النص المفهرس

صفحات 441-460

وقال بعضهم: وهذا أولى من قولٍ مَنْ أخرجها إلى معنى (على).
وكذلك يُضمّنون الأفعالَ معنى الأفعالَ التي تتعدى بذلك الحرف،
وهو كثيرٌ في تصرفهم؛ كما فعلوا في تأويلِ ما استُدِلَّ به على أن
(على) توضع مكانَ (عن)، كقولٍ(١) قحيف [من الوافر]:
إذا رَضِيَتْ عَلَيَّ بَنُو قُشَيْرٍ لَعَمْرُ اللهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا (٢)
فضمَّنوا (رضيت) معنى (عطفت) لتتعدى بـ(على).
وكما تأولوا ما استدلَّ به من قال: إن (على) توضع موضعَ الباء
من قول أبي ذؤيب [من الكامل]:
وكأنَّهنَّ رِبابَةٌ وكَأنَّهُ يَسَرٌّ يُفيضُ على القِداحِ ويَصْدَعُ(٣
يصف ابناً وحماراً فضمنوا (تفيض) معنى (يدفع) لتتعدى بـ (على).
وكما تأولوا قوله تعالى: المُستَدَلُّ به على أن (على) يوضع
موضع [(من)](٤): ﴿الَّذِينَ إِذَا أُكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ ﴾ [المطففين: ٢]؛ أي:
من الناس، وضمنوا (اكتالوا) معنى (حكموا)؛ أي: إذا حكموا على
الناس في الكيل استوفوا.
وهذا كثير في تصرفهم(٥)؛ کما قدمناه.
٠
في الأصل: ((يقول)»، والمثبت من ((ت)).
(١)
(٢)
تقدم ذكر البيت وتخريجه .
تقدم ذکر بيت أبي ذؤيب وتخریجه.
(٣)
(٤)
زيادة من ((ت)) .
(٥) أفرد ابن جني في ((الخصائص)) (٢ / ٣٠٦) وما بعدها، باباً في استعمال =
٤٤١

= الحروف بعضها مكان بعض فقال: هذا باب يتلقاه الناس منسولاً ساذجاً من
الصنعة، وما أبعد الصواب عنه، وأوقفه دونه؛ وذلك أنهم يقولون: إن
((إلى)) تكون بمعنى ((مع))، ويحتجون لذلك بقوله سبحانه ﴿مَنْ أَنْصَارِىّ إِلَى
اللهِ ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي: مع الله، ويقولون: إن ((في)) تكون بمعنى ((على))،
ويحتجون بقوله عزَّ اسمُه ﴿وَلَأُصَلِيَنَّكُمْ فِ جُذُوعِ اُلنَّخْلِ ﴾ [طه: ٧١] أي:
عليها، ويقولون: تكون الباء بمعنى ((عن))، و((على))، ويحتجون بقولهم،
رميت بالقوس؛ أي: عنها وعلیھا. ثم قال: ولسنا ندفع أن یکون ذلك كما
قالوا، لكنا نقول: إنه يكون بمعناه في موضع دون موضع على حسب
الأحوال الداعية إليه المسوغة له، فأما في كل موضع وعلى كل حال،
فلا. ألا ترى أنك إن أخذت بظاهر هذا القول غفلاً هكذا لا مقيداً لزمك
عليه أن تقول: سرت إلى زيد، وأنت تريد معه، وأن تقول: زيد في الفرس،
وأنت تريد: عليه. ونحو ذلك مما يطول ويتفاحش ثم قال: ولكن سنضع في
ذلك رسماً يعمل عليه، ويؤمن التزام الشفاعة لمكانه: اعلم أن الفعل إذا
كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدى بحرف والآخر بآخر، فإن
العرب قد تتسع، فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه؛ إيذاناً بأن هذا الفعل
في معنى ذلك الآخر، فلذلك جيء معه بالحرف المعتاد مع ما هو في
معناه، وذلك كقوله تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] أي:
مع الله، وأنت لا تقول: سرت إلى زيد؛ أي: معه، لكنه إنما جاء ﴿مَنْ
أَنْصَارِيّ إِلَى اللَّهِ﴾ لمَّا كان معناه: من ينضاف في نصرتي إلى الله،
فجاز لذلك أن تأتي هنا ((إلى))، وكذلك قوله تعالى: ﴿هَل لَّكَ إِلَى أَنْ
تَزَّكَى﴾ [النازعات: ١٨] وأنت إنما تقول: هل لك في كذا، لكنه لما كان على
هذا دعاء منه ◌َّل* صار تقديره: أدعوك وأرشدك إلى أن تزكى.
ثم قال: ووجدت في اللغة من هذا الفن شيئاً كثيراً لا يكاد يحاط به، ولعله
لو جمع أكثره لجاء كتاباً ضخماً، وقدعرفت طريقه، فإذا مرَّ بك شيء منه
فتقبله وأنس به، فإنه فصل من العربية لطيف حسن يدعو إلى الأنس بها
والفقاهة فيها، انتهى.
=
٤٤٢

