عن مسِّ الذَّكَرِ باليمينِ(٣)، فإنَّ الرواياتِ ترجعُ إلَى
يحيَى هذا، فإذا رواه بعضهم بالنهي عن مسِّ الذكر باليمينِ مُطلقاً(٤)،
ورواه بعضهم بالنهي عن مسِّهِ باليمينِ في الاستنجاء، أو في البولِ،
فهذا يمكن أنْ يكونَ جميعاً ملفوظاً بهما، فتُحمل روايةٌ من تركه علَى
رواية من ذكره، ونجعله(٥) [دليلاً على](٦) تقييد النهي بالاستنجاءِ أو
البول(٧) .
ولو جعلناهما كالحديثينِ لمْ نَحْكمْ بتقييد النهي بحالة الاستنجاء
أو البول؛ لأنَّ الحديثَ الذي فيه النهي مُطلقاً لا يُعارِضُ الذي فيه
(١) في الأصل: ((تعدد))، والمثبت من ((ت)).
(٢)
زيادة من ((ت)) .
(٣)
تقدم تخريجه .
((ت)): ((مطلقاً باليمين)).
(٤)
(٥) في الأصل: ((يجعل))، والمثبت من ((ت)).
(٦)
زيادة من ((ت)) .
(٧) ((ت)): ((فتحمل رواية من تركه على رواية من ذكر، ونجعله دليلاً على تقييد
النهي بالاستنجاء أو البول)).
٥٦٢
النهي مُقيداً بالاستنجاءِ أو البول، وإنما يُرَدُّ أحدُ اللفظين إلَى الآخرِ في
العموم [إلَى](١) الخصوص، أو الإطلاق إلَى التقييدِ، عندَ التعارض
والتنافي في بعض المدلولات، اللهمَّ إلا أنْ يكونَ التقييد يقتضي
مفهومُهُ مخالفةً للمُطلقِ أو العامِّ عندَ من يقول بالمفهوم، ويرَى أنَّهُ
يُخصِّصُ العمومَ.
ومثالُ ما لا يتأتَى فيه الجمعُ من الألفاظِ: ذكر حديث الواهبةِ
نفسَها وما اختلفت الرواة فيه عن علي بن أبي حازم(٢)، عن أبيه، عن
سهل بن سعد؛ فإنها قصة واحدة، يقول بعضهم: ((أنكحتُكَهَا (٣)) (٤)،
وبعضهم: ((زوَّجتُكَهَا))(٥)، وبعضهم: ((مَلَّكْتُكُها (٦))(٧)، إلَى غير ذلك
من الاختلافات(٨)، فهذا لا يتأتَّى أن تكون هذه الألفاظُ كلُّها قالها
(١) في الأصل: ((أو))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((علي ابن أبي حاتم)).
(٣) في الأصل: ((أنكحتها))، والمثبت من ((ت)).
(٤) رواه البخاري (٤٨٥٤)، كتاب: النكاح، باب: التزويج على القرآن وبغير
صداق .
(٥) رواه البخاري (٤٧٤١)، كتاب: فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم
القرآن وعلمه، ومسلم (١٤٢٥)، (٢ / ١٠٤١)، كتاب: النكاح، باب:
الصداق .
(٦) ((ت)): ((ملكتها)).
(٧) رواه البخاري (٤٧٤٢)، كتاب: فضائل القرآن، باب: القراءة عن
ظهر القلب، ومسلم (١٤٢٥)، (٢ / ١٠٤٠)، كتاب: النكاح، باب:
الصداق .
(٨) ((ت)): ((الاختلاف)).
٥٦٣
الرسول(١) بَيقول في تلك الواقعة وتلك الساعة، إلا على سبيل التجويز
العقلي المخالف للظنِّ القوي جداً، فينبغي علَى هذا أنْ يُنظرَ إلَى
الترجيح الذي أشرنا إليه؛ لأنه ليست دلالة كل واحدٍ من هذه الألفاظ
كدلالة الأخرَى في الحكم الذي يُؤْخَذُ منها، فتقفُ الدلالةُ بلفظ:
((ملَّكتُكَها)) علَى انعقاد النكاح بلفظ التمليك على هذا التقدير إذا لمْ
يتبينِ الترجيح.
وما ذهب إليه بعضُهُم - أو من (٢) يذهب إليه ــ من أنَّ النكاحَ انعقد
في القصةِ بلفظ النكاح أو التزويج، وأن لفظَ التمليك تعبيرٌ عن معنَى
ما وقع، لا لفظِهِ(٣)، ينعكسُ(٤) عليه، ويقلبُهُ خصمُهُ عليه، وإنما
الطريق في سبيل هذا الترجيح.
