النص المفهرس

صفحات 301-320

وبهذا الاعتبار يمكن أن يقالَ في إرشاده تعالى إلى هذه الخصال
التي هي في مرتبة التحسين والتزيين للهيئة الظاهرة، وبروزها فيما
تَقبله النفوس، وتُقُبل عليه القلوب، مثلُ هذا.
الثانية والعشرون: في هذا الحديث من أنواع البديع نوعُ المُطابقة
وهو اشتمال الكلام على الضُّدين على الاصطلاح المشهور، وذلك
[في](١) قوله وَّهِ: ((قصُّ الشارب وإعفاءُ اللحية))، فإن الإعفاءَ ضدُّ القص.
وأما حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - في هذا عن النبيِّ ◌َّ:
((أحفُوا الشواربَ، وأعفُوا اللُّحى)) (٢)؛ وسيأتي ذكره عند الكلام على
التعارض بين القص والإعفاء، وكذلك روايته عن النبي ◌ّهى: أنه أمرَ
بإحفاءِ الشواربِ، وإعفاءِ اللحى(٣)؛ وكذلك الرواية الأخرى في
حديثه: ((خالفُوا المشركينَ؛ أحقُوا الشواربَ، وأوفُوا اللُّحى))(٤)؛ فإن
في ذلك كلَّه مع المطابقة نوعاً من أنواع المُجانسة، فإنها بالنسبة إلى
اتفاق الوزن والتركيب واختلافهما أربعةُ أنواع:
اتفاق الوزن واتفاق التركيب؛ كالإنسان يراد به إنسان العين،
والإنسان يراد به الآدمي.
واتفاق الوزن واختلاف التركيب بحرف واحد، وهو ما نحن فيه
من: ((أحفوا)) و((أعفوا))، وكذلك الخيل والخير في لفظ النبي أمير:
(١) سقط من ((ت)).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) رواه مسلم (٢٥٩/ ٥٣)، كتاب: الطهارة، باب: خصال الفطرة.
(٤) تقدم تخريجه .
٣٠١

((الخيلُ معقودٌ في نواصِيها الخيرُ))(١).
واختلاف الوزن واتفاق التركيب؛ كالخَلْقِ والخُلُق.
واختلاف الوزن واختلاف التركيب بحرف واحد؛ كيَحسبون
ويُحسنون.
وإنما قلنا: بالنسبة إلى اتفاق الوزن والتركيب؛ لأن لهم نوعين
في التجنيس وسمّى بعضهم(٢) أحدَهما (٣): العكسَ؛ إما في الكلمات؛
كعادات السادات، وسادات العادات، أو في حروف الكلمة؛ كالبدر
والبرد(٤)، و((اللهمَّ استرْ عَوراتِنا، وآمنْ رَوعَاتِنا)) (٥).
وسمى بعضهم الآخر (٦): المجتث(٧)؛ كالأحجار وجار.
(١) رواه البخاري (٢٦٩٥)، كتاب: الجهاد والسير، باب: الخيل معقود
في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، ومسلم (١٨٧٣)، كتاب: الإمارة،
باب: الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، من حديث عروة
البارقي
(٢) (ت)): ((وبعضهم سمی)).
(٣) في الأصل: ((أحدهم))، والمثبت من ((ت)).
(٤) (ت)): ((كالبرد والبرد)).
(٥) رواه الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٣)، من حديث أبي سعيد الخدري
قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد» (١٠ / ١٣٦): رواه أحمد والبزار،
وإسناد البزار متصل، ورجاله ثقات، وكذلك رجال أحمد، إلا أن في
نسختي من ((المسند)) عن ربيح بن أبي سعيد، عن أبيه، وهو في البزار عن
أبيه، عن جده .
(٦) (ت)): ((للآخر)).
(٧) في الأصل: ((الخس))، والمثبت من ((ت)).
٣٠٢