وأقول: إن كان مخالفوهم يدَّعون أن اللفظَ حقيقةٌ فيما يذكرونه
لظهور المعنى فيه، وكون الأصل في الإطلاق الحقيقةَ، فقد يجاب عن
ذلك على طريقة الأصوليين، بأنَّ الأصلَ عدمُ الاشتراك، وأنَّ المجازَ
أولى منه، لكن التصريحَ بهذا الترجيح عزيزٌ في كلام النحاة، أو معدومٌ.
وإن كان مخالفوهم يدعون الاستعمالَ المجازيَّ بهذا المعنى،
وليس في ألفاظهم - فيما عَلمتُ - تصريحٌ بدعوى الحقيقة والاشتراك،
بل يقولون: يجىء كذا لمعنى كذا، أو يوضع كذا موضعَ كذا،
وما أشبه ذلك، وهذا ليس بتصريح بكونه(١) حقيقةً فيه، والتأويلاتُ
التي يبدونها مجازٌ أيضاً، فيلزمهم إقامةُ دليلٍ على ترجيح المجاز الذي
التزموه على المجاز الذي يدعيه خصومُهم، [وأن يحيل في ترجيح
التضمين بكونه في الأفعال أو الأسماء على المجاز في الحروف، فلهم
تأويلاتٌ يلزم منها المجازُ في الحروف، وتأويلاتٌ تقتضي تعدُّدَ
المجاز بالنسبة إلى المجاز الذي يدعيه خصومهم] (٢)، وتوجبُ احتياجاً
إلى زائد على مُجرَّدِ التضمين؛ ليصحَّ المعنى، ويطابق اللفظ.
فمما يلزم فيه المجازُ في الحرف ما قيل في ﴿وَلَأُصَلِّبَتَّكُمْ ﴾ [طه: ٧١]،
وصرفُهُمْ لـ (في) عن معنى (على)، فإن (في) للظرفية حقيقةً، وليست
حقيقةُ الظرفية موجودةً في الجذع للمصلوب، فهو مجازٌ في (في)،
= قلت: وقد تقدم عند المؤلف رحمه الله كلام ابن السِّيْد في ((شرح أدب
الكاتب)) بتفصيل أكثر في هذا الموضع .
(١) ((ت)): ((في كونه)).
(٢) سقط من ((ت)).
٤٤٣

لكنه غيرُ المجاز الأول.
ومن هذا النوع أنهم سلَّمُوا، [أو مَنْ سلَّم](١) منهم، حملَ التراخي
[في](٢) (ثم) على التراخي بين الرُّتبتين، أو البُعدِ المعنوي؛ كما سيأتي
تأويلَهم في: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]، وأن
(ثم) فيه للبعد المعنوي الذي بين المعطوف والمعطوف عليه،
وتأويلهم في :
سَأَلْتُ رَبِيْعَةَ ... البيت، أنه للبُعد المعنوي، فقد جعلوا (ثم)
- وهو حرف - مستعملٌ (٣) مجازاً، وهو يجوز في الحرف؛ لأن الحقيقةَ
هو التراخي في الزمان.
ومما يحتاجون إلى تعدُّدِ المجاز، لينطبقَ (٤) اللفظُ على المعنى
قولُ الراعي [من الوافر]:
رَعَتْهُ أَشْهُراً وخَلاَ عَلَيْهَا
فِطَارَ النِّيُّ فِيهَا وَاسْتَعَارَا(٥)
والنِّي: الشحمُ، ومعنى فطار النِّي: أنها سمنت بسرعة، وقوله:
فاستعارا: من السعر(٦)، كما قالوا: ناقة مِشْيَاطٌ، وهو من: شَاطَ
(١) سقط من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((مستعملاً))، والمثبت من ((ت))
(٤) في الأصل: ((ليطلق))، والمثبت من ((ت))
(٥) انظر: ((شعر الراعي النميري وأخباره)) (ص: ٧٩).
(٦) ((ت)): ((السعير)).
٤٤٤

يَشِيطُ، ووزنه: افتعل (١)، وكان أصلَه: استعر، ثم أشبعَ الفتحةَ فصارت
ألفاً، فَتُؤْوِّلَ ذلك بأنْ ضُمِّنَ الكلام فعلاً يتعدى بـ (على) ليخرجَ عن أن
يكونَ بمعنى [اللام](٢)، فإن الظاهرَ أن المرادَ: خلا لها، فقيل: لأنَّ
المكانَ إذا خلا لها فرَعَتْهُ وحدَها، فقد صار النِّي عليها لكثرتها، ولیس
هناك ما يرعاه غيرُها، وهذا انتقالٌ من كون الرعي(٣) خلا لها إلى كون
النِّي صار عليها؛ لأن الرعي(٤) الخاليَ لها لما كان سبباً لعلوِّ النَّ عليها
صار كأنه علا عليها، وهذا مجاز، ليس بمجازٍ التضمين، الذي ادُّعي أنه
كذلك، وأنه ضَمَّنَ الكلامَ فعلاً، يتعدى بـ(على).
ومن ذلك ما قالوه في قول ذي الإصبع [من البسيط]:
لَاهِ ابنُّ عَمِّكَ لا أَفَضَلْتَ في حَسَبٍ
عَنِّي ولا أَنْتَ دَيَّاني فَتَخْزُوني(٥)
أنه من التضمين؛ لأنه إذا كان أفضلَ فكانَ فوقَهُ في الحَسَب،
فقد زال عنه، وصار عنه في حَيِّزٍ، فكأنَّهُ قال: لاهِ ابنُ عمِّكَ ما زال
قدرُك عن قدري، ولا ارتفع شأنك عن شأني.
(١) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٣٤٣).
(٢) في الأصل: ((الكلام))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((الراعي))، والمثبت من ((ت)).
(٤) في الأصل: ((الراعي))، والمثبت من ((ت).
(٥) انظر: ((المفضليات)) (ص: ١٦٠). والبيت منسوب إلى خفاف بن ندبة
كما في «ديوانه)) (ص: ١١٩).
٤٤٥