ولو ذهب ذاهبٌ إلَى ما يفعله الفقهاءُ من جعل الروايات
المتعددة في الطرقِ للحديث الواحد كالأحاديثِ المتعددة، لزمَهُ أنْ
يجيزَ النكاحَ بكل لفظةٍ من هذه الأحاديث المذكورة في الحديثِ
لرواية (٥) كلِّ لفظةٍ من جهة العدلِ الثقة(٦).
قد نبَّهْنا علَى اختلاف الروايات في هذا الحديث، ولا تغفلَنَّ
((ت)): ((قول الرسول)».
(١)
(٢) زيادة من ((ت))، وقد ألحقت في الأصل، إلا أنها مطموسة.
(٣)
انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٩/ ٢١٤).
«ت)»: «یعکسہ)) .
(٤)
(٥)
((ت)): ((کروایة)).
على هامش ((ت)) قوله: ((بیاض)).
(٦)
٥٦٤
فيه، وفي غيره، عن أن تنظرَ إلَى الاختلافِ، وأنه علَى من يرجعُ إليه
الحديث، فإنه قد يقع [فيه] (١) الاختلافُ(٢) فيما بعد ذلك من
المُتأخِّرينِ الذين يَروونه(٣) بوسائط إلَى من يرجعُ إليه الحديث، فإنَّ
رواةَ ((الموطأ)) قد يختلفون في بعض الألفاظ، فلا يلزم أنْ يكونَ ذلك
اختلافاً علَى مالك، وقد يكون ذلك اختلافاً عمَّنْ دونه(٤)، فإذا نسبتَ
الاختلافَ إِلَى مُخرج الحديث كان خطأً.
مثالُهُ في هذا الحديث: قوله: ((فغسَلَ يدَيهِ مرَّتين مرَّتين)): نُسِبَ
إِلَى كتاب أحمد بن مطرف: ((يده))، فإذا حملتَ هذا الاختلافَ عَلَى
من يرجعُ إليه الحديثُ، وهو عمرو بن يحيى، كان ذلك خطأً، فتحرَّزْ
من أمثاله.
* الوجه الخامس: في [شيء من](٥) مفرداته؛ أعني: مفردات حديث
عبدالله بن زيد في الجملة، وفيه مسائل :
الأولَى: قوله في رواية وُهيب: ((فدَعَا بتَوْرِ منْ ماءٍ))؛ التَّوْرُ:
بالتاءِ المثناة، والواو الساكنة، آخرُهُ راءٌ مهملة، قالَ ابن سِيدَه: هو
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((الخلاف)).
(٣) في الأصل: ((يريدونه))، والمثبت من ((ت)).
(٤) (ت): ((یرویه)).
(٥) سقط من ((ت)).
٥٦٥
الرسولُ بين القوم، عربيٍّ صحيح، قال [من السريع]:
يَرضَى بِهِ المَأْتِيُّ والمُرْسِلُ(١)
والتَّوْرُ فيما بَيْنَنَا مُعْمَلُ
والتَّورُ: من الأواني مذكَّرٌ، قيل: هو عربي، وقيل: هو دخيل(٢).
الثانية: قالَ صاحب ((ديوان الأدب))(٣): وكفأت القَدْرَ؛ أي:
قلبتها .
قلتُ: ويقال: كَفَأْتُ القومَ؛ [أي: ](٤) إذا أرادوا وَجْهاً وصرفتُهُم
إِلَى غيرِهِ، وكفأت العودَ: إذا(٥) قشرته، وكفأ[ت](٦) اللحمَ عن
العظمِ؛ أي: نزعتهُ عنه.
ذَكَرَ ذلك الفارابيُّ، ويمكن أنْ يُرجعَ كلُّهُ إلَى أصل واحد، فإن
[في](٧) صرفٍ وجههم إلَى غيره قُرباً من (كفأت الإناء)، وأبعد منه
(١) البيت مذكور دون نسبة في ((جمهرة اللغة)) لابن دريد (١ / ٣٩٦)، و((تهذيب
اللغة)) للأزهري (١٤ / ٢٢١)، و((الصحاح)) للجوهري (٢ / ٦٠٢)، و((أساس
البلاغة)) للزمخشري (ص: ٦٥)، و ((لسان العرب)) لابن منظور (٤ / ٩٦).
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٩ / ٥٣٠).
(٣) للإمام اللغوي إسحاق بن إبراهيم الفارابي، المتوفى سنة (٣٥٠هـ) تقريباً،
وهو خال الجوهري صاحب ((الصحاح))، كتاب: ((ديوان الأدب)) في
اللغة، انظر: ((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١ / ٧٧٤).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥)
((ت)): ((أي)) بدل ((إذا)).
سقط من ((ت)).
(٦)
(٧) زيادة من ((ت)).
٥٦٦
الوجهان الآخران، وليس يمتنعُ تحيُّلُ أن يُردَّ إليه.