* الوجه السابع: في الفوائد والمباحث، وفيه مسائل:
الأولى: قد تقدم أنَّ (من) للتبعيض وأنه لا يقتضي الحصر،
والكلام على رواية: ((الفطرة خمس)).
الثانية: ذكر غير واحد أن الفطرةَ: السنةُ، وعن الخطابي أنه قال:
ذهب [أكثرُ](١) العلماء إلى أنها السنة(٢)، وقال الروياني الشافعي(٣) في
((البحر)): وقوله: من الفطرة؛ أي: من السنة؛ يعني: من سنن الأنبياء
الذين أُمرنا بأن نقتديَ بهم في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ
فَبِهُدَ هُمُ أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأول من أمر بها إبراهيم بَّر، وذلك
قوله تعالى: ﴿وَإِذٍ أَبْتَلَّ إِرَهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَّمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤] (٤).
الثالثة: إذا فسَّرنا الفطرة بالسنة، فلا ينبغي أن يُحملَ على السنة
بالمعنى الذي يُقابلُ به الفرضُ والواجبُ، بل أعم من ذلك وهي طريقة
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((معالم السنن)) له (٤ / ٢١١).
(٣) في الأصل: ((عن الشافعي))، والمثبت من ((ت)).
(٤) انظر: ((بحر المذهب)) للروياني (١ / ٨٢). قال الحافظ في ((الفتح))
(٣٣٩/١٠): والمراد بالفطرة في حديث الباب: أن هذه الأشياء إذا
فعلت، اتصف فاعلها بالفطرة التي فطر الله العباد عليها، وحثهم على
فعلها، واستحبها لهم، ليكونوا على أكمل الصفات وأشرفها صورة.
قال ابن القيم رحمه الله في ((تحفة المودود)) (ص: ١٦٠): إنما كانت هذه
الخصال من الفطرة؛ لأن الفطرة هي الحنيفية ملة إبراهيم، وهذه الخصال
أمر بها إبراهيم، وهي من الكلمات التي ابتلاه ربُّه بهنَّ.
٣٠٣

الأنبياء [مثلاً](١)، أو طريقة إبراهيم الخليل الطبية.
الرابعة: مقتضى الإطلاق في قصِّ الشارب أن يحصلَ تأدِّي السنةِ
بمُسمَّى القص، ولكنه يُعتبر فيه المعنى الذي شُرع لأجله وهو إمّا
مخالفة شعار المجوس والأعاجم، أو زوال المفاسد التي تتعلق ببقائه
التي يدلُّ الشرع على اجتنابها .
الخامسة: [و](٢) قد تقدم في المفردات تفسير الشارب، ومن
ذكر أنهما شاربان وبتحصُّلِ المسمَّى يحصل تأدِّي السنة، فإِنْ صحَّ
أنهما شاربان؛ فإمّا أن يتناولَهما الحكم، وإمّا أن ينزَّلَ(٣) على المشهور
المتبادر إلى الذهن، وإن كان الوضع اللغوي على خلافه.
السادسة: قد ذكرنا أن مسمّى القص يحصل به تأدي السنة، وأن
المعنى يقتضي زيادةً على ذلك، وورد في الصحيح: ((أحفُوا
الشواربَ))(٤) بهمزه، و((أمرَ بإحفاءِ الشواربِ))(٥)، وظاهره يقتضي زيادةً
على ما ذكرناه من مخالفة شعار المجوس وما تزول به المفاسد في
طوله، فإن الإحفاءَ مشعرٌ(٦) بالاستئصال، وعن الهروي في تفسيرها:
جُزُّوها.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) أي: الحكم، وفي ((ت)): ((يدل)).
(٤) تقدم تخريجه .
(٥) تقدم تخريجه.
(٦) (ت)): (يشعر)).
٣٠٤

قال الخطابيُّ: ويكون(١) بمعنى الاستقصاء(٢).
[يقال: أحفَى شاربه ورأسه، قال ابن دُريد](٣): يقال: أحفى
شاربه يحفوه حفواً: إذا استأصلَ أخْذَ شعرِه، قال: ومنه قوله: ((أحفُوا
الشواربَ))(٤). [وقريبٌ من هذا في الدلالة على الزيادة على القص:
((انهكوا الشواربَ))(٥)](٦) وهو في الصحيح، وقد قيل به.
قال القاضي: وأمّا الشارب فذهب كثيرٌ من السلف إلى استئصاله
وحلقه بظاهر قوله وَ الج: ((أحفُوا الشواربَ)) و((أنهكوا))؛ وهو قول
الکوفیین(٧) .
السابعة: لم يقلْ مالك - رحمه الله - بالاستئصال، وأغلظَ القول
فيه، ففي (٨) كتاب ((العتبية))(٩): وسئل مالك عمن أحفى شاربه، قال(١٠):
يُوجَعُ ضرباً، وليس حديث النبي بالإحفاء(١١).
(١) أي: الإحفاء.
(٢) انظر: ((معالم السنن)) للخطابي (٤ / ٢١١).
(٣) سقط من ((ت)).
(٤) انظر: ((جمهرة اللغة)) لابن دريد (١ / ٥٥٦). وانظر: ((إكمال المعلم))
للقاضي عياض (٢ / ٦٢).
(٥) رواه البخاري (٥٥٥٤)، كتاب: اللباس، باب: إعفاء اللحى، من حديث
ابن عمر رضي الله عنهما.
(٦) سقط من ((ت)).
(٧) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ٦٤).
(٨) ((ت)): ((وفي)).
(٩) في الأصل: ((العتبي))، والمثبت من ((ت).
(١٠) ((ت)): ((فقال)).
(١١) انظر: ((التمهيد)) لابن عبد البر (٢١ / ٦٤)، و((مواهب الجليل)) للحطاب
(١/ ٢١٦) .
٣٠٥

