النص المفهرس

صفحات 341-360

فیتعیَّنُ لا لنفسه بل لغيره.
الثانية والستون: والكلام في تقييده بما عدا الشعر، كالكلام
المتقدم في قص الشارب وقص الأظفار.
الثالثة والستون: الكلام في البداية(١) بالجانب الأيمن كالكلام
في قص الشارب، وقد حکینا ما قيل فيه.
الرابعة والستون: أما الاستنابةُ فيه فمحرَّمٌ في حقٌّ من لا يجوزُ له
النظرُ إلى عورة المستحدِّ؛ كالأجنبي، وأما الزوج والزوجة فالناسُ
[مختلفون](٢) في نظر الرجل إلى فرج امرأته؛ بالمنع والكراهة
والإباحة؛ فمن أباح فلا بأس باستنابته، ومن منع أو كره فينظر في اسم
الفرج، هل يدخل تحته الرَّكَب؟ فإن دخل فحكمه المنع أو الكراهة
على اختلاف المذهبين، وإن لم يدخل وأمكن أن يحصل المقصود من
غير نظرٍ إلى ما هو المرادُ بالفرج(٣)، جازَ ذلك.
الخامسة والستون: قد ذكرنا أن العانة إما اسم الشعر النابت، أو
المحل الذي ينبت فيه الشعر، وإذا كان كذلك لم يتناول الحكم
ما عداه من حيث اللفظ، ولكن ذُكر عن بعض أكابر الشافعية (٤): أنه
= رومي، وهو دخيل؛ كما قال في ((العين)) مادة (مصطك)، وهو بفتح الميم
وضمها؛ كما في ((القاموس المحيط)).
(١) ((ت): ((البداءة)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل: ((من الفرج))، والمثبت من ((ت)).
(٤) هو أبو العباس بن سريج، كما ذكره النووي في ((شرح مسلم)) (٢ / ١٤٨).
٣٤١

ذكر الشعرَ النابت حول حلقة الدبر، ولعله بطريق القياس(١).
السادسة والستون: انتقاصُ الماء يدلُّ الحديث على طلبيته كما
دل على غيره، وقد فسَّرَه وكيع بـ: الاستنجاء، فيدخلُ تحت الطلبية
بالأمر أعمُ (٢) من الوجوب والاستحباب.
والاستنجاءُ إن كان منطلقاً على استعمال الماء والحجر؛ كما
قدمنا حكايته عمَّن قاله، لكنَّ ذكرَ الماء هاهنا يدلُّ على الاستنجاء
بالماء .
والاستنجاءُ بأحد الأمرين واجبٌ عند الشافعي؛ أعني: بالحجر
أو الماء (٣)، والمنقولُ فيه خلافُ أبي حنيفة.
السابعة والستون: وإن كان كما ذكرنا مدلولاً عليه من تفسير
وكيع، فقد نُصَّ عليه في الحديث الصحيح من فعل النبي مٍَّ، وقد
قالوا: إنه الأفضلُ لإزالة العين والأثر.
الثامنة والستون: ذُكر عن بعض السلف - رحمهم الله - ما يقتضي
تضعيفَ الاستنجاء بالماء، فروى مالك في ((الموطأ)) عن يحيى بن
سعيد: أنه سمع سعيد بن المسيب يُسأل عن الوضوء من الغائط
بالماء، فقال سعيد: إنَّما ذلك وضوء النساء (٤).
وفي كتاب ((العتبية))(٥): أن مالكاً بلغه: أن ابن شهاب قال لابن
(١) نقله عن المؤلف: الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٣٤٤).
(٢) ((ت)): ((الأعم)).
(٣) انظر: ((فتح العزيز في شرح الوجيز)) للرافعي (١ / ٥٠٣).
(٤) رواه الإمام مالك في ((الموطأ)) (١/ ٣٣).
(٥) في الأصل: ((العتبي))، والمثبت من ((ت)).
٣٤٢