الثالثة: قوله: ((فأكْفَأَ منه علَى يديه)) فيه إشكالٌ؛ لأنَّ الإكفاءَ للإناءِ
لا للماءِ، والمُفْرَغُ الذي تقتضيه (من) علَى اليدِ هو الماءُ، وهو لا يُكفأ.
الرابعة: وقال ابن سِيدَه: وفَرَغَ عليه الماءَ، وأَفْرَغَهُ (١): صبَّه؛
حكَى الأولَى ثعلب، وأنشد [من الطويل]:
فَرَغْنَ الھوَى في القلبِ ثمَّ صَيْنَهُ
صباباتِ ماءِ الحُزْنِ بالأعينِ النُّجْلِ(٢)
وفي التنزيل: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا﴾ [البقرة: ٢٥٠]؛ أي: أنزلْ
علينا صبراً [يشتمل علينا](٣)، وهو علَى المثل.
وافْتَرَغَ: أفرغَ عَلَى نفسه [الماء](٤).
وأَفْرَغَ عندَ الجِماعِ: إذا صبَّ ماءَه(٥)، وأَفْرَغَ الذهبَ والفضةَ
ونحوهما من الجواهرِ الذائبة: صبَّها في قالب.
وحَلْقَةٌ مُفْرَغَةٌ: مُصْمَتَةُ الجوانب(٦) غير مقطوعة.
(١) ((ت)): ((أفرغتُه)).
(٢) البيت للمجنون، كما في ((ديوانه)) (ص: ٢٣١). وعنده:
زرعْنَ الهوى في القلب ثم سقيْنَهُ صُبابات ماءِ الشوق بالأعين النُّجلِ
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) في الأصل: ((الجماعة صب ماؤه)) والمثبت من ((ت)).
(٦) في الأصل: ((مضمنه أو خلفه والجواب))، والمثبت من ((ت)).
٥٦٧
ومَفْرَغْ الدَّلوِ: ما يلي مُقدمَ الحوضِ، والمَفْرَغُ والفرَغُ: مَخرجُ
الماء من بين عَرَاقي (١) الدَّلوِ، والجمع: فَرُوغ، وفِرَاغ الدَّلوِ: ناحيتُها
التي يصبُّ منها الماء.
والفِرَاغُ: الإناءُ بعينه؛ عن ابن الأعرابي (٢).
الخامسة: قالَ ابن سِيدَه: (القَفَا) وراء العنق، [ثم](٣) قال:
بأَحْمَلَ للمَلاوِمِ من حِمَارِ (٤)
فما المَوْلَى وإِن عَرُّضَتْ قَفَاهُ
ویروَى: للمحامد.
وقال اللحياني: (القَفا) يذكر ويؤنث، [و](٥) حكي عن عكل: هذه
قفا، بالتأنيثِ، وحكى ابن جِنِّي المدَّ في القفا، وليست بالفاشية(٦).
فأما قوله [من الرجز]:
يا ابنَ الزُّبَيرِ طَالَمَا عَصَيْكًا وطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكا
لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنا (٧) قَفَيْكا (٨)
(١) (ت)): ((عزالي)).
(٢) انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٥/ ٥٠٤ _ ٥٠٥)، (مادة: فرغ).
(٣)
زيادة من ((ت)) .
(٤) ذكره ابن السكيت في ((إصلاح المنطق)) (ص: ٣٦٢)، والأزهري في
((تهذيب اللغة)) (٩ / ٢٤٦)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (١٥ / ١٩٢)،
دون نسبة .
(٥)
زيادة من ((ت)) .
(٦)
فى الأصل ((بالفارسية))، والتصويب من ((ت)).
((ت)): «بسیفینا)) .
(٧)
(٨) البيت لرجل من حمير، كما ذكر أبو زيد في («نوادره)) (ص: ١٠٥)، والبغدادي
في ((خزانة الأدب)) (٤ / ٤٣٠)، وابن منظور في ((لسان العرب)) (١٥ / ١٩٢).
٥٦٨
أَراد: قَفَاكَ، فَأَبدل الأَّلِفَ ياءً للقافية، وكذلك أَراد: عَصَيْت،
فَأَبدل من التاءِ كافاً؛ لأَّنها أُختها في الهمسِ.
والجمع: أَقْفِ وأَقْفِيَةٌ؛ الأخيرة عن ابن الأعرابي، وأَقْفَاء،
والكثير: قِفًا (١)، وقِفِيٌّ، وقِفِين، الأخيرةُ نادرةٌ لا يوجبها القياس(٢).