السابعة: في ذكر تأويلاتٍ من أبى أن تكون (ثم) بمعنى الواو
في الاستعمالات التي ذكرناها، أما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْتَكُمْ ثُمَّ
صَوَّرْنَكُمْ ﴾ [الأعراف: ١١] فيقول: على [تقدير: ](١) خلقنا أباكم، ثم
جعلناه صورةً ناطقة حية، ثم قلنا للملائكة: اسجدوا، إلا أنه حُذِفَ
المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مقامَهُ، فيكون إذ ذاك مثلَ قوله: ﴿هُوَ
الَّذِى خَلَقَكُمْ مِّن طِينٍ﴾ [الأنعام: ٢]، ألا ترى أن التقديرَ: خَلَقَ أباكم من
طين، وهذا أولاً قد يُنازَعُ في أن التقدير: خلق أباكم من طين؛ لأن
ابتداءَ الغاية الذي تشرَّبَ معنى التسبب(٢) لا يوجبُ أن لا يكونَ ثَمَّ
واسطةٌ.
ثم نقول: الذي ذكر من التأويل لا يكفي في الخروج عن السؤال؛
لأن التراخي الذي بين التصوير والخلق، وبين السجود، إن صحَّ بهذا
التأويل أنْ [يكونَ](٣) المرادَ، فيحتاج إلى تأويل آخر في التراخي بين
الخلق والتصوير، إذا (٤) جعل التصوير لاَدمَ - العَيْهِ - كما قيل؛ لأن
الخلقَ بمعنى: الإيجاد للجملة، لا يتراخى عنه التصوير، بل هو معه،
فإن أُوِّلَ بمجاز(٥) زاد المجاز، وإن كان المرادُ تصويرَ بنيه، فهو متراخ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) (ت)): ((التسبيب)).
(٤) في الأصل ((إذا))، والمثبت من ((ت)).
(٣)
زيادة من ((ت)) .
(٥) ((ت)): ((فإن الأول مجاز)).
٤٤٦

عن سجود الملائكة لآدم، فالسؤالُ المهروبُ [منه](١) في (ثم) بالنسبة
إلى تَأخّرِ خلق البنين (٢) عن السجود عائدٌ فيها بالنسبة إلى تراخي
التصوير عن الخلق.
وأما ﴿خَلَقَكُ مِّن نَّفْسٍ وَحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، [فقيل
فيه بأن معناه: خلقكم من نفس واحدة، ثم جعل منها زوجها](٣) بعد
التوحدِ، فعطف الجملة التي هي: ﴿جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ على
﴿وَحِدَةٍ﴾؛ لأنها صفةٌ، والجملةُ إذا كانت صفةً في تأويل المفرد،
فشاع عطفُهَا على المفرد [لذلك] (٤)، وعبَّر بعضُهم عن هذا(٥): بأن
الفعلَ، الذي هو (جعل)، معطوفٌ على ما في (واحدة) من معنى
الفعل، وكأنه قال من نفسٍ وُحِّدَتْ، أي: أفردت، ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا
زَوْجَهَا﴾، ومعلومٌ أن جعل زوجها منها إنما کان بعد إفرادها.
وأما قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَبِّتَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِى خَلَقَ الْأَرْضَ فِى
يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ٩] الآية، واقتضاؤها؛ لأن خلقَ الأرضَ متقدّمٌ على
خلق السماء، وهو متأخرٌ بدليل: ﴿وَاَلْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَنهَا﴾ [النازعات: ٣٠]،
فأُجیب عنه بو جھین :
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((البني))، والمثبت من ((ت).
(٣)
سقط من ((ت)) .
زيادة من ((ت)) .
(٤)
(٥) ((ت)): ((ذلك)).
٤٤٧