هُرْمُزَ: نشدتك الله! أما علمت أن الناسَ كانوا يتوضؤون فيما مضى
ولا يستنجون بالماء، فسكت ابنُ هُرْمُزَ ولم يُجبْهُ بشيءٍ.
والذي فهمتُهُ من كلامهم في سكوت ابن هرمز: أنه موافقٌ لابن
شهاب في عمل الماضين وسكوته لترك العمل به واستعمال الماء.
وكلامُ ابن شهاب ومناشدتُهُ (١) تُشعِرُ بتضعيف الاستنجاء بالماء،
وهذا ينبغي أن يُحملَ على أنه خرج مخرجَ التبكيتِ (٢) على المتنطعين
والمتقززين، ومن لا يرى الاستنجاءَ بالحجر رغبةً ونفرةً عنه بعد ثبوت
جوازه شرعاً، فإنه قد يُبالغُ في مثل هذا الغرض.
[المسألة](٣) التاسعة والستون: هذه القرائنُ التي ذكرت في
خصال الفطرة، بعضُها يُتَّفقُ على استحبابه وعدم وجوبه؛ أعني: من
حیث هو هو، وبعضها يُختلف فيه، فقد يُستدلُّ من جانب مَن لا یری
الوجوبَ في محلِّ الخلاف بقرائتها بما لا يجبُ، بدلالة القِرانِ(٤) وهي
ضعيفةٌ عند أكثر الفقهاء والأصوليين، واستشهدوا بقوله تعالى:
◌ِكُلُواْ مِنْ شَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]،
وإيتاء الحق واجب، [والأكل غير واجب](٥).
(١) في الأصل: ((مشاهدته))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((التنكيت))، والمثبت من ((ت)).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) أي: يستدل على عدم وجوب المختلف في وجوبه منها بالاتفاق على عدم
وجوب بعضها بدلالة اقترانها في الذكر .
(٥) سقط من ((ت)).
٣٤٣

وعن أبي يوسفَ القولُ بدلالة الاقتران، وعلى هذا يُستدَلُّ له
في مسألة الماء المستعمل بالحديث: ((ولا يَبولنَّ أحدُكم في الماءِ
الدائمٍ ولا يغتسلُ فيهِ منَ الجنابَةِ))(١)، والبول فيه يفسده، فكذلك
الغسل(٢)، والله أعلم.
(١) تقدم تخريجه .
(٢) انظر: ((الإحكام) للآمدي (٢/ ٢٣٠)، و((البحر المحيط)) للزركشي
(٨/ ١٠٩). قال الإمام المحقق ابن القيم رحمه الله: دلالة الاقتران تظهر
قوتها في موطن، وضعفها في موطن، وتساوي الأمرين في موطن، فإذا
جمع المقترنين لفظً اشتركا في إطلاقه، وافترقا في تفصيله، قويت
الدلالة؛ كقوله: ((الفطرة خمس))، وفي مسلم: ((عشر من الفطرة))، ثم
فصلها، فإذا جعلت الفطرة بمعنى السنة، والسنة هي المقابلة للواجب،
ضعف الاستدلال بالحديث على وجوب الختان، لكن تلك المقدمتان
ممنوعتان، فليست الفطرة بمرادفة للسنة، ولا السنة في لفظ النبي وَّر هي
المقابلة للواجب، بل ذلك اصطلاح وضعي لا يحمل عليه كلام الشارع.
ومن ذلك قوله: ((على كل مسلم أن يغتسل يوم الجمعة ويستاك ويمس من
طيب بيته)) فقد اشترك الثلاثة في إطلاق لفظ الحق عليه، إذا كان حقاً
مستحباً في اثنين منهما، كان في الثالث مستحباً.
وأبين من هذا قوله: ((وبالغ في الاستنشاق)) فإن اللفظ تضمن الاستنشاق
والمبالغة، فإذا كان أحدهما مستحباً، فالآخر كذلك.
ولقائل أن يقول: اشتراك المستحب والمفروض في لفظ عام لا يقتضي
تساويهما لا لغةً ولا عرفاً، فإنهما إذا اشتركا في شيء لم يمتنع افتراقهما
في شيء، فإن المختلفات تشترك في لازم واحد، فيشتركان في أمر عام،
ويفترقان بخواصهما، فالاقتران كما لا يثبت لأحدهما خاصية، لا ينفيها
عنه، فتأمله. وإنما يثبت لهما الاشتراك في أمر عام فقط.
=
٣٤٤