السادسة: قال ابن طريف(٣): بَدَأَ اللهُ الخَلْقَ، وأَبْدَأَهِمْ: خَلَقَهم،
وفي القرآن: ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقِّ﴾ [العنكبوت: ٢٠]، وفيه: ﴿ يَبْدَؤُّأْ الْخَلْقَ
ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾[يونس: ٤]، في موضع آخر: ﴿ وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأْ الْخَلْقَ ثُمَّ
يُعِيدُهُ﴾ [الروم: ٢٧]، وبَدَأَ بالأمر وأَبْدَأَ: قدَّمه، وعاد.
وأَبْدَأَ وأَعَادَ، وما أَبْدَأ فلانٌ وما أَعَاد: إذا لمْ يأتِ بشيءٍ، ولم
يقدر عليه .
السابعة: قالَ ابن سِيدَه: و(أَخْرَجَه) و(اسْتَخْرَجَهُ): طلبَ إليه،
أو منه، أنْ يخرجَ(٤).
وقالَ الجَوهَرِيُّ: والاستخراجُ كالاستنباطِ(٥)، انتهَى.
في الأصل: ((قِفيّ)» والمثبت من ((ت)).
(١)
انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٦ / ٥٧١ - ٥٧٢).
(٢)
للمحدث اللغوي ابن طريف عبد الملك بن طريف القرطبي، المتوفى سنة
(٣)
(٤٠٠ هـ) كتاب: ((الأفعال في رواة الحديث)). انظر: ((كشف الظنون))
لحاجى خليفة (٢ / ١٣٩٤).
انظر: ((المحكم)) لابن سيده (٥/ ٣)، (مادة: خرج).
(٤)
(٥) انظر: ((الصحاح)) للجوهري (١/ ٣٠٩)، (مادة: خرج).
٥٦٩
ولبُنْيَةٍ (١) (اسْتَفْعَلَ) معانٍ في لسان العرب: تكون بمعنَى
الإصابة؛ كقولك(٢): استجَدْتُهُ(٣)؛ أي: أصبته جيداً، واستكرمته،
واستعظمته: أصبته كريماً، وعظيماً.
وتكون بمعنَى الطلب؛ كقولك: استعطيتُ العطيةَ، واستعتبْتُهُ؛
أي: طلبتُ له العُتبَى، واستفهمْتُهُ؛ أي: طلبتُ أنْ يُفهمَنِي.
قال الشيخ أبو عمرو: و(اسْتَفْعَلَ) للسؤال غالباً؛ إما صريحاً
نحو: استكتبته، أو تقديراً نحو: استخرجته(٤)، وذكرنا في الكلامِ،
وقال في شرحه: لأنَّ معنَى (استكتبته): طلبت منه أنْ يكتب، فهو
صريحٌ في طلب الكتابة، وإذا قلت: استخرجته، فقد لا يكون(٥)
طلبٌ، بل مُجرَّدُ تخيُّلٍ في قصد [الخروج](٩)، ولكن يُنْزَّلُ التخيلُ
منزلةَ الطلب؛ كقولك: استخرجت الوتِدَ من الحائطِ(٧)، [انتهَى](٨).
وتكون (اسْتَفْعَلَ) بمعنَى التحولِ من حال إلى حال؛ نحو:
استنوق الجملُ، واستَنْيَستِ الشاةُ.
(١) ((ت)): (في)) بدل («لبنية)).
(٢) في الأصل: ((كقوله))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((استجده))، والتصويب من ((ت)).
(٤) انظر: ((الشافية في علم التصريف)) لابن الحاجب (ص: ٢١).
(يكون) هنا تامة بمعنى: يوجد، وما بعدها فاعل لها.
(٥)
(٦)
زيادة من ((ت)) .
(٧) انظر: ((شرح الشافية)) للرضي (١ / ١١٠).
(٨) سقط من ((ت)).
٥٧٠
وتكون بمعنَى تَفَعَّلَ ؛ كقولِهِم: تعلَّم واستعلم، وتكبَّر واستكبر.
وتكون بمعنَى فَعَلَ ؛ كقولك قَرَّ واستقَرَّ، ومرَّ واستمرّ(١).
وينبغي أنْ تكونَ هاهنا بمعنَى: أخرج؛ كـ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ
رَبُّهُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] بمعنَى: أجاب، ﴿وَلَوْ سَمِعُواْ مَا اسْتَجَابُواْ
لَكُمْ ﴾ [فاطر: ١٤]؛ أي: أجابوا.
[وقول الشاعر](٢):
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبٌ(٣)
أي: لمْ يجبه.
ولو حملناها علَى طلبِ الفعل، لقيلَ: إنَّهُ من باب التعبير عن
الفعلِ بإرادته، وهو مجازٌ.
* الوجه السادس: في شيء من العربية:
قد ورد في الحديث: ((فَغَسَلَ يدَيه مَرَّتَين مرتين))، فلا بدَّ من
النظرِ في مُقتضى هذا اللفظِ، وهل يقتضي غَسْلَ كلِّ واحد منهما مرتين
بسبب تكريرِ اللفظ، أم يجوز أنْ يكونَ غَسَلَهُما معاً مرتين، فيكون
(١) جاء على هامش ((ت)) قوله: ((بياض نحو سبعة أسطر من الأصل)).