أحدهما: أن الدَّحوَ غيرُ الخلق، فإنه البَسطُ، والمعنى: بعد خلق
السماء بَسَطَها، وإذا كان غيرَهُ، لم يلزمْ تأخرُ خلقِ الأرض عن
خلق السماء، بل جازَ أن يتقدمَ خلقُها خلقَ السماء، و[يتأخرَ](١)
بسطها عن ذلك.
والثاني: أن تكون (بعد) بمعنى (مع)، فيكون التقدير: والأرضَ
مع ذلك دحاها، واستُشْهِدَ [على](٢) أنَّ (بعد) بمعنى (مع) بقوله تعالى:
◌ْعُثُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنٍِ﴾ [القلم: ١٣]، وبقولِ الشاعر [من الطويل]:
فَقُلْتُ لها فيِئِي إِلیكِ فإِنّني
حَرَامٌ وإنّي بَعْدَ ذاكٍ لَبِيبُ(٣)
وفُسِّرَ اللبيبُ بالملبي، والتلبيةُ مع الإحرام، وعن قراءة مجاهد:
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ [ْدَحَتُهَاَ](٤)﴾ [النازعات: ٣٠].
والوجه الأول ينبني على أنَّ خلقَ الأرض قبل خلق السماء، وقد
رُوي ذلك عن غير واحد من المفسرين(٥).
(١) الأصل: ((بتأخرها))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) البيت للمُضَرِّب بن كعب، كما في ((الأمالي)) للقالي (٢/ ١٧١)، و((الصحاح))
للجوهري (١ / ٢١٧)، و((لسان العرب)) لابن منظور (١/ ٧٢٩)، (مادة:
ل ب ب)، وانظر: ((خزانة الأدب)) (٢ / ٩٦).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) انظر: ((تفسير الطبري)) (١ / ١٩٣).
٤٤٨

وأما قولُهُ تعالى: ﴿ وَإِنِّيِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ
أُهْتَدَى﴾ [طه: ٨٢]، فَأُوِّلَ بأن المرادَ دائمٌ على الاهتداء، وكذلك:
وَأَسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [هود: ٩٠]؛ أي: دوموا، وكذلك:
﴿ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ﴾ [المائدة: ٩٣]: ثم داموا على الاتقاء والإيمان، ثم
داموا على الاتقاء والإحسان.
ولقائل أن يقول: ليس في هذا بيانٌ واضحٌ يُتخلّصُ به عن سؤال
التراخي، فإن الدوامَ هو الاستمرارُ في الزمان، فإذا أُخذَ فيه الزمن
الأول بعد انقضاء زمن المعطوف عليه، فالذي هُرِبَ منه في أمر
التراخي بالنسبة إلى الاهتداء عائدٌ بالنسبة إلى الدوام.
تُوَجَعَلَ نَسْلَهُمِن
وأما قوله تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَنِ مِن طِينٍ
سُلَلَةٍ مِّن مَّآءٍ قَهِينٍ (٥) ثُمَّ سَوَّهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ،﴾ [السجدة: ٧ -٩]،
فقد أُوَّل بأن معناه: وبدأ خلق آدمَ من طين، ثم [جعل نسله من سلالة
من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، فيكون النفخُ والتسوية
متأخرين عن](١) حكم الله (٢) بجعل نسله من سلالة من ماء مهين، وذكر
هذا [المؤوِّلُ أنه بَيِّنٌ] (٣) أنَّ العربَ تقول: فعل، بمعنى: حكم
بالفعل، قال: إن جعلت النفخ والتسوية لآدم - العميل -؛ كما أنهما له
في قوله ثَ: ﴿إِ خَلِقٌ بَشَرًا مِّنِ طِينٍ () فَإِذَا سَوَيْتُهُ, وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن ◌ُوحِى
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) لفظ الجلالة (الله) سقط من (ت).
(٣) سقط من ((ت)).
٤٤٩

فَقَعُواْ لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: ٧١ -٧٢]، وإن جعلتهما لنسله(١) لم نحتجْ في
الآية إلی تأويلٍ.
ولا يخفى عليك أن(٢) هذا ليسَ من باب تضمين الفعل معنى فعلٍ
آخرَ ليُعدَّى تعديتَهُ؛ لأنَّ تعدي ﴿حَعَلَ فَسْلَهُ، مِن سُلَلَةٍ﴾ [السجدة: ٨]
لا يحتاج في التعدي إلى تضمين، وإنما هذا تَجَوُّزٌ بجعل فَعْل موضعَ
فِعْل، ثم لا بيانَ فيما ذكر يَخلُصُ به من معنى التراخي، فإن (٣) الحكمَ
بجعلٍ منسله من سلالة يسأل عنه، وهل حملُهُ [على(٤) العلم، أو](٥)
على ما يلازمُ العلمَ على مذهب المتكلمين المثبتين لكلام النفس، أو
علی غیر هذین؟
والأولان يستحيلُ فيهما التراخي عن شيء من الأشياء، وغيرُهُما
یحتاجُ إلى ذكره وبيانه.
وأما قوله تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾ [النحل: ٨٣]،
فقد أُوِّل على أن (ثم) فيه للبُعدِ المعنوي الذي بين المعطوف
والمعطوف عليه، لا للبُعدِ الزماني؛ لأن من عرف شيئاً ينبغي أن يكونَ
أبعدَ الناس من إنكاره، واستعمالُها حيثُ زاد(٦) البعدُ بين الشيئين من
في الأصل: ((نسله))، والمثبت من ((ت)).
(١)
(٢)
(ت)): ((بأن)).
(٣)
((ت)): «لأن)).
في الأصل: ((إلى)) والصواب ما أثبت.
(٤).
(٥)
سقط من ((ت)) .
(٦) ((ت)): ((يزاد)).
٤٥٠