السبعون: ومن هذا ينشأ النظرُ فيمن استدلَّ على عدم وجوب
الختان بقرانِهِ مع ما ليس بواجب، وسيأتي بسط الكلام فيه.
الحادية والسبعون: قد تبيَّنَ بهذه الرواية أنَّ مصعباً شكّ في
العاشرة، فظهر(١) من لفظه ظنُّهُ أنَّها المضمضة، وقيل: [إن](٢) في
رواية عمار بن ياسر عن النبي ◌ّ، فذكرَ ((المضمضة)) من غير شكِّ،
وذكرَ ((الخِتان)) بدلَ ((إعفاء اللحية))(٣).
الثانية والسبعون: استدل بعض أكابر الفقهاء القائلين بوجوب
الختان بالحديث الذي فيه: ((الفطرة خمس ... )) وفيه: ((الختان)).
قال: ووجهُ الاستدلال بالخبر: أنَّ الفطرةَ لما كانت الدينَ والملة
كان ما قيل: إنه منها، فالظاهر أنه من أركانها لا من زوائدها إلا أن
يقومَ الدليل على خلافه، والدليل على ذلك أنَّ كلَّ نبيِّ بُعثَ وشُرعت
له شِرعةٌ، فإنما يُبعثُ على أن يكونَ على قومه اتباعُهُ، لا على أن
يكونوا مُخيَّرين في طاعته، وأوجبَ هذا أن يكونَ الأصلُ في كلِّ
ما شُرع له الوجوبَ حتَّى يقومَ الدليل على غيره.
= ثم ذكر ابن القيم رحمه الله الموضع الذي يظهر ضعف دلالة الاقتران، ومثله
بقوله {قلقي: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم)»، ثم ذكر موطن التساوي.
فلينظر ذلك عنده في كتابه ((بدائع الفوائد)» (٤ / ٩٨٩ - ٩٩٠) فإنه أجاد
رحمه الله غاية الإجادة والإفادة.
(١) (ت)): ((وظهر)).
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) وتقدم تخريج حديث عمار
٠
به
٣٤٥
١

قال: وأيضاً فإنَّ اتباعَ الملة في الجملة(١) إذا كان واجباً، فما ثبتَ
أنَّه منها فإنما هو جزءٌ من جملةٍ قد ثبتَ لها حكمُ الوجوب، فالظاهر
أن حكمه(٢) الوجوبُ؛ يعني: ما لم يصرفه عن سائر الأجزاء دليلٌ،
وبالله التوفيق.
وهذا الذي قاله ليس بقوي عندي، والله أعلم [بالصواب](٣).
(١) في الأصل: ((الحكمة))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((حكم))، والمثبت من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
٣٤٦

الحديث التاسع
عن أبي عمرانَ الجَوْنِيِّ قال(١): قال أنسٌ: وُقْتَ لنا في قَصِّ
الشَّارِبِ، وتَقَليمِ الأَظْفَارِ، ونتفِ الإِبِطِ، وحَلقِ العَانِةِ أنْ لا نَتَرَكَ أكثرَ
مِنْ أربعينَ ليلةً. أخرجه مسلم (٢).
(١) قوله: ((عن أبي عمران الجوني قال)) ليس في نسخة ((الإلمام)) بخط الإمام
ابن عبد الهادي (ق ٥/ ٢)، وليس في المطبوع منه (١ / ٦١).
(٢) * تخريج الحديث:
رواه مسلم (٢٥٨)، كتاب الطهارة، باب: خصال الفطرة، وأبو داود
(٤٢٠٠)، كتاب: الترجل، باب: في أخذ الشارب، والنسائي (١٤)،
كتاب: الطهارة، باب: التوقيت في ذلك، والترمذي (٢٧٥٩)، كتاب:
الأدب، باب: في التوقيت في تقليم الأظفار وأخذ الشارب، وابن ماجه
(٢٩٥)، كتاب: الطهارة، باب: الفطرة، من طريق جعفر بن سليمان،
عن أبي عمران الجوني، عن أنس، به.
وقد رواه أبو داود (٤٢٠٠)، كتاب: الترجل، باب: في أخذ الشارب،
والترمذي (٢٧٥٨)، كتاب: الأدب، باب: في التوقيت في تقليم
الأظفار، من طريق صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني، عن أنس،
عن النبي ◌َّ ر: أنه وقت لهم ... ، الحديث قال أبو داود: حديث جعفر
ابن سليمان أصح، وقال الترمذي: حديث جعفر بن سليمان أصح من
=
حديث صدقة بن موسى، وصدقة بن موسى ليس عندهم بالحافظ.
٣٤٧