وذَكَرَ من رواية زيد بن أسلم أثراً عن عمرَ - ﴿ه - فيه: وهو يفتل
شاربه(١)، [قال](٢): فلو (٣) كان مملوصاً ما وجد ما يفتل، هذه بدعٌ
ظهرت(٤) في الناس.
قلت: وقد نُقُل عن بعض العلماء التخيير بين الأمرين، وقولُ مالك
- رحمه الله -: وليس حديث النبي ◌َّه بالإحفاء(٥) [يحتملُ وجهين:
أحدهما: أن يكون لم يبلغْهُ الحدیث فيه.
والثاني: أن يكون المرادُ: ليس معنى حديث النبي صل﴾ في
الإحفاء](٦) الاستئصالُ، [وهذا](٧) مُقتضى(٨) ما نقله أبو محمد بن أبي
(١) ورواه عن الإمام مالك: أبو عبيد في ((الأموال)) (ص: ٣٧٧)، وابن أبي عاصم
في ((الآحاد والمثاني)) (١ / ١٠٠)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (٥٤).
قال ابن عبد البر في ((التمهيد)) (٢١ / ٦٦): وما احتج به مالك أن عمر كان
يفتل شاربه إذا غضب أو اهتم، فجائز أن يكون كان يتركه حتى يمكن فتله
ثم یحلقه، کما تری کثیراً من الناس يفعله.
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((ولو)).
(٤) في الأصل: ((فقد ظهرت))، والمثبت من ((ت)).
(٥) في الأصل: ((في الإحفاء)»، والمثبت من ((ت)).
(٦) زيادة من ((ت)).
(٧) زيادة من (ت)).
(٨) في الأصل: ((يقتضي))، والمثبت من ((ت)).
٣٠٦

زيد المالكي [قال](١): وسئل مالك عمن أحفى شاربه [فقال](٢):
يوجع ضرباً، وهذه بدعة، وإنما الإحفاءُ المذكور في الحديث قصُّ
الإطار وهو طرف الشعر(٣)، وكان عمر - * - يفتلُ شاربَه إذا أكربه
أمر، فلو كان مملوصاً ما وجد ما يفتلُ منه.
وذكر بعضُ المتأخرين من أتباع الشافعي - رحمه الله -: أن
المختارَ أن يُقصَّ حتى يبدوَ طرف(٤) الشفة، ولا يُحفيه من أصله، وأمَّا
روايات: ((أحفوا الشوارب))، فمعناها: أحفُوا ما طال على الشفتين
والله أعلم(٥).
وهذا موافقٌ لما اختاره مالكٌ وأصحابه(٦)، ولا أعلم (٧) هل قاله نقلاً
[عن الرافعيِّ - رحمه الله - و](٨) الشافعيِّ وأصحابه، أو اختياراً منه(٩).
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) وانظر: ((الرسالة)) لابن أبي زيد (ص: ١٥٦).
(٤) (ت)): ((أطراف)).
(٥) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩).
(٦) في الأصل: ((أو اختياراً)، وسيأتي موضعها المناسب.
(٧) في الأصل: ((ولا يعلم))، والمثبت من ((ت)).
(٨) سقط من ((ت)).
(٩) قال النووي في ((المجموع)) (١ / ٣٥٤): هذا مذهبنا، ثم قال: وهذه
الروايات محمولة عندنا على الحف من طرف الشفة لا من أصل الشعر،
انتھی. قلت: هذا یدل علی أن ما ذکره النووي رحمه الله لیس اختياراً منه . =
٣٠٧