(٢)
زيادة من ((ت)) .
(٣) عجز بيت منسوب إلى كعب بن سعد الغنوي، كما تقدم، وصدره:
وداعٍ دعا يامن يجيب إلى الندى
٥٧١
تكرار (مرتين) تأكيداً لفظياً؟
فنقول: المنقولُ عن بعض أكابر الفضلاء من المتأخرينِ
- وهو أبو محمد بن بري -: أنَّهُ إذا كُرِّرَت الأجناس، أو المصادر، أو
أسماء العدد، كان المرادُ حصولَهَا مكررةً؛ نحو: جاء القوم رجلاً
رجلاً، وجماعةً جماعةً، وزُمرةً زمرةً؛ أي: رجلاً بعد رجلٍ، وجماعةً
بعد جماعة.
وكذلك: ضربت زيداً ضرباً ضرباً، وضربتين، وجاؤوا رجلين
رجلين، واثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة؛ أي: ضرباً بعد ضربٍ، واثنين بعد
اثنين، ومنه قوله تعالَى: ﴿كَلَّ إِذَا دُكَّتِ اٌلْأَرْضُ دَكَّ دَكَ ◌َ وَجَاءَ رَبُّكَ
وَاَلْمَلَكُ صَفَّاصَفًا﴾ [الفجر: ٢١ -٢٢]؛ أي: دكّاً بعد دٌّ، وصفّاً بعد صفٍّ.
وعن الشيخ أبي محمد وابن الحاجب: ولا يحسنُ التوكيدُ
اللفظيُّ إلا حيثُ لا يكونُ للكلام مَحْمِلٌ غيرُهُ.
ومن ثَمَّ لمْ يَحملْ أبو عليٍّ التكرير في المصادرِ والأعداد وأسماء
الأجناس عليه في قولك: جاؤوا رجلاً رجلاً، وحَسَبْتُهُ (١) باباً باباً،
وضربته ضرباً ضرباً(٢)، وأنفقت الدراهمَ ثلاثةً ثلاثةً؛ لأنَّ المقصودَ في
هذه الأمثلة وشبهها حصولُ الفعل علَى هيئة التكرير الواقع بعضُهُ بعدَ
بعض؛ لأنَّ المعنَى: رجلاً بعد رجلٍ، وباباً بعد باب، وضرباً بعد
(١) ((ت)): ((ضراباً ضراباً)).
(٢) ((ت): ((خشبته)) .
٥٧٢
ضرب، وثلاثةً بعد ثلاثةٍ، وهو معنى مُستقلّ (١).
والتأكيد اللفظي قليل الفائدة(٢)؛ لأنَّ الغرضَ إبلاغُ المخاطَبِ
ما لَغَّله لمْ يسمعْهُ، ومثلُ ذلك عندي قوله تعالَى: ﴿إِذَا دُكَّتِ الْأَرْشُ دَكُ
دَكًَّ ا وَجَاءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّا صَفًا﴾ [الفجر: ٢١ -٢٢]، لا يُحمل اللفظ
المكرر فيها على التأكيدِ اللفظي؛ لأنَّ المقصودَ تكرير وقوع الدَّكِ
والصَّفِّ؛ أي: دكّاً بعد دكٌّ، وصفَّاً بعد صفٍّ، وهو معنى مستقلٌّ
ينافيه التأكيدُ اللفظي؛ لأنَّ حمله عليه يبطلُ قصدَ التكرير لفظاً، وإبطالُه
مُبطلٌ قصدَ التكرير معنى، وهو المقصود من الأمثلةِ المذكورة.
وعن أبي عبدالله ابن مالك: يعدُّ ذكرُ المعطوفِ في حكم
التكرير (٣)، وقد يُغني في هذا النوع التكريرُ عن العطفِ، ومنه قوله
تعالَى: ﴿كَلَّ إِذَا دُكَّتِ اُلْأَرْضُ ذَكَّار ◌َكَ رَ وَجَآءَ رَبُّكَ وَاُلْمَلَكُ صَفَّاً
صَفَّا﴾ [الفجر: ٢١ -٢٢]؛ أي: دكاً بعد دكٌّ، وصفاً بعد صفٍّ (٤)، ويجري
هذا المجرَى أسماءُ الأجناس، وأسماء العدد؛ نحو: جاء القوم رجلاً
رجلاً، وجماعةً جماعةً، وأقبلوا اثنين اثنينٍ، وثلاثةً ثلاثةً، ولا يُحمل
الاسم الثاني في هذه الأمثلة على التأكيدِ اللفظي؛ لأنَّهُ
لا معنى للتأكيد اللفظيِّ سوَى إبلاغ المخاطب ما لعله لمْ يسمعْه،
(١) وانظر: ((الكتاب)) لسيبويه (١ / ٣٩٢).