غير جهة الزمان سائغٌ في الكلام نحو قول القائل: أشعرُ الناس فلانَ،
ثم فلان(١)، إذا تباعدَ ما بينهما في جودة الشعر.
وهذا أيضاً ليس إلا مجازاً في استعمال التراخي، الذي هو حقيقة
في الزمان، في البعد المعنوي، فلابد من ترجيحه على المجاز الذي
ادعاه خصومهم.
وأما قول الشاعر: سألتُ ربيعةً ... البيت.
فقد حمله على البعدِ المعنوي، وَوُجِّهَ: بأن الشرَّ الذي يلحق
الشخصَ في الانتساب من قبل أبيه أشدُّ من الشر الذي يلحقه من قبل
أمِّهِ من جهة: أن الاعتمادَ في الانتساب إنما هو على الآباء، فتفاوتُ
ما بين الشرين كذلك، وهذا كالذي قبله في أنه مجازٌ يقابَلُ بمجاز(٢)،
ويحتاج إلى الترجيح.
وأما [قوله](٣): إنَّ منْ سَادَ ثُمَّ سادَ أبوه ... البيت.
فقال أبو الحسن الأُبَدِي(٤)، فيما وجدتُهُ عنه: وأما البيتُ فيتخرجُ
(١) ((ت)): ((قال)).
(٢) ((ت)): ((مقابل لمجاز)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) هو الحسن علي بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الخشني الأُبَّدي
بضم الهمزة وتشديد الباء الموحدة، وبعدها دال مهملة، نسبة إلى أبدة
مدينة بالأندلس من كورة جيان، بناها عبد الرحمن بن الحكم وجددها ابنه
محمد. انظر: ((اللباب في تهذيب الأنساب)) لابن طاهر (١ / ٢٣)،
و((معجم البلدان)) لياقوت (١ / ٦٤)، و((نفح الطيب)) للتلمساني (٢ / ٥٥١).
٤٥١

على ظاهره من سؤدَدِ الممدوح أولاً، ثم سؤدد أبيه بعده، ثم سؤددِ
الجدِّ بعده، فيكون مثل قول الآخر [من البسيط]:
وكمْ أبِ قَدْ عَلاَ [بابْنِ](١)، ذُرَى حَسَبٍ
كَمَّا عَلَتْ بِرَسُولِ اللهِ عَدْنَنُ (٢)
لِتَبقَى (ثم) على بابها، ومما يبينُ أن (ثم) على بابها قولُهُ بعد
ذلك: (جده).
وهذا الذي ذكره من الحمل والاستشهاد بالبيت، فقد وجدناه عن
أبي الحسن بن عُصفُور أيضاً، وأنشدَ في البيت: ذُرَى شَرَفٍ(٣).
ولقائل أن يقول: لا نُسلِّمُ أنه تبقَى (ثم) (٤) على بابها على تقديرِ
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) البيت لابن الرومي، كما في «ديوانه)) (٦ / ٤٢٤).
(٣) لم أقف عليه عند ابن عصفور في ((شرح الجمل)). قال المرادي في ((الجنى
الداني)): ما ذكره ابن عصفور في تأويل البيت لا يساعد عليه قوله: ((قبل
ذلك))، يعني قوله في البيت الذي مضى: ثم ساد قبل ذلك جده.
قال الدماميني في ((الحاشية الهندية)): وذلك لأن مضمون الكلام على
ما أجاب به ابن عصفور أن سؤدد الابن سابق لسؤدد الأب، وسؤدد الأب
سابق لسؤدد الجد، والسابق للسابق لشيء سابق لذلك الشيء، فتكون
سيادة الابن سابقة لكل من سيادة أبيه، وسيادة جده، وسيادة الأب سابقة
لسيادة الجد، وقول الشاعر: ((قبل ذلك)) منافٍ لهما بلا شك، انتهى.
وانظر: ((خزانة الأدب)) للبغدادي (١١ / ٣٩).
(٤) ((ت)): (((ثم) تبقى)).
٤٥٢

الحملِ على هذا المعنى الذي استشهدَ بالبيت عليه، وذلك لأنَّ
المعطوفَ هو سؤددُ الأب على سؤدَدِ الابن، ثم سؤدَدُ الجدِّ على
سؤدد الأب، أو على سؤدد الابن.
وإذا اعتبرتم هذا المعنى الذي ذكرتموه، فلا يتراخى سؤدَدُ
الأب، ولا سؤددُ الجدِّ الممدوح، بل يحصلان معاً، نعم يتراخى
سؤددُ الأب والجد عن وجود الممدوح، ولم يقع العطفُ بـ(ثم) بين
سؤدد الأب والجد، وبین وجود الممدوح، وإنما وقعَ بین السؤددین.
فإن قال: هاهنا ترتّب بين السؤددين، وهو الترتبُ(١) بين العلة
والمعلول.
قلنا: وهذا قد يمكنُ في الترتب، فأين التراخي بين العلة والمعلول؟
فيحتاج إلى أن يَرُدَّ الأمرَ إلى الترتيب، لا إلى التراخي، إلا على
استكراهٍ وتعقیدٍ .
وأيضاً فذُروةُ الشيء أعلاه، ولا تَتساوى دلالةُ هذا اللفظ مع
دلالة لفظِ (ساد)؛ لأن ظاهرَ لفظ (ساد) حصولُ أصل السيادة،
[والعلوُّ إلى الذروة، لا يقتضي ظاهرُه عدمَ حصولِ أصل الشرف؛ لأن
العلوَّ إلى الذروة أخصُّ من مطلق العلو، فإذا قيل: إن المفهومَ يقتضي
عدمَ الحصول في أعلى الذروة، فلم يقتضٍ حصولَ أصل العلو؛ لأن
نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
(١) في الأصل: ((الترتيب))، والمثبت من ((ت))
٤٥٣