الكلام علیه من وجوه :
* الوجه الأول: في التعريف:
فنقول: أبو عمران الجوني - بفتح الجيم وسكون الواو، بعدها
نون ثم ياء النسبة -: مشهور بكنيته، والأشهرُ في اسمه: عبد الملك
ابن حبيب، وقيل: اسمه عبد الرحمن، قال بعض الحفاظ: الكندي،
وقيل: الأزدي البصري.
رأى أبا نُجيد عمرانَ بن حُصين الخزاعي، وسمع أبا حمزة أنسَ
ابن مالك الأنصاري، وأبا عبد الله جندبَ بن عبد الله بن سفيان البَجَلي
العَلَقي، وغيرَهما.
وروى عن جماعة من التابعين منهم: أبو بكر بن أبي موسى الأشعري،
وطلحةُ بن عبد الله المزني، وعقبةُ بن وَسَّاج الُبْرِسَاني(١)، وغيرُهم.
= قال العقيلي في ((الضعفاء)) (٢/ ٢٠٨): في حديث جعفر نظر، وقال ابن
عبد البر في ((الاستذكار)) (٨/ ٣٣٦): حديث ليس بالقوي، انفرد به جعفر
ابن سليمان الضبعي، عن أبي عمران الجوني، عن أنس، لا يعرف إلا من
هذا الوجه، وليس جعفر بن سليمان بحجة عندهم فيما انفرد به؛ لسوء
حفظه وكثرة غلطه، وإن كان رجلاً صالحاً.
وتعقب: بأن أبا داود والترمذي أخرجاه من رواية صدقة بن موسى كما
تقدم، وصدقة بن موسى وإن كان فيه مقال، لكن تبين أن جعفراً لم ينفرد
به، وقد صحّیح إسناده ابن منده. وقال في حديث جعفر بن سليمان: هذا
إسناد صحيح، أخرجه مسلم وتركه البخاري من هذا الوجه. وانظر
((الإمام)) للمؤلف (١ / ٤٠٤)، و((فتح الباري)) لابن حجر (١٠/ ٣٤٦).
(١) ((ت)): ((البرياسي)).
٣٤٨

روى عنه: أبو المعتمر سليمان بن طَرْخَان التيمي، وأبو بسطام
شعبة بن الحجاج العَتَكي، وأبو عون عبد الله بن عون، وحماد بن
سلمة بن دينار، [وأبو إسماعيل بن دينار](١)، وأبو إسماعيل حماد بن
زيد بن درهم، وأبو قدامة الحارث بن عبيد الإِيادي البصري.
يقال: إنه توفي سنة ثمان وعشرين ومئة.
قلت: اتَّفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه في ((الصحيحين)).
وروى أبو إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: أبو
عمران الجوني ثقة .
وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث.
وقال النسائي في ((التمييز)»: عبد الملك بن حبيب، أبو عمران
الجوني : ليس به بأسٌ.
وذكر الأَوْنَبي فيما وجدته عنه، عن ابن(٢) وضَّاح: سمعت ابن
مسعود يقول: أبو عمران الجوني ثقة، قال الأَوْنَي: وهو عندي من
الطبقة الثالثة من المحدثين(٣).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((أبي))، والمثبت من ((ت)).
(٣) * مصادر الترجمة :
((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٧ / ٢٣٨)، ((التاريخ الكبير)) للبخاري
(٥/ ٤١٠)، ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٥/ ٣٤٦)، ((الثقات))
لابن حبان (٥/ ١١٧)، ((التعديل والتجريح)) للباجي (٢ / ٩٢)، ((تهذيب
الكمال)» للمزي (١٨ / ٢٩٧)، ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٥ / ٢٥٥)،
((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٦/ ٣٤٦).
٣٤٩