(٢) في الأصل: ((قليل والفائدة))، والتصويب من ((ت)).
(٣) قال ابن مالك في «ألفيته)):
وما مِنَ التوكيدِ لفظي يجي مكرراً كقولكَ: ادْرُجِي ادْرُجِي
(٤) ((ت)): ((صفاً بعد صف ودكًّا بعد دكِّ)).
٥٧٣
وهذا النوع له معنى مُستقلٌّ غير ذلك.
* الوجه السابع: [في شيء من علم المعاني والبديع]:
المتكلمون علَى علم البديع يَجعلون منه نوعاً يُسمَّى التفسير،
ورُبَّما رسَمَهَ بعضهم بأنْ يستوفيَ الشاعرُ شرحَ ما ابتدأ به مُجملاً، وهذا
من نوع تساهلهم في الرسوم لفظاً ومعنى، فإنه لا خصوص للشاعر
بهذا النوع، بل هو كذلك في النثرِ والنظم معاً، وقد قالَ تعالَى:
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُ وُجُوٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، ثم فسره تعالَى بما أتَى
بعده .
وذكروا منه قولَ المُتنبِّي [من الطويل]:
فَتَّى كالسَّحَابِ الجَوْنِ يُرْجَى ويُتَّقَى
يُرَجَّى الحيا منهُ وتُخْشَى الصَّوَاعقُ(١)
ولم يُحسنْ من ذكر في هذا الباب قولَ المتنبي [من البسيط]:
إِنْ كُوتِبُوا أو لُقُوا أو حُورِبُوا وُجِدُوا
في الخَطِّ واللَّفْظِ والهَيْجَاءِ فُرْسَانًا(٢)
ولا مَن أدخلَ فيه قولَهُ تعالَى: ﴿هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ الْبَرَّقَ خَوْفًا
(١). انظر: ((ديوان المتنبي)) (٢/ ٣٥)، (ق١٥٢ / ١٢).
(٢) انظر: ((ديوانه)) (٢ / ٤٦٣)، (ق٢٦٨ / ٢٧).
٥٧٤
وَطَمَعًا ﴾ [الرعد: ١٢]. (١)
* الوجه الثامن: في المباحث والفوائد، وفيه مسائل :
الأولَى: قالَ قائلٌ: لفظُ (هل يستطيع) يقتضي في العُرفِ تعذُّراً أو
تعشُّراً فيما يُسأل عنه، أو كون الشيء بعرضية ذلك، ألا ترَى أنَّهُ
لا يصلحُ في العُرفِ أنْ يُقَال للصحيح الِيَة الذي لمْ تقمْ قرينةٌ عَلَى عجزه:
هل تستطيع أن تقوم؟ هل تستطيع أن تتكلم؟ هل تستطيع أن تُحرِّك يدَك؟
إِلَى غير ذلك من الأمثلةِ، والمسؤول هاهنا راجعٌ إلَى رؤية الوضوء، وإِلَى
حكاية ما رأى (٢)، ولا عسرَ، ولا تَعَذُّرَ (٣)، في واحدٍ [منهما] (٤).
وأجيب من وجوه:
أحدها: أنْ يكونَ المرادُ: هل رأيتَ الفعلَ فتستطيعُ أن تحكيَهُ،
أم لمْ ترَه فلا تستطيع ذاك(٥)؟
ولا شكَّ أنَّ حكايةَ ما لمْ يرَ(٦) محالٌ في إخبار من لمْ يرَهُ (٧) عمَّا
(١) جاء على هامش ((ت)): ((بياض نحو عشرة أسطر من الأصل)).
(٢) في الأصل: ((رؤي))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((ولا يسر بعذر)) والمثبت من ((ت).
(٤)
زيادة من (ت)) .
(٥)
((ت)) ((ذلك)» .
(٦) في الأصل: (يره))، والمثبت من ((ت)).
((ت)): ((يسأل)).
(٧)
٥٧٥
رأَى، فالسؤال حقيقة عن وقوع الرؤية التي ينشأ عنها إمكانُ الاستطاعة
في الحكايةِ، ولو قيل: هل رأيت كذا، فتستطيع أن تحكيه؟ لمْ يكنْ
ذلك خارجاً عن استعمال أهل العرف، ولا مُستكرهاً عندهم.