إذا كان الأمرُ كذلك، وأن ظاهرَ (ساد) يقتضي حصولَ أصل
السيادة](١)، واعتبرتم هذا المعنى الذي ذكرتموه، لزم أن لا تكونَ
لأبي هذا الممدوح وجدِّهِ سيادةٌ قبلَ وجود سيادة هذا الممدوح، وهذا
رديءٌ في المدح، بل هو ذمٌّ، أو قريبٌ من الذم؛ لاقتضائه أن هذا
الممدوح ليس له أصلٌ في السيادة بسؤدد أبيه وجده، وأيضاً فإذا
جَعلتَ سؤددَ الجدِّ متراخياً عن سؤدد الأب لم يستقمْ مع اعتبارك هذا
المعنى الذي استشهدْتَ على البيت [به] (٢)، فإنه على هذا التقدير
یکونان معاً ناشئین عن سؤدد الممدوح.
وأما قوله: ومما يبينُ أنَّ (ثم) على بابها قولُه بعد ذلك: (جده)،
فهذا قد يكفي في نفي كون (ثم) بمعنى الواو، لكنه لا يعين المعنى
الذي ذكره للإرادة.
ولئن قال(٣): ما ذكرتموه من الفرق بين علوٍّ ذروة الشرف، وبين
(ساد) مغالطةٌ؛ لأنا إنما نظرنا بين (علا) و(ساد) الذي ذكر في الشعر،
وهما سواء بالنسبة إلى الدلالة على أصل السيادة والعلو، [وعلى
الريادة] (٤) .
قلنا: لابدَّ أن يكونَ المرادُ علوَّ عدنان في ذُروة الشرف، وعلى
(١) سقط من ((ت)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((وقال لأن)).
(٤) سقط من ((ت)).
٤٥٤

هذا (١) يتأتَّى ما ذكرناه من الفرق، وإنما يتعينُ حملُ (علا) على ذروة
الشرف؛ لأنه لو لم يكنْ كذلك لما حصل الاستشهادُ الذي قصدَهُ
الشاعرُ، ونظرً به .
قال الأُبَّدي، فيما وجدناه عنه: أو يكون الترتيب بالنسبة إلى
النظر في السيادة، فكأنه يقول: إن من نظر في سيادته، فوجده سيداً،
ثم نظر في سيادة أبيه، فوجده كذلك، ثم نظر في سيادة جدِّهٍ(٢) فوجده
كذلك، وهذا ممكنٌ - أيضاً -.
الثامنة: في ذكر طريق أُخرى يَخرجُ بها بعضُ الألفاظ التي تنفي
الترتيب أو التراخي، والفرقُ بين هذه الطريقة، وبين الطريقةِ السابقةِ
من جَعْلِ [(ثم)](٣) بمعنى الواو: أن (٤) هذه الطريقةَ تُخصِّصُ جعلَها
بمعنى الواو ببعض المواضع، وهذه الطريقة وجدناها في كلام منسوبٍ
إلى العلامة أبي محمد بن بري النحوي المصري(٥)، فأردتُ أن أذكرَ
(١) في الأصل: ((هل يتأتى))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((هذه))، والتصويب من ((ت)).
(٣)
زيادة من (ت)) .
(٤)
(ت)): ((وأن))، والصواب ما أثبت.
(٥) هو الإمام العلامة، نحوي وقته أبو محمد عبد الله بن بري بن عبد الجبار
ابن بري المقدسي ثم المصري الشافعي، کان عالماً بکتاب سیبویه وعلله،
قيماً باللغة وشواهدها، له حواشي على ((الصحاح)) للجوهري، وصل فيها
إلى أثناء حرف الشين، وقيل: سماها: ((التنبيه والإفصاح عما وقع من
الوهم في كتاب الصحاح)) وهو أجود تآليفه، وكان أستاذه ابن القطاع قد
ابتدأها، وبنى ابن البري على ما كتب أستاذه، وله حاشية أخرى على ((درة =
٤٥٥