قلت: هذه النسبة - أعني: الجوني - مشتركةٌ بين من ينسب إلى
الجَوْنِ معاوية بن حجر آكلِ المرار بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن
معاوية بن ثور بن عمرو مرتع (١) بن معاوية بن ثور كندة، وبين من
ينسب إلى الجَوْنِ بن عوف بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس، قال
الرشاطي: قال أبو عبيد: منهم أبو عمران الجوني(٢).
* الوجه الثاني : في تصحيحه:
قد ذكرنا أن مسلماً أخرجه، وهو مما انفرد به [عن](٣)
البخاري(٤).
الوجه الثالث: في شيء من مفرداته :
التوقيتُ: تعليقُ الحكم بالوقت، ولما تكلم(٥) بعض فضلاء
المتأخرين من المالكية على قول ابن القاسم: لم يوقّتْ مالكٌ في
الوضوء ... إلى آخره ذكر(٦) أنَّ التوقيتَ: ذكر الوقت؛ أي: في
(١) ((ت)): ((مربع)).
(٢) ونقله عن الرشاطي: الحافظ في ((فتح الباري)) (٧ / ٤٧٥).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) جاء على هامش ((ت)) بياض، وترك قدر سطرين دلالة على تتمة كلام
للمؤلف رحمه الله .
(٥) ((ت)): ((ذكر)).
(٦) ((ت)): ((وذكر)).
٣٥٠

أصل الوضع(١) وهذا غير صحيح؛ لأنا لو ذكرنا لفظ (الوقت) أو اسماً
من أسماء الزمان؛ كالليل أو النهار أو الصباح أو المساء لم يكن ذلك
توقیتاً، وإن کان ذکر وقت، والذي ذكرناه أقرب.
وقال الراغب: الوقتُ: نهاية الزمان المفروض للعمل، ولهذا
لا يكاد يقال إلا مُقيَّداً؛ نحو قولهم: وقَّتُّ كذا: جعلت له وقتاً، قال
تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَبًا مَّوْقُوتًا ﴾ [النساء: ١٠٣]،
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِنَتْ ﴾ [المرسلات: ١١].
والمِيقَاتُ: الوقتُ المضروب للشيء، والوعدُ الذي جُعل له وقت،
قال - وَ -: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَتُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الدخان: ٤٠]، ﴿إِلَى
مِيقَتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٥٠]، وقد يقال: الميقات؛ للمكان الذي يجعل
وقتاً للشيء؛ كميقات الحج(٢).
وقال الزمخشري: شيء مَوْقُوتٌ ومُؤَقَّتُ: محدود، وجاؤوا
للميقات، وبَلَغوا الميقات، ومواقيت الحج، والهلال ميقات الشهر،
والآخِرة ميقات الخلق، وهو مصير الوقت(٣).
قلت: وقد يطلق التوقيت على التحديد الواجب، ويحسن أن
يُحملَ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَوَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِسَبًا
مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣]، والله أعلم.
(١) انظر: ((الذخيرة)) للقرافي (١ / ٢٨٦).
(٢) انظر: ((مفردات القرآن)) للراغب (ص: ٨٧٩).
(٣) انظر: ((أساس البلاغة)) للزمخشري (ص: ٦٨٤).
٣٥١