ولو قالَ قائل: كيف [يمكن أن](١) يكونَ الصحابيُّ المصاحبُ
لرسول الله { ﴿ مدةً لا يرَى وضوءَهُ ◌َّهِ؟
فيقال: إنما يمتنعُ ذلك إذا لمْ يكنْ حكمُ الوضوء متبيناً مِن غيرِ
الفعل، لكنه متبيِّنٌ بالآيةِ الكريمة، فلا يمتنعُ مع البيان أن لا يرَى اكتفاءً
بالمتبين(٢) من الآية، أو من قولٍ آخرَ من الرسولِ لَّه.
وثانيها: أنْ يكونَ السؤالُ عن دوام الذكرِ لفعله ◌َّهَ إلَی حین
السؤال، فكأنَّهُ يقول: هل أنت مُستحضِرٌ(٣) لما رأيت؟ أو طرَّأَ عليك
نسيانٌ يمنع من الاستطاعةِ لحكايته؟
وثالثها: أنْ يُحملَ علَى أنَّ السؤالَ عن تأمله لأفعال رسول الله وَّلـ
[في الوضوء](٤)؛ كُلِيِّها وجزئيِّها(٥)؛ ظاهرِها وخفيِّها، حتَّى يأتيَ
بذلك علَى الوجهِ الذي وقع بكماله وتمامه، وذلك أنَّ الأفعالَ قد یقعُ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((الاكتفاء بالمبين)).
(٣)
((ت): ((مستحقر)).
(٤)
سقط من (ت)) .
(٥) في الأصل: ((كلها وجزئها)) والمثبت من ((ت)).
٥٧٦
منها ما لمْ يعلمْ أنَّهُ مقصودٌ إلا بتأمل، فيحتمل أنْ يكونَ السؤال لأجل
ذلك.
ورابعها: أنْ يكونَ السؤال عن ذكرها مجموعةً مسرودةً، [أو
فعلها كذلك علَى معنَى الجمع](١)، فقد (٢) يكون الإنسان عالماً بأجزاء
الشيء، ولو سُئِلَ عن ذكره مجموعاً لتوقف، وإنْ كان لو سئل عن كل
فردٍ لأجاب.
وخامسها: إذا قلنا: إنَّ (كَان) تقتضي المداومةَ أو الأكثريةَ،
فيكون السؤال عن ذلك، ولا شكَّ أنَّ الفعلَ قد يختلف بالدوامِ
وعدمِهِ، فيمكن أنْ يكونَ السؤال: هل وقع(٣) دوامٌ علَى فعلٍ فتستطيعُ
أنْ تُخبِرَ به، أو لمْ يقعْ فلا تستطيع؟
الثانية: هذا وضوءُ التعليم، وقد تكلموا في أنَّهُ هل تُستباحُ به
[الصلاةُ](٤)، أم لا؟ وكذلك [صلاةٌ](٥) التعليم.
والمنقولُ عن سفيان الثوري - رحمه الله -: أنَّ من علَّمَ غيرَهُ
الوضوءَ [أجزأه] (٦)، ومن علَّم غيرَهُ التيممَ [لم يُجزِىءٌ](٧).
(١) سقط من ((ت)).
في الأصل ((قد)» والمثبت من ((ت).
(٢)
(٣)
((ت)): ((يقع)).
سقط من ((ت)).
(٤)
سقط من «ت)).
(٥)
زيادة من ((ت)) .
(٦)
سقط من ((ت)) .
(٧)
٥٧٧
قالَ بعض المالكية: إن نوَى الطُّهرَ استباحَ به الصلاة، وإنْ لمْ
يُرِدْ إلا التعليمَ لمْ يستبحْ به الصلاة (١)، وكذلك مَن نوَى بوضوئِهِ
تعلَّمَ(٢) الوضوءِ، قال: قاله ابن القاسم في ((العتبية))(٣).
والمسألة تتعلَّقُ بأصلین :
أحدهما: اشتراطُ النية في الطهارةِ، أو عدم ذلك.
والثاني: التشريكُ فيها، هل يَضير، أم لا؟
وقد حُملَ قولُ سفيان - رحمه الله - علَى أنَّهُ كقول أبي حنيفة: أنَّ
التيممَ لا بدَّ فيه من نيّة، وأما الوضوء فلا(٤)، وفي هذا نظرٌ.
وأما التشريكُ فظاهر ما نُقِلَ عن ابن القاسم أنَّهُ لا يضرُّ؛ لأنه علَّقَ
الاستباحة بمُجرَّدِ نيةِ الطهر، ولم يعرضْ؛ لأنَّ التشريكَ مانعٌ، وظاهر
هذا: أنَّهُ لا يضر.
والصحيحُ عندَ الشافعية: أنَّ نيةَ التَّبَرُّدِ (٥) مع نيةِ الاستباحة
لا تضر، وعُلِّلَ ذلك بأنَّ ما يَحصلُ، وإنْ لمْ يُنوَ، [لا تضرُّ نيَّتُهُ،
والتبردُ حاصلٌ، وإنْ لمْ ينوَآ(٦) (٧).