الثامنة: هل لا تتأدى السنةُ إلا بالقصِّ، أو تتأدى بما يقوم مقامه
في الإزالة؛ كما يفعل بعضُهم من قرض ما طالَ من شاربه بأسنانه،
وكان مقصوده نعومته، فإن الحدید یخشِّنه؟
يحتمل أن يقال بالأول؛ نظراً إلى [اللفظ، ويحتمل أن يقال
بالثاني؛ نظراً إلى](١) المعنى، وعلى كلِّ حالٍ فاتباعُ لفظ الحديث
أولى.
التاسعة: الإطلاقُ يقتضي تأدي السنة بالمسمَّى، وذكر بعضُ
المتأخرين أنه يبدأ بالجانب الأيمن(٢)، وكأنه مأخوذ من الحديث الذي
يأتي: أنَّ النَّبِيَّ وَ﴿ كانَ يحبُّ التيمُنَ في طَهورِهِ إذا تطهَّرَ، وفي ترجُلِهِ
إذا ترجَّلَ، وفي انتعالِهِ إذا انتعَلَ(٣).
وليس بهذا بأس؛ لأنه لا تنافيَ في تأدي سنة القص بالمسمَّى أن
تكون هاهنا سنةٌ أخرى يُطلب أداؤها وهي التَّيامُنُ.
العاشرة: قصُّ الشارب أعمُّ من قص نفسه (٤) له، أو قص غيره
= ثم رأيت قول الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٣٤٧) قلت: صرح في ((شرح
المهذب)) بأن هذا مذهبنا، وقال الطحاوي: لم أر عن الشافعي في ذلك
شيئاً منصوصاً، وأصحابه الذین رأيناهم کالمزني والربيع كانوا يحفون،
وما أظنهم أخذوا ذلك إلا منه.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩).
(٣) رواه مسلم (٢٦٨)، كتاب: الطهارة، باب: التيمن في الطهور وغيره، من
حديث عائشة رضي الله عنها .
(٤) ((ت)): ((صاحبه)) بدل («نفسه)).
٣٠٨

له، فينبغي أن يتأدّى المقصودُ بأيهما كان.
وفي كلام بعضهم التخييرُ، فإنه قال: فهو [مخيّرٌ](١) بين القص
بنفسه وبين أن يوليَ ذلك غيرَهُ؛ لحصول المقصود من غير هَتْك مُروءة
ولا حُرمة، بخلافِ الإبطِ والعانة(٢).
والأقرب عندي: أن لا يكونَ هذا التخيير بمعنى التسوية بين
الأمرين، وأن يترجَّحَ(٣) قصُّه بنفسه على قصِّه من الأجانب الذين ليس
بين الإنسان وبينهم حُرمة تقتضي العادةُ المسامحةَ [بذلك](٤) منهم،
ولکنه ترجيحٌ غير قوي.
الحادية عشرة: هاهنا تقييدٌ لما يقتضيه الإطلاقُ من استحباب
قصِّ الشارب من غير قيد، وهو ما دلّ عليه الحديث الصحيح عن أمّ
سلمة - رضي الله عنها -: أن النبيَّي ◌َّهِ قال: ((إذَا رَأيْتُم هلالَ ذي
الحجَّةِ وأرادَ أحدُكمْ أن يضخِّيَ، فليُمْسِكْ عنْ شعرِهِ وأظفارِهِ)(٥).
وفي كتاب ((العتبية))(٦) عن مالك: لا بأسَ بذلك.
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩).
(٣) في الأصل: ((ترجح))، والمثبت من ((ت)).
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) رواه مسلم (١٩٧٧)، كتاب: الأضاحي، باب: نهي من دخل عليه عشر
ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئاً.
(٦) في الأصل: ((العتبي))، والمثبت من ((ت)).
٣٠٩

ونقل ابن أبي زيد(١)، عن ابن المسيِّب أنه [قال](٢): لا بأس
بالإطلاق في العشر(٣).
قال قاضي الجماعة أبو الوليد بن رُشد - بعد ذكر ما ذكره من
الحديث عن أم سلمة رضي الله عنها -: وإنما لم يرَ مالكٌ بهذا بأساً؛
لأنه عارضه عنده(٤) حديثُ عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت ردّاً
لقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: منْ أهدَى هدياً حرمَ عليه
ما يَحرمُ على الحاجِّ حتى ينحرَ الهدي: ليس كما قال ابنُ عباس، أنا
فتلتُ قلائدَ هدي رسول الله ێ بيدي ثم قلدها بيده(٥)، وبعث بها فلم
يحرم عليه شيء مما أحلَّه الله (٦)، حتى ينحر الهدي(٧).
فأحرى أن لا يحرمَ على الذي يريد أن يضحي أو عنده ذبح يريد
أن يضحي به شيءٌ .
(١) في الأصل: ((نقل عن ابن أبي زيد))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في ((المصنف)) (١٤٧٨٤).
(٤) في الأصل: ((عند))، والمثبت من ((ت)).
(٥) في الأصل: ((بيدي))، والمثبت من ((ت)).
(٦) في ((ت)) زيادة: ((لأنه إذا لم يحرم على الذي بعث بالهدي شيء مما
أحله الله)) .
(٧) رواه البخاري (١٦١٣)، كتاب: الحج، باب: من قلد القلائد بيده،
ومسلم (١٣٢١)، كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي إلى الحرم
لمن لا يريد الذهاب بنفسه.
٣١٠