* الوجه الرابع: في شيء من العربية، وفيه مسألتان:
الأولى: التقدير في قوله: ((وُقِّتَ لنا)» أن لا نتركَ [هذه](١) أكثرَ
من أربعين ليلة، فيكون ظرفاً.
الثانية: المشهور في(٢) أقسام (من) أربعة: ابتداء الغاية، وبيان
الجنس، والتبعيض، والزيادة.
فينبغي أن ينظر في (من) المصاحبة لأفعل؛ من أيِّ هذه الأقسام هي؟
والأقرب أنها لابتداء الغاية؛ بمعنى: الأكثريةُ ابتُدِأت من كذا،
فإذا قلنا: زيدٌ أفضلُ من عمرو فالتقدير: أنه ابتدأت أفضليتُهُ من
عمرو(٣).
* الوجه الخامس: في المباحث والفوائد، وفيه مسائل:
الأولى: هذه الصيغة - وهي قوله: (وُقُّت) - تكلّم الأصوليون
في مثلها؛ مثلَ: أَمرنا ونُهينا وأمرَ (٤) بكذا، وأنه هل يكون مُسنداً [إلى
النبي ◌َّه، كما لو صرَّح بقوله: أمر رسول الله ◌َي؛ أعني: في الحكم
بالإسناد إليه * أو لا يكون مسنداً](٥)؛ لاحتمال (٦) غير ذلك، وأن
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((من)).
(٣) (ت)) زيادة: ((الثالثة :... ))، ثم تُرك فراغ نحواً من سطر ونصف، وكتب في
الهامش: بياض.
(٤) ((ت)): ((أمرنا)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) (ت)): ((لاحتماله)).
٣٥٢

يكونَ الآمرُ غيرَ الرسولِ وَّهِ؟ ورجَّحُوا الأول(١).
[المسألة](٢) الثانية: هذا الحديث يقتضي أن لا يُترَكَ ما ذُكرَ فيه
أكثرَ من هذه المدة، ولا يقتضي النهي عن تركه في أقل منها، وأما أنه
هل يقتضي الأمرَ بإزالته إذا احتيجَ إليه في أقلِّ من هذا العدد؟ فدلالةٌ
هذا الحدیث قاصرةٌ عنه.
وهل يُؤْخَذُ من قوله - العَيْل ـ: ((الفطرة ... )) كذا وكذا؟
فيه (٣) نظر، والذي يقتضي ذلك هو اتِباعُ المقصود من إزالة هذه
الأشياء التي يُستقبَحُ تركها، فإن نزَّلْنا لفظ (الفطرة) [على المقيد بوصف
الحاجة إلى الإزالة فيما يُستقبحُ، كان ذلك دليلاً على الطلب فيما دون
هذه المدة، وإنما النظر فيما إذا أخذنا لفظ (الفطرة)](٤) مطلقاً ونزَّلنا اللفظ
فيها على المسمَّى من غير تقييد بوصف المسألة.
[المسألة](٥) الثالثة: ذكر أبو محمد بن أبي زيد قال: قال مالك:
وليس لقصِّ الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة حدٍّ إذا انتهى إليه
أعاده، ولكن إذا طال ذلك(٦).
وهذا إذا(٧) كان فيما دون الأربعين فقد ذكرنا مأخذه والنظر فيه،
وإن كان يدخل فيه ما زاد على الأربعين فظاهر الحديث يخالفه،
(١) وقد تقدم عند المؤلف رحمه الله الكلام عن هذه الصيغة.
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) (ت): ((وفيه)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) سقط من ((ت)).
(٦) وانظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢١ /٦٨).
(٧) ((ت)): ((إن)).
٣٥٣

ويمكن أن يقال: إنه إنما حُدِّدَ بالأربعين؛ لأن الغالب بمقتضى الطبيعة
أن لا يصلَ إلى هذا الحدِّ إلا وقد طال واحتيج إلى إزالته.
الرابعة: أحدُ ما عُلِّقَت به أحكامٌ في الشريعة هذا الذي نحن فيه
منها، وقد جمع الحافظ أبو موسى كتابين في كل واحد منهما أربعون
عُلِّقت الأمور فيها على أربعين.
وبعض الأكابر في الحديث والموصوفين(١) بالفقه ذكر أشياء من
ذلك في مسألة اشتراط الأربعين في الجمعة، فكأنه(٢) - والله أعلم - لما
شعر بضعف المستند والإسناد إلى الأثر (٣) المشهور(٤)، أراد أن يقويَ
(١) معطوف على قوله: ((الأكابر)).
(٢) ((ت)): ((وكأنه)).
(٣) ((ت)): ((الأمر)).
(٤) لعله يشير إلى ما رواه أبو داود (١٠٦٩)، كتاب: الصلاة، باب: الجمعة
في القرى، وابن ماجه (١٠٨٢)، كتاب، الصلاة، باب: في فرض
الجمعة، من حديث كعب بن مالك: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة
ترحم لأسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن
زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت من حرة بني بياضة في
نقيع يقال له: نقيع الخضمات، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون.
قلت: الحديث صححه ابن خزيمة في ((صحيحه)) (١٧٢٤)، وحسنه
الحافظ في ((التلخيص الحبير)) (٢ / ٥٦).
نعم الحديث ليس دليلاً إلى ما ذهب إليه بعضهم من اشتراط هذا العدد في
الجمعة، والجمعة واجبة بأربعين رجلاً، وبأكثر من أربعين، وبأقل من
أربعين. وانظر ((المحلى)) لابن حزم (٥ / ٤٨).
٣٥٤