(١) (ت)): ((صلاة)) بدل ((به الصلاة)).
(٢)
((ت)): ((تعليم)).
انظر: ((مواهب الجليل)) للخطاب (١ / ٢٣٧).
(٣)
(٤) انظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (١ / ٥٢).
(٥) في الأصل: ((التردد)»، والمثبت من (ت)).
(٦)
سقط من ((ت)) .
(٧) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٣٢٧).
٥٧٨
وليس في الحديثِ دليلٌ علَى أن وضوءَ التعليم يُجزىء أو
لا يجزىء، لكنَّه فيه دليلٌ علَى أنَّهُ يجوز فعل ذلك؛ أي: التعليم، وقد
يمكن أنْ تُضمَّ إليه مقدمةٌ أخرَى، ويُستدلَّ بذلك علَى الجوازِ؛ أي:
جواز الصلاة به، أو عدم إفساد التشريك، لكنه(١) نذكره في مسألة
تلي هذه.
الثالثة: صرَّحوا بأنَّ الوضوءَ عبادة، وأقاموا خلاف الحنفية في
ذلك؛ أعني: الخِلافيِّن، فإذا كان عبادةً، وشرطُهَا أحدُ النياتِ المذكورة،
ففعلُ(٢) العبادة بغيرِ شرطها ممتنعٌ، وقد جعلوا كونَهُ عبادةً دليلاً علَى
اشتراط النية، واللازمُ أحدُ أمرين؛ إما بطلان هذا الاستدلال، أو مخالفة
تلك القاعدة التي قلناها، وهو أنَّ فعلَ العبادة بغيرِ شرطها ممتنعٌ؛ لأنه
إنِ اشترطنا النيةَ وجب أن لا يكون الوضوءُ عبادةً إلا بها، ولو ثبت
ذلك، وكان هذا التشريكُ في النيةِ [مُبطلاً](٣)، لكانت العبادةُ قد فُعلت
بدون شرطها، وهو الأمر الثاني الممتنع.
وهذا بناء علَى أنَّهُ قصد الوضوءَ بهذا الفعل، ولعله الأظهر.
الرابعة: الخلافُ مشهورٌ في دلالة (كان) علَى الدوامِ أو الأكثرية،
أو عدم دلالتها علَى سوى (٤) اقترانِ مضمون الجملة بالزمنِ الماضي،
ومعرفةُ ما وقع عنه السؤالُ ينبني على ذلك.
(١) ((ت)): ((للنية)).
(٢) ((ت): ((وفعل)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((سواء))، والمثبت من (ت))، وتعبير المؤلف خلاف المعتاد.
٥٧٩
الخامسة: فيه البيانُ بالفعلِ عما سئل عنه، وقد تكلم الأصوليون
في بيان المُجمل بالفعلِ؛ هل يحصل؟ وقسموا القول في الدليلِ الدالٌ
علَى البيانِ إلَى: ما يحصل بالمواضعةِ؛ كالكتابةِ، وعقد الأصابع،
وإِلَى شيء تتبعه المواضعة(١)، وفُسِّرَ بالإشارة؛ لأنَّ المواضعةَ مُفتقِرَةٌ
إليها، وهي غيرُ مفتقرةٍ إلَى المواضعةِ، وإلا لافتقرت إلَى مواضعة
أخرَى، ولزم التسلسلُ، وهو محال، وإِلَى ما يكون تابعاً للمواضعة؛
كما في قوله(٢) - الََّ -: ((صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أَصَلَّي))(٣)، ولو
قالَ - الَّهِ -: هذا الفعلُ بيانٌ لكذا(٤).
وقد نُقِلَ عن قوم أنَّ الفعلَ لا يكون بياناً، والمختارُ عند
الأصوليين خلافُهُ(٥).
فإن قلت: كلام الأصوليين في بيان المُجمل بالفعلِ، وليس
کذلك ما في الحدیث!
قلت: هو في معناه؛ لأنَّ السؤالَ مُقتضٍ لإبهام الأمر عندَ السائل،
ومُحوجٌ إلَى بيان ما هو الواقعُ، وما هو مُحتملٌ مع غيره في السؤال.
السادسة: لقائل أنْ يقول: البيانُ بالقولِ أظهرُ من البيانِ بالفعلِ،
فِلِمَ عُدِلَ عنه إلَى البيانِ بالفعل؟
(١) ((ت)): ((المواضع)).
(٢) (ت)): ((كقوله)).
(٤) انظر: ((المحصول)) للرازي (٣/ ٢٦٢ - ٢٦٥)، وعنه نقل المؤلف رحمه الله .
(٣)
تقدم تخريجه .
(٥) انظر: ((مختصر ابن الحاجب مع شرحه للأصبهاني)) (٢ / ٣٨٦).
٥٨٠