كلامه بكماله(١)، وإن كانَ المقصودُ [الآن](٢) بعضَهُ لغرابته،
وحصول(٣) فوائد أخرى منه.
والذي وجدناه: أنه سُئِلَ أبو محمد بن بري - رحمه الله - عن
قوله تعالى: ﴿فَلَ أَقْنَحَمَ اٌلْعَقَبَةَ﴾ [البلد: ١١] إلى قوله - ◌ََّ -: ﴿ثُتَّ كَانَ
مِنَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ [البلد: ١٧]؛ ما معنى (ثم) (٤) هنا؟
فقال: الجواب: اعلمْ أنَّ الأصلَ السابعَ في (ثم) أن تكونَ
الترتيب الثاني على الأول في الوجود لمُهلَةٍ بينهما في الزمان؛ كقوله
تعالى: ﴿ثُرَّ أَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنَا ءَآخَرِينَ﴾ [المؤمنون: ٣١]، وكقولك: جاء
زيدٌ، ثم جاء عمرو، قال سيبويه: هما مَجيئان، ويجيءُ كثيراً لتفاوتٍ
ما بين رتبتين(٥) في قصد المتكلم، وهذا على أقسام:
فمنه: تفاوتٌ بين رُتبتي الفعلِ مع السكوت عن تفاوتٍ رُتبتي
الفاعل؛ نحو قوله تعالى: ﴿اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ
الظُّلُمَتِ وَالْتُّورِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [الأنعام: ١]، فـ (ثم)
الغواص)) للحريري، توفى سنة (٥٨٢هـ).
=
انظر: ((إنباه الرواة)) للقفطي (٢/ ١١٠)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي
(٢١ / ١٣٦)، و((كشف الظنون)) للحاجي (١ / ٧٤١)، (٢/ ١٠٧٣)،
و((هدية العارفين)) للبغدادي (١ / ٢٣٧).
(١) ((ت)): ((بكلامه)).
(٢)
زيادة من ((ت)) .
(٣) ((ت)): ((وبحصول)).
(٤) ((ت)): ((هاهنا)).
(٥) ((ت)): ((الرتبتين)).
٤٥٦

هاهنا (١) لِتفاوتِ رُتبة الخلق والجعل من رتبة العدل، مع السكوت عن
وصف العادلين، ومثل ذلك الآية المسؤولُ عنها؛ لأن (ثم) فيها [تُثبت
تفاوتَ رتبةِ الفَكِّ والإطعام من مرتبة الإيمان، إلا أنَّ فيها](٢) زيادة
تعرضٍ لوصف المؤمنين بقوله: ﴿ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْمَرْحَمَةِ (١)
أُوْلَئِكَ أَصْحَبُ اَلْيَمَنَةِ﴾ [البلد: ١٧ -١٨].
ومنه: تفاوتٌ بين رُتبتي الفاعل بالنسبة إلى فعله، نحو قولك:
قارىءُ القرآن في الصلاة له بكلِّ حرفٍ [مئةُ حسنة، ثم قارىء القرآن
في غيرِ صلاةٍ له بكلِّ حرفٍ](٣) عشرُ حسنات، والمُصلِّي بالمسجد
الحرام أفضلُ من المصلي بغيره(٤)، ثم المصلي بمسجد رسول الله وَله
أفضلُ من المصلى بغير المسجد الحرام، ثم المصلي بالمسجد
الأقصى أفضلُ من المصلي بغير المسجدِ الحرام والمسجد النبوي،
فـ (ثم) هاهنا لتفاوتِ رُتبة مُصَلٍّ من مصلٍّ بالنسبة إلی صلاته، وقارئء
من قارىءٍ بالنسبة إلى قراءته.
ويجيءُ هذا المعنى أيضاً مقصوداً بالفاء العاطفة؛ نحو: خذٍ
الأفضلَ فالأكملَ، واعملْ الأحسنَ فالأجمل، ونحو: ((رحم الله
المحلقين فالمقصرين))(٥)، فالفاء في المثال الأول لتفاوتِ رُتبة الفضلِ
(١) ((ت)): ((هنا)).
(٢)
زيادة من ((ت)) .
(٣)
زيادة من ((ت)) .
في الأصل ((من)). والمثبت من ((ت)).
(٤)
(٥) كذا ذكره الزمخشري في ((الكشاف)) (٤/ ٣٧) وعنه أخذ ابن بري كلامه =
٤٥٧