ذلك بذكر أشياء عُلُّقَ الحكم فيها بالأربعين، ولا يخفى ضعف هذا،
وأنه تمسَّكَ في حكم خاصٍّ يحتاجُ إلى دليلٍ خاصٍّ بأمرِ عام، قُصَارَاهُ
مناسبةُ اعتبار الأربعين في هذا الحكم؛ لاعتبارِهِ في غيره، أو قياسٌ من
غير جامع قوي(١).
(١) جاء على هامش النسخة ((ت)): ((بياض نحو خمسة عشر سطراً من الأصل)).
٣٥٥

0
الحديث العاشر
عن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما -: أنَّ النبيَّ ◌َِّ نَهَى عَنِ القَزَعِ.
مُتَّفقٌ عليه(١).
(١) * تخريج الحديث:
رواه البخاري (٥٥٧٦)، كتاب: اللباس، باب: القزع، والنسائي
(٥٢٢٩)، كتاب: الزينة، باب: ذكر النهي عن أن يحلق بعض شعر
الصبي ويترك بعضه، من حديث ابن جريج، عن عبيد الله بن حفص، عن
عمر بن نافع، عن نافع، به .
ورواه مسلم (٢١٢٠ / ١١٣)، كتاب: اللباس والزينة، باب: كراهة
القزع، والنسائي (٥٢٣١)، كتاب: الزينة، باب: ذكر النهي عن أن يحلق
بعض شعر الصبي ويترك بعضه، من حديث يحيى بن سعيد، عن عبيد الله،
عن عمر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه النسائي (٥٢٣٠)، كتاب: الزينة، باب: ذكر النهي عن أن يحلق
بعض شعر الصبي ويترك بعضه، من حديث محمد بن بشر، عن عبيد الله،
عن عمر بن نافع، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه ابن ماجه (٣٦٣٧)، كتاب: اللباس، باب: النهي عن القزع، من
حديث أبي أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن عمر بن نافع، عن نافع، عن
ابن عمر، به.
٣٥٧

الکلام علیه من وجوه:
* الأول: في التعريف:
فنقول: أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نُفَيل بن
عبد العُزَّى بن رِيَاح بن عبد الله بن قُرْط بن رَزاح بن عدي بن كعب،
القرشي، العدوي، المدني.
= ورواه النسائي (٥٠٥١)، كتاب: الزينة، باب: النهي عن القزع، من حديث
سفیان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر ، به.
ورواه النسائي (٥٢٢٨)، كتاب: الزينة، باب: ذكر النهي عن أن يحلق
بعض شعر الصبي ويترك بعضه، من حديث حماد، عن عبيد الله، عن
نافع، عن ابن عمر ، به.
ورواه مسلم (٢١٢٠)، (٣/ ١٦٧٥)، من حديث عثمان بن عثمان
الغطفاني، عن عمر بن نافع، عن ابن عمر ، به.
ورواه أبو داود (٤١٩٣)، كتاب: الترجل، باب: في الذؤابة، من حديث
عثمان بن عثمان، عن عمر بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر، به.
ورواه مسلم (٢١٢٠)، (٣/ ٦٧٥)، وأبو داود (٤١٩٤)، من حديث
أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، به.
ورواه مسلم (٢١٢٠)، (٣/ ١٦٧٥)، من حديث روح، عن عمر بن نافع، به.
ومن طريق حماد بن زيد، عن عبد الرحمن السراج، عن نافع، به .
ورواه البخاري (٥٥٧٧)، كتاب: اللباس، باب: القزع، وابن ماجه
(٣٦٣٨)، كتاب: اللباس، باب: النهي عن القزع، من حديث عبد الله بن
دینار، عن ابن عمر ، به.
وسيأتي الكلام عن طرق الحديث المذكورة آنفاً في الوجه الثاني من هذا
الحديث .
٣٥٨