فإن(١) قال: معنى حديث عائشةَ أنه لم يحرم على رسول الله وَّى
شيءٌ مما أحلَّ الله له من أهله حتى نحر الهدي على ما جاء في بعض
الآثار عنها، ويحرمُ عليه ما سوى ذلك من حلق الشعر وقص الأظفار
على ما حدَّثتْ(٢) أم سَلمةَ.
قلت: ظاهر قول مالك - رحمه الله - أنه لا يكره ذلك،
والتعارض الذي أشار إليه القاضي أبو الوليد مشروطٌ بأن يُحملَ النهيُ
في حديث أم سلمة - رضي الله عنها - على التحريم، مع دلالة حديث
عائشة - رضي الله عنها - على الإباحة.
وأما إذا حُمل حديثُ أمِّ سَلمةَ على الكراهة ، وحديثُ عائشةَ
على الجواز، فلا تعارضَ في ذلك، وفيه جمعٌ بين الحديثين.
هذا على تقدير أن يكون الحدیثان يتناولان شيئاً واحداً، وفيه نظر
أيضاً؛ لأن حديث أم سلمة - رضي الله عنها - لم يتناول المباشرة
للأهل، وإنما تناول الشعر والظفر، فإذا حُمل حديث عائشة
- رضي الله عنها - على مباشرة الأهل؛ كما جاء في رواية: ((لم يحرمْ
على رسولِ الله ◌َ﴿ شيءٌ مما أحلَّ اللهُ له من أهلِهِ حتى نحرَ الهديَ))
واستدللنا بهذا القيد(٣) على مرادها من ذلك [الإطلاق](٤) لم يجمعا في
(١) في الأصل: ((بأن))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((في حديث)).
(٣) ((ت)): ((التقييد)).
(٤) ((ت)): ((ت)).
٣١١

محل واحد، فلا تعارض.
ويحتمل أن يكون قولُ مالك: [لا بأسَ](١) بذلك، نفيُ التحريم
الذي لا تناقضه الكراهةُ، ولكنه ليس الأظهر.
الثانية عشرة: تخصُّ منه حالة الإحرام بنص الكتاب العزيز،
والله أعلم.
الثالثة عشرة: اختلفوا في قص الشارب وتقليم الأظفار، في حق
المیت عند غسله(٢)(٣) .
(١) زيادة من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((يريد به غسله في .... ))، والمثبت من ((ت).
(٣) جاء في الأصل و((ت)): ((بياض)). قلت: والمسألة التي ذكرها المؤلف
رحمه الله في قص شارب الميت وتقليم أظفاره، وقد ذكر ابن قدامة رحمه الله
في ((المغني)) (٢/ ٢١٠): أن شارب الميت إذا كان طويلاً استحب قصُّه،
قال: وهذا قول الحسن، وبكر بن عبد الله، وسعيد بن جبير، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا يؤخذ من الميت شيء، فإنه قطع شيء منه،
فلم يستحب كالختان، واختلف أصحاب الشافعي كالقولين.
فأما الأظفار إذا طالت: ففيها روايتان: إحداهما: لا تقلم، قال أحمد:
لا تقلم أظفاره ويبقى وسخها، وهو ظاهر كلام الخرقي، والثانية: يقص
إذا كان فاحشاً، نصَّ عليه؛ لأنه من السنة، ولا مضرة فيه، فيشرع أخذه
كالشارب، ويمكن أن تحمل الرواية الأولى على ما إذا لم تكن فاحشة،
انتھی .
قلت: مذهب الشافعية أن تقلم أظفار الميت، ويؤخذ من شعر شاربه
وإبطه وعانته، وهو القول الجديد. انظر: ((المجموع في شرح المهذب))
للنووي (٥ / ١٣٧).
٣١٢