من(١) الكمال، والحسنِ من الجمال، وفي المثال الثاني لتفاوت رُتبة
المحلِّقين من المقصِّرين، بالنسبة إلى تحليقهم وتقصيرهم.
وقولُهُ تعالى: ﴿وَالصَّفَّتِ صَفَّا الّ ◌َ فَلَّجِزَتِ زَحْرَان ◌َالنَّلِيَتِ
ذِكْرًا﴾ [الصافات: ١-٣] تحتمل الفاء فيه المعنيين معاً، فيجوزُ [أن يُرَادَ بها
تفاوتُ رُتبةِ الصفِّ من الزجر، ورتبة الزجر من التلاوة](٢)، ويجوزُ أن
يُرادَ بها تفاوتُ رُتبةِ الجنسِ الصافِّ من رتبة الجنس الزاجر، بالنسبة
إلى صفِّهم وزجرهم، ورُتبة الجنس الزاجر من التالي، بالنسبة إلى
زجره وتلاوته .
ومنه: تفاوتٌ بين رُتبتي الفاعل، لا بالنسبة إلى فعله؛ [نحو] (٣):
مات الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الصالحون، و(ثم) هاهنا لتفاوت
رُتَبَةِ المذكورين بخصائصهم في صفاتهم، لا بالنسبة إلى الموت؛
لأنه لا يقبل التفاوت بدليل امتناع: زيدٌ أَمْوَتُ من عمرو، ولو
= في الفاء العاطفة. قال المناوي في ((الفتح السماوي في تخريج أحاديث
البيضاوي)) (٣/ ٩٥٤): لم أقف عليه، انتهى. والحديث رواه البخاري
(١٦٤٠)، كتاب: الحج، باب: الحلق والتقصير عند الإحلال، ومسلم
(١٣٠١)، كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير وجواز
التقصير، من حديث ابن عمر رضي الله عنهما بلفظ: ((رحم الله المحلقين))
مرة أو مرتين، وقال في الرابعة: ((والمقصرين)).
(١) في الأصل: ((على))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((ثم))، والمثبت من ((ت)).
٤٥٨

جيءَ بالواو موضعَ (ثم) في هذه الأقسام لم تُفْدْ تفاوتاً، ولم تُفُهمْ منها
رُتَب، وهذا أولى من قول من يقول: هي لترتيب الجمل في الأخبار،
لا لترتيب المخبَرِ به في الوجود؛ لأنه ضعيفٌ في المعنى لبعدِ المهلة (١)
حقيقة فیه، - واستدلّ القائلون به بقول:
إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبوه
وأجيب:
إنها (٢) لتفاوت رُتبةِ الابن من أبيه، أو لتفاوتٍ رُتبةٍ سيادته من
سيادة أبيه، ومجازُ استعمالها للتفاوتِ أنها موضوعة للمُهلة، والتفاوتُ
مهلةٌ في المعنى، ولأنَّ بينهما قَدْراً مُشتَركاً، وهو الانفصالُ.
وتستعمل [ثم] (٣) أيضاً في التفصيل في أفعالٍ مُبِيْنَةٍ لمبهَمٍ مُتقدم،
نحو قولك: زيدٌ كريمٌ يعطي المال، ثم يحمِلُ الكَلَّ، ثم يفُ العاني،
وزيد ليس بظالم، لا يَغْصِبُ المال، ثم لا يقتل الجار، ثم لا يسبي
الحريمَ، فـ (ثم) في هذا ونحوه لا يُقْصَدُ بها(٤) ترتيبٌ(٥) ولا مُهلةٌ
زمانية، وإنما يُراد تبيينُ الوصف المتقدم بما بعده، وتفصیلَهُ به، وفيها
(١) ((ت)): ((المماثلة)).
((ت)): ((بأنها)).
(٢)
زيادة من ((ت)) .
(٣)
(٤) ((ت)): ((فيها)).
(٥) في الأصل ((الترتيب))، والمثبت من ((ت)).
٤٥٩

تراخ معنوي، وهو أنَّ كل فعل ذكر يفيد(١) في إثبات الوصف المذكور
أولاً إن كان مثبتاً، وفي نفيِهِ إن كانَ منفياً، ألا ترى أن قولك: يعطي
المالَ، مثبتٌ لصفة الكرم(٢)، وقولك: لا يغصبُ المال، نافٍ لصفة
الظلم، فكأن المتكلمَ قصد بالفعل الأول الاستقلال بالبيان، ثم لما
فرغ منه قصد بياناً ثانياً مستقلاً بالبيان(٣)، فتركُ الانتقالِ عن قصد
الاستقلال بالأول إلى قصد إنشاء بيان ثانٍ [نزَّله](٤) منزلة تراخٍ في
الوجود، كما عطف (الآخِرَ) على (الأول) في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ
وَاُلَخِرُ ﴾ [الحديد: ٣] لما قُصد الاستقلالُ بكل منهما، وامتنع العطف في
قولك: الرمانُ حلوٌ حامضٌ، لما قُصِدَ عدمُ استقلال كلِّ (٥) منهما.
وهذا المعنى بعينِهِ يستعملُ في الفاء؛ نحوَ قوله تعالى: ﴿ لِلَّذِينَ
يُؤْلُونَ مِنْ نِسَابِهِمْ تَرَبُّسُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فَآءُو فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٥) وَإِنْ عَزَمُواْ
الطَّلَقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ -٢٢٧]، فالفاء دخلت لتبيينِ حكمٍ
المُولي في زمن التربُّصِ بجملتي الشرط بعدها، لا لتعقيبهما زمنَ
التربص؛ هكذا قال أبو حنيفةَ - رحمهُ الله _ (٦)، ومثلُهُ قولُ العرب:
(١) ((ت)): ((مقيداً)) .
(٢) في الأصل: ((الكريم))، والمثبت من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((بالمال))، والمثبت من ((ت)).
(٤)
زيادة من ((ت)) .
(٥) في الأصل ((الاستقلال بكل))، والمثبت من ((ت)).
(٦) انظر: ((شرح فتح القدير)) (٤ /١٩١).
٤٦٠