الصحابي ابن الصحابي، والإمام ابن الإمام، أمُّه وأمُّ أخته حفصة
زينبُ بنت مَظْعون بن حبيب الجُمَحیة.
أسلم مع أبيه قبلَ بلوغه ويقال: هاجر قبل أبيه، واتفقوا أنه لم
يشهدْ بدراً لصغره، وأما ما في كتاب [((المهذب))](١) في الفقه: أن ابنَ
عمرَ عُرض على النبي ◌َ﴿ يوم بدر وهو ابن أربع عشرة(٢)، فغلطٌ ظاهرٌ
مخالفٌ لما ثبت في ((الصحيح)): أن عرضه عام أُحُد، وهو ابن أربع
عشرة سنة .
وأما أُحُد ففي شهوده إياها خلاف، وثبت في ((الصحيح)) أنه
قال: عُرضْتُ على النبيِّ وَِّ عام أَحُد وأنا ابن أربع عشرة [سنة](٣)،
فلم يُجزني، وعُرضْتُ عليه بعد ذلك يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة
[سنة] (٤) فأجازني(٥) .
وعنه أيضاً: أولُ يوم شهدته يومُ الخندق(٦)؛ وقد صُحِّح.
وشهد الخندقَ وما بعدها من المشاهد مع الرسول وَلخير، وشهد غزوة
مؤتة مع من كان بها أميراً، وشهد اليرموك، وفتح مصر، وفتح إفريقية.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((المهذب)) الشيرازي (٢ / ٢٢٨).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) زيادة من ((ت)).
(٥) رواه البخاري (٢٥٢١)، كتاب: الشهادات، باب: بلوغ الصبيان وشهادتهم،
ومسلم (١٨٦٨)، كتاب: الإمارة، باب: بيان سن البلوغ.
(٦) رواه البخاري (٣٨٨١)، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق.
٣٥٩

وكان شديدَ الاتباع لآثار رسول الله وَ ﴿ في نزول منازله، والصلاة
في مكان صلى فيه، وإبراك ناقته في مَبْرَك ناقته بَّهِ، وذُكر أنَّ النبي
صَلىالله
نزل تحت شجرة، وأن ابنَ عمر كان يتعاهدُها بالماء(١).
روى عنه: أولادُهُ: سالمٌ، وحمزةُ، وعبدُ اللهِ، وبلالٌ، وخَلْقٌ
من التابعين .
وفي مناقبه - نظُه - كثرةٌ، ولمنزلته في أئمة المتقين شهرة؛ أما
الفقه فعن الزُّهري أنه قال: لا يُعدلُ برأي ابن عمر، فإنه أقام بعد
رسول الله وَل﴿ ستين سنة، فلم يَخْفَ عليه شيء من أمره، ولا من أمر
الصحابة (٢).
وعن مالك - رحمه الله - أنه قال: أقام ابن عمر ستين سنة تقدُمُ
عليه الوفود(٣).
وذكر أبو عمر، عن ابن وهب، عن مالك قال: بلغ عبد الله بن
عمر ستّاً وثمانين سنة، وأفتى في الإسلام ستين سنة، ونشر نافعٌ عنه
علماً جَمَّاً(٤).
وذكر عن ميمون بن مهران أنه قال: ما رأيتُ أورعَ من ابن عمر،
ولا أعلمَ من ابن عباس.
(١) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٣١/ ١٢١).
(٢) ذكره النووي في ((تهذيب الأسماء)) (١ / ٢٦٢).
(٣) المرجع السابق، الموضع نفسه.
(٤) انظر: ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (٣/ ٩٥١).
٣٦٠