الرابعة عشرة: ذكر بعض الحنفية: أنه في حق الغازي في دار
الحرب: أن توفيرَ (١) شارِبِهِ مندوبٌ إليه؛ ليكونَ أهيبَ في عين العدو،
فيحصل به الإرهاب والإرعاب، قال: ولهذا لا بأسَ بلبس ثوبٍ لُحمتُهُ
حريرٌ، وسَداه غير حرير في الحرب؛ للحاجة إلى تهييب (٢) العدو إلى
دفع مَعرَّةِ السيف.
وقوله هذا في (٣) الشارب ضعيف (٤).
الخامسة عشرة: لا أحفظُ عن أحد من العلماء أنه قال بوجوب
قصِّ الشارب من حيثُ هو هو(٥)، وقد ذكرنا عن صاحب ((البحر)) في
تفسير (الفطرة؛ يعني: من السنَّة): يعني: من سنن الأنبياء الذين أُمرنا
أن نقتديَ بهم في قوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَنُهُمُ
(١) في الأصل: ((يوفر))، والمثبت من ((ت)).
(٢) في الأصل: ((تهيب))، والمثبت من ((ت)).
(٣) ((ت)): ((في هذا)).
(٤) نقله عن المؤلف: الحافظ في ((الفتح)) (١٠ / ٣٤٨).
(٥) قال ابن مفلح في ((الفروع)) (١ / ١٠٠)، ويحفُّ شاربه؛ خلافاً لمالك، أو
يقص طرفه، وحقُّه أولى في المنصوص؛ وفاقاً لأبي حنيفة والشافعي،
ولا يمنع منه مالك، وذكر ابن حزم الإجماع: أن قص الشارب وإعفاء
اللحية فرض، ثم قال: وأطلق أصحابنا وغيرهم الاستحباب، ثم ذكر
حديث زيد بن أرقم: ((من لم يأخذ شاربه، فليس منا))، ثم قال: وهذه
الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم.
قلت: وقد نص ابن حزم في ((المحلى)) (٢/ ٢١٨) على فرضية قص
الشارب.
٣١٣

أَقْتَدِةٌ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وأول من أمر بها إبراهيم - صلوات الله عليه -،
وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذٍ أَبْتَلَّ إِبْرَهِعَمَ رَبُّهُ بِكَلِمَةٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤].
فمقتضى (١) هذا الكلام [أن](٢) نكونَ مأمورين باتّباع
إبراهيم - القلي - في هذه الأشياء، والمراد بالابتلاء بالكلمات
فعلُ مدلولها، وقوله: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾ مفسَّرٌ بأنه أدَّاهن تامَّاتٍ غيرَ
ناقصات، فإذا كان إبراهيم - العليا - قد فعلهن وأتمهن، وقد أُمرنا
باتباعه كان ذلك مثلَ ما استدلَّ الشافعية - أو من استدل منهم - على
وجوب الختان بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ أَقَعْ مِلَّةَ
إِبْرَهِيمَ ﴾ [النحل: ١٢٣]، وإبراهيم - الَْ - قد اختتن بالقَدُّوم(٣)، والأمر
للوجوب فيجب الختان، وسيأتي الكلام على هذا [فيما](٤) بعد في
هذا الباب [إن شاء الله تعالى](٥).
وإذا كان هذا الاستدلال مُساوياً لذلك مع افتراقهما في الحكم؛
حيث وجب أحدهما وهو الختان؛ واستُحبَّ الآخرُ وهو قص الشارب
وغيره، فأحد الأمرين لازم؛ إما بطلان هذا أو بطلان ذاك.
هذا بالنظر إلى الشيء من حيث هو هو، وأما مع النظر إلى
(١) في الأصل: ((فبمقتضى))، والمثبت من ((ت)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) سيأتي تخريجه في الحديث الأخير من هذا الباب.
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) زيادة من ((ت)).
٣١٤

الموانع والشرائط الزائدة، والجدليات؛ فلا يمنع أن يفرَّقَ بينهما.
ويمكن أن يقال: إن الاستدلالَ في أمر الختان أقوى من هذا؛
لأن الاستدلال في الأمرين ينبني على مقدمتين:
إحداهما: الأمر باتباع ملة(١) إبراهيم العليّئها.
[و](٢) الثانية (٣): أنه - الظلية - فعل ذلك.
فأما الأمر بالاتباع فبالقرآن الكريم، وأما أنه فعلَهُ فبالحديث
الصحيح.
وأما في هذه الخصال فإنه يُحتاج إلى مقدمتین أُخریین:
إحداهما: أن المرادَ بالكلمات: هذه الخصالُ، وهو يفتقر إلى
دليل نقليٍّ يقوم عليه، فإنَّ الكتاب العزيز ليس بمصرِّح بها، وإنما ذكر
الابتلاء بكلمات من غیر بیانٍ لهنَّ .
والثانية(٤): أن يكون المراد بـ(أتمهن): فعلهن.
وقد تشغب في المقدمتين مُشغِّب، إلا أن الواحديَّ - رحمه الله -
ذكر أن [أكثر](٥) المفسرين قالوا في تفسير الكلمات: إنها عشر خصال
من السنة؛ خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ فالتي في الرأس:
الفرق، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب، والسواك، والتي(٦)
(١) ((ت)): ((بالاتباع لملة)).
(٢) زيادة من ((ت)).
(٣) في الأصل و((ت)): ((الثاني))، والصواب ما أثبت.
(٤) في الأصل: ((والثاني))، والتصويب من ((ت)).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) ((ت)): ((والذي)).
٣١٥

في الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء،
ونتف الإبطین(١).
[قال الواحدي](٢): قال عطاء عن ابن عباس: أوحى الله تعالى
إلى إبراهيم: يا خليلي! أن (٣) تطهَّرْ، فتمضمضَ، فأوحى الله إليه
أنْ تطهّرْ، فاستنشق فأوحى الله إليه أن تطهر، ففرق شعره فأوحى الله
إليه أن تطهر فاستاك، فأوحى الله إليه أن تطهّر، فاستنجى،
فأوحى الله إليه أن تطهّر، فحلق عانته، فأوحى الله إليه أن تطهّر،
فأخذ من شاربه، فأوحى الله إليه أن تطهّر، فنتف من إبطه،
فأوحى الله إليه أن تطهّر، فقلّم أظفاره، فأوحى الله إليه أن تطهّر،
فأقبل بوجهه على جسده ينظر ماذا يصنع؟ فاختتن بعد عشرين ومئة
سنة(٤)؛ أو كما قال.
فكونُ أكثر المفسرين على هذا يضعف التشغيب في المقدمة
(١) في الأصل: ((الرفغين))، والمثبت من ((ت))، وانظر: ((الوجيز في تفسير
الكتاب العزيز)) للواحدي (١/ ١٣٠)، وما ذكره الواحدي في تفسير
الكلمات: رواه الطبري في ((تفسيره)) (١ / ٥٢٤) بسند صحيح عن ابن
عباس رضي الله عنهما.
(٢) سقط من ((ت)).
(٣) كذا في الأصل وفي ((ت))، ولو كانت: أن يا خليلي تطهر، لكان أحسن،
والله أعلم.
(٤) وذكره ابن عطية في ((المحرر الوجيز)) (١ / ٢٠٦)، وأبو حيان في ((البحر
المحيط)» (١ / ٥٤٦).
٣١٦

الأولى، وبعدَ غلبة الظنِّ بها يضعف التشغيبُ أكثر في أن المراد
بـ(أتمهن) فعلهن.
وهذا (١) الإلزام الذي ذكرناه في حقِّ من يسلمُ أنَّ الكلماتِ
الخصال، ويستدل في مسألة الختان بذلك الدليل أقوى منه في حق من
لا يقول بذلك(٢).
السادسة عشرة: قد ذكرنا في معنى الإعفاء التكثير، وهو التوفير
لتكثُرَ، وهو معنى(٣) ((أوفوا)) في الرواية الأخرى؛ أي: اجعلوها وافية،
فالأمر بالإعفاء من باب إقامة المسبب في الأمر مقامَ السبب؛ لأن ترك
قصها سببٌ لكثرتها، فوُضِعَ إعفاؤها وهو المسببُ موضعَ تركِ قصها،
وهو السبب .
وإن صحَّ أن يكون إعفاؤها من باب: أعفيت فلاناً من كذا؛ أي:
تركته من طلبه منه، أو ما يقرب منه، فيكون الإعفاءُ بمعنى: ترك
قصها، فلا(٤) يكون من باب إقامة المسبب [مقامَ السبب](٥).
السابعة عشرة: لم نعلمْ أنَّ أحداً ذهب إلى أن ((أعفوا اللحى)) إذا
كان بمعنى كثُّروها وأوفوها؛ أنه يدخل تحته معالجتُها بما يُنبت الشعرَ
أو يطوِّلُه؛ كما يفعله بعضُ من ينتمي إلى التصوف من المتأخرة، وإن
(١) في الأصل: ((وعلى هذا))، والمثبت من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((ذلك)).
(٣) في الأصل: ((بمعنى))، والمثبت من ((ت)).
(٤) ((ت)): (ولا)).
(٥) زيادة من ((ت)).
٣١٧

كان اللفظ يحتمله على هذا التقدير وكان الصارف عنها أحد وجوه:
منها: قرينةُ السياق في قوله - الصَّها -: ((قص الشارب [وإعفاء
اللحية))، فإنه يُفْهَمُ منه مقابلة القص من الشارب](١) بالإعفاء(٢) في
اللحية، ولا مدخلَ للعلاج في هذا، والسياق يُرشد إلى إيضاح
المبهمات، وتعيين المحتملات.
وثانيها: ما ثبت في ((الصحيح)) من حديث أبي هريرة - ظ﴾ -
قال: قال رسولُ اللهِ وَلَّهِ: ((جزُّوا الشواربَ، وأرخُوا اللِّحى، خالفُوا
المجوسَ))(٣)، والمنقولُ عن المجوس قصُّ اللُّحى.
[و](٤)ذکر الروياني: أنه کان من زيِّ کسری قص اللحی وتوفیر
الشوارب، فندب ◌َّ﴿ أمتَهُ إلى مخالفتهم في الزي والهيئة؛ أو كما قال(٥).
والمخالفة(٦) في القصِّ بترك ذلك، وليس ذلك بسبيل من
المعالجة.
وثالثها: العملُ المستمر من السلف الصالح والناس، ولم يُنقل
أن أحداً من الناس المتقدمين المُقتدى بهم كان يعالج هذا الأمر.
(١) سقط من ((ت)).
(٢) ((ت)): ((والإعفاء)).
(٣) رواه مسلم (٢٦٠)، كتاب: الطهارة، باب: خصال الفطرة.
(٤) سقط من ((ت)).
(٥) انظر: ((بحر المذهب)) للروياني (١ / ٨٢).
(٦) ((ت)): ((فالمخالفة)).
٣١٨

وأمَّا إذا صحَّ حملُ إعفائها على معنى قَصِّها؛ كما قال الشاعر
[من السريع]:
وكَلَّ مِقْرَاضِي فأعفيتُه(١)
فهذا ظاهر في البعد عن معنى المعالجة.
الثامنة عشرة: الأمرُ بإعفائها؛ بمعنى تكثيرها أو تركها، يمنعُ من
نتفها وحلقها؛ كما يفعله من يريد بقاءَ المُرُودة، وتحسينَ الصورة بعدم
اللحية.
وقد استثنى بعضهم إذا نبتت(٢) للمرأة لحية، وقال: إنه يستحب
لها حلقها(٣)، والله أعلم.
التاسعة عشرة: ذكر القاضي عياض: أنَّ الأخذَ من طولها
وعرضها حسن، قال القاضي عياض: ومنهم من كَرِهَ الأخذَ منها إلا
في حج أو عمرة (٤).
وذكر غيره من المتأخرين عنه: أنَّ المختارَ تركُ اللحية على
(١) في الأصل: ((فأوفيته))، والمثبت من ((ت)). وهذا عجز بيت منسوب لأبي
دلف، كما ذكر الراغب في («محاضرات الأدباء)) (٢/ ٣٤٣)، والقزويني
في ((التدوين في أخبار قزوين)) (٤ / ٤٦)، وصدره:
اشتعلَ الشيبُ فأخفيتُه
(٢) ((ت)): ((نبت)).
(٣) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٤٩ - ١٥٠).
(٤) انظر: ((إكمال المعلم)) للقاضي عياض (٢ / ٦٤).
٣١٩

حالها، وأن لا يتعرضَ لها بنقص شيء أصلاً(١).
وهذا يتعلق بالألفاظ التي (٢) رويت في هذا المعنى، واختلف
فيها الرواة على خمسة [أوجه](٣): ((أعفوا))، و((أوفوا))، و((أرخوا))،
و((أرجوا))، و((وفُّرُوا))؛ فأما (أعفوا) إذا كان من (كثروا) فيقتضي تركَ
الأخذ منها، وكذا إن كان من (اتركوا)، وكذا (٤) (أوفوا)؛ أي:
اتركوها وافية، وأما (أرخوا) فيتناول ترك الأخذ من طولها،
ولا تعرض له لعرضها، و(أرجوا) - بالجيم - يقتضي التركَ من كلها؛
لأنه من الإرجاء الذي هو التأخير، وكذلك (وفِّروا).
العشرون: ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي زيد المالكي [قال](٥):
وسئل - يعني: مالكاً - عن طول اللحية إذا طالت(٦) جداً، فكرهه،
قيل: أَفَتَرَى أن يؤخذ منها؟ قال: نعم، انتهى.
وهذا يخالف ظاهر الحديث في الأمر بإعفائها وغير ذلك مما
يقتضي تركها، ولكنه تخصيص بالمعنى؛ لأن المقصود الأصلي بهذه
الخصال تحسينُ الهيئة وتجميلها، ونفيُ ما تُكره رؤيتُه منها، وتَنَفِر
(١) انظر: ((شرح مسلم)) للنووي (٣/ ١٥١). قال النووي رحمه الله في كلام
ساقه: (( .... وذهب بعض العلماء إلى التخيير بين الأمرين، هذا آخر
كلام القاضي)) ثم قال النووي: ((والمختار ترك اللحية على حالها ... )).
قلت: هذا ظاهر في عدم نسبة الإمام النووي الكلامَ إلى القاضي عياض.
(٢) في الأصل: ((الذي))، والمثبت من ((ت)).
(٣) زيادة من ((ت)).
(٤) ((ت)): ((كذلك)).
(٥) زيادة من ((ت)).
(٦) في الأصل: ((طال))، والمثبت من ((ت)).
٣٢٠